|
أدى
سقوط مدينة مزار الشريف وما حولها من
مدن صغيرة وبلدات إلى إثارة عشرات
التساؤلات حول مصير طالبان، وقصر
الفترة الزمنية المحددة للحرب، وما
إذا كان سقوط المدينة سيعجل بانتهاء
الحرب الأمريكية سريعا أم لا؟
كما
أثار السقوط –أو انسحاب طالبان
التكتيكي كما قالوا– التساؤلات حول
سر هذا الانهيار السريع لطالبان التي
صمدت لمدة شهر، وأسبابه ، وتأثيره على
سير بقية الحملة العسكرية باتجاه
العاصمة كابول. ولأهمية الحدث نشرح
أهمية مزار الشريف وقصتها التاريخية
مع الحروب الأفغانية المتوالية في
التقرير التالي.
أهمية
المدينة
هي
مدينة في شمال أفغانستان على بعد 35
ميلا (56 كيلومترا) من الحدود الجنوبية
لأوزبكستان، ارتفاعها من سطح البحر
1250 قدمًا، تقع كابول العاصمة منها على
بعد 320 كيلومترًا في جنوبها الشرقي؛
تعتبر إحدى المناطق الخصبة في
أفغانستان، تنتج القمح والحرير
والقطن والثمار بأنواعها. كان عدد
سكانها حسب تقديرات الأمم المتحدة في
عام 1988م حوالي 130600 نسمة.
سميت المدينة بـ"بمزار الشريف" -ومعناه "الضريح المقدس"– نتيجة الاكتشاف المزعوم هناك لقبر "علي بن أبي طالب" (رابع الخلفاء الراشدين) طبقا للأسطورة الأفغانية.
وقد استولى الأفغان على مزار الشريف عام 1852م، وأصبحت في عام 1869م حاضرة كبيرة من حواضر تركستان الأفغانية. وتقع على بعد بضعة أميال من مدينة مزار الشريف إلى جهة الغرب مدينة "بلخ" التاريخية.
وسبق
أن أسست القوات السوفيتية في منطقة
"دهدادي" قاعدة من قواعدها
المركزية بعد احتلالها أفغانستان سنة
1979م، وشقت روسيا طريقا من مزار الشريف
إلى مدينة "ترمذ" الأوزبكية
الحدودية، ومدت جسرا على "آمودريا"
وسموه "جسر الصداقة"؛ ومن ثَم
ازدادت الأهمية الإستراتيجية
للمدينة.
ولما
خرجت القوات السوفيتية من أفغانستان
عام 1989م، كانت القوة الضاربة في
المدينة المليشيات الجوزجانية، أو
مليشيات "جلم جم" التي كان
يقودها الجنرال الشيوعي "عبد
الرشيد دوستم". ولما ضاق الأمر
بالرئيس الأفغاني الأسبق "نجيب"
بعد عام 1991م، أراد أن ينقل عاصمة
أفغانستان إليها، إلا أنه لم يتمكن من
ذلك.
ولما
خرجت حكومة الرئيس "رباني" من
كابول بعد استيلاء طالبان عليها عام
1996م جعلتها عاصمة لها، إلى أن وقعت
بيد طالبان بصورة نهائية يوم 8 أغسطس
1998م.
وحينما
قرر الأمريكان الهجوم على أفغانستان
طلبوا من عبد الرشيد دوستم -الذي عمل
مع كل القوى الأفغانية العميلة للروس
وكذلك الأحزاب الإسلامية، وكان يعيش
في تركيا- أن يعود إلى أفغانستان. وبدأ
الهجوم على مزار الشريف قبل أكثر من
ثلاثة أسابيع؛ وساعده على ذلك "عطا
محمد" القائد الميداني التابع
للجمعية الإسلامية التابعة للرئيس
الأفغاني السابق رباني.
دلالات
الاستيلاء على مزار الشريف
في
أعقاب القصف الأمريكي المتواصل على
خطوط الجبهة المتقدمة لطالبان لأيام
متواصلة -وبعد أن استخدمت القوات
الأمريكية أنواعا فتاكة من القنابل،
وقتلت الأبرياء والعزل، وبمساعدة
الخبراء الأمريكيين الموجودين في
داخل أفغانستان- دخلت قوات التحالف
الشمالي إلى المدينة، واستولت كذلك
على المناطق القريبة من مزار الشريف،
مثل ولاية "سربل"، وبعدها ولاية
"سمنغان" يوم السبت 10-11-2001م.
وقد ركزت أمريكا على هذه المناطق،
وقاتلت القوات الشمالية قتالا
مستميتا للاستيلاء عليها لعدة أسباب:
1-
تحقيق مكسب على أرض الواقع:
استمر
القصف الأمريكي أكثر من شهر، وحددت له
أهداف معينة، منها تدمير نظام الدفاع
الجوي لحركة طالبان، وما يرافق ذلك من
المطارات وغيرها. وأعلنوا بعد يومين
أنهم حققوا هذا الهدف؛ وكان الهدف
الآخر للقصف الأمريكي هو تدمير
المنشآت العسكرية ومراكز التدريب
لتنظيم "القاعدة". وقد أعلنت
أمريكا أنها تمكنت من الوصول إلى هذا
الهدف.. لكن هذه الأهداف لم تكن ملموسة
ومشاهدة للناس؛ ولذلك كان الناس
يتساءلون عن الأهداف التي حققتها
أمريكا. ومن هنا اهتمت أمريكا بأن
تتقدم على الأرض، وتحتل مدينة معروفة
لتثبت أنها حققت مكاسب على أرض الواقع.
2-
الضربة النفسية لمقاتلي حركة طالبان:
كانت
أمريكا تريد بالاستيلاء على مزار
الشريف توجيه ضربة نفسية لمقاتلي
حركة طالبان. فإنهم عندما يفقدون
مدينة مهمة مثل مزار الشريف تتأثر
معنوياتهم؛ وذلك يؤثر على الدوافع
القتالية والأداء في ميدان المعركة.
3-
رفع معنويات المؤيدين للمشروع
الأمريكي:
لما
أُعدم "عبد الحق"، وحوصر "حامد
كرازي"، واستطاع بشِقِّ النفس أن
يفلت من حصار طالبان، ولم يتمكن
الجنرال "محمد إسماعيل خان" من
إحكام سيطرته على المناطق التي
أخرجها من قبضة حركة طالبان، ولم يكن
هناك تقدم على الجبهة الشمالية في
مواجهة طالبان، أصيب المؤيدون
للمشروع الأمريكي بإحباط وصدمة
نفسية، وفقد بعضهم الأمل في نجاح ذلك
المشروع. ومن هنا ركزت أمريكا على
مزار الشريف لتحقيق أي تقدم لرفع
معنويات المؤيدين لمشروعها، وإنقاذه.
4-
تهيئة الظروف لإيجاد قاعدة أمريكية
في أفغانستان:
تريد
أمريكا أن تكون لديها قاعدة تتحكم
فيها بحرية دون حاجة لاستئذان الغير،
وتحرسها قواتها. وأرادت بالاستيلاء
على مزار الشريف أن تحقق هذا الهدف؛
لأن القواعد في أوزبكستان وباكستان
وطاجكستان ليست أمريكا حرة في
استخدامها، بل لا بد أن تراعي ظروف
البلد السياسية والشعبية. أما الآن
فتستطيع أمريكا أن تنشئ قاعدة لها في
منطقة "دهدادي" التي كانت قاعدة
كبيرة من قواعد القوات السوفيتية
أيام وجودها في أفغانستان.
5-
تهيئة الظروف لتطبيق المشروع السياسي:
تريد
أمريكا إزالة حكومة طالبان، وإيجاد
حكومة بديلة تكون الغلبة فيها
للأطراف الأفغانية الموالية
لأمريكا، وإن شارك فيها معهم غيرهم.
وقد اختارت أمريكا لهذا الغرض الملك
المخلوع "محمد ظاهر شاه"،
بمشاركة بعض الجهات الأخرى مثل تحالف
الشمال، والدول المجاورة.
وكانت
باكستان تطالب -في البداية- أن يُعطى
المعتدلون من طالبان دورا في حكومة
المستقبل؛ لأنها كانت تتوقع أن ينقلب
بعضهم على أميرهم "الملا عمر"،
وأن هذه المجموعة ستُعطى الدور في
حكومة المستقبل؛ إلا أنه لما فشل
مشروع تفجير طالبان من الداخل، بدأت
باكستان تطالب بالدور الأكبر
للمعتدلين من الباشتون، وتقصد بهم
الذين تعتبرهم موالين لها، مثل "سيد
أحمد جيلاني".
وترفض
باكستان أن يُعطى تحالف الشمال الدور
الأكبر في حكومة المستقبل، بينما
تطالب الهند أن يعطى تحالف الشمال
الدور الأكبر. ومن هنا كانت باكستان
تحاول أن يدخل الملك المخلوع محمد
ظاهر شاه -الشخص الذي يبدو أنه المتفق
عليه- عن طريقها؛ لأن هذا الأمر سيعطي
الدور الأساسي لباكستان في تشكيل
حكومة المستقبل في أفغانستان. لكن
تحالف الشمال كان يعارض مجيء ظاهر شاه
عن طريق باكستان. وكذلك كان المشروع
الأمريكي يحتاج إلى منطقة تصلح
لتشكيل الحكومة المؤقتة في داخل
أفغانستان، ومزار الشريف تصلح لهذا
الغرض.
خطورة
سقوط مزار الشريف
إن
أمريكا قبل فترة كانت تتحدث عن تقسيم
أفغانستان بين الشمال والجنوب؛ فإذا
لم تتمكن قوات التحالف الشمالي من بسط
السيطرة على كل أفغانستان فمن الممكن
أن تقدم أمريكا مشروعا لتقسيم
أفغانستان، وتجد من البعض آذانا
صاغية؛ لأن الجيران الشماليين
لأفغانستان وروسيا يسعون في إيجاد
حائل بينهم وبين الإسلام، الذي
يخافون من أن يأتيهم من مناطق
الباشتون في جنوب أفغانستان.. وبذلك
تكون أفغانستان دخلت كارثة أخرى.
اقرأ
أيضًا:
|