 |
|
بوش
|
نظرة
بانورامية وسريعة لما كان يسيطر على
المنتديات السياسية والمحافل
الثقافية في السنوات التي سبقت 11
سبتمبر، ثم مقارنتها بسجلات ما بعد 11
سبتمبر - تكشف عن التحول الجذري الذي
خلفته تداعيات الحدث الذي ضرب مراكز
العصب في النظام الأمريكي.
منذ
تفكك الاتحاد السوفيتي، وقضايا
التحول الديمقراطي تشهد حراكًا
متزايدًا على المستوى الإجرائي. فقد
اتجهت العديد من دول الكتلة الشرقية
صوب التعددية السياسية، وشرعت في
إجراء إصلاحات سياسية تتواءم مع بنية
الفكرة الديمقراطية. وما شهدته دول
الكتلة الشرقية، شهدته بصورة أقل
حراكًا بعض دول العالم الثالث في
الشرق الأوسط وأمريكا اللاتينية.
تزامن هذا أو تزامل مع تبوء قضية
الديمقراطية وحقوق الإنسان مركز
الصدارة في سجلات النخب الثقافية
والفاعليات السياسية.
وعلى
مقربة من هذا، كانت الإدارة
الأمريكية -التي أعطتها المتغيرات
الدولية فرصًا متعاظمة لبسط هيمنتها
على شئون الأسرة الدولية- تنصب من
نفسها داعيًا لحراسة ونشر فلسفة
النموذج الديمقراطي، متقاطعة مع
أطروحة "فوكوياما" الذي دشن
أطروحته حول نهاية التاريخ.. معتبرًا
أن الأفق النهائي أمام البشرية صار
مرهونًا بهيمنة النموذج الليبرالي
الغربي الذي أغلق سقف التطور
التاريخي لصالحه.
حاولت
الإدارة الأمريكية استخدام
المعنويات الاقتصادية، وتسخير
نفوذها لدى المؤسسات المالية الدولية
من أجل الدفع في اتجاه إجراء إصلاحات
سياسية على قاعدة الديمقراطية
الغربية، بما يتواءم مع مصالح
الولايات المتحدة وعلاقاتها ببعض
الدول؛ أي أن الأمر لم يكن بإطلاق..
فحيثما تعارضت مسيرة التحول
الديمقراطي مع مصالح الولايات
المتحدة في بلد ما، كانت الإدارة
الأمريكية تغض الطرف عن دولة هنا
وهناك. ورغم كل هذا، فإن مساحات
التفاؤل كانت كبيرة، بحيث بدا أن
ممكنات التحول الديمقراطي وحقوق
الإنسان تملك حظوظًا أكبر بفعل
الإمكانيات الكبيرة التي توفرها ظروف
الخريطة الدولية.
في
خضم هذا السجال حول قضايا
الديمقراطية وحقوق الإنسان، كان
النموذج الليبرالي الغربي -وبخاصة
طبقته الأمريكية- حاضرًا كبرهان
يُساق للتدليل على ما يتوفر عليه
النموذج الليبرالي من عطاءات. ومن ثَم
ظلت لافتات: الحريات، حقوق الإنسان،
الرفاهية، تطرح كمحفزات تستخدمها
الوسائل الثقافية والإعلامية
الغربية وأنصارها في بقاع كثيرة من
العالم؛ لإغراء الآخرين بإسراع الخطى
نحو حافلة الديمقراطية. إلى جوار ذلك،
فإن هذه المفردات كانت مدعاة للتباهي
والتفاخر من جانب الغربيين -والأمريكيين
خاصة- ومحط إعجاب الكثيرين في بقاع
كثيرة من المعمورة.
لم
يكن بوسع أحد قبل أحداث 11 سبتمبر أن
يجنح به الخيال لتصور تحول الأمور على
هذا النحو الدراماتيكي. فمسحة
التفاؤل وأحاديث الديمقراطية
وتحولاتها، وقضايا حقوق الإنسان
تحولت إلى هواجس ومخاوف من الدخول في
نفق مظلم -ليس على مستوى العالم فحسب-
وإنما على مستوى الداخل الأمريكي
ذاته.
فقد
ساهمت القوانين التي سُنَّت
والتدابير التي اتُّخذت في أعقاب
أحداث 11 سبتمبر في دفع البعض إلى
تبنِّي مقولة: إن المجتمع الأمريكي -بهذه
التغيرات- بات راسبًا في مجال
الحريات، وإن "دولة القانون"
صارت على مقربة من دول العالم الثالث
التي طالما لاحقتها الهيئات
الأمريكية بتقاريرها حول أدائها
السيئ في هذه الميادين.
وعلى
ما في هذا القول من مبالغة، فإن الأمر
الذي لا يمكن إنكاره أن قضايا حقوق
الإنسان ومجال الحريات في الداخل
الأمريكي، وقضايا التحول الديمقراطي
في دول العالم الثالث.. كل هذه الدوائر
طالتها التأثيرات السلبية بمستوى أو
بآخر، مع اختلاف الوزن النسبي لدرجات
التأثر بها لعنصر الوقت. أي أن هذه
الآثار ظهرت سريعًا في بعض هذه
الدوائر، والبعض الآخر يقف على قائمة
الانتظار. وفق هذا، فإن استجلاء
الظلال السلبية لتداعيات 11 سبتمبر
على قضايا الديمقراطية وحقوق
الإنسان، تستدعي البحث أولاً في
الاستجابة التي قدمتها الإدارة
الأمريكية للتعاطي مع الحدث.
أمريكا
تقع في نفس الخطأ
شهدت
بعض دول العالم الثالث تجارب مريرة
وهي تعاني من مشكلة العنف والإرهاب.
وقد عاب الكثيرون -ومنهم الإدارة
الأمريكية- على الإدارات الحاكمة في
هذه البلدان حصر مواجهة ظاهرة
الإرهاب في الأداة الأمنية. وارتفعت
الأصوات تنادي بتكامل الأدوات؛
لاقتلاع الظاهرة من جذورها عبر
معالجة الأسباب الموضوعية التي توفر
دومًا القابلية للإرهاب. فالأداة
الأمنية وإن نجحت في التعامل مع ظاهرة
الإرهاب من خلال الإجراءات الأمنية
والعسكرية فإن ذلك النجاح جرى على
قاعدة المسكنات، فالخبرة العملية
أكدت أن الأعمال الإرهابية تظل
أسبابها الكامنة تتفاعل تحت السطح،
معرضة الكيان الاجتماعي للتوتر من
حين لآخر.
وحينما
حلَّت نازلة 11 سبتمبر توقَّع البعض أن
تحتفظ الإدارة الأمريكية بمساحة
تفصلها عن أن تظلم العالم الثالث، وأن
تشرع -بعد الاستفاقة من الصدمة- في
معالجة الحدث بموضوعية وعقلانية.
ولكن كانت المفاجأة كبيرة، عندما
أدرك الجميع أن الإدارة الأمريكية لم
تخرج في تعاطيها مع الحدث عن ذات
المسلك الذي كانت تتخذه الأنظمة في
العالم الثالث.
فقد
ركَّزت الإدارة الأمريكية على
البُعْد الأمني، رافضة إجراء أي
محاولات تقويمية لتفهم الظروف
والملابسات الموضوعية. وبدلاً من أن
تشرع الإدارة الأمريكية في إعادة
النظر في الملفات التي جلبت السخط على
الإدارات الأمريكية المتعاقبة، ذهب
الرئيس بوش إلى أن سبب هجوم
الإرهابيين على أمريكا يكمن في حقدهم
على الديمقراطية والحريات التي يتمتع
بها المجتمع الأمريكي!! وكأن ملفات
الصرع العربي – الإسرائيلي، والتدخل
في بعض القضايا الدولية بشكل غير
عادل، والبيئة، والعولمة.. كأن هذه
الملفات لم تخلق مشاعر عدائية إزاء
الإدارة الأمريكية!.
بدا
واضحًا من ردة الفعل هذه أن الإدارة
الأمريكية تنأى بنفسها عن أي محاولات
تقويمية، وعن تحمل أي مسئولية عن
المشاعر العدائية المتنامية إزاء
النظام الأمريكي. وظهر جليًّا من
خطابات الرئيس بوش وطاقمه، أن
الإدارة الأمريكية حسمت خيارها في
أسلوب العصا الغليظة والحلول العنيفة
والأدوات الأمنية. وكلها مفردات تقف
مع قيم الديمقراطية على طرفي نقيض.
والحاصل أن ردَّة فعل الإدارة
الأمريكية كشفت عن عقلية براجماتية
تتعارض مع الحس الديمقراطي.
ديمقراطية
العلاقات الدولية وظلال 11 سبتمبر
يولي البعض اهتمامًا متعاظمًا بقيم
النموذج الديمقراطي على المستوى
القطري. ولا يكاد هؤلاء ينتبهون إلى
أن جوهر فكرة الديمقراطية ينبغي أن
يتمدد ليشمل الأسرة الدولية. واللافت
للنظر أن قضايا الديمقراطية -في مجال
العلاقات الدولية- تشهد على الدوام
انتكاسات، حتى إنها سارت في اتجاه
معاكس مع قضايا التحول الديمقراطي
على المستوى القطري في حقبة
التسعينيات.
ورغم
أن ديمقراطية العلاقات الدولية تعاني
منذ أمد بعيد، فإن ما جرى في أعقاب 11
سبتمبر ذهب بهذه المعاناة أشواطًا
أبعد. فقد فشلت كل الجهود في إقناع
الإدارة الأمريكية على التقيد بمظلة
الشرعية الدولية، والتشاور مع
نظرائها في الأسرة الدولية للتداول
حول خطر الإرهاب.
وكرست
الإدارة الأمريكية –بمساعيها- سياسة
الانفراد، ودأبت على توجيه أوامر
خالية من معاني الدبلوماسية إلى
أعضاء الأسرة الدولية. وطلبت وانشطن -بديل
التشاور- انصياع الجميع لإرادتها
والاصطفاف خلفها. وقد حاول البعض تلمس
تبريرات لهذا التشنج في بواكير
الأزمة، باعتبار أن الحدث كان فوق
الاحتمال، إلا أن توالي الأيام لم
يغيِّر الإدارة الأمريكية عن لهجتها.
ففي خطاب الرئيس الأمريكي -أمام
الجمعية العامة للأمم المتحدة في
أوائل هذا الشهر- قال: إن وقت التعاطف
قد انتهى، وحان وقت العمل الفعلي،
وإنه لا يمكن لأي دولة أن تبقى محايدة
في الوقت الذي يواجه فيه العالم
التحدي الإرهابي.
وفي
هذا الصدد، حاول البعض أن يحتفظ
بالهيئات الدولية، التي ينبغي أن
يتحاكم إليها أطراف المجتمع الدولي
لحل خلافاتهم وإدارة شئونهم
المشتركة، وقد حاول البعض أن يحتفظ
لهذه المؤسسات ببعض ما تبقى لها من
دور، إلا أن الإدارة الأمريكية عصفت
بكل ذلك.. فاستصدرت قانونًا من مجلس
الأمن لمكافحة الإرهاب، وألزمت به
العالم أجمع. ورفضت تدخل الأمم
المتحدة لإشراك أعضاء الأسرة الدولية
في التباحث حول مضمون الإرهاب وسبل
مقاومته.
ولعل
أخطر ما تمخضت عنه تداعيات 11 سبتمبر
في هذا المجال، ذلك القانون الذي صدر
في 5 نوفمبر وأقرته وزارة الخارجية
الأمريكية، والذي يسمح للولايات
المتحدة باستخدام القوة العسكرية
لإطلاق سراح أي مواطن أمريكي أو مواطن
من الدول الحليفة لأمريكا يكون قد تم
القبض عليه في دول أخرى. وهكذا تصبح
الصورة أكثر قتامة، ويصبح التساؤل
مشروعًا: هل ثمة ديمقراطية في مجال
العلاقات الدولية؟
دول
العالم الثالث وحقوق الإنسان
لم
يَعُد أحد يمكنه التنبؤ بخطوط جيدة
لقضايا التحول الديمقراطي وحقوق
الإنسان في بلدان العالم الثالث؛
فإشاعة قيم النموذج الليبرالي
ستتوارى لصالح مكافحة الإرهاب، وصار
جليًّا أن الأجندة الأمريكية ستظل -لسنوات
ليست قليلة- تضع محاربة الإرهاب
كأولوية أساسية. وفي ظل السعي
الأمريكي لتكتيل العالم خلف أمريكا
في حربها ضد الإرهاب، فإن المخاوف
تتزايد من تحول قضايا الديمقراطية
وحقوق الإنسان في العالم الثالث إلى
قربان لاسترضاء أمريكا.
وتتركز
المخاوف بصورة أكثر، حول الفاعليات
السياسية والثقافية في كثير من دول
العالم الثالث. ومصدر هذا الخوف هي
الصفقة المبرمة بين الإدارة
الأمريكية وبعض النظم، بحيث يصبح
تقديم الدعم لأمريكا و"التخندق"
معها في حربها ثمنًا لكبت هذه
الفاعليات وتضييق الخناق عليها.
وتذكر هذه الأوضاع بمقولة وزير
الخارجية الأمريكي الأسبق "ألكساندر
هيبج" في عام 1981م، عندما صرَّح بأن
الإرهاب سوف يحل محل حقوق الإنسان؛
ليشغل المكانة الأولى من اهتمام
السياسة الخارجية لإدارة الرئيس
ريجان.
قوانين
أمريكية غير مسبوقة
يبدو
أن الإدارة الأمريكية اعتبرت أن فضاء
الحريات في المجتمع الأمريكي شكل
مساحات مناسبة لتمدد الأنشطة
الإرهابية. وحاولت الإدارة الأمريكية
إفهام الشعب الأمريكي بأن الأمن
ينبغي أن يكون الشاغل الأكبر في مرحلة
استثنائية في حياة المجتمع الأمريكي.
وقد وفرت أجواء الرعب التي خلفتها
أحداث 11 سبتمبر - وما تبعها من كابوس
الجمرة الخبيثة - أجواء مواتية مكنت
الإدارة الأمريكية من تمرير قوانين
واتخاذ تدابير غير مسبوقة في الخبرة
الأمريكية.
فقد
استهل الرئيس الأمريكي إجراءاته في
تعزيز الأمن الداخلي بإضافة حقبة
وزارية جديدة تسمى وزارة الأمن
الداخلي، هذه الوزارة ظلت مثارًا
للسخرية باعتبارها علامة على النظم
الشمولية. وقد كان التطور الأبرز - في
مجال تقليص الحريات - القانون الذي
وافق عليه الكونجرس لمكافحة الإرهاب،
ذلك القانون الذي حصل على أغلبية 9
أصوات من أعضاء الكونجرس في حين عارضه
عضو واحد. يمثل هذا القانون لحظة
فارقة في تاريخ حقوق الإنسان
والحريات في المجتمع الأمريكي؛ فقد
أعطت مواد القانون صلاحيات هائلة
لوكالة الاستخبارات الأمريكية بحيث
أصبح مخولاً لها:
1-
توقيف الأجانب واعتقالهم دون تهمة.
2-
التنصت على المكالمات الهاتفية
ورسائل البريد الإلكتروني.
3-
تفتيش المنازل سرًّا والاطلاع على
سجلات الشركات.
إلى
جنب هذا، فإن سلطات التحقيق تحاول
الحصول على رخص قانونية تسمح لها
باستخدام بعض وسائل الضغط لانتزاع
اعترافات من المقبوض عليهم. هذه
القوانين وتلك التدابير أعادت إلى
الأذهان ما عاشه المجتمع الأمريكي في
مطلع الخمسينيات، حيث سادت موجة
اعتقالات وملاحقات طالت كبار موظفي
الدولة، واتسعت دائرتها لتشمل
السياسيين والأكاديميين ونجوم
السينما تحت غطاء محاربة الشيوعية.
وقد عرفت هذه الظاهرة بالمكارثية
نسبة إلى السيناتور جوزيف مكارثي
الذي كان المحرك الأساس لها.
ثمَّة
اعتقاد أن تلك القوانين وهذه
التدابير لم تحرك ثائرة المجتمع
الأمريكي؛ لأن الشعب الأمريكي ما زال
مأخوذًا بما حدث في 11 سبتمبر وما
تبعها، ولأن هذه القوانين وتلك
التدابير ستتوجه إلى الأجانب وذوي
الأصول غير الغربية. غير أن استمرار
مفاعيل هذه القوانين وتلك التدابير
ربما يطال المجتمع الأمريكي، الأمر
الذي يفتح الآفاق على توقع حدوث تصادم
بين عقلية الإدارة السياسية
البراجماتية وآمال وطموحات الشارع
الأمريكي. فالأول سيُلِحّ على الأمن،
والثاني سيبحث عن استعادة الحقوق
والحريات التي سلبتها منه قوانين
وتدابير مكافحة الإرهاب؛ وربما دفع
هذا إلى حدوث توترات وصراعات غير
مسبوقة في النسيج الأمريكي تضع
أمريكا على مشارف مرحلة جديدة.
اقرأ
أيضًا:
|