 |
|
بوش في الصين
|
فيما
تستمر رياح هجمات 11 سبتمبر الدامية في
دفع العالم نحو منحدر مجهول، اختتم
الرئيس الأمريكي جورج بوش جولته
الآسيوية في 21 فبراير 2002م بزيارة
الصين، بعد أن أنهى محادثاته مع
حلفائه في اليابان وكوريا الجنوبية.
وكان
ضمن أهم أهدافه حشد أكبر تأييد ممكن
لما أسمته واشنطن بالمرحلة الثانية
من الحرب ضد الإرهاب، التي أنجبت مع
قدومها انتقادات حادة ضد النزعة
الانفرادية للقرار الأمريكي، وأثارت
اعتراض معظم دول العالم، بما فيها
أقرب حليفاتها من دول أوروبا الغربية
التي رفضت معاملتها كتابع.
وكان
لوصف بوش لإيران والعراق وكوريا
الشمالية بأنها تمثل "محور الشر"
في العالم خلال إلقائه خطابًا
اتحاديًّا أمام الكونجرس في 28 يناير
2002م - أثر بالغ في توجيه النقد اللاذع
لواشنطن، كما بدا جليًّا في الهجوم
العنيف الذي شنَّه كريس باتن مفوض
العلاقات الخارجية للاتحاد
الأوروبي، واتهم خلاله الإدارة
الأمريكية باتباع منهج متشدد، يتسم
بالسطحية والاستبداد على نحو خطير
تجاه بقية دول العالم.
ورغم
حرص الدول الآسيوية الثلاث التي
زارها بوش على تدعيم علاقاتها
بالولايات المتحدة بما يخدم المصالح
المشتركة معها، فإن حدة المخاطر
المتوقعة للسياسة الأمريكية أحادية
النظرة دفعت الجميع -بما فيهم أقوى
أصدقائها في آسيا- إلى الحذر من إبداء
الاستعداد للمشاركة في توجيه ضربات
عسكرية ضد أي من الدول المسماة
أمريكيًّا بـ"محور الشر".
طوكيــو
وإبان
زيارة الرئيس الأمريكي لليابان -أقوى
حليف لبلاده في شرق آسيا؛ حيث تضم
أكبر مجموعات عسكرية أمريكية
بمنطقتها قوامها 51 ألف جندي، والتي
حرَّكت قواتها البحرية خارج نطاقها
للمرة الأولى منذ انتهاء الحرب
العالمية الثانية؛ لتقدم دعمًا
لوجيستيًّا لحليفتها خلال حملتها في
أفغانستان في أعقاب هجمات 11 سبتمبر-
خرج وزير دفاعها جين ناكاتاني ليقول
بصراحة: "إن مسألة تأييد طوكيو لأي
عملية عسكرية أمريكية ضد العراق أو أي
مكان خارج أفغانستان يتوقف على وجود
أدلة تثبت وجود صلة بأحداث 11 سبتمبر"،
كما أعرب رئيس الوزراء الياباني "جويتشيرو
كويزومي" في المؤتمر الصحفي
المشترك مع بوش عن تطلع حكومته لتطبيع
علاقاتها مع كوريا الشمالية.
وليس
خفيًّا أن اليابان تمثل مصدرًا
مهمًّا للدعم المالي للحملة
الأمريكية ضد ما تسميه واشنطن
بالإرهاب، ولإعادة أعمار أفغانستان؛
وهو ما جعل بوش يضع تركيزًا مكثفًا
على قضية الإصلاح الاقتصادي التي
بدأها كويزومي قبل 9 أشهر، إضافة إلى
طموحات أمريكية أخرى لن تتحقق بغير
شفاء الاقتصاد الياباني من الآفات
التي يعاني منها منذ ما يقرب من 10
سنوات.
وطوكيو
تسعى للعب دور دولي يوازي مكانتها
كصاحبة ثاني أكبر اقتصاد في العالم؛
وهو ما لا تمانعه الولايات المتحدة،
وتعينها على زيادة قدراتها العسكرية
لتدعم تحالفها العسكري الإستراتيجي
معها؛ حيث إن ذلك سيحمى مصالحها في
الإقليم الآسيوي.
ســول
والعلاقات
الأمريكية مع كوريا الجنوبية -التي
تستضيف فوق أراضيها 37 ألف جندي أمريكي-
قد شهدت توترًا ملحوظًا بقدوم الرئيس
بوش إلى سدة الحكم على خلفية مواقفه
المتشددة تجاه كوريا الشمالية، التي
تختلف مع السياسة التي تنتهجها سول في
التعامل مع بيونج يانج، المسماة "الشمس
الساطعة" سعيًا إلى الاندماج معها.
وقد
تزايد التوتر بعد وصف بوش لكوريا
الجنوبية بأنها ضمن "محور الشر"
إلى جانب العراق وإيران، وحاولت
كوريا الجنوبية حثَّ جارتها الشيوعية
على استئناف الحوار مع واشنطن.
بكيــن
والصين
التي تحسَّنت علاقاتها المتوترة مع
أمريكا بعد تأييدها لحملتها ضد تنظيم
القاعدة وحركة طالبان في أفغانستان،
أعلنت على لسان رئيسها "جيانج
زيمين" أنها سوف تستمر في دعمها
للحرب الأمريكية ضد ما تطلق عليه "الإرهاب"،
على أن تظل محصورة داخل أفغانستان.
ولم
ينجح بوش في التوصل معها إلى اتفاق
بشأن انتشار تكنولوجيا الأسلحة، ولا
تزال واشنطن تتهم بكين بأنها تنقل
تكنولوجيًّا الأسلحة إلى إيران
وكوريا الشمالية.
وفي
إطار سعيها لتحسين علاقتها بالولايات
المتحدة غضت الصين النظر عن حادثة وضع
27 جهاز تجسس في طائرة الرئيس الصيني
المصنوعة في أمريكا، التي اكتشفت في
أغسطس 2001م، وصبَّت جل اهتمامها على
العلاقات التجارية بين البلدين؛ حيث
تُعَدّ أمريكا ثاني أكبر شريك تجارة
لها بعد اليابان.
وتعبِّر
تصريحات كبار قادة جيش التحرير
الشعبي الصيني عن رفضهم القاطع
لمحاولات الولايات المتحدة لفرض
سيطرتها على العالم تحت دعوى مكافحة
الإرهاب، ومن المعروف أن لجيش
التحرير نفوذًا بالغًا على صنع
القرار الصيني.
التهديـد
الإسلامي
وبينما
تعرب واشنطن عن رغبتها في مواصلة
الحوار مع كوريا الشمالية، وترفض
الثانية ذلك بعد وصفها بأنها ضمن "محور
الشر"، ويصرِّح المتحدث الرسمي
باسم خارجيتها: "يبدو أن بوش أصابه
مس من الجنون، إنه يعلن الحرب علينا،
ويحاول احتلالنا!" - لا تبدي إيران
ولا العراق نفس القدر من التحدي
والمواجهة مع الولايات المتحدة؛ فقد
سعت إيران إلى مساندة أمريكا في
حملتها داخل أفغانستان، وتوقفت الخطب
المعادية لها بالمساجد الإيرانية
للمرة الأولى منذ قيام الثورة
الإسلامية بها عام 1979م؛ "تعاطفًا
مع ضحايا أحداث 11 سبتمبر"، وسعى
الرئيس الإيراني الإصلاحي "محمد
خاتمي" إلى بذل جهود؛ لتحسين علاقة
بلاده بالغرب، وعبر صدام حسين عن
استعداده للتفاوض مع الأمم المتحدة
بشأن عودة المفتشين الدوليين إلى
العراق.
غير
أن أمريكا تبدي إصرارًا واضحًا على
توجيه ضربات عسكرية لكلا البلدين
الإسلاميين، في مقابل استبعاد ذلك
الخيار مع كوريا الشمالية التي تشكل
تهديدًا كبيرًا على مصالحها في شرق
آسيا!!
ويرى
بعض المحللين السياسيين أن المصلحة
المشتركة لكل من أمريكا وإسرائيل هي
الدافع الرئيسي إلى ضرب كلا
النظامين، وليس مصادفة أن نجد
جنرالاً إسرائيليًّا بالاحتياط -وهو
سلومو بروم الذي عمل قائدًا سابقًا
لوحدة التخطيط الإستراتيجي بالجيش
الإسرائيلي- يروج للأفكار
الإسرائيلية في سول خلال زيارة بوش
لها، ويزعم في حديث له بصحيفة "جونجانج
إيلبو" الكورية الجنوبية أن إيران
أجرت بالفعل تجارب إطلاق صواريخ "رودونج"
متوسطة المدى استوردتها من كوريا
الشمالية، وأن إيران ستكون قادرة على
استهداف إسرائيل بهذه الصواريخ خلال
عامين، وحذَّر من تصدير بيونج يانج
للصواريخ متوسطة المدى لدول "الشرق
الأوسط".
اقرأ
أيضًا:
*صحفي
بجريدة "الشرق الأوسط"
|