|
مسألة
إعلان الدولة الفلسطينية تطرح نفسها
بقوة من وقت لآخر، وبخاصة عندما تصل
عملية التسوية إلى طريق مسدود؛
فالبعض يرى أن ورقة إعلان الدولة هي
الأكثر قوة للضغط على الجانب
الإسرائيلي، إلا أن البعض الآخر يرى
أن الأوضاع الراهنة لا تشجع على اتخاذ
هذه الخطوة.. ما التوقيت المناسب
لإعلان الدولة الفلسطينية؟ وما ردود
الفعل العربية والإسلامية والدولية
المتوقعة في هذا الشأن؟ وما تأثير ذلك
على الأمن القومي العربي؟ وموقف
إسرائيل في حالة إعلانها من جانب
واحد؟ وهل هناك إستراتيجيات وخطوات
معينة يجب أن تسبق عملية الإعلان؟
"إسلام
أون لاين.نت" استطلعت آراء مجموعة
من الخبراء الذين تنوعت إجاباتهم
بهذا الصدد، وهم:
-
د. محمد إسماعيل علي؛ الكاتب الصحفي،
وأستاذ القانون الدولي.
-
السفير أحمد توفيق خليل؛ مندوب مصر في
الأمم المتحدة السابق.
-
اللواء طلعت مسلم؛ خبير عسكري، ورئيس
تحرير جريدة "الشعب" المصرية.
-
السفير طه الفرنواني؛ رئيس اللجنة
المصرية العليا لشؤون فلسطين السابق.
الوقت
غير مناسب
د.
محمد إسماعيل علي أكَّد بحسم أن الوقت
الراهن ليس مناسبًا تمامًا لإعلان
الدولة الفلسطينية، وأرجع ذلك لعدة
أسباب:
-
الأوضاع الدولية الراهنة عقب أحداث 11
سبتمبر، وما ترتب عليها من قيادة
الولايات المتحدة لحملة دولية على
الإرهاب، واستغلال إسرائيل لهذه
الحملة في تحقيق أهدافها.
-
هذه الدولة لن تحظى بموافقة وتأييد
عدد من الدول العربية التي أصبحت أكثر
ارتباطًا بالولايات المتحدة.
-
تعنت حكومة إريل شارون –رئيس الوزراء
الإسرائيلي– ومعارضتها الكاملة
لإعلان الدولة الفلسطينية.
ويرى
د. محمد أن هناك حالة واحدة يمكن أن
توافق فيها حكومة شارون على إعلان
الدولة الفلسطينية، وهي أن تكون دولة
غير كاملة السيادة، ومنزوعة السلاح؛
وذلك لأن إسرائيل –عبر حكوماتها
المتعاقبة– تحاول إقناع العالم بأن
قيام الدولة الفلسطينية سيكون لهدف
واحد وهو محاربة إسرائيل، وهي مخاوف
ليس لها أساس، فلا يمكن أن تكون
الدولة الفلسطينية منزوعة السلاح
مجرد مصدر تهديد لإسرائيل التي تمتلك
ترسانة من الأسلحة، هي الكبرى في "الشرق
الأوسط".
ويستبعد
د. محمد التوصل إلى تسوية بين
الفلسطينيين والإسرائيليين في ظلِّ
رئاسة شارون للحكومة الإسرائيلية؛
لأنه يرى أن أمن وسلام إسرائيل لن
يتحقق إلا بقوة السلاح والقهر
والظلم، أما المفاوضات فهي إضاعة
للوقت في إطار سياسة التسويف
والمماطلة الإسرائيلية؛ لإطالة عمر
حكومة شارون.
وعن
التوقيت الملائم لإعلان الدولة
الفلسطينية، يرى د. محمد أن هذه
الظروف يجب أن تكون ملائمة على
المستويين الدولي والعربي، فلا بد من
تأييد دولي وعربي لهذه الخطوة قبل
الإقدام عليها، وأن اتفاق الأطراف
المعنية وموافقة الولايات المتحدة –التي
لها القدرة على إقناع إسرائيل– هي
السبيل الوحيد لإيجاد الظروف
المناسبة والمواتية لإعلان الدولة
الفلسطينية، وبخاصة عقب إعلان الرئيس
الأمريكي جورج بوش –خلال الحرب على
أفغانستان– عن رغبته في إقامة دولتين:
إسرائيلية وفلسطينية، يعيشان جنبًا
إلى جنب، وتعترف كل منهما بالأخرى.
التمهيد
للإعلان
السفير
أحمد توفيق خليل يؤكد أن الهدف المعلن
للحكومات العربية والإسلامية –مع
تفاوت قوة التأييد– هو إعلان الدولة
الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس،
إلا أنه لا يرى بادرة أمل لتحقيق ذلك
في الوقت الراهن، في ظل سياسة
الاغتيالات والتصفية الجسدية التي
ينتهجها شارون، والسلبية العربية،
والانحياز الأمريكي الواضح للعدوان
الإسرائيلي على المدنيين
الفلسطينيين.
ويرى
أن هناك عدة خطوات يجب أن تسبق إعلان
الدولة الفلسطينية، وهي:
-
تجاوز مرحلة الشعارات، سواء على
مستوى القيادات والفصائل الفلسطينية
أو على مستوى الحكومات العربية،
وبخاصة أن هذه الشعارات ينكرها
الواقع نكرانًا شديدًا.
-
التأكيد على أهمية المقاومة ودور
منظمات المجتمع المدني الفلسطينية
والعربية في إنهاء الاحتلال، وفرض
لغة القوة في التعامل مع حكومات
إسرائيلية متعاقبة لا تؤمن إلا بلغة
الحرب.
-
تخلي الحكومات العربية والإسلامية عن
سياسة الشجب والإدانة للجرائم
الإسرائيلية المتواصلة ضد الشعب
الفلسطيني الأعزل.
-
ترجمة بيانات وتوصيات الجامعة
العربية، ومجلس التعاون الخليجي،
ومنظمة المؤتمر الإسلامي إلى قرارات
عملية وواقعية ضد الاحتلال
الإسرائيلي ومصالح الدول التي تسانده.
-
شنّ حملة دولية للضغط على إسرائيل من
أجل إجبارها على وقف العدوان والعودة
إلى حدود 1967م، ووقف الانتهاكات
والمذابح وسياسة التصفية الجسدية
الإسرائيلية وانتهاكات حقوق الإنسان
الفلسطيني.
ويؤكد
السفير أحمد توفيق أن العالم العربي
الآن في حاجة إلى مواجهة مع النفس
والحقيقة، فهل الحكومات العربية
قادرة على تحمل تبعات إعلان الدولة
الفلسطينية؟ وهل هي قادرة على التخلي
عن موقف المتفرج على الشهداء الذين
يتساقطون يوميًّا في الأراضي
المحتلة، والدخول في مرحلة الضغط
الفعلي على إسرائيل؟
إعلان
كاشف وليس منشئًا
السفير
طه الفرنواني يرى أن الدولة
الفلسطينية معلنة بالفعل منذ عام 1988م
في الجزائر، واعترف بها في ذلك
الوقت عدد من الدول يفوق عدد الدول
التي تعترف بإسرائيل، موضحًا أن هذا
الإعلان كان كاشفًا وليس منشئًا؛ حيث
إن الدولة الفلسطينية قائمة بالفعل
منذ انتهاء ما أسماه "الاحتلال
التركي" لفلسطين، وإعلان الانتداب
البريطاني عليها.
ويتهم
السفير الفرنواني إسرائيل والولايات
المتحدة بجرِّ الرئيس الفلسطيني ياسر
عرفات إلى ما يشبه "المتاهة"؛
ففي الوقت الذي يرفضان فيه الاعتراف
بدولته، يجريان معه المفاوضات
ويوقعان الاتفاقيات، مؤكدًا أن شارون
كمحتل ودموي لن يوافق على إنهاء
احتلاله للأراضي الفلسطينية طوعًا،
في ظل تشجيع وموافقة أمريكية.
ويتساءل:
لماذا لا تعترف أمريكا -وبالتبعية
إسرائيل– بالدولة الفلسطينية، رغم
أنها عضو في الأمم المتحدة وجامعة
الدول العربية ومنظمة المؤتمر
الإسلامي؟!
ويرى
السفير الفرنواني أن السبيل الوحيد
لإنهاء الاحتلال الإسرائيلي وإعلان
الدولة هو المقاومة الصلبة والقوية
والمشروعة من أجل استعادة الأراضي
والحقوق، طبقًا للشرعية الدولية
وقرارات الأمم المتحدة، داعيًا عرفات
إلى التمسك بالدولة كأرض وشعب وسيادة
في مواجهة المواقف الإسرائيلية
والأمريكية المتعنتة والرافضة لخروج
الدولة الفلسطينية إلى النور.
المهم
بناء أركان الدولة
اللواء
طلعت مسلم يتبنى وجهة نظر مختلفة،
مؤكدًا أنه ليس مهمًّا إعلان قيام
الدولة الفلسطينية، ولكن الأهم هو
إقامة أركان هذه الدولة، فقد تم
إعلانها من قبل، موضحًا أن التساؤل
الذي يطرح نفسه هو: هل السلطة
الفلسطينية قادرة على القيام بمهامها
في ظل الإعلان مجددًا عن قيام دولتهم
المستقلة؟
ويجيب:
الوضع في غاية الصعوبة، والإعلان –دون
إعداد مسبق– قد يكون مجرد إجراء
انفعالي، يفرز دولة دون مضمون وغير
قادرة على النهوض بالتزاماتها. ويشير
إلى عدة معوقات وعراقيل أمام إعلام
الدولة الفلسطينية، أهمها:
-
المقاومة الإسرائيلية والأمريكية
لهذه الخطوة، رغم تأييد معظم دول
العالم، وخاصة العالمين العربي
والإسلامي.
-
عدم الاستعداد اللازم لإعلان الدولة،
وعدم استقلالية القرار الفلسطيني في
هذا الشأن، وبخاصة فيما يتعلق بكونها
مسألة عربية وإسلامية، وليست فقط
قضية فلسطينية.
-
عدم قابلية التنفيذ لمهام هذه الدولة
على أرض الواقع؛ فكيف تكون هناك دولة
فلسطينية مستقلة، وإسرائيل تفرض
الإقامة الجبرية على رئيسها في رام
الله، وتضرب بنيتها الأمنية
والأساسية؟!
-
التفكك العربي الواضح في الوقت
الحالي، وهو ما يطرح المزيد من الشكوك
حول مدى دعم وتأييد الحكومات العربية
لإعلان الدولة الفلسطينية.
ويؤكد
اللواء طلعت أن إعلان الدولة
الفلسطينية قضية أمن قومي عربي، ولا
يمكن للسلطة الفلسطينية أن تأخذ
قرارًا منفردًا في هذا الشأن، خوفًا
من تأثيرها على الأمن القومي العربي،
وهو ما يتطلب وجود تنسيق عربي فلسطيني
قبل إعلان الدولة.
ويتوقع
اللواء طلعت أن تؤيد الدول العربية
والإسلامية الدولة الفلسطينية في
حالة إعلانها، وخاصة مصر، والأردن،
وسوريا، ولبنان، وإيران، ويرى أن
دولاً أخرى ستؤيد على استحياء، ولن
تكون هناك معارضة إسلامية لهذه
الخطوة.
وعلى
المستوى الدولي، يتوقع اللواء طلعت
مسلم ارتباط التأييد الأوروبي بموقف
الولايات المتحدة، التي يرتبط موقفها
–أساسًا– بالموقف الإسرائيلي
الرافض لإعلان الدولة الفلسطينية
المستقلة، مشيرًا إلى أن موقف الدول
الأخرى لن يخرج عن دائرة التعاطف مع
الدول الفلسطينية المعلنة.
وينصح
اللواء طلعت مسلم بضرورة الحصول على
أكبر دعم وتأييد عربي وإسلامي ودولي
قبل الإقدام على خطوة إعلان الدولة
الفلسطينية، فضلاً على التأكيد على
عدد من الثوابت، أهمها لَمّ الشمل
الفلسطيني، والتمسك بحق العودة
للاجئين والنازحين الفلسطينيين،
وعدم التفريط في الأماكن المقدسة.
تأثير
الإعلان على الأمن القومي العربي
وعن
تأثير إعلان الدولة الفلسطينية على
الأمن القومي العربي، أوضح اللواء
طلعت مسلم، أن هذا التأثير يمكن أن
يكون إيجابيًّا أو سلبيًّا على النحو
التالي:
-
إذا تم إعلان الدولة الفلسطينية
كدولة حقيقية ذات سيادة وشرعية دولية
كاملة، فإن ذلك سيدعم الأمن القومي
العربي، من خلال إضافة دولة قوية
تساهم في تحقيق هذا الأمن.
-
أما إذا كان هذا الإعلان عن دولة
خالية المضمون، وليست ذات سيادة،
فإنه سينعكس سلبيًّا على الأمن
القومي العربي، وبخاصة في ظل حسابات
أمنية خاطئة على دولة غير قادرة على
أداء مهامها.
تحديات
إعلان الدولة
أما
التحديات التي ستواجه الدولة
الفلسطينية فور إعلانها، فقد عددها
اللواء طلعت مسلم فيما يلي:
-
التحدي السيادي: وهو قدرة
الدولة الفلسطينية على ممارسة
سلطاتها ودورها السيادي، خاصة أن
إسرائيل –بالتعاون مع أمريكا– لن
تعطيها هذه الفرصة.
-
التحدي الأمني: ويقصد به مدى
مقدرة الدولة الوليدة على تحقيق
الأمن لشعبها، دون مساعدة خارجية، في
ظل تهديدات مستمرة من دولة الاحتلال.
-
تحدي التنمية: ويشمل التنمية
بمختلف صورها.. الاقتصادية،
والتعليمية، والصحية، والسكانية،
والتجارية، والاجتماعية، وهل الدولة
الفلسطينية قادرة على تحقيق معدل
معتدل للتنمية لسكانها؟!
ويرى
اللواء طلعت مسلم أن الدولة
الفلسطينية قادرة على الاستمرار في
حالة إعلانها، وبخاصة في ظلّ مساعدة
ودعم عربي ودولي، وفي كل الحالات فإن
قدرتها على ممارسة دورها ووظيفتها هو
مقياس استمرارها.
اقرأ
أيضاً:
|