 |
|
بيونغيانغ
لن تعامَل مثل بغداد أو طهران |
وضعت
الولايات المتحدة بيونغيانغ
الشيوعية (عاصمة الكوريين الشماليين)
في قائمتها للدول الراعية للإرهاب
منذ عام 1988، بعد سلسلة من الأعمال "الإرهابية"
ضد الكوريين الجنوبيين من حلفائها.
وعلى الرغم من أن بيونغيانغ تمثل آخر
جبهات الحرب الباردة منذ حرب 1950-1953
بين الكوريتين، ومع أنها محاصرة
فإنها لم تُضرب بعد.. فهل ستظل كذلك،
باتباع واشنطن أسلوب الحوار معها دون
استهدافها عسكريا؟
لم
يتم التركيز في الخطابين (الإعلامي
والرسمي) الأمريكيين على كوريا
الشمالية خلال الشهور التي مضت من
الحملة الأمريكية لمكافحة الإرهاب؛
وكانت تُذكر عرضًا ضمن قوائم الدول
التي تتهمها واشنطن برعاية الإرهاب.
ومع أن الكثير قد قيل عن استهداف
أمريكا لإيران والعراق والصومال، فإن
تسليط الضوء على آخر دولة ستالينية في
العالم لم يبرز إلا إثر إطلاق الرئيس
الأمريكي بوش مفهومه لـ"محور الشر"
يوم 29-1-2002، وتكرار حديثه عنه في 4
مناسبات على الأقل في الأسبوعين
الماضيين. ومن اللافت أنه ذكر كوريا
الشمالية قبل ذكره العراق وإيران؛ فقال
عنها: "إنها نظام متسلح
بالصواريخ وأسلحة الدمار الشامل فيما
يجوع شعبه!".
الخطاب
الأمريكي.. تهديد أم ترغيب؟
ومن
أكثر خطابات المسؤولين الأمريكيين
تعرضا للجدل في كوريا الجنوبية
واليابان وحتى الصين بخصوص حملة
الإرهاب هو ما يخص كوريا الشمالية؛
فهل غيّرت الولايات المتحدة من
سياستها تجاه بيونغيانغ نهائيا؟ أم
ما تزال راغبة في الحوار معها واتباع
سياسية الترويض البطيء؟ ولعل من
اللافت للانتباه أن بوش ظل لأكثر من
عام -منذ وصوله للبيت الأبيض- وكأنه
يبحث عن تعبير مختصر لموقفه من كوريا
الشمالية ليخرج على العالم بكلمتين
هما "محور الشر".
ويعتقد
محللون في سيول (عاصمة الكوريين
الجنوبيين) بأن لغة التهديد من قبل
بوش تُعد تعبيرا عن الرغبة في الحوار
مع بيونغيانغ حول مخاوف واشنطن التي
يمكن تجميعها في 3 نقاط؛ هي بحد
ذاتها شروط أمريكية قبل رفع الحصار
الاقتصادي المفروض على بيونغيانغ
التي في المقابل تصر على لزوم الفصل
بين القضايا:
أولاً:
إنتاجها لأسلحة الدمار الشامل:
حيث
تطالب واشنطن بخفض إنتاج كوريا
الشمالية على الأقل في البداية. وحسب
تقدير الكوريين الجنوبيين فلديها
تسلح نووي، كما تمتلك 2500-5000 طن من
الأسلحة البيولوجية والكيماوية،
وصواريخ يصل مداها إلى جميع مناطق
كوريا الجنوبية. وتقول واشنطن بأن
لديها من الأدلة ما يجعلها تضم
بيونغيانغ لـ"محور الشر"، حتى إن
الأدميرال دينيس بلير (رئيس القيادة
الأمريكية في المحيط الهادي) قال (يوم
6-2) بأنه "ليس هناك دولة في المحيط
الهادي ترعى الإرهاب، لكن كوريا
الشمالية حالة خاصة".
والرئيس
الشمالي "كيم جونغ-إل" أبقى
قواته في حالة تأهب مستمرة منذ أحداث
سبتمبر 2001، متهما واشنطن بالسعي
للسيطرة الكاملة على العالم. وكانت
اتفاقية قد وُقعت في جنيف في 1994 حددت
وقف الشماليين لبرنامجهم النووي
مقابل تشييد واشنطن وطوكيو وسيول
لمفاعليْن نوويْن مائييْن (سلميين
يصعب استخدامهما عسكريا لها). كما
عرضت منظمة تنمية الطاقة لشبه
الجزيرة الكورية (الجنوبية) على
بيونغيانغ- للهدف نفسه- تعويضها بنصف
مليون طن من الوقود سنويا، غير أن
إدارة بوش الحالية قد تزيد على ذلك
بمطالبة التفتيش الكامل والمسبق في
مرحلة مبكرة. وقد تؤخر تنفيذ فكرة
المشروع الذي كان من المقرر أن يتم مع
حلول عام 2003، لكن جدول أعمال تشييده
قد تأخر.
يُذكر
أن أول فريق للوكالة الدولية للطاقة
النووية قد زار منشآت نووية كورية
شمالية في 15-1-2002 بعد 7 سنوات من انسحاب
بيونغيانغ من عضوية الوكالة التي
تقول بأنها تحتاج إلى مراقبة تدوم 3
سنوات حتى تعلن أنها قد فتشت جميع
برنامجها.
ثانياً:
تصدير الأسلحة والتقنية لدول عربية
وإسلامية:
وهو
ما يهم واشنطن أكثر من مجرد امتلاك
بيونغيانغ لهذه الأسلحة؛ فهي تستهدف -في
الدرجة الأولى- قطع الطريق أمام
استفادة هذه الدول من مصانع
بيونغيانغ؛ واعتبرت ذلك ضمن
أولوياتها في مرحلة ما بعد أفغانستان.
ويأتي
في هذا السياق القلق الأمريكي من
تعاون نووي باكستاني-كوري شمالي؛ كما
أشار خبير عسكري جنوبي (25-11-2001) إلى
اتفاق عسكري بين القاهرة وبيونغيانغ
تحصل بمقتضاه مصر على صواريخ متوسطة
المدى (1000كم) والتقنية الخاصة
بتطويرها. وكذلك ذكرت وكالة
الاستخبارات الأمريكية –في تقرير
لها للكونغرس نشر في فبراير2000- بيع
بيونغيانغ 250 صاروخا لدول "الشرق
الأوسط" خلال الحرب العراقية
الإيرانية. كما زاد على ذلك وزير
الخارجية الإسرائيلي شمعون بيريز
باتهامه (31-1-2002) كلا من طهران
وبيونغيانغ بالعمل معا في تطوير
صواريخ طويلة المدى تستهدف الولايات
المتحدة.
ثالثًا:
سحب القوات من الحدود مع كوريا
الجنوبية:
وهو
شرط أمريكي قد يطالب به بوش قبل بدء
الحوار. غير أن بيونغيانغ من جانبها
ترى أن خطاب بوش حول "محور الشر"
و"حملة الإرهاب" تبرير لإطالة
أمد الوجود الجيش الأمريكي في
الجنوب، واستمرار لسياستي العداء
والحصار ضدها. وهذا ما يجعلها ترفض
سحب قواتها التي يقدر مجموعها بمليون
جندي و60 ألفا من القوات البحرية و110
آلاف من القوات الجوية (حسب تقرير
المعلومات العسكرية الكورية
الجنوبية الصادر يوم 31-12-2001).
وترى
واشنطن في ذلك التوتر على جانبي
الحدود الكورية خطرا على استقرار
منطقة شرق آسيا بالدرجة الأولى، بل إن
بوش قد يتبنى مقترحا -قُدم له مؤخرا-
يتضمن ربط استئناف المفاوضات بتقليل
حجم القوات الشمالية. كما يدفع هذا
الساسة الجنوبيين -على اختلاف
توجهاتهم الحزبية- للاعتماد على
إبقاء القوات الأمريكية في بلادهم (37
ألفا منهم بشكل دائم) كإحدى دعائم
أمنهم بعد موافقتهم على رفع إنفاقهم
على هذه القوات هذا العام بنسبة 10.4% (نسبة
الزيادة السنوية السابقة كانت 6%)
لتبلغ 490 مليون دولار.
وقد
ارتفع حجم القوات الجنوبية من 600 ألف
عام 1988 إلى 700 ألف حاليا؛ وارتفعت
الميزانية الدفاعية الخاصة بهم إلى 12
مليار دولار في السنة المالية
الحالية، كما ستحصل سيول في آخر
صفقاتها على صواريخ أمريكية يصل
مداها إلى معظم الأراضي الشمالية (300كم)
بحلول عام 2004.
سنعود
للحوار والجزرة
يؤكد
مسؤولون في سيول أن الأمريكان لم
يغيروا سياستهم المبدئية حول
بيونغيانغ بسبب حملة الإرهاب؛ فبعد
أقل من 24 ساعة من كلام بوش عن محور
الشر، كشف مسؤول جنوبي عن حدوث
اتصالات سرية غير رسمية بين
بيونغيانغ حول نقاط الخلاف بعد
انقطاعها منذ بداية عام2001. ومن هنا
وصف البعض الخطاب الأمريكي بأنه "تخويف
على طاولة المفاوضات".
فـ"كولن
باول" أكد يوم (3-2-2002) لنظيره الكوري
الجنوبي أن بلاده مستعدة للحوار مع
الشماليين في أي مكان وأي وقت، وبدون
أي شروط مسبقة، معبرا عن تجديد دعم
بلاده لسياسية الجنوبيين في التقارب
المتدرج مع الشماليين؛ وقال بأن ضم
بيونغيانغ لمحور الشر في حديث بوش "استهدف
التعبير عن قلق المجتمع الدولي بشأن
الإرهاب، ولم يكن لاستهداف كوريا
الشمالية"، مؤكدا أن بلاده لا تخطط
حاليا لمهاجمة كوريا الشمالية.
وقد
أكد الكثير من المسؤولين الجنوبيين
والأمريكيين أن الحوار هو القاعدة
الأساسية لتعامل واشنطن مع كوريا
الشمالية، مشيرين إلى أن ذلك سيؤكد
خلال زيارة الرئيس بوش إلى سيول في
يومي 19 و20 من فبراير 2002 الجاري، التي
قال مسؤولون جنوبيون بأنها ستشهد "تقديم
الجزرة" للشماليين، خاصة أن بوش
أكد في 1-2-2002 أنه مستعد للحوار مع
الشماليين لو أوقفوا تصديرهم
لأسلحتهم، وسحبوا بعض الأسلحة
الثقيلة من حدودهم مع الجنوب.
وقد
أكد السفير الأمريكي لدى سيول إثر
حديث بوش عن محور الشر يوم 31-1-2002- أن
بلاده "لا تزال راغبة في حوار
براجماتي ومباشر مع كوريا الشمالية"،
غير أن الشماليين يؤكدون أن التقارب
بين الشمال والجنوب يجب أن يظل بعيدا
عن التدخل الأمريكي، ودون الحديث عن
"الإرهاب".
بيونغيانغ..
شيوعية لا إسلامية!!
لقد
نظر بعض المحللين الآسيويين إلى
القضية بمجرد نقد فكرة المحور،
مشيرين إلى أن ذلك يتنافى مع الواقع؛
فليس هناك تحالف بين بيونغيانغ
وبغداد وطهران، وكل منهم يختلف عن
الآخر من نواحٍ سياسية كثيرة،
بالإضافة إلى اختلاف طبيعة تاريخ
علاقتها بالولايات المتحدة ودول جوار
كل منها. هذا مع أن بيونغيانغ كانت
أقرب إلى إيران خلال حربها مع العراق،
والأكثر من ذلك أن محللا غربيا يدعى
إيدان فوستر-كارتر قال بأن بيونغيانغ
قد فتحت قنوات اتصالية مع الكويت في
العام الماضي.
ويتساءل
الكثيرون عن سبب تغيير وجهة الخطاب
الأمريكي بعد أشهر من الحديث عن "بعبع
القاعدة" ليتحول الخطاب عن 3 دول
مختلفة تماما؟.. هنا تطرح أجوبة
كثيرة أبرزها: تحويل أنظار الشارع
الأمريكي إلى أعداء جدد يبررون موقف
حكومة بوش وإنفاقها العسكري، ويبررون
الحضور العسكري الأمريكي بالقرب من
الدول الثلاث بما في ذلك حضورها في
كوريا الجنوبية الذي يجعلها قريبة من
مراقبة الصين، التي إن لم تقدم على
عمل عدائي للولايات المتحدة فستظل
منافسة بارزة لها.
وقد
لوحظ ظهور أصوات أمريكية انتقدت
مساواة بوش بين كوريا الشمالية
والعراق وإيران، محاولين تبرئة
بيونغيانغ من تهم الإرهاب التي
يتهمون بها حكومتي طهران وبغداد! ومن
آخر هذه التعليقات ما جاء على لسان
ويندي شيرمان- منسقة سياسية في إدارة
بوش- تجاه بيونغيانغ التي قالت في
تصريح لها يوم 10-2-2002: "هناك
الكثير مما قاله الرئيس بوش صحيح؛
فكوريا الشمالية تشكل خطرا على
جيرانها والعالم، وأنها تصدر
صواريخها لكثير من الدول التي لا نريد
أن تمتلكها، ومن المحتمل أنها تمتلك
أسلحة بيولوجية وكيماوية.. لكن كوريا
الشمالية ليست كإيران وليست كالعراق؛
فهي بلد تحدث فيه أشياء سيئة، لكنهم
توصلوا إلى اتفاق تفاوضي معنا، ولقد
التزموا مبدئيا به!".
وأضاف
خبير أمريكي آخر بهذا الشأن: "ليس
هناك سبب يدعونا للتوقف عن التفاوض مع
نظام بيونغيانغ التي أظهرت إرادة
للالتزام بالاتفاقيات الدولية،
خلافا لما عليه حال العراق وإيران!"
إشارة إلى توقيع بيونغيانغ على
اتفاقيتين دولتين لمكافحة الإرهاب
منذ أحداث سبتمبر 2001. ويحذر آخر من أن
لغة التهديد الأمريكية قد تدفع
بيونغيانغ للاقتراب من الصين،
ويتساءل: هل هذا في مصلحة واشنطن؟
ويقول مسؤول كوري جنوبي: "إذا
كانت إدارة بوش تعتقد أن بمقدورها
التعامل مع بيونغيانغ ضمن حملتها على
الإرهاب فهذا خطأ جسيم؛ لأن كوريا
الشمالية ليست كأي بلد عربي أو مسلم
في الشرق الأوسط!".
اقرأ
أيضًا:
|