 |
|
هل يفلت عرفات من الضغوط الأمريكية؟ |
من
الصعب الوقوف على تداعيات التصعيد
الراهن في الملف الفلسطيني دون
العودة إلى الوراء قليلا، وتحديدا
إلى ما قبل الحادي عشر من سبتمبر
الماضي؛ فقد بدا واضحا أن "شارون"
ما زال مُصرًّا على تحقيق برنامجه
الانتخابي الذي مُنح الثقة
الجماهيرية على أساسه ممثلا في إعادة
الأمن. وعلى هذا الصعيد كان "البلدوزر"
يحقق بعض النجاحات في المواجهة التي
كثيرًا ما كانت تتراجع أمام إصرار قوى
المقاومة على ضرب العدو.
كان
عاما كاملا على وشك الانتهاء منذ
انطلاقة انتفاضة الأقصى في الثامن
والعشرين من أيلول عام 2000 فيما لم
تحقق تلك الانتفاضة إنجازا سياسيا من
لون تلك الإنجازات التي حلمت بها
السلطة لدى انخراطها في المقاومة،
ولو بشكل محدود، ومن خلال جناح داخل
حركة "فتح" التي تمثل حزب السلطة.
الإنجاز
المطلوب كان فرض شيء من التراجع على
شارون، وليس دحر الاحتلال من خلال
مقاومة شاملة وحرب استنزاف واضحة.
ولما كانت سمة الانتفاضة هي التصعيد
الجزئي والإصرار على بقاء مسارات
التفاوض الأمني والسياسي قائمة بهذا
الشكل أو ذاك فقد راهن "شارون"
على تعب الطرف الفلسطيني.
تناقضات
داخل السلطة
"صمود"
شارون -أو لنقل عناده-، ووقوف الشارع
الإسرائيلي خلفه كان بدوره يصيب
قيادات السلطة بالملل، سيما تلك
الفئة التي لم تؤمن أصلا بمسار
الانتفاضة، ويقف على رأسها محمود
عباس (أبو مازن) أمين سر اللجنة
التنفيذية لمنظمة التحرير والخليفة
الأوفر حظا للسيد ياسر عرفات؛ نظرا
لأنه الرجل الثاني في "فتح"
والمدعوم من قطبيْ الأمن (جبريل
الرجوب ومحمد دحلان) والمقبول لدى
الأطراف المعنية (مصر، الولايات
المتحدة، إسرائيل).
الأجهزة
الإسرائيلية كانت ترصد تلك التفاعلات
داخل السلطة، وهي لم تكن غائبة عنها؛
فرموز هذا الخط كانوا يبوحون
لزملائهم الإسرائيليين بما يشعرون به
حيال سلوك رئيس السلطة الفلسطينية
"المدمر" و"العبثي" -حسب
رأيهم-. وجاءت أحداث الحادي عشر من
أيلول بمثابة فرصة لهذا التيار لكي
يطل برأسه، ويبدأ في شرح آرائه والضغط
على عرفات لكي "ينزل عن شجرة
الانتفاضة"، معتبرين أن حوادث
أيلول قد وفرت له سلما مناسبا لذلك.
ديوان
وزير الخارجية الإسرائيلي طلب من
مركز أبحاث سياسي تابع للوزارة رصد
صعود ما أسماه "التيار البراجماتي"
في أوساط القيادة الفلسطينية، وهو ما
حصل؛ حيث أُعد تقرير مطول قُدم
للوزارة.
أبو
مازن، أبو العلاء، محمد دحلان، جبريل
الرجوب، حسن عصفور، محمد رشيد.. كل
هؤلاء ومعهم عدد آخر من "المفكرين
والاقتصاديين الناشطين"، يؤكدون –حسب
التقرير الذي عرضته صحيفة "هآرتس"
في 7-11-2001- أن "الانتفاضة بصورتها
الحالية لا تقود الفلسطينيين إلى أي
أفق جديد". ويطالبون بوقفها
والعودة إلى المفاوضات. بل إن من
بينهم –حسب الصحيفة- "من يدعون إلى
التفاوض على اتفاق انتقالي طويل
المدى كخيار مفضل على الجمود السياسي
والعنف المتصاعد"، وهو ما يؤكده
أيضا مناهضو تيار "أبو مازن" من
مجموعة "التنظيم" في فتح والتي
من رموزها: صخر حبش، وهاني الحسن...
وآخرون.
الاستثمار
في أحداث أيلول
منذ
اللحظة الأولى، وانطلاقا من قناعة
سابقة بعدم جدوى الانتفاضة
والمقاومة، كان قد وصل إليها عرفات
متأخرا بدفع "التيار البراجماتي"،
قرر الرئيس الفلسطيني الاستثمار في
الحدث الجديد، وعدم تكرار تجربة حرب
الخليج بالمراهنة على الحصان الخاسر.
مشكلة
قرار "النزول عن شجرة الانتفاضة"
بالنسبة لعرفات كانت تكمن في انحياز
الشارع إلى المقاومة، ورفضه التراجع
عنها دون إنجاز يُذكر، وإذا كانت
مجموعة "التيار البراجماتي" لا
تلتفت إلى نبض الجماهير فإن عرفات ليس
كذلك. وهنا يبدو أن جماعة الأمن
بزعامة "جبريل الرجوب" قد وجدت
أن لهذه المشكلة حلا مقبولا!! يبدأ ذلك
الحل بإعلان وقف إطلاق النار من طرف
واحد وهو ما كان، وكان على بعض أولئك
أن يوحوا للطرف الإسرائيلي باستغلال
ذلك الموقف لدخول المدن والقرى
الفلسطينية واغتيال أو اختطاف رموز
المقاومة، وهو ما كان؛ فقد دخل الجيش
الإسرائيلي 6 مدن فلسطينية وعددًا
كبيرًا من القرى دون أن يُجرح له جندي
واحد، واستطاع من خلال هذه العمليات
أن يفكك عددًا كبيرًا من الخلايا،
ويقتل ويختطف العشرات من رجال
المقاومة. وقد عزا الصحفي الإسرائيلي
"عزرا يحيسكل" مراسل إذاعة الجيش
في حديث له لبرنامج "قهوة الصباح"
في القناة الثانية لتلفزيون العدو -
تلك النجاحات إلى التعاون بين
الأجهزة الأمنية الفلسطينية
والإسرائيلية. بل وصل به الأمر حد
القول: إن اتفاقا غير معلن بين أجهزة
الطرفين ينص على أنه بدلا من طلب
الدولة العبرية اعتقالهم وإحراج
السلطة بذلك، فإن الأفضل هو قيام
الأجهزة الإسرائيلية باعتقالهم أو
اغتيالهم.
"رؤية
باول"
بعد
عشرة أسابيع من اندلاع حوادث أيلول
خرج وزير الخارجية الأمريكي "كولن
باول" برؤيته للوضع الفلسطيني، في
رؤية لم تحمل سوى مطلب العودة إلى
المفاوضات والمفاوضات فقط بعد "وقف
العنف"، من خلال "وثيقة تنيت"
و"تقرير ميتشل"؛ للوصول إلى "الدولة
الفلسطينية"، دون تحديد لأي تفاصيل
حول تلك الدولة. وقد وافق
الإسرائيليون على تلك الرؤية
المذكورة، فيما وجد "التيار
البراجماتي" في السلطة أن فيها "إيجابيات
مهمة" مثل الحديث عن الاحتلال، كما
وجد فيها الوضع العربي مبشرات موقف
جديد أراد أن يراه تراجعًا أمريكيًّا
يحمل قدرًا من المجاملة للوضع العربي.
ولا شك أن طرح تلك "الرؤية" قد
يساهم في انحياز عرفات إلى رؤية "البراجماتيين"؛
وذلك أملا في العودة إلى الساحة من
جديد بعد تجاهله من قبل الأمريكيين
بقيادة "بوش" طيلة شهور.
"رؤية
باول" بدأت تتحرك بإرسال الجنرال
"أنتوني زيني" إلى الأراضي
المحتلة التي ما زال فيها حتى الآن؛
وذلك بهدف العمل على "وقف العنف"
الذي يشكل أساس "الرؤية" وفاتحة
العودة إلى المفاوضات.
نجاحات
أمنية كبيرة
خلال
أسابيع من اندلاع أحداث أيلول (سبتمبر)
كان العدو يحقق نجاحات كبيرة تأكدت من
خلال ضعف الأداء للمقاومة من جهة، ومن
خلال الذين قُتلوا واختُطفوا من رجال
المقاومة من جهة أخرى. وقد أكد وزير
الدفاع "بن أليعازر" أن معظم
المطلوبين قد جرى خطفهم أو اغتيالهم.
وبتاريخ 24-11-2001 قامت ثلاث طائرات "أباتشي"
بملاحقة سيارة فيها القائد العسكري
لحماس "محمود أبو هنود" واثنين
من إخوانه، وضربتهم بخمسة صواريخ
حولت السيارة ومن فيها إلى أشلاء.
شارون
يعلن تفاؤله فيداهمه الأحد الأسود
كان
"شارون" على موعد للسفر إلى
واشنطن للقاء الرئيس الأمريكي، وقبل
ذلك توجه إلى جمهوره بشيء من الزهو
قائلا: "وجدنا طريقة تمكننا من
مواجهة الإرهاب بشكل فعال ومن دون
تصعيد"، واعدًا ذلك الجمهور
بالتركيز لاحقًا على "قضايا
الاقتصاد".
بالمقابل
كانت "حماس" تشعر بحجم الضربة
التي وُجِّهت لها باغتيال "أبو
هنود" الذي لم يكن سوى تتويج لحملات
خطف واغتيالات قاسية لم تُصَبْ بها
طوال أكثر من عام -أي منذ بدء انتفاضة
الأقصى-. هنا جمعت كتائب القسام كل
قوتها، وشنّت موجة عمليات امتدت
لاثنتي عشرة ساعة هي الأسوأ في تاريخ
دولة الاحتلال؛ حيث خسرت فيها ما يزيد
عن ثلاثين قتيلا، إضافة إلى نحو
ثلاثمائة جريح إسرائيلي.
كان
شارون في واشنطن عندما حلت هذه
الأحداث، فاختصر زيارته وعاد سريعا
في محاول لإعادة الهدوء إلى شارعه
المضطرب ودراسة كيفية الرد على
الهجمات.
رد
الفعل على عمليات الأحد الأسود
كان
الموقف الأمريكي هو الأكثر إثارة
للانتباه في سياق التعليق على عمليات
الأحد؛ فقد خرج المسؤولون الأمريكيون
عن طورهم، ومنحوا "شارون" ضوءًا
أخضر للرد على الهجمات بالطريقة التي
يراها مناسبة. أما الموقف الدولي فبدا
مجاملا على نحو غير مسبوق لدولة
الاحتلال، خصوصا الموقف البريطاني،
والأوروبي بشكل عام، إلى جانب الموقف
الروسي، فيما تميز الموقف الفرنسي
بلهجة معتدلة. عاد شارون وبدأ يقصف
مناطق السلطة، واستهدف ثلاث مروحيات
لعرفات، وقصف مواقع قريبة من مكان
تواجده، فيما أوضح الإسرائيليون أنهم
يطلقون التهديدات لعرفات أملا في أن
يقوم بدوره في مكافحة "الإرهاب"،
وهم لا يستهدفونه شخصيا.
الموقف
العربي جاء هزيلا؛ فهو إلى جانب
إدانته لعمليات الأحد لم يأخذ موقفا
قويا من القصف الإسرائيلي؛ ربما
خوفًا من الغضب الأمريكي. ولعل زيارة
وزير الخارجية المصري "أحمد ماهر"
إلى "تل أبيب" كانت مؤشرًا على
ذلك، وهي التي قرأ فيها الإسرائيليون
تراجعًا مصريًّا واضحًا، كما ذهب
المحلل السياسي "ألوف بن" في
صحيفة "هآرتس" حيث قال: "جاء
ماهر إلى القدس، وصافح شارون في الوقت
الذي يربض فيه الجيش الإسرائيلي في
مناطق السلطة"، كما لفت الانتباه
إلى أن مصر لم تندد بالقصف الإسرائيلي
لطائرات عرفات ومنشآت السلطة.
المس
بعرفات وتقويض السلطة
على
إثر استهداف طائرات الرئيس ومقار
السلطة، ثار الجدل التقليدي حول
إرادة "شارون" تقويض السلطة
والمس بعرفات شخصيا، وهو ما نفاه
شارون رغم تأكيد رئيس الوزراء التركي
أنه سمع منه ذلك.
"زئيف
شيف" المحلل والخبير الإستراتيجي
الإسرائيلي أكد أن "بوش" و"باول"
و"رايس" قد أكدوا لشارون ضرورة
الامتناع "عن خلق وضع تقوض فيه
إسرائيل السلطة"، إضافة إلى "عدم
المس بعرفات"، وهي "الخطوط
الحمراء" التي وضعوها أمام "البلدوزر".
"الخطوط
الحمراء" الأمريكية لا تزال- حسب
القراءة الأرجح- هي ذاتها "الخطوط
الحمراء الإسرائيلية"، أما
الإجراءات الإسرائيلية العنيفة فهي
بمثابة تهديد لعرفات ليس إلا.
فالإسرائيليون لا يريدون العودة إلى
المدن الفلسطينية بما ينطوي عليه ذلك
من مخاطر حرب استنزاف، وبالتالي
تصعيد شامل ونزاع إقليمي، وهي ذات
الهواجس الأمريكية، وبذلك يغدو الضغط
على عرفات للقيام بمهماته الأمنية هو
الحل.
السلطة
تستجيب وتطارد المقاومة
خلال
أيام صعد الأمريكيون لهجتهم مع
عرفات، وهددوه حسب- "يديعوت أحرنوت"-
بقطع العلاقة معه فيما صعد "التيار
البراجماتي" الفلسطيني من هجومه
على عرفات كما أكد وزير الدفاع
الإسرائيلي "بن أليعازر" لأعضاء
لجنة الخارجية والأمن التابعة
للكنيست بتاريخ 6/12/2001.
عرفات
بعث برسالة إلى واشنطن مباشرة معلنا
بوضوح "سأقاتل ضد الإرهاب"،
ولكنه طلب فرصة لذلك تتوقف خلالها
الهجمات الإسرائيلية. وبالفعل بدأت
السلطة بحملة اعتقالات طالت حوالي 120
ناشطا من "حماس" و"الجهاد"،
كما تلاحق ما تبقى من قائمة الـ 33 التي
قدمها له الإسرائيليون. ويذكر أن هذه
القائمة كانت تضم 80 اسما قبل أحداث
أيلول تناقصت إلى 33 حيث جرى خطف
واغتيال الباقي!!
حملة
الملاحقة المذكورة التي شملت وضع
الشيخ أحمد ياسين رهن الإقامة
الجبرية لاقت ردود فعل غاضبة في
الشارع الفلسطيني، إلا أن القوى
الفلسطينية حرصت على التهدئة خشية
ازدياد التوتر سيما بعد قتل ناشط من
حماس بأيدي الشرطة الفلسطينية. وبدا
من خلال خطاب السلطة ورموزها أن
إمكانية التصعيد واردة وبقوة بعدما
حُسم الموقف باتجاه الخضوع للمطالب
الإسرائيلية والأمريكية.
"حماس"
و"الجهاد" وعلى رغم رفضهما لأي
صدام مع السلطة أكدتا على تواصل
المقاومة. ولكن الثابت هو أن وضوح
النوايا لدى السلطة بالعمل ضد الجناح
العسكري للمنظمتين سيؤثر بشكل كبير،
وعلى نحو تدريجي قد يكرر تجربة أعوام
97، 98، 99 حيث تراجع العمل العسكري إلى
حد كبير بفعل التعاون الأمني.
ماذا
بعد؟
من
الواضح أن القادم فلسطينيا سيعتمد
بشكل كبير على تطورات المعركة
الأمريكية ضد ما تسميه بالإرهاب، فقد
ثبت من تطورات الأسابيع الأخيرة أن
واشنطن لا تفرق بين "حماس" و"القاعدة"،
وأن مطاردة قوى المقاومة الإسلامية
الفلسطينية ستحتل أولوية مهمة في
أجندة مطاردة "الإرهاب". وإذا لم
تحدث تطورات تعطل الحملة الأمريكية
فإن أياما صعبة لا بد ستأتي على قوى
المقاومة سواء استمرت المفاوضات مع
حالة التعثر في مسيرة التسوية أم جرى
التوصل إلى حلول انتقالية أم اتفاقات
مشوهة لها صفة الديمومة أو طول الأجل.
ولن ينقذ الوضع سوى حماقة عسكرية من
شارون أو قناعة فلسطينية بعدم جدوى
المراهنة على الوعود الأمريكية، أو
رفض الخضوع في حال عرض شارون تسويات
مذلة، وهو الرفض الذي لن يتوفر إلا من
خلال تعثر في المعركة الأمريكية إلى
جانب تطور إيجابي في الموقف العربي.
اقرأ أيضًا:
|