 |
|
إسقاط النظام العراقي مكسب لإسرائيل
|
"إننا
نبتهل ونصلي ألا يسمح صدام للمفتشين
الدوليين بالعودة للتفتيش في العراق،
نريد أن يقدم النظام العراقي
المسوغات لإدارة بوش لكي تنفذ
مخططاتها تجاه العراق. هذا ليس سرًّا.
نحن لا نريد العراق بصيغته الحالية"..
بهذه العبارة صرَّح عوزي لانداو -وزير
الأمن الداخلي الإسرائيلي- للإذاعة
الإسرائيلية بعد زيارته مؤخرًا
لواشنطن. ويذهب لانداو إلى حد اعتبار
أن إزالة نظام الرئيس العراقي صدام
حسين ستكون أهم إنجاز إستراتيجي
لإسرائيل في العقود الأخيرة.
وفي
ظلِّ تزايد التوقعات حول ضربة
أمريكية للعراق، يبدو واضحًا الدور
الكبير الذي تلعبه إسرائيل وحلفاؤها
في إدارة بوش في التحريض على العراق.
فهذا هو رئيس الوزراء الإسرائيلي
الأسبق بنيامين نتنياهو يدعو
الإسرائيليين إلى "أن يشكروا الرب"
الذي أوجد إدارة أمريكية بهذه
التركيبة "المريحة جدًّا"
بالنسبة لإسرائيل، وفي معرض حديثه عن
هذه "التركيبة" يشير نتنياهو إلى
الطاقم الذي يشكل الفريق الذي يقود
وزارة الدفاع الأمريكية، ويقول: "للأسف
فإنه في وزارة الدفاع الأمريكية بشكل
خاص، وإدارة الرئيس بوش بشكل عام،
هناك من المسؤولين الأمريكيين من
يبدون حرصًا على تحقيق مصالح إسرائيل
الإستراتيجية أكثر من كثيرين في
وزارتي الدفاع والخارجية
الإسرائيليتين اللتين يسيطر عليهما
حزب العمل"!، ويتباهى نتنياهو
بالقول: إنه كان له ولعدد من قادة
اليمين الإسرائيلي دور بارز في إقناع
أركان الإدارة الأمريكية بتبني الخط
المتشدد تجاه العراق.
ويشير
المحللون الإسرائيليون إلى أن رئيس
الوزراء الإسرائيلي إريل شارون وقادة
أجهزته الأمنية يركِّزون بشكل خاص
على اتصالاتهم مع مسؤوليْن يهودييْن
بارزيْن في وزارة الدفاع يتوليان رسم
السياسة الأمريكية تجاه العراق، وهما
بول وولفويتش نائب وزير الدفاع،
وريتشارد بيريل مدير عام الوزارة
الذي سبق له أن خدم كجندي في الجيش
الإسرائيلي.
التطوع
بتقديم الخطط الميدانية
خلال
الأشهر الثلاثة الأخيرة تواترت
الأنباء التي نقلتها وسائل الإعلام
الإسرائيلية عن أن شارون أصدر
تعليمات واضحة لقادة أجهزته
الاستخبارية للمبادرة؛ لتقديم كل
معلومة من شأنها أن تدعم الجناح في
الإدارة الأمريكية الذي يدعو إلى ضرب
العراق، من هنا فقد كانت الاتصالات
بين المؤسسة السياسية والعسكرية في
إسرائيل والإدارة الأمريكية
انتقائية؛ لذا نجد أن إسرائيل ركزت في
اتصالاتها على طاقم وزارة الدفاع
وقادة الكونجرس الذين يتبنون بشكل
عام موقفا تقليديًّا معاديًّا لنظام
الرئيس العراقي. وقد تعمدت المؤسسة
الإسرائيلية تجاهل وزارة الخارجية
الأمريكية التي يسود فيها الجناح
الذي يدعو للتريث قبل تصعيد الموقف ضد
النظام العراقي.
الدور
الإسرائيلي لم يقتصر على التحريض ضد
العراق، بل إن الأجهزة الاستخبارية
الإسرائيلية تطوعت لتقديم خطط
ميدانية تصلح للإطاحة بالرئيس صدام.
ولعلّ وسائل الإعلام الإسرائيلية
والغربية قد أشارت بشكل خاص إلى أن
شعبة العمليات في كل من جهازي الموساد
والاستخبارات العسكرية (أمان)، قدمت
في شهر تشرين ثان/ نوفمبر 2001م خطة إلى
الأمريكيين لقتل الرئيس صدام، سبق
لإسرائيل أن أعدتها في شتاء العام 1991م،
بعد قصف العراق المدن الإسرائيلية؛
ففي ذلك الوقت أقرت الحكومة
الإسرائيلية برئاسة إسحاق شامير خطة
لقتل الرئيس صدام، قدمها رئيس هيئة
أركان الجيش آنذاك إيهود باراك. وقد
ألغيت الخطة بعد أن حدث خلل فني جاء
بعد أن قتل خمسة من جنود وحدة النخبة
"سييرت متكال" بقذيفة مدفعية،
أُطلقت عليهم بطريقة الخطأ أثناء
التدريب على الخطة في منطقة "تسيئليم"
في صحراء النقب جنوب مدينة "بئر
السبع". وحسب وسائل الإعلام
الإسرائيلية، فقد أقنعت الأجهزة
الاستخبارية الإسرائيلية قادة وكالة
الاستخبارات الأمريكية المركزية
بتبني الخطة، على اعتبار أن تنفيذها
حاليًا سيكون أكثر سهولة عما كانت
عليه الحال في عام 1991م.
أكثر
من ذلك، فإن وسائل الإعلام
الإسرائيلية تشير إلى أن رئيس
الموساد أبراهام هليفي قضى معظم
الأشهر الثلاثة الأخيرة في واشنطن
بتكليف من شارون بأن يخصص معظم وقته
للتنسيق مع الأمريكيين في كل ما يتعلق
بمخططاتهم تجاه العراق.
"كماشة
للإطباق على أعناق العصاة"
بغضّ
النظر عن مدى تحقق أمنية إسرائيل في
قيام واشنطن بالعمل على القضاء على
نظام الرئيس صدام حسين، فإن الحماس
الإسرائيلي لهذه الخطوة يكاد يكون
هستيريًّا في كثير من مظاهره؛ وذلك
لأن دائرة صنع القرار السياسي
والأمني في دولة الاحتلال ترى في
القضاء على نظام صدام حسين إنجازًا
إستراتيجيًّا كبيرًا جدًّا، وتتبدى
ملامح هذا الإنجاز في الجدل
الإسرائيلي فيما يلي:
1-
يتوقع
الإسرائيليون أنه في حال القضاء
على نظام الرئيس صدام فإنه سيصعد
للحكم في العراق نظام تابع
لواشنطن على غرار النظام الأفغاني
الحالي بقيادة حامد كرزاي. ويقول
جدعون عيزرا -نائب وزير الأمن
الداخلي الإسرائيلي-: إنه مما لا
شك فيه أن أي نظام جديد سيحل في
بغداد سيجعل العراق قاعدة سهلة
للعمل ضد كل دولة تتحدى أمريكا،
وتهدد إسرائيل مثل: إيران، وسوريا.
ويذهب
"يهشوع ساغيه" -الرئيس السابق
لجهاز الاستخبارات العسكرية
الإسرائيلية- إلى حد توصيف مهمة واضحة
للنظام الجديد في بغداد؛ حيث يقول:
"مما لا شك فيه أن أي نظام سيحل في
بغداد سيكون بمثابة كماشة بإمكان
أمريكا وإسرائيل من خلفها الإطباق
بها على أعناق الأنظمة التي يمكن أن
تهدد مصالح أمريكا وإسرائيل في
المنطقة". ويذكر ساغيه صراحة كلاًّ
من إيران وسوريا كأهم دولتين ستضرران
من إسقاط النظام الحالي؛ حيث يقول:
"إن التهديدات الأمريكية
والإسرائيلية ضد إيران ستكون أكثر
جدية في حال تولي نظام تصنعه واشنطن
مقاليدَ الحكم".
وحسب
ما يرشح من أروقة المؤسسة الأمنية
الإسرائيلية فإن الإسرائيليين قد
نصحوا بتحويل العراق إلى نقطة انطلاق
للمنظمات المعادية للحكومة
الإيرانية، مثل جماعة "مجاهدي خلق".
وترى المؤسسة الأمنية الإسرائيلية أن
جمع المعلومات الاستخبارية عن إيران
أسهل، وسيكون بإمكان إسرائيل وأمريكا
المحاولة لزرع عملاء لجمع المعلومات
الاستخبارية عن إيران، وعدم الاكتفاء
بالمعلومات التي تنقلها الأقمار
الصناعية والوسائل الإلكترونية
الأخرى التي ثبت أنها لا تكفي في
تكوين تصور عما يجري خلف الحدود.
وحسب
تقرير لمركز الأبحاث التابع لجهاز
الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية،
وتقرير آخر قُدم مؤخرًا للجنة
الفرعية الخاصة بالاستخبارات
التابعة للبرلمان الإسرائيلي، فإن
وضع سوريا بعد إسقاط النظام الحالي في
بغداد سيكون أكثر "بؤسًا"،
وسيكون "فكا لكماشة" أكثر
إيلامًا على دمشق، فستطوق سوريا من
الشرق أيضًا بنظام صنعته أمريكا، ومن
الشمال بتركيا الحليف الإستراتيجي
لإسرائيل وواشنطن. وسيكون المخرج
الوحيد أمام سوريا هو التعاون مع
واشنطن في حربها ضد ما يسمونه بـ"الإرهاب"،
وسيفرض الواقع الجديد على الحكومة
السورية القيام بالخطوات التي بذلت
من أجلها إسرائيل جهودًا مضنية، وعلى
امتداد فترة طويلة، مثل قطع العلاقة
مع "حزب الله"، وطرد التنظيمات
الفلسطينية من دمشق. إلى جانب ذلك
إجبار سوريا على رفع يدها عن لبنان،
على أمل أن يسهم ذلك في تنامي قوة
الأطراف اللبنانية الداعية للتسوية
مع إسرائيل.
2
- يكثر الإسرائيليون من الإشارة إلى
أن ضرب العراق يعني التخلص من قوة
واعدة في العالم العربي؛ حيث إن
النظام العراقي الحالي كان لديه جدول
أعمال يهدف إلى تقليص الفارق في
التفوق النوعي بين إسرائيل والعالم
العربي، لا سيما أن هناك قدرات بشرية
في بغداد يمكن أن تعيد من جديد البنية
التحتية للصناعات العسكرية للعراق،
لا سيما في مجال الأسلحة غير
التقليدية. أما النظام الجديد فإن
تشكيل أولوياته ستكون وفق البوصلة
الأمريكية. وتشير المصادر
الإسرائيلية إلى أن الاستخبارات
الإسرائيلية قد شرعت بالفعل في
اتصالات مع بعض جهات المعارضة
العراقية، على أمل ترتيب العلاقة
معها في حال استتبت لها مقاليد الأمور
في المستقبل.
3
- لا ينفي الإسرائيليون أن إسقاط
النظام العراقي الحالي سيكون ضربة
قوية لمعنويات الجمهور العربي في كل
مكان. ونُقل عن رئيس الموساد أبراهام
هليفي قوله: إن إسقاط النظام العراقي
سيعني ضربة قوية للأيدلوجيات
المعادية لإسرائيل في العالم العربي.
ويعتبر هليفي أن إسقاط نظام بغداد
سيعزز الشعور باليأس في أوساط
الجمهور العربي والفلسطيني بشكل خاص
من إمكانية حسم المواجهة ضد إسرائيل
بالوسائل العسكرية، وبدلاً من ذلك
يتعزز في العالم العربي الطرف الداعي
لإبداء تنازلات من أجل التوصل لتسوية
سياسية مع إسرائيل، فضلاً عن أن وجود
نظام موالٍ للغرب في بغداد سيدعم
التوجه للتطبيع مع إسرائيل، مع كل ما
يعنيه هذا من إمكانية التآكل في جدار
الكراهية المتجذِّر في أوساط العرب
تجاه إسرائيل والحركة الصهيونية.
4-
حرصت إسرائيل دومًا على الاستعداد
لأي مواجهة مع أي طرف عربي، والعراق
كان أحد هذه الأطراف، الاستعدادات
للمواجهة كانت تترجم أيضًا على شكل
تخصيص ميزانية ضخمة لوزارة الدفاع
والجيش وهيئة الصناعات العسكرية التي
أخذت على عاتقها إنتاج أسلحة مضادة
للأسلحة التي ينتجها أو يطورها
العراق، وإزالة العراق من قائمة
الدول المعادية لإسرائيل يعني أيضًا
تقليص ميزانية الدفاع وتوجيهها
للمشاريع الاقتصادية في خضم الأزمة
الاقتصادية التي تعصف بدولة
الاحتلال، كما أن التهديد الذي
سيمثله الجيش السوري سيتقلص بعد
استبدال النظام في بغداد.
اقرأ
أيضًا:
|