 |
|
الشيخة
حسينة.. اللعب بنار الطائفية |
منذ
شهرين، أتت حكومة البيجوم "خالدة
ضياء" إلى السلطة في بنجلاديش من
خلال انتخابات برلمانية وُصفت من قبل
أجهزة الإعلام بأنها نزيهة، على
الرغم من تشكيك حزب "رابطة عوامي"
بزعامة الشيخة "حسينة واجد"
زعيمة المعارضة في هذه النتيجة. ولكن
مع بداية استلام البيجوم خالدة ضياء
لمقاليد السلطة، بدأت بعض الممارسات
من قبل الحكومة والمعارضة لا تتفق مع
جوهر العملية الديمقراطية، تمثلت في
التوظيف الخاطئ للسلطة التشريعية،
والتوسع في استخدام القرارات
الإدارية التي تحدّ من الحريات
السياسية، والإسراف في استخدام آليات
العمل السياسي.
أمن
البلاد أم أمن الأشخاص؟
بينما
كانت الشيخة حسينة واجد في سدة الحكم،
استطاعت أن تستصدر قانونا من
البرلمان بحكم الأغلبية التي تملكها
خلال الفترة 1996 – 2001، يقضي بتوفير
الحماية الأمنية لها ولشقيقتها
الشيخة ريحانة مدى الحياة. ولكن في
إطار تصفية الحسابات الشخصية بين
الزعيمتين، فإن حكومة البيجوم خالدة
ضياء أتت لتلغي هذا القانون، ومن خلال
البرلمان أيضاً. وقد برر وزير العدل –
في حكومة البيجوم خالدة – ذلك بأن
القرار بإلغاء القانون غير الضروري
سينقذ البلاد الفقيرة من مبالغ طائلة
تصرف لمصلحة حماية فردين اثنين فقط.
وقد
يُقبل هذا التبرير إذا ما قيل حيال
شخصية عادية، ولكن مع الشيخة حسينة
واجد فإن الأمر مختلف، حيث إنها عانت
من مأساة مقتل كافة أعضاء أسرتها في
عام 1976 مع أبيها مؤسس الدولة،
باستثنائها هي وأختها حيث كانتا
تدرسان بالخارج. ولم تعد لممارسة
حياتها السياسية إلا بعد نجاح أحزاب
المعارضة في الإطاحة بحكومة العسكر
بقيادة الجنرال "حسين إرشاد" في
عام 1991، هذا فضلاً عن الخصومات
السياسية التي اكتسبتها خلال توليها
السلطة على مدار السنوات الخمس
الماضية، حيث حاولت أن تثأر لأبيها من
خصومه السياسيين وكذلك المعارضين
لسياستها.
فمن
وجهة نظر البعض، قد يكون القانون الذي
استنّته الشيخة حسينة إبان وجودها في
السلطة له مبرراته على المستوى
الشخصي. ولكن مع إمعان النظر، نجد أن
هذه الممارسات - التي خوفتها على
حياتها بعد ترك السلطة - لم تكن
ديمقراطية.
وعلى
الجانب الآخر، نجد أن سلوك البيجوم
خالدة ضياء - بإلغاء قانون الحماية
الأمنية لزعيمة المعارضة وأختها مدى
الحياة - فيه نوع من التشفي؛ وقد يعرّض
حياة زعيمة المعارضة بالفعل للخطر في
ظل مستوى أمني متدن بالبلاد. ولعل
قراءة التاريخ تبرهن على ذلك من
اغتيال الشيخ "مجيب الرحمن" مؤسس
الدولة، ووالدة زعيمة المعارضة،
وأيضاً اغتيال "نجيب الرحمن" زوج
البيجوم خالدة ضياء، فضلاً عن
الأجواء غير الصحية للحوار السياسي
بين القوى السياسية في بنجلاديش، حيث
إن أعمال القتل والضرب غالباً ما تكون
الأداة الأكثر شيوعاً فيما بينها.
وكان
بإمكان البيجوم خالدة ضياء أن تبقى
هذه الميزة لغريمتها الشيخة حسينة،
وأن تسعى للحصول لنفسها على الميزة
ذاتها، ووقتها لن تجد المعارضة
مبرراً للاعتراض على ذلك؛ حيث إن
الظروف السياسية لكلتا السيدتين
واحدة؛ فإحداهما قُتل أبوها والثانية
قُتل زوجها؛ وهما يتبادلان الزعامة
بين السلطة والمعارضة على مدار عشر
سنوات مضت. وأيضاً فإن توفير الحماية
لمثل هذه الشخصيات مشروع، بغض النظر
عن طلبها للحماية. ولو غضت البيجوم
خالدة ضياء الطرف عن هذا الأمر، لكان
ذلك بداية لطي صفحة الثأر الشخصية
للزعامات السياسية في بنجلاديش، أو
أن يتم تنفيذ الحماية الأمنية في حدود
المعقول ودون الإسراف.. ولكنه التوظيف
الخاطئ للديمقراطية.
الاعتقال
أفضل الحلول
كان
من الطبيعي أن يكون رد الفعل - من قبل
حزب رابطة عوامي المعارض - السعي
للضغط على الحكومة لإلغاء هذا
القانون، من خلال إضراب عام وُصف بأنه
ناجح، وأن أفراد الشعب قد تجاوبوا معه.
ولكن الحكومة اتخذت قرارها السريع
باعتقال القادة الفاعلين في
المعارضة، وقد قُدّر عددهم بنحو 25
فرداً كان على رأسهم النائب
البرلماني السابق "مقبل حسين".
وعلى
ما يبدو، فإن أسلوب الاعتقال اعتمد -
لدى جهاز الشرطة في حكومة خالدة ضياء -
السيطرة على مقدرات الأمور. وقد زعمت
المعارضة أن حكومة خالدة ضياء - منذ
قدومها - مارست التعذيب تجاه
المعارضين السياسيين. أما أخطر اتهام
وجهته المعارضة للحكومة- وقد يكون فيه
نوع من تأليب الرأي العام العالمي،
وكذلك استثارة حفيظة الهند- فهو
اضطهاد الأقلية الهندوسية.
ومن
خلال قراءة التاريخ السياسي
لبنجلاديش، نجد أن العرقيات
والأقليات من أي نوع لم تكن مجالا
للخلاف أو التشاحن، وأن الهندوس
يشكلون نحو 10% فقط من إجمالي السكان.
ولا يتم التفرقة بين الأفراد في مختلف
المناصب الهامة أو الممارسات
السياسية. فالهندوس يتولون مناصب
وزارية في كل الحكومات التي تولت
السلطة في بنجلاديش، سواء كانت
حكومات ديمقراطية أم عسكرية. والجدير
بالذكر أن الهندوس في بنجلاديش
يشكلون أقلية دينية، وليست أقلية
عرقية، فهم ينحدرون من عرق البنجال.
وهنا
نجد أن توجيه مثل هذا الاتهام يعكس
مدى ضيق الرؤى السياسية للمعارضة
التي من الممكن أن يكون أبسط
انعكاساتها السلبية هو توتر العلاقات
مع الهند، التي لا تحظى بعلاقات جيدة
مع وجود خالدة ضياء في الحكم. فضلاً عن
أن المنظمات الدولية - إذا ما أخذت
بهذا الاتهام - قد تؤثر بشكل كبير على
حجم المعونات التي تحصل عليها
بنجلاديش من هذه المنظمات أو من
الحكومات الدعامة لها في مجال
المساعدات الإنمائية.
فتقرير
التنمية البشرية للأم المتحدة الصادر
في عام 2001 يشير إلى حصول بنجلاديش على
1203 مليون دولار في عام 1999 تمثل صافي
المساعدة الإنمائية الرسمية
المستلمة. ويمثل هذا المبلغ نحو 2.6% من
قيمة الناتج المحلي الإجمالي للعام
نفسه؛ وكان نصيب الفرد الواحد من هذه
المساعدات نحو 10 دولارات. وهذا معدل
لا يستهان به، إذا ما ذكرنا أن نحو 30
مليون فرد في بنجلاديش (أي نحو 25% من
نسبة السكان) يعيشون بأقل من دولار في
اليوم.
ونحسب
هنا أن حكومة خالدة ضياء مدركة تماماً
لخطورة الإقدام على مثل هذه الخطوة؛
وليس هذا دفاعاً عن حكومة البيجوم
خالدة ضياء، أو تأييداً لها إذا ما
أقبلت على هذا الإجراء الخاطئ. ولكن
من الممكن التعرض لبعض الأفراد
الهندوس باعتبارهم من القوى السياسية
المعارضة وليس على اعتبار أنهم هندوس.
وقد
أعلنت حكومة خالدة ضياء أن عمليات
الاعتقال تمت بهدف حماية المنشآت
الحكومية والممتلكات العامة من
التعرض للإتلاف من قبل المعارضين. وقد
يكون هذا إجراء وقائياً، ولكنه
الاتهام الجاهز دائماً لدى حكومات
العالم الثالث. وقد يكون من المناسب
أن نذكر هنا أن أكبر حادث شهدته
الحياة السياسية هناك - وأودى بحياة
العديد من البشر منذ انفصال بنجلاديش
عن باكستان في عام 1971 - هو ما شهدته
إحدى المصالح الحكومية في يوليو 2001
حيث راح ضحيته 120 فردا بين قتيل وجريح.
ووقتها وجه الاتهام إلى المعارضة
بزعامة البيجوم خالدة ضياء.
الإضراب..
إسراف في الاستخدام
قد
لا يمضي شهر في بنجلاديش دون حصول
إضراب عام؛ اعتراضاً على السياسات
الحكومية. فقد شهدت بنجلاديش – في شهر
نوفمبر الماضي – إضرابا قادته
الأحزاب السياسية اليسارية للاعتراض
على سياسة الحكومة بالقيام بتصدير
الغاز الطبيعي للهند، مطالبين
باستغلاله محلياً. ثم تلاه الإضراب
الذي نُظّم للاعتراض على قرار
الحكومة إلغاء الحماية الأمنية
لزعيمة المعارضة وشقيقتها.
وهنا
ليس الاعتراض على حق تنظيم الإضرابات
كحق للمعارضة، ولكن القضية في
النتائج المترتبة على استخدام هذه
الآلية، في ضوء الاعتبارات الآتية:
*
إن المعارضة قد تمد مدة الإضراب لأكثر
من يوم، وهذا يصيب الحياة الاقتصادية
في مقتل؛ إذ تقدر الخسائر الاقتصادية
المترتبة على تنظيم إضراب لمدة يوم
واحد على الاقتصاد البنجلاديشي بنحو
10 ملايين دولار. وإذا ما اعتبرنا أن
الإضراب سيكون بمعدل يوم واحد فقط كل
شهر، فإن ذلك سوف يفقد الاقتصاد
القومي نحو 120 مليون دولار، وهو مبلغ
ليس بالسهل ولا البسيط لاقتصاد دولة
فقيرة مثل بنجلاديش. وترصد وسائل
الإعلام أول النتائج الاقتصادية
السلبية للقيام بالإضراب حيث وقف
العمل ببورصة الأوراق المالية في دكا
- هذا على سبيل المثال - فضلاً عن توقف
شبه كامل لمظاهر الاقتصاد كافة في
المدن الكبرى على الأقل.
*
إن الحكومات المتعاقبة منذ عام 1991 -
وحتى الآن - لم تستجب لضغوط المعارضة
من خلال استغلال آلية الإضراب،
فانصبّ دورها فقط في الحفاظ على الأمن
العام وتحجيم دور المعارضة في الشارع.
وكان ينتج عن ذلك مصادمات، يكون
ناتجها - على الأقل - وجود إصابات في
صفوف منظمي الإضراب. فالمرة الوحيدة
التي نجحت فيها المعارضة كانت عام 1991،
وهي العصيان المدني الذي أطاح
بالجنرال حسين إرشاد.
فالمطلوب
من المعارضة هو التوظيف الجيد لهذه
الآلية بما لا يفقدها مضمونها،
ودراسة النتائج المترتبة على القيام
بها في ضوء المصالح القومية وفي ضوء
النتائج التي تحققت من ممارسة هذه
الآلية على مدار عشر سنوات مضت. ولا
يعني ذلك غض الطرف عن أخطاء الحكومة
والمساعدة على أدائها الديكتاتوري؛
فجوهر العملية الديمقراطية مشاركة
جميع الأطراف في العملية السياسية.
في
الختام، نجد أن سؤالاً يطرح نفسه في
إطار تجربة بنجلاديش التي أتمت
نجاحاً في الشق الإجرائي للعملية
الديمقراطية. وهو: هل مرور عشر سنوات
كافٍ على ترسيخ جوهر الديمقراطية لدى
أطراف اللعبة السياسية هناك، أم أن
الجديد سوف يكون بزوال القيادات
التاريخية ووجود أجيال جديدة تطرح
الإرث السياسي الخاطئ وراء ظهورها؟
اقرأ
أيضا:
|