بريدك الالكتروني


English

 
 

اسألوا أهل الذكر

|

معًا نربي أبناءنا

|

الحج والعمرة

|

الزكاة

|

صحية

|

دعوية

|

إيمانية

|

شبابية

استشارات:

 

في الموقع أيضًا:

المنطقة العربية

إستراتيجيات |القضية الفلسطينية | المنطقة العربية | بقية العالم الإسلامي | آسيا | أوروبا وأمريكا الشمالية وأستراليا | إفريقيا | شئون عالمية | رواق الأفكار | مساهمات الزائرين


تونس.. النظام غير متحمس لممارسة السياسة

12/02/2002م

د. خالد شوكات

توقع المحلِّلون في بداية فبراير 2002م حصول انفراج سياسي بين السلطة والمعارضة في تونس، بعد أن أُطلق سراح الدكتور "محمد مواعدة" رئيس حركة الديمقراطيين الاشتراكيين، عقب سبعة أشهر قضاها في سجن "9 أبريل" المركزي بتونس العاصمة؛ بسبب تصريحات صحفية أدلى بها إلى بعض وسائل الإعلام الدولية.

غير أن هذا الأمل لم يَدُم سوى يوم واحد، حيث أقدمت قوات الأمن في اليوم التالي لإطلاق "مواعدة" على مهاجمة تجمع ضم عددًا من نواب البرلمان الأوروبي ومراسلي وسائل إعلام عالمية وممثلين عن منظمات حقوقية، واستعمال العنف لاعتقال "حمة الهمامي" -زعيم حزب العمال الشيوعي التونسي-، الذي جاء لتسليم نفسه طواعية للسلطات بعد أربع سنوات من الاختفاء، وقد اقتيد الهمامي إلى مكان آخر، وثبت عليه حكم غيابي بتسع سنوات سجنًا.

واعتبر محللون اعتقال الهمامي خطوة غير موفقة بكل المقاييس؛ للاعتبارات التالية:

1 - لم تفسح المجال للنظام التونسي لاستثمار إفراجه عن محمد مواعدة، الذي كانت أطراف عديدة في الداخل والخارج قد طالبت بإطلاق سراحه، خصوصًا بعد أن أقدم برفقة عائلته على الدخول في إضراب عن الطعام، خلال الفترة الأخيرة من وجوده في السجن.

2 - أكَّدت الانطباع المسبق لدى السياسيين والمحللين حول الكيفية التي تعالج بها السلطات التونسية القضايا السياسية، التي ترتكز بالأساس على أولوية الأمني على السياسي.

3 - كشفت للمتابعين للقضية الخوف الكبير الذي يشعر به النظام التونسي من تحركات ما يعرف في تونس بالمعارضة الديمقراطية التي يهيمن عليها اليساريون؛ فاعتقال الهمامي بالكيفية التي اعتقل بها لم يكن مفهومًا لدى النخب والرأي العام على السواء، خصوصًا أن الرجل جاء طواعية ليسلم نفسه للسلطات، وبالتالي لم يكن ثمَّة خوف من هربه حتى يسخِّر أكثر من خمسمائة رجل أمن كما ذكرت بعض المصادر، أفرطوا في استعمال العنف أمام أنظار مراقبين أجانب ومحليين، ولم يترددوا في ضرب بعضهم، وتنفيذ عملية وصفها البعض بـ"الاختطاف" لم يكن هناك داع للقيام بها.

المضي في طريق القطيعة

لقد أكدت حادثة الهمامي وحوادث أخرى قبلها للمهتمين بالشأن التونسي أن العلاقة بين الحكم والمعارضة في تونس قد مضت في طريق القطيعة دون رجعة؛ فالمعارضون التونسيون يؤكدون في تصريحاتهم "أن النظام يهرب إلى الأمام"، و"أن الموضوع الوحيد الذي يمكن الحديث فيه مع النظام هو كيفية تفكيكه وإنهائه، وإقامة نظام ديمقراطي حقيقي مكانه".

أما وسائل الإعلام الرسمية وشبه الرسمية المعبِّرة عن وجهة نظر النظام الحاكم فتؤكد بالمقابل "أن هؤلاء المعارضين لا يمثلون شيئًا، وأن الإرادة الشعبية متشبثة بمشروع الرئيس بن علي في الحكم واستمراره في الرئاسة بعد 2004م"، التاريخ المفترض لمغادرته بحسب الدستور التونسي الحالي.

ويفضي القول بوجود قطيعة نهائية بين الحكم والمعارضة في تونس إلى الاعتقاد بدخول تونس مرحلة دقيقة من تاريخها السياسي، سيشهد الكثير من الأحداث والتحولات التي ستتصادم خلالها المشاريع السياسية المتعلقة بمستقبل البلاد فيما بينها؛ فالحياة السياسية التونسية لا يمكن –كما هو الشأن في أي دولة- أن تستمر في ظلّ القطيعة، التي تعني بروز خطين متوازيين: أحدهما يمثل النظام الحاكم، والثاني يمثل بقية الأطراف السياسية والاجتماعية، كما تعني عمليًّا تخلي الحكم عن مصادر شرعيته، والاعتماد فقط على أدوات الردع للاستمرار، وهي أدوات قاصرة بالضرورة، ولا يمكنها الاعتماد عليها على المدى الطويل.

انتقادات في الصميم

وقد تزايدت الانتقادات الداخلية والخارجية في السنوات الأخيرة للنظام التونسي، الذي كان يبرِّر في بداية التسعينيات إفراطه في استعمال الآلة الأمنية بمحاربة التطرف الديني، لكن هذا المبرر لم يَعُد مجديًا في السنوات الخمس الأخيرة من التسعينيات، حين واصل النظام تسخير ذات الآلة في مواجهة المعارضة اليسارية والعلمانية.

وتبدي المنظمات الدولية غير الحكومية في الغرب -خصوصًا تلك العاملة في مجال حقوق الإنسان- انزعاجًا كبيرًا من توجهات النظام التونسي، الذي فقد أيضًا دعم أطراف رسمية في عواصم ذات تأثير على السياسة التونسية، مثلما هو الشأن بالنسبة للحزب الاشتراكي الفرنسي الذي يقود الحكومة الفرنسية الراهنة، وأعلن مؤخرًا مقاطعته رسميًّا لحزب التجمع الدستوري الديمقراطي الحاكم في تونس.

ويظهر النظام التونسي لعدد كبير من المحللين، وكأنه بصدد التخلي عن مصادر دعمه داخليًّا وخارجيًّا؛ فأحزاب المعارضة المعترف بها تتراجع عن مساندتها للنظام الواحدة تلو الأخرى، والعواصم الغربية كباريس وواشنطن لم تَعُد -مثلما تؤكد أطراف كثيرة ذات علاقة جيدة بها- متحمسة لنظام الرئيس "بن علي" الذي كان نموذجًا بالنسبة لها في تحقيق الاستقرار، في منطقة مليئة بالمشاكل والهزات، فيما أصبح اليوم يظهر وكأنه عبء عليها لكثرة الانتقادات الموجهة إليه في مجالي حقوق الإنسان والإدارة السياسية.

تآكل مصادر الشرعية

لقد اعتمد نظام الرئيس التونسي زين العابدين بن علي على ثلاثة مصادر للشرعية منذ قيامه فجر السابع من نوفمبر 1987م، تطرح اليوم الكثير من الأسئلة والشكوك حول مدى قدرتها على الاستمرار في الإنتاج والفاعلية، وهذه المصادر الثلاثة هي:

1 - التحول الديمقراطي:

لقد استمد النظام الجديد الذي أقامه الرئيس بن علي أواخر العام 1987م بديلاً عن نظام الرئيس المؤسس الحبيب بورقيبة، شرعيته الشعبية والقانونية على مجموعة من الإصلاحات الدستورية والسياسية، التي استقطبت إلى جانب حزب التجمع الدستوري الديمقراطي الحاكم، غالبية الأحزاب والتيارات السياسية والفكرية والاجتماعية التونسية، ومكّنت الرئيس الجديد من نيل شبه إجماع في انتخابات أبريل 1989م، ومن أهم هذه الإصلاحات ما يلي:

- إلغاء الرئاسة مدى الحياة لتجنيب البلاد دوامة عدم الاستقرار في حالة عجز الرئيس وتقدمه في السن، كما كان عليه الحال في السنوات الأولى للثمانينيات.

- تكريس نظام التعددية السياسية بدل نظام الحزب الواحد الذي كان سائدًا، وتحقيق مبادئ السيادة الشعبية والتداول على السلطة والتفريق بين السلطات.

- إشاعة الحريات العامة، وفي مقدمتها حرية الإعلام، واحترام حقوق الإنسان.

ويرى معارضو النظام التونسي أنه لم يحقق أيًّا من الإصلاحات الديمقراطية المشار إليها، ويضربون الأمثلة على ذلك بما يلي:

- التخطيط بشكل علني للعودة إلى نظام الرئاسة مدى الحياة، من خلال العزم على تغيير الدستور والتمديد للرئيس بن علي في انتخابات 2004م، وانتقال الحزب الحاكم من الحديث عن الانتخابات إلى الحديث عن "البيعة"، حيث يرفع التجمعيون -أعضاء الحزب الحاكم- اليوم شعار "لا بيعة إلا لـبن علي".

- بقاء التعددية السياسية رهينة حال "الديكور الديمقراطي"؛ فالدولة والإدارة التونسيتان لا يزالان خاضعين بالكامل لحزب التجمع الدستوري الديمقراطي الحاكم.

- وصاية النظام الكاملة على وسائل الإعلام؛ وهو ما دفع بأحد الصحفيين الفرنسيين إلى القول: "إذا كانت الجزائر تقتل الصحفيين، فإن تونس قد قتلت الصحافة"، كما أن أوضاع حقوق الإنسان تعتبر واحدة من أسوأ الحالات عالميًّا، كما تذكر ذلك تقارير المنظمات الدولية الخاصة بحقوق الإنسان، وخاصة "منظمة العفو الدولية" ومنظمة "هيومن رايتس واتش".

2 - المعجزة الاقتصادية:

يفخر نظام الرئيس بن علي بأنه تسلم بلدًا على حافة الإفلاس، وتمكن طيلة الأربعة عشر سنة الماضية من تحقيق نسبة نمو سنوي له لا تقل عن 5%، كما تمكن من تحقيق إصلاحات اقتصادية كبرى بأخف الأضرار الاجتماعية، ومكَّن تونس من التحول إلى الدولة السياحية الأولى عربيًّا وإفريقيًّا، والصمود في وجه المتغيرات الاقتصادية الدولية التي عصفت باقتصاديات دول كانت تفوق مئات المرات تونس في قدراتها ومواردها.

وتؤكد مصادر المعارضة التونسية على أن حديث النظام التونسي المتكرر عن الاستقرار الاقتصادي والرفاهية الاجتماعية أضحيا بلا مبرر؛ فالأرقام المرتفعة للعاطلين عن العمل في صفوف خريجي الجامعات والمعاهد العليا، وتدني القدرة الشرائية للمواطنين نتيجة الغلاء الجنوني للأسعار، والتضخم المالي، وارتفاع نسبة ديون الدولة الخارجية بشكل غير مسبوق، والفساد في مؤسسات القطاع العام، كلها أدلة على عدم صحة الادعاء الرسمي بوجود طفرة اقتصادية واجتماعية.

3 - محاربة الإرهاب والأصولية:

استفاد النظام التونسي في أوائل التسعينيات من المحنة التي هزَّت الجزائر بالدرجة الأولى، ومصر بدرجة أقل؛ نتيجة تصاعد أعمال العنف التي انخرطت فيها الجماعات الإسلامية المتشددة؛ وذلك لتسويق حربه ضد الحركة الإسلامية في تونس داخليًّا وخارجيًّا، على الرغم من أن هذه الحركة كانت من أكثر الحركات الإسلامية اعتدالاً وتسامحًا في مشروعها السياسي والفكري.

وقد سجَّلت المنظمات الحقوقية المحلية والدولية، ضمن متابعتها لحرب النظام التونسي على ما يسميه بالأصولية الإسلامية الكثير من انتهاكات حقوق الإنسان، التي لم يشهد لها هذا البلد العربي المسلم مثيلاً من قبل، من حيث النوع والعدد معًا، وهو ما يمكن أن يفسِّر اليوم وجود ما يقارب مائتي ألف رجل أمن في بلد لا يزيد تعداده عن عشرة ملايين، كما يفسِّر استئثار وزارة الداخلية بالقسم الأكبر من ميزانية الإنفاق الحكومي، بعد أن كانت وزارة التربية والتعليم هي المتصدر طيلة ثلاثة عقود من حكم الرئيس الراحل بورقيبة.

وقد حاول الحكم التونسي استغلال أحداث 11 سبتمبر الأخيرة للعودة إلى ترداد الخطاب نفسه، وإقناع الدول الغربية الحليفة لتونس بالسكوت مجددًا عن حرب جديدة قد يخوضها ضد المعارضة، لكن حساباته أخطأت -حسب ما تذكر مصادر المعارضة التونسية-؛ لأن الإسلاميين ليسوا هم قادة المعارضة الرئيسيين كما كان الشأن بداية التسعينيات، بل هم في الوقت الراهن خليط من قدماء الشيوعيين، والاشتراكيين الديمقراطيين، والليبراليين العلمانيين، ولا يمكن بطبيعة الحال أن يتم إقحام هؤلاء في خانة الأصوليين والإرهابيين الذين يفرح الغرب لسجنهم والتنكيل بهم.

موت السياسة

والمفارق بحسب المحللين في الحالة التونسية أن النظام التونسي لا يبدو متحمسًا للممارسة السياسة، بالرغم من الصورة القاتمة التي تظهر عليها مصادر شرعيته، فهو لا يعمد للمناورة أو المحاورة الجزئية قياسًا على الأنظمة السياسية القائمة في المنطقة، كما لا يعمد إلى تفجير مفاجآت سياسية يعيد من خلالها خلط أوراق معارضيه، وكأنه يفضل بالمقابل العمل بالمثل الشعبي التونسي "عجوز هازها الواد وهي تقول العام عام صابة" (عجوز تجرفها مياه الفيضان، وهي تردد: إن السنة سنة خير).

بالمقابل تتحرك فصائل المعارضة على اختلاف تياراتها في اتجاه التوحد حول ثلاثة شعارات أساسية، مبدية قدرًا كبيرًا من النضج والعقلانية، خصوصًا في مجال تأجيل خلافاتها حول التفاصيل، ومحاولة -بشكل دؤوب- إقامة تحالفات جبهوية ثنائية ومتعددة، لعل أبرزها مشروع "الوفاق الديمقراطي"، الذي جمع مؤخرًا أربعة أطراف هي: "التجمع من أجل الجمهورية" بقيادة منصف المرزوقي، وحركة الديمقراطيين الاشتراكيين، والتكتل من أجل الحريات، والتجمع الديمقراطي الوحدوي، والشعارات الثلاثة هي:

1 - سن عفو تشريعي عام.

2 - عدم خرق الدستور، ومعارضة التجديد للرئيس بن علي.

3 - تنظيم انتخابات تشريعية ورئاسية حرة ونزيهة.

وبين رهان الحكم وتطلعات المعارضة تظل تونس تعايش أزمتها التي تغلي على نار هادئة، ويظل التونسيون خائفين من وقوع بلادهم في سيرة زعيمهم الراحل بورقيبة، خلال فترة حكمه المتأخرة؛ حيث اختلطت الأوراق، وطوحت الأمواج العاتية بسفينة الوطن.

اقرأ أيضاً:  


إستراتيجيات |القضية الفلسطينية | المنطقة العربية | بقية العالم الإسلامي | آسيا | أوروبا وأمريكا الشمالية وأستراليا | إفريقيا | شئون عالمية | رواق الأفكار | مساهمات الزائرين

 

 

«

ابحث 

«

بحث متقدم

 

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع