|
تخوض
واشنطن منذ بضعة أسابيع حربًا تحت
لافتة "الحرب ضد الإرهاب". وقد
وصف البيت الأبيض هذه الحرب بالحرب
الجديدة.
وقد
خاضت الولايات المتحدة عدة حروب،
ولأسباب مختلفة وتمكَّنت من تحقيق
انتصارات في عدد منها. على أن تلك
الحروب كانت حروبًا تقليدية عادة ما
تكون المواجهة فيها بين جيشين
نظاميين، وهي حرب ضد عدو معلوم، وعلى
أرض محددة، ومن أجل أهداف عسكرية
مضبوطة.
أما
الحرب الجديدة التي يتحدث عنها فهي
حرب ضد أشباح؛ ليس فيها أهداف عسكرية
واضحة يمكن ضربها، ولا فيها مناطق
مصالح يمكن التنازع عليها. كما أنها
حرب بين كيانين مختلفين اختلافًا
نوعيًّا، فهي حرب بين دولة لها آليات
عمل معلومة، وتقوم على مؤسسات
وأجهزة، وبين تنظيمات سرية غير
معلومة المواقع ولا الهوية بشكل دقيق.
وبخلاف
الجيوش التقليدية، تتميز هذه
التنظيمات بقدرتها على التحرك السريع
والخفي. كما أن عملها لا يحتاج ضرورة
إلى تمويل عالٍ، ولا لوجستيك (بنية
تحتية) متطور، فسلاحها الفعَّال هو
قدرتها على التخفي، وقدرتها على
استعمال تجهيزات العدو وأمواله. (وهذا
ما سيجعل من قرار الولايات المتحدة
تجميد الأرصدة التي ادعت أنها ممولة
لابن لادن عملاً غير مُجْد. هذا إن صحت
التهم التي ادعتها واشنطن). ولا تحتاج
هذه التنظيمات إلى تجييش الجيوش بقدر
ما تقوم على مجموعات قليلة العدد
خفيفة العدة. كما يقتصر هدفها العسكري
على إستراتيجية تخريب مواقع عدوها،
وتعطيل حركته، والإخلال باستقراره،
بينما يتسع هدف الدولة المحاربة إلى
إزالة العدو، واحتلال موقعه، والتمكن
من استغلال مصالحه، وهذا هدف مستحيل
التحقيق في حرب ليس للعدو فيها موقع
معلوم، ولا مناطق ثروات يحارب من
أجلها.
وفي
الأخير فإن لهذه التنظيمات قدرة
عالية على التجدد ما دامت الشروط التي
أنتجها موجودة؛ إذ هي في أغلب الحالات
نتاج وضع سياسي متأزم استحال فيه
الحراك السياسي ومجالات التعبير عن
الرأي، بحيث لم يبق من حل إلا اللجوء
إلى لغة الحرب ورد الظلم بظلم أشد منه
في بعض الحالات.
حروب
لا تنتهي
والمشكل
في هذه الحروب هو كونها يمكن أن لا
تنتهي، وأنها عادة ما تتواصل لسنوات
عديدة - إن لم نقل لعقود - إضافة إلى أن
الأهداف العسكرية لهذه التنظيمات
تتحقق بضمان تواصل الحرب، بينما
تعتبر الدولة نفسها منتصرة في مثل هذه
الحروب إذا ما وفقت في تجميد - أو على
الأقل تعطيل - قدرة هذه التنظيمات على
القيام بهذه الحرب.
إضافة
لكل ما ذكرناه فإن الدخول في هذه
الحرب يحتاج إلى توفير أرضية سياسية
وأمنية ومالية يصعب ضمان توفيرها،
وإن وجدت فإنه سيصعب ضمان تواصلها.
تحالفات
وتنازلات
إن
واشنطن في حاجة ماسة إلى إقامة عدد من
التحالفات مع عدد واسع من الدول، إن
لم نقل مع كل دول العالم، وهذا سيتطلب
منها تقديم تنازلات حقيقية لهذه
الدول، والتعبير عن استعداد للتضامن
معها في ما تصفه هي بالإرهاب. ولنتخيل
ماذا ستفعل واشنطن في ما يخصُّ قضية
الشيشان مع روسيا، وقضية تايوان مع
الصين، وقضية أيرلندا الشمالية مع
بريطانيا، وقضية كشمير مع الهند... إلى
غير ذلك من القضايا التي تتناقض فيها
مصالح البيت الأبيض، مع من تريدهم أن
يقفوا في صفها في حربها. والأهم من كل
ذلك ماذا ستفعل واشنطن في القضية
الفلسطينية؟ من سيكون حليفها في هذه
الحرب: العرب، أم إسرائيل؟ من سيكون
الإرهابي منهما بالنسبة للولايات
المتحدة؟
والواضح
بعد مرور فترة قصيرة جدًّا من بداية
الحملة العسكرية على أفغانستان أن
واشنطن عاجزة عن سدِّ كل الفراغات
التي حصلت بسبب التناقضات التي
تولدها سياساتها الخارجية
ودبلوماسيتها في عملها من أجل بناء
"تحالف دولي ضد الإرهاب"، وقد
تبين ذلك خاصة في ما يتعلق بقضية
كشمير، مع التوتر الملحوظ الذي شهدته
العلاقة بين الهند وباكستان في ما يخص
هذا الموضع. إضافة إلى التأزم الحقيقي
الذي عرفته القضية الفلسطينية؛ بسبب
التعجرف والإرهاب الصهيونيين.
ومن
البيِّن أن الدول التي تسارعت للدخول
في "تحالف" مع واشنطن، إنما فعلت
ذلك من أجل تحقيق عدد من المصالح
الذاتية، وليس من أجل المضي مع البيت
الأبيض في حربه المزمعة ضد الإرهاب.
وأهم دليل على هذا يتضح بما حصل
أخيرًا في بريطانيا؛ إذ أعلن الجيش
الجمهوري فجأة عن تسليمه لأسلحته
التي رفض تسليمها، رغم عدد من
المفاوضات الكثيفة التي لعبت فيها
واشنطن في عهد كلينتون دورًا نشطًا،
ولكن دون جدوى، فإذا بهذا الجيش يقتنع
أخيرًا بتسليم سلاحه، دون مفاوضات،
وبلا رحلات مكوكية أو تنازلات سياسية
من حكومة "واست منستر"، فإذا كان
الأمر كذلك مع أنشط حليف لواشنطن (بريطانيا)،
فلنتخيل بقية القصة مع بقية المترعين
للعب هذه اللعبة على حساب الشعوب
المسلمة، وشعب أفغانستان المجوَّع
والمغتال بالقنابل "الموجهة".
أيديولوجية
جديدة للغرب
ومن
جهة أخرى سيحتاج الدخول في هذه الحرب
إلى سنِّ مجموعة من القوانين التي
تضبط حركة الأموال والأشخاص، وهذا
سيجعل واشنطن وحلفاءها من الدول
الغربية في حاجة إلى وضع إيديولوجيا
جديدة تبرِّر الوضع الأمني الجديد
للمواطن الغربي؛ هذا الوضع الذي ربما
يحرمه من عدد من حقوقه التي اعتبرها
بدهية، ما سيجعله في وضع شبيه للمواطن
في دول العالم الثالث. كما أن هذه
الدول ستكون في حاجة إلى إقناع
مواطنيها أن هذه الحرب حربهم وليست
حرب البيت الأبيض فقط، وأن الأموال
التي ستصرفها الحكومات التي انتخبوها
ضرورية لضمان أمنهم ورفاهتهم التي
تعوَّدوا عليها. والأهم من ذلك أن
دماء أبنائهم التي ستسيل في هذه الحرب
مبرَّرة، وأنها لم تذهب للدفاع عن
المصالح الخاصة لدولة أجنبية.
كما
ستحتاج هذه الدول أن تبرهن لمواطنيها
أن هذه الحرب التي ستخوضها إلى جانب
واشنطن لن تمس باقتصادها الذي بدأ
يعرف نوعًا من التململ، ولا شك أن وضع
الحرب وعدم الاستقرار لا يساعده على
النمو، وذلك أن الحرب عادة ما تضرُّ
بالوضع الاقتصادي - على الأقل على
المدى المتوسط -، ومن البيِّن أن قرار
الحرب بدأ يُنتِج مضاره على المؤسسات
المالية وعلى أعمالها؛ بسبب حالة
الذعر والترقُّب التي شاعت بين الناس
وداخل الأسواق، ما أدى إلى بطء في
حركة المبادلات التجارية.
كما
أن القوانين المزمع التشريع لها في
المجال الأمني، المتعلقة بحركة
الأموال والأشخاص، ستعطِّل حركة هذه
المبادلات التجارية، وستكون
المؤسسات المالية الأمريكية أول من
يمسه الضرر.
ومن
الواضح أن مثل هذا الجهد بدأ يعرف
صعوبات حقيقية مع بروز عدد من الأصوات
التي تطالب بإيقاف الحرب، ومع بداية
تكون حركات ناشطة من أجل السلام، حتى
داخل الولايات المتحدة. ومن المرجَّح
في رأيي أن هذه الأصوات ستكثر وستزيد
شعبيتها كلما طالت الحرب وتواترت صور
الضحايا من المدنيين الأبرياء الذين
يموتون تحت قصف القذائف "الموجهة".
وكلما
تأخر خبر القبض على "ابن لادن"،
والعجز عن إسقاط نظام طالبان، خاصة
إذا تورَّطت واشنطن في حرب برية،
وتصدرت صور جنودها القتلى والأسرى
الأخبار الأولى للنشرات الإخبارية!.
إقناع
الشعوب المسلمة
وبما
أن العالم الإسلامي والعربي منه
بالخصوص سيكون ساحة رئيسية لهذه
الحرب، خاصة وأن واشنطن قد أعلنت أن
العراق سيكون الخطوة الثانية في هذه
الحرب بعد أفغانستان، وأن حركات
المقاومة الفلسطينية وفي لبنان
متصدرة ما تصفه هي بالحركات
الإرهابية، فإن هذا يعني أن الولايات
المتحدة ستحتاج إلى إقناع الشعوب
الإسلامية - والعربية خصوصًا - أن
حربها ليست ضدهم، وأن الطفل والرضيع
الأفغاني الذي سيزيد جوعًا أو سيفجره
الصاروخ الأمريكي عضو من تنظيم
القاعدة (هذا التنظيم المتهم بجريمة
لم يعترف بها، ولم تقدر واشنطن حتى
الآن على تقديم أي دليل على تورطه في
تلك العملية). كما ستحتاج إلى إقناع
العرب والمسلمين أن مواصلة حصارها
وضربها لأطفال العراق مقصود منه صدام
حسين، وليس الطفل الذي يموت بسبب نقص
الغذاء والدواء، أو بسبب القنابل
التي يسقطها عليه الطيران الأمريكي.
والأهم
من كل ذلك، وقبل كل شيء، ستحتاج
واشنطن لأن تبرِّر للعرب والمسلمين
أن دعمها للكيان الصهيوني المحتل،
بالسلاح والمال والضغط الدبلوماسي،
ليس حربًا ضدهم، كما ستحتاج أن تقنعهم
أن "حزب الله" و"حماس" و"الجهاد"
و"فتح الانتفاضة"، وكل
التنظيمات الفلسطينية المقاومة
للاحتلال الصهيوني هي تنظيمات
إرهابية.
وأخيرًا
ستحتاج واشنطن إلى إقناع العالم إلى
أن دماء الأبرياء الذين سقطوا ضحايا
الضربة الظالمة في نيويورك أغلى من
دماء عشرات الآلاف من الفلسطينيين
الذين سقطوا في مذابح "صبرا
وشاتيلا" وغيرها من المذابح
المتواصلة، وأغلى من دماء ضحايا
مذبحة "قانا"، كما أنها أغلى من
دماء أبناء العراق وأفغانستان.
فتنة
بين الحكومات والشعوب
إن
الاستفزاز الذي أثاره وسيؤججه
العدوان الأمريكي لمشاعر الشعوب
العربية سيضع الأنظمة العربية
والإسلامية في موضع حرج: بين أن تزيد
في قمع شعوبها وتمعن في تكميم
أفواههم، وبين أن تعتذر بأن وضعها
الهش لا يحتمل ضغطًا أكثر. إضافة إلى
أن المصلحة الإستراتيجية لهذه
الأنظمة تتناقض تناقضا كليًّا مع
مصالح الكيان الصهيوني في المنطقة
العربية، وهذا ما سيدفعها على الأرجح
إلى التردد في التسليم لواشنطن بكل ما
تطلبه، وربما إلى التعبير عن نوع من
المقاومة لبرنامج البيت الأبيض. هذا
باستثناء عدد من الأنظمة التي سترى في
هذه الأحداث فرصة تنتهزها من أجل
التذكير بدروسها المزعومة في مقاومة
الإرهاب، وربما تتخذ من هذه الموجة
مناسبة للمضي في ارتكاب جرائم جديدة
ما كان لها أن تقترفها في أجواء
سياسية طبيعية، متأسية في ذلك
بالكيان الصهيوني.
الخلاصة
إن
الدخول في هذه الحرب سيدفع إلى السطح -
وربما بشكل عنيف - عددًا من التناقضات
داخل الدول الغربية، وبين هذه الدول
والولايات المتحدة، وبين الدول
العربية والإسلامية وواشنطن.
إن
كل هذه الصعوبات تجعل من الصعب جدًّا
أن تنجح الولايات المتحدة في تحقيق
أهدافها العسكرية من الحرب التي دخلت
فيها. والأرجح أن تدفع التناقضات التي
ستولدها هذه الحرب إلى عزل أكثر
لسياسة واشنطن، حتى عن بعض حلفائها
التقليديين الذين سيصبح دعمهم
لواشنطن مرتفع الثمن. كل هذا يمكن أن
يؤدي إلى توفير أجواء مثالية لنمو
ردود فعل عنيفة على سياسات البيت
الأبيض وسياسات الأنظمة التي تسير في
ركابه.
إن
التناقض مع الولايات المتحدة ليس
أمرًا خاصًّا بالشعوب المسلمة، بل هو
أمر عام على جميع شعوب "العالم
الثالث"، بل وحتى شعوب ما يوصف بـ"العالم
المتقدم". إن الأمر الذي لا تريد
واشنطن الاعتراف به هو أن الضربة التي
تلقتها كانت الأعنف، ولكنها ليست
الاحتجاج الوحيد على سياساتها
الخارجية في العالم.
إن
السؤال الذي ترفض واشنطن وكل من يسير
في ركابها الإجابة عنه هو: لماذا يلجأ
شاب ناجح في حياته - كما تدعي - إلى مثل
هذه الأعمال البشعة؟ من الذي صنع هذا
الإنسان؟ من الذي جرَّده من إنسانيته
واحترامه للحياة البشرية بحيث يقدم
على قتل نفسه وقتل الآخرين معه في
صورة هي أشبه بعمل شمشون الجبار؛ هذه
الأسطورة التي تنقلها التوراة
والإنجيل؟ من الذي حوَّل هذا الشاب
المسلم الذي يقرأ في القرآن "أَنَّهُ
مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ
أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ
فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ
جَمِيعًا..." إلى شمشون يقول: عليَّ
وعلى أعدائي.
إن
الإرهاب يولِّد الإرهاب. ليس الإرهاب
وليد عنصر ولا لون ولا عقيدة، بل هو
وليد جنسه! إن الإرهاب الذي يمارسه
القوي يدفع المظلوم إلى أن يغير
عقيدته في الحياة كي يصبح مبتغاهُ لا
حياة كريمة أو حرية، بل زوال سبب
الألم والظلم الذي يعانيه بأي ثمن كان.
أن
تعلن الولايات المتحدة؛ القوة الكبرى
في العالم، وقمة التقدم، ورمز
الحضارة الغربية حربًا على أسامة بن
لادن؛ الرجل الذي ترك الثروة، وصاحب
الفقر، وعاش في بلد من أفقر دول
العالم وأقلها تقدمًا وتحضرًا
بالمعنى الغربي، وتجعل منه شيطانًا،
وتلخِّص كل الإرهاب فيه أمر ممكن. أما
أن تنجح في الوصول إليه فذلك أمر صعب.
وإن وصلت إليه، فإنها لن تنجح في قتله.
وإن فعلت فإنها ستصنع منه بفعلها ذاك
شخصية ملهمة جديدة لشعوب العالم
الثالث لن تقل قيمة بل لعلها تفوق
تأثير شخصية "شي غيفارا" الذي
كان بدوره ضحية أيادٍ أمريكية، فعاش
رمزًا من رموز الثورة على الظلم ومن
أجل التحرر.
____________________
* باحث في فلسفة الأخلاق - جامعة ريدنغ - بريطانيا
اقرأ
أيضًا:
|