 |
|
صواريخ
أمريكا لا تجد من يواجهها |
كان
الإعلان الأمريكي عن الانسحاب رسميا
من معاهدة الحد من الصواريخ
الباليستية -في منتصف شهر ديسمبر 2001-
بمثابة التعبير الرسمي عن فشل كافة
الجهود الرامية إلى الوصول إلى حلول
وسط بشأن تعديل هذه المعاهدة، بما
يسمح للولايات المتحدة ببدء عمليات
تطوير وإنتاج ونشر منظومات للدفاع
المضاد للصواريخ الباليستية، حيث
استخدمت إدارة بوش لهذا الغرض العديد
من أدوات الإغراء والضغط مع الحكومة
الروسية، إلا أن الأخيرة رفضت مرارا
إجراء أي تعديل على معاهدة عام 1972؛
لأنها تعتبر حجر الزاوية في التوازن
الإستراتيجي العالمي طيلة العقود
الثلاثة السابقة.
ورغم
أن حكومة "بوتين" أبدت في الفترة
الأخيرة استعدادها لتعديل المعاهدة،
فإن الجانب الأمريكي لم يكن راغبا في
التعديل بقدر ما كان متمسكا
بالانسحاب من المعاهدة، بصرف النظر
عن اعتراضات روسيا، ومخاوف القوى
الكبرى الأخرى مثل الصين التي تَعتبر
برنامج الصواريخ الأمريكي مصدر تهديد
للاستقرار الإستراتيجي العالمي،
والدول الأوربية التي ترى أن هذا
البرنامج يمكن أن يقلل من التزام
الولايات المتحدة بالدفاع عن الأمن
الأوروبي.
لقد
بذل الرئيس "بوش" آخر محاولة
لإقناع الرئيس بوتين بالتجاوب مع
الموقف الأمريكي أثناء القمة
الأمريكية- الروسية في تكساس في منتصف
نوفمبر 2001، حيث عرض على نظيره الروسي
تقديم مساعدات مالية لروسيا مقابل
الانسحاب الأمريكي من المعاهدة، إلا
أن الرئيس الروسي رفض هذا العرض.
ولذلك اتخذت الإدارة الأمريكية قرارا
انفراديا بالانسحاب من المعاهدة،
وأبلغ بوش قادة الكونجرس أنه قد آن
الأوان للولايات المتحدة لتعمل بعيدا
عن هذه المعاهدة، من أجل إجراء تجارب
على نظام الدفاع الصاروخي، وهو ما مثل
امتدادا للسياسة الانفرادية التي
اتسمت بها إدارة بوش منذ وصولها إلى
السلطة في التعامل مع القضايا
الشائكة.
الخطة
الأمريكية لتطوير الدفاع الصاروخي
ويفتح
الانسحاب الأمريكي من معاهدة 1972
الباب أمام السير بقوة في طريق تطوير
ونشر وإنتاج النظام الدفاعي
الصاروخي، حيث تتبنى إدارة بوش خطة
طموحة تقوم على الإسراع فورا في بناء
نظام متعدد للدفاع الصاروخي، يتألف
من صواريخ اعتراضية منطلقة من البر
ومن سفن بحرية أو قواعد بحرية،
بالإضافة إلى أسلحة ليزر منطلقة من
طائرات. وقد قامت وزارة الدفاع
الأمريكية في أواخر ديسمبر الجاري
بإلغاء الشق البحري من البرنامج بعد
أن تبين أنه يتطلب تكلفة عالية، وسوف
تكون قدرته على إصابة الأهداف
المعادية منخفضة، ولكنها واصلت تطوير
المنظومات الدفاعية التي تنطلق من
البر والجو.
وتسعى
إدارة بوش إلى الانتهاء خلال أربع
سنوات فقط من تطوير هذا النظام، ولو
على الأقل تطوير نسخة بدائية منه
بحلول عام 2005، مع إمكانية نشره
للاستخدام العملياتي بحلول عام 2008.
ويرغب بوش في الانتهاء من نشر نسخ
أولية من نظام الدفاع الصاروخي بحلول
عام 2006. وقد أجريت بالفعل أول تجربة
للدفاع الصاروخي في 14 يوليو الماضي،
حيث نجح الصاروخ الاعتراضي في إسقاط
صاروخ باليستي مهاجم فوق المحيط
الهادئ عقب 20 دقيقة من إطلاقـه، كما
أجريت تجربة ناجحة جديدة في أوائل
ديسمبر 2001، وهو ما قدم دعما قويا لخطط
إدارة بوش الطموحة في مجال الدفاع
الصاروخي.
وعلى
الرغم من أن الفترة القصيرة الماضية
شهدت بعض الشكوك في فرص نجاح برنامج
الدفاع الصاروخي في مواجهة هجمات على
غرار هجمات 11 سبتمبر، فإن إدارة بوش
ركزت على أن هذه الهجمات تدعو إلى
الاعتقاد بأن الولايات المتحدة ربما
تتعرض في المستقبل لهجمات إرهابية
جديدة باستخدام الصواريخ
الباليستية، التي يمكن أن تحمل رؤوسا
كيماوية أو بيولوجية، وهو ما يتطلب
امتلاك القدرة على اعتراضها بواسطة
النظام المذكور.
مستقبل
التوازن الإستراتيجي العالمي
يمثل
الموقف الأمريكي من قضية الدفاع
الصاروخي تعبيرا عن مفاهيم جديدة
طاغية في الفكر الإستراتيجي
الأمريكي، تقوم على أن الولايات
المتحدة لم تعد في حاجة إلى
استمرار الالتزام بمعاهدات
واتفاقيات عفا عليها الزمن، وترتبط
بتوازنات الحرب الباردة. ونظرا
لأن الولايات المتحدة باتت القوة
العظمى الوحيدة في عالم ما بعد الحرب
الباردة، فإن المفكرين الأمريكيين
المحافظين خاصة يرون أن للولايات
المتحدة الحق في أن تحدد قائمة
اهتماماتها الدفاعية والإستراتيجية
وفق متطلبات أمنها القومي فقط، ودون
التقيد بمواقف القوى الدولية الأخرى،
بل إن هذه القوى يجب عليها أن تكون "تابعة"
للموقف الأمريكي.
والمتوقع
ألا يؤدي الانسحاب الأمريكي الأحادي
من هذه المعاهدة إلى نشوء أزمة كبيرة،
سواء بين الولايات المتحدة وروسيا
الاتحادية، أو بينها وبين الصين، لاعتبارات
سياسية واقتصادية عديدة منها:
الاعتبار
الاقتصادي:
تعاني روسيا ظروفا متردية للغاية،
وتحتاج إلى المساعدات الأمريكية، أو
على الأقل الدعم الأمريكي في
المؤسسات الاقتصادية الدولية، وهو ما
يعني أن روسيا ليست في وضع يسمح لها
بمواجهة الولايات المتحدة بشأن موضوع
الدرع الصاروخي الأمريكي.
الاعتبار
السياسي:
ليس هناك من شك في أن هجمات 11 سبتمبر
ساعدت على تخفيف حدة رد الفعل الروسي
والصيني والأوروبي على القرار
الأمريكي بالانسحاب من معاهدة
الصواريخ الباليستية. فقد أدت هذه
الهجمات إلى تعزيز المكانة العالمية
للولايات المتحدة، ودفعت القوى
المنافسة، مثل أوروبا الموحدة
واليابان وروسيا الاتحادية والصين
والهند، إلى التعاون معها بصورة
وثيقة. وهي مسألة لم تكن متوقعة بهذه
الصورة قبل تلك الهجمات.
إن
هجمات 11 سبتمبر أدت إلى نشوء أجواء
دولية جديدة أقل توترا ومنافسة بين
الولايات المتحدة والكثير من تلك
القوى، إذ شاعت القناعة بأن الإرهاب
الدولي أصبح التهديد الرئيسي الذي
يواجهها، وهو ما دفع هذه الدول إلى
التوقف عن النظر إلى غيرها باعتبارها
مصدرا للتهديد الإستراتيجي، والنظر-
بدلا من ذلك- إلى الإرهاب الدولي
باعتباره أكثر خطورة من الحروب
التقليدية، وأن أيا من هذه القوى لا
يملك بمفرده الوسائل الكفيلة بمواجهة
هذا التهديد.
لقد
انعكست هذه التطورات على مواقف
العديد من الدول الكبرى من مسألة
الانسحاب الأمريكي من معاهدة
الصواريخ الباليستية، وبالذات روسيا
الاتحادية، حيث اكتفى الرئيس "بوتين"
بالإعلان عن اعتقاده بأن هذا القرار
يُعتبر خطأ، وقلل من أهمية القرار
الأمريكي، وأكد أنه لن يشكل خطرا على
الأمن القومي الروسي، كما كان قد اتفق
مع الرئيس بوش على أن العلاقات
الأمريكية - الروسية يجب ألا تتضرر
بفعل الانسحاب الأمريكي من المعاهدة.
ومع
ذلك، فإن هناك مخاوف من أن يؤدي
الموقف الأمريكي إلى نشوب سباق تسلح
على الساحة الدولية، ولا سيما في مجال
الصواريخ الباليستية. وقد عبر الأمين
العام للأمم المتحدة كوفي عنان عن هذه
المخاوف صراحة عقب الانسحاب الأمريكي
من المعاهدة، وأعرب عن خشيته من
ازدياد الاتجاه نحو تقويض أنظمة نزع
السلاح وحظر انتشار الأسلحة بشكل
أكبر، ودعا إلى استكشاف مبادرات
جديدة ملزمة.
هل
يمكن تشكيل تحالف موازن؟
في
هذا الإطار، تبرز بصفة خاصة
إمكانية أن تتجه بعض القوى الدولية
نحو تشكيل تحالفات مناوئة للهيمنة
الأمريكية، وبالذات إمكانية
بروز محور روسي- هندي – إيراني، لا
سيما أن هذه الفكرة كانت مطروحة من
جانب روسيا الاتحادية منذ ثلاث سنوات
على الأقل. وتتأسس هذه الاحتمالات على
حقيقة وجود علاقات إستراتيجية قوية
بين روسيا الاتحادية وكل من الهند
وإيران، خاصة أن روسيا تعتبر المصدر
الرئيسي لهاتين الدولتين للحصول على
الأسلحة والتكنولوجيا العسكرية
المتطورة.
وكانت
روسيا قد طرحت إمكانية تشكيل محور
مناهض للهيمنة الأمريكية مع كل من
الصين والهند في ديسمبر 1998، حينما دعا
رئيس الحكومة الروسية الأسبق "يفجيني
بريماكوف"، إلى إقامة ما وصفه بـ
"مثلث إستراتيجي" من أجل مواجهة
الانفراد الأمريكي بالقرارات
الدولية، وضمان الأمن والاستقرار
السياسي، كما تكررت مثل هذه الدعوات
مع إيران أيضا، اعتمادا على علاقات
التعاون الإستراتيجي الوثيقة بينها
وبين روسيا.
ومع
ذلك، فإن هناك العديد من الصعوبات
والتعقيدات التي تحول دون تأسيس مثل
هذه التحالفات أو المحاور، أبرزها:
-
إن السياسة الروسية ذاتها تطرح مثل
هذه الأفكار من أجل الضغط على
الولايات المتحدة فقط، ولا يبدو أن
روسيا تسعى حقيقة إلى تحدي السياسة
الأمريكية، ولا سيما في ظل وضعها
الاقتصادي المتدهور. وينطبق ذلك أيضا
على كل من الهند والصين، حيث إن كلا
منهما تحتفظ بعلاقات وثيقة للغاية مع
الولايات المتحدة، ولا سيما في
المجال الاقتصادي.
-
أضف إلى ذلك أن روسيا تحتفظ بشراكة
إستراتيجية مع كل من الهند وإيران،
وكذلك مع الصين، ولكن كل دولة من هذه
الدول الثلاث الأخرى لا تتمتع
بعلاقات إستراتيجية وثيقة فيما
بينها، بل على العكس هناك توتر مزمن
في العلاقات بين الهند والصين، كما أن
هناك قدرا من الفتور في العلاقات
الإيرانية - الهندية، وهو ما لا يخدم
بناء محور إستراتيجي بينهما.
-
وأخيرا، فإن العديد من القوى الدولية
الكبرى تنظر بقلق شديد إلى التفوق
الأمريكي الساحق في مؤشرات القوة
العسكرية، بما يردعها عن مناوأة
الولايات المتحدة، إذ يكفي أن نلاحظ
أن الميزانية العسكرية الأمريكية،
التي وصلت في عام 2001-2002 إلى حوالي 370
مليار دولار، تفوق الميزانيات
العسكرية للدول الكبرى الست التي
تليها مجتمعة، كما تتمتع الولايات
المتحدة بتفوق هائل في المجالات
الاقتصادية والتكنولوجية، وهو ما
يدفع العديد من تلك القوى الدولية إلى
تفضيل خيار التعاون مع الولايات
المتحدة، أو على الأقل تفادي
مواجهتها أو الصدام معها، وقد برز ذلك
بوضوح بعد 11 سبتمبر.
أمن
العالم الإسلامي
لا
شك أن الوضع الراهن يؤثر بقوة على أمن
الدول العربية والإسلامية. فالأمن
الدولي ككل أصبح رهينة لمواقف
الولايات المتحدة ورغباتها، بما
يساعدها على اتخاذ قرارات انفرادية
واستعلائية بشأن العديد من القضايا
الدولية. ومع ذلك، فإن هناك العديد
من أوراق القوة وعناصر الضغط التي
يمكن للدول العربية والإسلامية
استخدامها، سواء من أجل تحسين
وضعها النسبي على الساحة الدولية في
كافة المجالات السياسية والاقتصادية
والأمنية، أو من أجل إدارة العلاقات
مع الولايات المتحدة بصورة أفضل، بما
يحقق مصالح تلك الدول. وأبرزها أن
الدول العربية والإسلامية تمتلك
مجتمعة موارد هامة في العديد من
المجالات الاقتصادية والبشرية
والعسكرية، ويكفي أن المسلمين يمثلون
حوالي ثلث البشرية، وأكثر من ربع
أعضاء المجتمع الدولي .
اقرأ
أيضا:
|