|
"بعد
مرور خمسة أشهر على أحداث 11 سبتمبر ما
زال هناك في أمريكا من يسأل عن سر
كراهية العديد من دول العالم خصوصا في
العالمين العربي والإسلامي لأمريكا؟
ومع أن الكثيرين تحدثوا عن أمور
حقيقية مثل مساندة أمريكا لإسرائيل
ظلما وعدوانا، فقد لفت هذا المقال
أنظار الأمريكان إلى أمور أخرى أهمها
أن أمريكا تشجع الحكومات
الديكتاتورية وهو ما يُغضب شعوب هذه
الدول، كما أنها تتدخل لقمع أي حريات
حتى لو كانت حرية نقد أئمة المسلمين
لأمريكا على المنابر".
والمقال
التالي يوضح جانبا من تفكير أمريكا عن
سر كراهية شعوب عديدة في العالم لها:
من
بين الأمور التي أفقنا عليها نحن
الأميركيين منذ 11 سبتمبر (أيلول)
الماضي درجة سخط العالم علينا
وامتعاضه منا. ولو اتجهنا من
الأرجنتين إلى اليابان، ومن روسيا
حتى السنغال، فسنذهل من جموع
الساخطين على تنصيب أمريكا نفسها
شرطيا للعالم، أو من إسرافها في
استخدام النفط العالمي، وتهوينها من
شأن الاتفاقات والمؤسسات الدولية.
ونحن متهمون كذلك بابتلاء الجماهير
المسكينة ببيرغر «البيغ ماك» وببرامج
«ويندوز مايكروسوفت» الكومبيوترية
وبالنجمة جوليا روبرتس، (هل يمكن
اعتبار هذه الأمور في عداد الجرائم
حقا؟). وحتى في دول حليفة، ووثيقة
الصلة بنا مثل كوريا الجنوبية لطالما
كانت هناك نقمة عارمة بين الناس
العاديين بسبب العجرفة والعربدة
الأميركية المفترضة. وكنت كلما مررت
أمام مبنى البلازا في العاصمة سيول
تعيدني الذكريات إلى عام 1987 عندما
صادفت هناك إحدى المظاهرات المنادية
بالديمقراطية، حرقت فيها مجموعات
راديكالية من الطلبة العلم الأميركي
وسط هتافات تأييد أكثر من 100 ألف
مشارك، وهذا كله في بلد روته دماء
الجنود الأميركيين الذين قتلوا إبان
الحرب الكورية.
على
كل حال، تظل النقطة المهمة هنا هي
التساؤل عما بوسعنا فعله إزاء هذا
الوضع. هنا تبدأ أهمية التجربة
الكورية، فبينما زادت مشاعر العداء
لأمريكا في كثير من أرجاء العالم، نجد
أنها تراجعت في كوريا الجنوبية.
وأعتقد أن هناك دروسا مفيدة لهذه
التجربة يمكن الاستفادة منها في
علاقاتنا مع السعودية ومصر وغيرهما
من الدول. وقد سألت "توماس هبارد"
السفير الأميركي لدى كوريا عن أسباب
تقلص مشاعر العداء لأمريكا هناك،
فأجابني قائلا: "لقد تقلصت تلك
المشاعر؛ لأن الناس هنا لم تعد تنظر
إلى الولايات المتحدة على أنها تدعم
الأنظمة العسكرية القمعية في كوريا".
وأضاف: "يمكن اعتبار كوريا مثالا
على كيفية تبديد التيارات
الديمقراطية للكراهية والغضب"؛
ولهذا فإن من الدروس المهمة لهذه
التجربة أهمية العلاقات العامة
بالنسبة للدبلوماسية، ولا بد من
التنويه هنا بأن السفارات الأميركية
لم تهتم كثيرا بإيصال وجهة النظر
الأميركية إلى شعوب الدول الموجودة
فيها، كما لم يكن هناك عدد كافٍ أبدا
من السفراء الذين يتحدثون لغة البلاد
التي يعملون فيها، من عربية أو كورية
أو صينية طليقة، ويشاركون دوريا في
البرامج التلفزيونية المحلية لتوضيح
المواقف الأميركية إزاء القضايا التي
تهم الناس هناك.
وهناك
درس آخر يقضي بحاجة واشنطن إلى توثيق
علاقاتها مع الشعوب لا مع الأنظمة
التي تحكمها بشكل مؤقت فقط. ونحن في ما
يخص بعض الدول العربية نكرر الخطأ
الذي ارتكبناه في كوريا بالظهور
وكأننا نقف إلى جانب الحكام ضد الشعوب.
والمفارقة هنا أن البلد الوحيد في
الشرق الأوسط الذي تسمع في شوارعه
أعلى الأصوات المؤيدة لأمريكا هو
إيران التي تعتبر علاقاتنا الرسمية
معها هي الأسوأ. آخر دروس هذه التجربة
هو أننا سنكون في وضع أفضل عند دعمنا
للديمقراطية في تلك البلدان وحتى حق
حرق الأعلام الأميركية. فعندما كان
مُتاحا للكوريين التنفيس عن غضبهم في
أواخر الثمانينيات وأوائل
التسعينيات تبدد الإحباط وانتهى.
باختصار،
ربما كان من الأحسن لنا ترك علماء
الدين الراديكاليين في السعودية
وباكستان يتمتعون بحرية شجبنا.
*
الشرق
الأوسط 16 / 01 / 2002م
|