 |
|
ماهر مع شارون |
على
عكس المرات السابقة التي كان فيها رد
الفعل الرسمي المصري عنيفا تجاه
حالات العدوان الصهيوني على الشعب
الفلسطيني، والذي وصل لحد وصف وزير
الخارجية المصري أحمد ماهر قبل شهرين
حكومة إسرائيل بأنها "عصابة من
القتلة"، جاء رد الفعل المصري
الأخير تعقيبا على ضرب مقر الرئاسة
الفلسطيني غير واضح وغير حاسم، ربما
لوقع المفاجأة على القيادة المصرية
التي لم تكن تتوقع أن يصل جبروت شارون
إلى المساس بعرفات أو مقراته، وربما
للتحضير لرد فعل غير عادي.
ويبدو
أن السبب الثاني (تحرك مصري سياسي)
ألغى التصور الأول (توجيه أعنف هجوم
على شارون)، وفضلت القاهرة التحرك
سياسيا تجاه الدولة العبرية واستئناف
وساطتها التي توقفت منذ يناير الماضي
(آخر مفاوضات رعتها مصر بين
الفلسطينيين والإسرائيليين على
مستوى وزاري جرت في منتجع طابا بين 21 و28
يناير الماضي حول ما وُصف بمحاولة
الاتفاق "خلال عشرة أيام")، وجاء
هذا التحرك كرد فعل سياسي غير عادي لم
يتوقعه شارون نفسه، وفضلت القاهرة
بالتالي عدم الإدلاء بتصريحات عنيفة
ضد الصهاينة قد تجهض التحرك السياسي
المنتظر، وليس سرا أن ما حكم هذا
الموقف المصري هو قاعدة جوهرية سبق أن
طرحها مسئولون رسميون مفادها أن
شارون غرضه الأساسي هدم المعبد، وأنه
جاء على أسنة الرماح بدون أي برنامج
سياسي؛ وبالتالي فالسلام والتهدئة
يعصفان بحكومته بعكس الحرب المستمرة.
ومن
هنا جاء الموقف المصري المباشر بسرعة
إرسال وزير الخارجية المصري الجديد
أحمد ماهر إلى الدولة العبرية (بعد
زيارة سابقة لمدير المخابرات المصري
عمر سليمان)، وبعد أكثر من رفض لزيارة
مسئول مصري كبير للدولة العبرية منذ
ستة أعوام كاملة، لتحقيق هدفين
مباشرين:
الأول:
نقل رسالة واضحة المعالم إلى شارون
وأركان حكومته بخطورة ما يفعلونه على
استقرار المنطقة كلها، خصوصا إذا طال
العنف عرفات باعتبار أن البديل هو
التصعيد في الداخل من أنصار الحركات
الإسلامية الجهادية، والخارج على
مستوى المنطقة ككل باعتبار أن الشرر
سيتطاير.
والثاني:
كان نقل رسالة إلى واشنطن نفسها بأن
مصر (التي هاجمها نواب في الكونجرس
وكتاب في الصحف الأمريكية بدعوى
تحيزها لعرفات وعدم لعب دور في السلام
بالضغط على عرفات) استأنفت دورها في
الوساطة، وأن الكرة في ملعب شارون
وعرفات.
مبارك
يستأنف هجومه على شارون
ويبدو
أن القاهرة كانت تتوقع مسبقا فشل مهمة
وزير خارجيتها "أحمد ماهر" بسبب
تصلب شارون؛ ولذا خرج أحمد ماهر من
لقائه مع شارون ومن زيارته لإسرائيل
ليعلن بشفافية غير معهودة – وهو أمر
غير معتاد في السياسة الخارجية
المصرية– أن زيارته فشلت، وأن
الإسرائيليين رفضوا المقترحات
المصرية التي تتلخص في اقتراح بدء
المفاوضات السياسية مباشرة بين
الفلسطينيين والإسرائيليين وبوساطة
مصرية على غرار ما كان يحدث خلال
حكومات حزب "العمل" السابقة في
شرم الشيخ أو طابا المصريتين.
كما
تبع ذلك استئناف الرئيس المصري حسني
مبارك هجومه على شارون، وقال: "إنه
لا يرى أملاً من شارون في السلام"،
وكان قد سبق أن اتهمه بأنه لا يعرف سوى
القتل والاغتيال، وأنه لا أمل في سلام
معه بين الفلسطينيين والإسرائيليين.
وشارك في الهجوم أسامة الباز
المستشار السياسي لمبارك الذي قال:
"إن إسرائيل تمارس إرهاب الدولة
على الشعب الفلسطيني، وإنه لا بديل عن
الرئيس عرفات ممثلاً للشعب الفلسطيني".
وكان
الرئيس مبارك أكثر توضيحًا للغرض من
الرسالة المصرية للإسرائيليين،
خصوصا فيما يتعلق بمسألة التخلص من
عرفات بعدما ظهر من الموقف الأمريكي
رائحة تواطؤ في هذا الشأن؛ حيث حذر –في
حديث شامل لصحيفة "السفير"
اللبنانية الجمعة (7-12-2001)- من أن
الفوضى ستعم الشرق الأوسط إذا أقدمت
إسرائيل علي تصفية ياسر عرفات، وأضاف:
"إذا أخطأ الإسرائيليون وقتلوا
عرفات فستكون جريمة بحق الشعب
الفلسطيني والإسرائيلي معا؛ إذ إن
عددا كبيرا من القادة سيظهر، وسيسعون
لزيادة شعبيتهم بارتكاب أعمال عنف ضد
الإسرائيليين في الداخل والخارج"،
وشدد على أنه "من الصعب وجود زعيم
آخر يلتف حوله الشعب الفلسطيني".
ومن
الواضح أن التحرك السياسي المصري
بإيفاد وزير الخارجية للقدس، ونقل
رسائل محددة للإسرائيليين كان إشارة
مصرية لكل الأطراف بأن مصر تحركت من
أجل السلام، وفعلت ما بوسعها، وعملت
ما عليها؛ وبالتالي فهي ليست مسؤولة
عن التداعيات الخطيرة التي قد تبدو في
الأفق، والتي ستكون في غاية الخطورة.
ولهذا حذر الرئيس مبارك في حديثه
للسفير اللبنانية من خطورة الهجمات
الإسرائيلية علي البنية التحتية
للسلطة الفلسطينية، وتوقع حصول رد
فعل فلسطيني في غضون أسبوعين أو ثلاثة
(على غرار عمليات القدس الأخيرة على
ما يبدو التي جاءت ردا على عمليات
القتل والاغتيالات الإسرائيلية
المتتالية).
بل
إن الرئيس مبارك سعى لإلقاء الكرة في
الملعب الأمريكي، بعدما رفض شارون
مبادرة مصر السلمية، فأكد أن الإدارة
الأمريكية لديها القدرة على إجبار
إسرائيل على تنفيذ الاتفاقات التي
يتم التوصل إليها؛ لأن أمريكا هي
شريان الحياة لإسرائيل.
وواضح أنه استهدف الرد على المقالات
الأمريكية التي تعاير مصر بالاعتماد
جزئيا على أمريكا في المعونة
الاقتصادية والعسكرية من جهة
بالتذكير أن إسرائيل تعيش على أمريكا
نفسها، ومن جهة ثانية لإبراء ذمة مصر،
وتحويل الأمر إلى واشنطن لتفعل شيئا
قبل أن تشتعل المنطقة كلها، وهو أمر
آخر مرتبط بالهدف المصري من التحرك
السياسي منذ بدايته.
بوش
يرد ويتحرك
فالهدف
المصري من التقدم بمبادرة مصرية أو
أفكار لاستئناف المفاوضات والعودة
للعب دور الوساطة، قد تحقق؛ حيث أكدت
صحيفة (الأهرام) المصرية الرسمية
السبت (8-12-2001) أن الرئيس الأميركي جورج
بوش وصف -في اتصال هاتفي مع الرئيس
مبارك- المبادرة المصرية بأنها خطوة
إيجابية لوقف العنف، والعمل على
اتخاذ إجراءات تحد من العمليات
الإرهابية، حتى يمكن العودة إلى طريق
السلام. كما أعلنت مستشارة الأمن
القومي الأميركي كوندوليزا رايس -في
حديث خاص إلى الأهرام- أن الرئيس
مبارك والرئيس بوش اتفقا على ضرورة
التحرك المشترك والعاجل؛ للسيطرة على
الأوضاع الخطيرة المتفجرة بين
الطرفين الإسرائيلي والفلسطيني.
وقالت: "إن الرئيسين اتفقا أيضا على
عقد مباحثات أمنية ثلاثية (أميركية -
إسرائيلية – فلسطينية) على أعلى
مستوى تعمل على إنهاء الإغلاق، ورفع
الحصار عن المدن والقرى الفلسطينية
وتخفيف القيود على الفلسطينيين".
وأضافت "أنهما اتفقا كذلك على أن
أفضل طريق للسلام هو تنفيذ الخطوات
والإجراءات التي أوصى بها تقرير لجنة
ميتشيل".
مظاهرة
لدعم فلسطين
وقد
سمحت سلطات الأمن المصرية بمظاهرة
بسيطة في وسط القاهرة الجمعة (7-12-2001)؛
ربما للفت الأنظار إلى الغضب المكبوت
في صدور المصريين والعرب عموما مما
يجري على أرض فلسطين؛ حيث نظم عدد من
المثقفين ورجال الفكر وممثلي الأحزاب
ومنظمات حقوق الإنسان ومختلف الطوائف
في مصر مسيرة احتجاجية أمام مسجد "عمر
مكرم" بوسط العاصمة عقب صلاة
الجمعة نددوا فيها بالممارسات
القمعية الإسرائيلية وحرب الإبادة
التي تمارسها إسرائيل ضد أبناء الشعب
الفلسطيني الأعزل. وأكد المشاركون
شجب الشعب المصري بكافة طوائفه
للمجازر التي تُرتكب ضد الشعب
الفلسطيني في الأراضي العربية
المحتلة وقتل الأطفال والنساء
والشيوخ بحجة مواجهة الإرهاب في
أفغانستان، في الوقت الذي تعطي
الولايات المتحدة الضوء الأخضر
لإسرائيل لممارسة أبشع أنواع الإرهاب
والقمع ضد الشعب الفلسطيني، كما
طالبوا الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات
بمقاومة الاحتلال الإسرائيلي بكافة
السبل حتى يتم تحرير المسجد الأقصى
المبارك وكافة الأراضي الفلسطينية.
ومعروف
أن المظاهرات ممنوعة في مصر والأمن
يطاردها، بيد أنه يُسمح ببعض
المظاهرات ضد العدوان الصهيوني على
الفلسطينيين داخل أسوار الجامعات، أو
في صحن مسجد الأزهر، والشكل الثالث هو
المظاهرات أمام مقر الجامعة العربية
أو عمر مكرم مع حصارها بكردون أمني
لمنع انتشارها أو تحركها بعيدا،
خصوصا أنها تجري على بعد أمتار من
السفارة الأمريكية.
لماذا
إعلان الفشل مبكرا؟!
وكان
وزير الخارجية المصري أحمد ماهر قد
قام بأول زيارة له –ولوزير خارجية
مصري- لإسرائيل منذ أكثر من 6 سنوات (الوزير
السابق عمرو موسى امتنع منذ عام 1995 عن
زيارتها) حيث أجرى محادثات مع رئيس
الوزراء إريل شارون، ووزير الخارجية
الإسرائيلي شيمون بيريز والرئيس
الإسرائيلي "موشيه قصاب"، ووزير
الدفاع بنيامين بن أليعازر الذي قابل
ماهر في المطار قبل مغادرته (ترددت
أنباء عن زيارته لمصر الشهر الماضي،
بيد أن الزيارة أُلغيت لوقعها السيئ
على الرأي العام المصري)، كما التقى
في وقت لاحق الرئيس الفلسطيني ياسر
عرفات في رام الله.
وفور
عودته إلى القاهرة فجر الجمعة أعلن
الوزير المصري في المطار أن مهمته في
إسرائيل فشلت، وأنها لم تؤدِّ -على حد
تعبيره- لتوافق الآراء، واستغرب
البعض السرعة في إعلان فشل الزيارة،
خصوصا أن الزيارة نفسها كادت تكون
سرية، وفاجأت المصريين، ولم يعلن
عنها سوى راديو إسرائيل.
بل
لقد اتصلت (قدس برس) بالمكتب الصحفي
للخارجية المصرية، وسألت بعض
الصحفيين المعتمدين بالخارجية عن
حقيقة ما أعلنه راديو إسرائيل بشأن
زيارة ماهر للقدس، فوقع عليهم الخبر
كالمفاجأة!، فيما انتقد العديد من
السياسيين وبعض رؤساء تحرير الصحف
المستقلة مثل "مصطفى بكري" رئيس
تحرير "الأسبوع" الزيارة ولقاء
ماهر بسفاح إسرائيل شارون.
وكانت رسالة الرئيس مبارك التي حملها
ماهر لشارون والقادة الصهاينة هي: "خطورة
الاستمرار في عمليات العدوان على
الشعب الفلسطيني، وتدمير البنية
التحتية للسلطة الفلسطينية، وأن
تحقيق الأمن الإسرائيلي لن يكون بدون
تحقيق الأمن الفلسطيني، وضرورة
استئناف المفاوضات السلمية فورا"،
فضلا عن التحذير من المساس بعرفات.
لكن شارون رفض الرسالة المصرية، وقال:
"لن نتفاوض تحت ضغط العنف"، إلا
أنه سارع بالرد بأنه لا يستهدف عرفات
بشخصه.
وكان "بولنت أجاويد" رئيس
الوزراء التركي قد أعلن أن شارون
أبلغه هاتفيا أنه -أي شارون- يريد
التخلص من عرفات، ولكن المتحدث باسم
شارون نفى ذلك، ولكن ما أثار القلق في
القاهرة أن تصريحات الرئيس الأمريكي
ووزراء خارجيته ودفاعه ومستشارة
الأمن القومي كانت تتحدث عن عدم جدوى
عرفات، وأنه لم يعد يصلح لإبرام سلام
مع الإسرائيليين، وتكاد هذه
التصريحات تطابق آراء الإسرائيليين
أنفسهم!.
وكان
دور الوساطة المصري بين الجانبين
الفلسطيني والإسرائيلي قد شهد
تراجعًا منذ وصول شارون للسلطة، وحل
محله فاصل من الانتقادات التدريجية
وصل لحد نقد مبارك عدم تعقيب شارون
على تهديدات وزرائه المتطرفين بضرب
مصر والسد العالي وكأنه يوافق عليها!،
وامتد التوتر أيضا إلى نهاية فترة حكم
رئيس الوزراء السابق "باراك"
بعدما استدعت مصر سفيرها لدى تل أبيب
في نوفمبر 2000 بسبب "الاستخدام
المفرط للقوة" ضد الفلسطينيين،
وقصف مدن فلسطينية بالطائرات لأول
مرة.
ويبدو
أن الاستقطاب الحاد بين الموقفين
الإسرائيلي والأمريكي على خلفية
الحديث عن مواجهة مشتركة للإرهاب،
ومن ثَم تصور دور أكبر للدولة العبرية
في هذا التحالف الإستراتيجي، خصوصا
مع انهيار طالبان السريع بما يعنيه
ذلك من فكّ الارتباط بين قضية
أفغانستان (وطلب دعم العرب فيها)
وقضية فلسطين -قد لفت نظر القيادة
المصرية إلى ضرورة التحرك السريع
لاحتواء هذا الخطر.
ولكن
المشكلة الآن أن نفس الحجج التي
تسوقها مصر للحثّ على التعاطي مع قضية
فلسطين، عن خطر تفشي العنف في المنطقة
في حالة عدم الحل العادل لمشكلة
فلسطين لم تعُد تجد صداها كما كان في
السابق لدى الأمريكان ربما بسبب نشوة
النصر السريع في أفغانستان، وتصور
إمكانية تحقيق ذلك في أماكن أخرى
بسرعة، وربما لسبب آخر أكثر خطورة
تلوح ملامحه في الأفق، وهو أن التحرك
الأمريكي التالي لضرب ما يسمونه
الإرهاب ربما يكون فلسطين ذاتها،
واعتماد أسلوب جديد بضرب المنظمات
والحركات بدلا من الدول والبدء
بالحركات الفلسطينية وبالذراع
الإسرائيلية مع تقديم الدعم
اللوجيستي بضرب مصادر التمويل في
الغرب (تجميد أرصدة منظمة الأرض
المقدسة الخيرية، و39 منظمة أخرى على
قائمة الإرهاب)!!.
اقرأ أيضًا:
|