بريدك الالكتروني


English

 
 

اسألوا أهل الذكر

|

معًا نربي أبناءنا

|

الحج والعمرة

|

الزكاة

|

صحية

|

دعوية

|

إيمانية

|

شبابية

استشارات:

 

في الموقع أيضًا:

المنطقة العربية

إستراتيجيات |القضية الفلسطينية | المنطقة العربية | بقية العالم الإسلامي | آسيا | أوروبا وأمريكا الشمالية وأستراليا | إفريقيا | شئون عالمية | رواق الأفكار | مساهمات الزائرين


تونس.. الطير يأبى التغريد خارج سربه!

25/11/2001

د. خالد شوكات - لاهاي

عرائس للبيع في متجر تونسي

أظهرت الأجواء العامة السائدة في تونس منذ أكثر من سنة رغبة الرئيس "بن علي" في تجاوز إحدى أهم قواعد اللعبة السياسية، التي قام بنفسه خلال السنوات الثلاث الأولى لحكمه بإرسائها وإعطائها القالب الدستوري والقانوني. فإلغاء الرئاسة مدى الحياة -من خلال حصر عدد الولايات الرئاسية التي يحق لمواطن أن يباشرها في ثلاث- لم يكن شعارا ثانويا رفعه ما عرف بـ"العهد الجديد"، بل كان أحد أهم المصادر التي نال هذا العهد الشرعية الشعبية من خلالها.

والبين أن نظام الرئيس بن علي قد تبنى -منذ أن تبلورت لديه قناعة "الولاية الرابعة غير الدستورية"- خطة من خمس مراحل لتطبيق هذه القناعة على أرض الواقع، وهي كما يلي:

1- العمل المستمر على مستوى الحكومة وحزب التجمع الدستوري الحاكم؛ للقضاء أو تهميش أي شخصية سياسية فاعلية وقوية قد تظهر عليها تطلعات أو ملامح قيادية؛ فالرئيس بن علي فضل -على امتداد 14 عاما من الحكم- الاعتماد على رجال من الدرجة الثانية من المعروفين بتواضع طموحاتهم السياسية، وخصوصا من شريحة "التكنوقراط" المحايدة. وبالمقابل، فقد كان مصير شخصيات سياسية هامة في الحزب والدولة الإقصاء أحيانا، والتحقير أحيانا أخرى. ومن هؤلاء شركاء الرئيس بن علي في الانقلاب على سلفه الراحل، كالهادي البكوش والحبيب عمار، وآخرون كمحمد جغام ابن نفس البلدة التي أتى منها الرئيس بن علي، والذي قيل: إنه أُبعد بسبب رغبة فرنسية-أمريكية في تنصيبه خليفة للحكم.

2- قيام خلايا الحزب الحاكم القاعدية وبعض الأجهزة الاستخباراتية -منذ دخول الرئيس بن علي في ولايته الرئاسية الثالثة، والمفترض أنها الأخيرة- بترويج الإشاعات، وبث الدعايات في الأوساط العامة، التي تصب في مجملها في اعتبار التجديد للرئيس ضرورة وطنية، وأن الدستور لا قيمة له عمليا. فقد كان الغالب خرقه.. فلماذا سيُحترم الآن؟ وأخيرا.. فإن تونس تنعم بالاستقرار فلماذا تتجه إلى المجهول عملا بالمثل الشعبي التونسي " شد مشومك ليجيك أشوم منه"؟! (احتفظ بسيئك فربما أتاك من هو أسوأ منه).

وتتضمن الإشاعة عادة بعدين؛ أولهما: جس نبض الشارع. وثانيهما: تحويل ما يمكن أن يُعتقد أنه كارثة إلى مسألة طبيعية مقبولة وعادية.

3- اتباع الرئيس نفسه لسياسة التلميح بدلا من التصريح، وهو ما قام به في خطابه الأخير يوم 7-11-2001؛ حيث أخبر شعبه بأن تغييرا دستوريا سيحصل في المستقبل القريب، مفسحا المجال لعقول المواطنين لتخيل مضمون هذا التغيير. فإذا ما تكامل التخيل مع ما أشيع، سيخلصون بلا شك إلى أن المطلوب هو تقبل ما كان يعد محظورا. هذا بالإضافة إلى تحريك قواعد الحزب الحاكم العريضة، بل ومؤسساته القيادية، للقيام بوظيفة التصريح المسبق. ومن ذلك، قيام اللجنة المركزية للتجمع الدستوري الديمقراطي الحاكم- في آخر اجتماع لها- بترشيح الرئيس بن علي رسميا لولاية رابعة، وهي على علم مسبق بأن ذلك يتناقض بوضوح مع صفتي "الدستورية" و"الديمقراطية" اللتين يحملهما اسم الحزب، متذرعة في ذلك بأن إرادة الشعب فوق أي صفة أو قاعدة.

4- الإقدام على تغيير الدستور -وهو ما سيتم في الفترة المقبلة- وإلغاء الفقرة الواردة في الفصل 39 من الدستور، التي تحرم الرئيس بن علي من حق الترشيح مجددا في انتخابات الرئاسة لسنة 2004، وذلك في إطار تغيير دستوري قد يطال العديد من الفصول، مثلما أشار إلى ذلك الرئيس نفسه. وهو التغيير الذي قد يسعى إلى توجيه الأنظار إلى قضايا سياسية ودستورية أخرى، غير أن قضية التجديد للرئيس تبدو في ظاهرها هامة، لكنها من الناحية الفعلية ليست كذلك، من قبيل اعتماد مجلس نيابي من غرفتين، بدلا من مجلس الغرفة الواحدة كما هو الشأن حاليا، أو اعتماد المجلس الدستوري الأعلى مؤسسة دستورية ذات صلاحية تقريرية موسعة، عوضًا عن ما عليه وضعها الاستشاري الراهن.

5- إجراء انتخابات رئاسية متعددة من حيث الشكل، ومفردة من حيث المضمون، يضمن خلالها وجود مرشح أو أكثر عدا مرشح الحزب الحاكم، ويفوز فيها الرئيس بن علي كالعادة بنسبة لن تقل عن 99%. وقد أعلن المحامي "منير الباجي" رئيس ما يُسمى بالحزب الاجتماعي التحرري (المعارض) من الآن عن نيته في الترشيح لانتخابات 2004، موفرا على الحزب الحاكم عناء البحث عن مرشح من تلك الشريحة من السياسيين، التي يكون مجرد الترشيح للرئاسة لديها غاية في حد ذاته، حتى وإن كانت النتيجة الحصول على أقل من 1% من الأصوات.

النظام يتآكل من أطرافه

إن اعتماد النظام التونسي خطة كالتي أشير إليها للتجديد للرئيس بن علي خلافا لمقررات الدستور يبدو في ظاهره دليلا على قوة وتماسك هذا النظام، وقدرته على تمرير إرادته وفرضها على مؤسسات الدولة والمجتمع، وإضفاء طابع الشرعية القانونية والشعبية عليها. لكنها تدل في حقيقة الأمر على أزمة خطيرة، تنذر بعودة البلاد إلى الأجواء المشحونة والصعبة التي عاشتها تونس منذ قرار الرئيس الراحل "بورقيبة" تنصيب نفسه سنة 1974 رئيسا مدى الحياة، والتي لم تنتهِ إلا بعد أن انخرطت البلاد في سلسلة متعاقبة من التجارب المرة والاضطرابات الشعبية التي تصادمت خلالها الدولة مع مواطنيها، وأفضت في خاتمتها إلى إقصاء الرئيس الراحل -أو المجاهد الأكبر كما كان يسمي نفسه- بطريقة مهينة.

لقد انتزع نظام الرئيس بن علي شرعيته في السنوات الأولى من عمره، بإقدامه على اتخاذ الكثير من الإجراءات والقوانين التي أوحت لأطراف الحياة السياسية، وللملاحظين في الداخل والخارج، بأن تونس في اتجاهها إلى بناء دولة ديمقراطية تعددية. وعلى رأس هذه الإجراءات والقوانين: الإفراج عن السجناء السياسيين، وتنظيم أول انتخابات تشريعية تعددية، وإلغاء الرئاسة مدى الحياة من خلال تحديد عدد الولايات الرئاسية بثلاث.

غير أن شرعية النظام التونسي بدأت منذ مطلع تسعينيات القرن الماضي في التآكل، بعد قرار الدولة الدخول في مواجهة مفتوحة مع حركة النهضة الإسلامية، أفضت مع مرور السنوات إلى اتخاذ نظام الرئيس بن علي حلة أمنية متوحشة، صودرت معها الحريات العامة، وانتُهكت من خلالها حقوق الإنسان بطريقة غير مسبوقة، ومُلئت السجون التونسية بآلاف الناشطين السياسيين من مختلف الاتجاهات والمشارب الفكرية والسياسية.

وبدت قطيعة النظام التونسي في بداية الأمر مقتصرة على الإسلاميين، لكنها اتسعت لاحقا لتشمل في الوقت الراهن العائلات السياسية كافة؛ فالمعارضة التونسية اليوم طيف من الإسلاميين، واليساريين، والقوميين العرب، والليبراليين، وأعضاء غاضبين من حزب الدستور الحاكم، ونقابيي ونشطاء منظمات حقوق الإنسان، وطلبة، وآخرين يصعب تصنيفهم ضمن خانة سياسية معينة، لكنهم لم يترددوا في إعلان انضمامهم للمعارضة.

وقد تجلت أزمة النظام التونسي السياسية -أكثر ما يكون التجلي- في رفع وزراء سابقين في حكومة الرئيس بن علي عصا المعارضة من قبيل وزير التربية السابق محمد الشرفي، بل وصل الأمر إلى انشقاق أحد أقرب المقربين إلى الرئيس بن علي عنه. فقد أعلن "كمال لطيف" رجل الأعمال المعروف في 26 أكتوبر الماضي على صفحات جريدة "لوموند" الفرنسية ذائعة الصيت، دخوله في صفوف المعارضين، مبررا تغييره لوجهته بحرصه على المصلحة الوطنية التي يحدق بها خطر كبير كما جاء في حوار الصحيفة الفرنسية معه.

والبين من خلال قراءة مؤشرات كثيرة صادرة عن نظام الرئيس بن علي أن عقدة "احتقار الآخر والتقليل من خطورته" متضخمة لدى الطبقة السياسية المحيطة برئيس الدولة التونسية، وإن الدرس المستخلص من قِبل هذه الطبقة -من الأزمات المتعاقبة الناتجة عن الانشقاقات المتتالية لرجال الحكم- ليس سوى أن هؤلاء لا قيمة لهم ما دامت الأوضاع العامة ومؤسسات النظام تحت السيطرة، وذلك دون الأخذ بعين الاعتبار عملية التراكم الجارية، التي تقود عمليا إلى أكل النظام لمصادر شرعيته الواحدة تلو الأخرى.

المعارضة قوية أدبيا.. ضعيفة عمليا

لقد استفاد نظام الرئيس بن علي كثيرا خلال السنوات الماضية من غياب الحركة الإسلامية المطلق عن الساحة السياسية، بعد أن كانت هذه الحركة تشكل خلال سنوات الثمانينيات قوة المعارضة الأولى. وكان تقدير النظام التونسي أن إقصاء الإسلاميين وإخراجهم من المعادلة السياسية كفيل بضمان الاستمرارية والاستفراد بالسلطة، خصوصا بعد أن أبدت بقية أطراف المعارضة العلمانية موافقتها على وضع مصير مأساوي للحركة الإسلامية، في مقابل امتيازات أو منح سياسية، تبين لاحقا أنها مؤقتة.

غير أن السنوات الخمس الأخيرة من عقد التسعينيات أفرزت معادلة أخرى، ربما لم يكن النظام قد حسب حسابا لها؛ فقد تراجعت الأحزاب والحركات اليسارية المعارضة عن تحالفاتها الصامتة أو المعلنة مع نظام الرئيس بن علي، وتطور تراجعها تدريجيا إلى أن تحول إلى حركة رفض جماعي شاملة، أفرزت إلى الوجود تيارات سياسية جديدة، وجدت في أزمة البلاد السياسية الخانقة فرصة لإعلان ميلادها، سواء داخل البلاد أو خارجها. ومن هذه التيارات: "حزب المؤتمر من أجل الجمهورية" الذي يتزعمه "المنصف المرزوقي" الرئيس السابق للرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان، و"حركة المركز التونسي للديمقراطية والتنمية" التي يقودها "محمد الهاشمي الحامدي" الوجه الإعلامي التونسي المعروف.

وترفع المعارضة التونسية بمختلف فصائلها شعارات تكاد تكون موحدة، من أهمها:

- سَنّ عفو تشريعي عام يمنح كافة السجناء السياسيين الحرية، ويعيد لهم الاعتبار.

- عدم السماح للرئيس بن علي بالترشيح مجددا لولاية رابعة غير دستورية.

- عدم السماح بتغيير الدستور ضمن المعادلة السياسية الحالية.

- تحرير السلطة القضائية من هيمنة السلطة التنفيذية، واحترام المؤسسات لمبدأ استقلال القضاء والتفريق بين السلطات.

- تحرير وسائل الإعلام من وصاية الدولة.

- الإعداد لإجراء انتخابات رئاسية وتشريعية تعددية ونزيهة، تفرز مؤسسات حكم ذات شرعية حقيقية.

وبقدر ما يظهر خطاب المعارضة التونسية قويًّا، يبدو واقعها غير ذلك؛ حيث يطبع الانقسام الكثير من تحركاتها، كما يظهر بعض أطرافها خطابا سياسيا قابلا للمساومة؛ وهو ما قد يسهل على النظام الحاكم تمرير مشاريعه السياسية، وفي مقدمتها مسألة التجديد للرئيس. فقد تحدثت بعض مصادر المعارضة عن إمكانية مقايضة بعض الأحزاب غير المعترف بها لتأشيرة العمل القانوني في مقابل سكوتها عن تغيير الدستور، ومنح الرئيس بن علي ولاية رابعة، وربما خامسة. وتبقى سيرة أحزاب المعارضة في تونس -والمنطقة العربية عامة- غير محصنة أمام مثل هذه الاختراقات والمساومات، ولديها الاستعداد الدائم لتأجيل طموحاتها المبدئية الكبيرة نظير هبات ومصالح ظرفية ضيقة.

المستقبل بين باريس وواشنطن

لفتت أنظار المهتمين بالشأن التونسي في الفترة الأخيرة حادثتان تشيران بشكل كبير إلى عوامل أخرى خارجية، قد تكون لها الكلمة العليا في أي تغيير، ربما تشهده البلاد التونسية، التي كان كثير من المحللين يؤهلها للالتحاق بنادي الدول الديمقراطية قبل غيرها من دول المنطقة، غير أنها أثبتت خلاف ذلك.

الحادثة الأولى: تعرض لها "البشير الصيد"، نقيب المحامين التونسيين والمعارض القومي المعروف. وتمثلت في اقتحام رجال مخابرات قبل أسابيع لمكتبه، وتهشيم محتوياته، وسرقة مبلغ مالي كان في أدراجه. وذلك بعد اجتماع الصيد مع السفير الفرنسي، وما تردد عن تصريحات نُسبت للسفير، أعرب خلالها عن قلق باريس حيال مستقبل تونس، ورغبتها الكبيرة في حدوث تغيير هادئ يعزز الديمقراطية في البلاد، ويضمن استقرارها.

والحادثة الثانية، هي تعرض رجل الأعمال وصديق الرئيس التونسي "كمال لطيف" لاعتداء من قِبل أشخاص يُعتقد أنهم من الأجهزة الأمنية، قاموا في نهاية أكتوبر الماضي بتحطيم سيارته بعد لقائه بالسفير الأمريكي في تونس، وعدد من الديبلوماسيين الغربيين. وقيل: إن أنباء قد ترددت -بعد الاجتماع- عن رغبة أمريكية في إحداث تغيير سياسي في تونس، يضمن بقاء البلاد مستقرة وهادئة، وهي التي تنتمي إلى فضاء مليء بالقلاقل والاضطرابات.

وتكمن أهمية الحادثتين في أنهما تدللان على إمكانية وجود رغبة أمريكية-فرنسية مشتركة في تدارك أمر انزلاق تونس إلى حالة متقلبة لا تتفق مع مصالح باريس وواشنطن الكبيرة في هذا البلد العربي الصغير. كما تبرهنان على حالة العجز التي تطبع علاقة نظام الرئيس بن علي بالورقة الخارجية؛ بحيث يدرك حساسية هذه الورقة من جانب، فيما لا يجد من جانب آخر من وسائل التصدي لها سوى اقتحام المكاتب وتحطيم محتوياتها أو تهشيم زجاج سيارات.

اقرأ أيضًا:


إستراتيجيات |القضية الفلسطينية | المنطقة العربية | بقية العالم الإسلامي | آسيا | أوروبا وأمريكا الشمالية وأستراليا | إفريقيا | شئون عالمية | رواق الأفكار | مساهمات الزائرين

 

 

«

ابحث 

«

بحث متقدم

 

أخبار وتحليلات شرعي دعوي تزكية نماء علوم وصحة ثقافة وفن حواء وآدم مشاكل وحلول وسائط متعددة

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع