 |
|
الرئيس
البشير
|
القرار
الأخير الذي اتخذه الرئيس السوداني
عمر البشير في خطابه أمام البرلمان
السوداني 1-10-2001، ويقضي بإلغاء
الاتهام الموجَّه ضد أعضاء حزب
المؤتمر الشعبي (حزب الترابي)، وبعض
القيادات في التجمع الوطني المعارض
في الداخل، أثار عدة تساؤلات تتعلق
بالأسباب الدافعة إلى ذلك، ودلالات
التوقيت، وانعكاسات هذا القرار على
عملية المصالحة الوطنية.
وبداية،
نشير إلى أن النظام السوداني قام في
20-12-2000 باعتقال ستة أعضاء من سكرتارية
التجمع الوطني المعارض عقب اجتماعهم
مع المستشار السياسي للسفارة
الأمريكية بالخرطوم؛ حيث اتهمهم
بالتخطيط للقيام بانقلاب عسكري ضد
النظام، كما تم إبعاد الدبلوماسي
الأمريكي عن البلاد. وفي 22-2-2001 قامت
الحكومة باعتقال الترابي وستة من
كوادر حزبه بعد توقيعهم على مذكرة
تفاهم مع "الحركة الشعبية لتحرير
السودان"- بزعامة جون جارانج- تقضي
بضرورة تصعيد المقاومة السلمية ضد
النظام لحمله على التخلي عن سياسته
التعسفية؛ حيث اعتبرت السلطات
الأمنية هذا الاتفاق بمثابة عمل
جنائي مع حركة عسكرية تستهدف الإطاحة
بنظام الحكم.
ومن
هنا، فإن قرار البشير الأخير أدى إلى
الإفراج عن سكرتارية التجمع الوطني
المعارض، فضلاً عن رفاق الترابي، إلا
أن الأخير تم استثناؤه من القرار
استنادًا إلى الفقرة التي تقضي
بالتحفظ على بعض الأشخاص لدواعٍ خاصة.
وهو الأمر الذي تم تفسيره بأنه يعني
الترابي على وجه التحديد.
دلالات
التوقيت
إن
المتأمل في دلالات توقيت القرار
يلاحظ أنه:
-
يأتي
بعد أقل من أسبوع واحد من رفع
العقوبات الدولية عن السودان.
-
كما
أنه يأتي بعد فترة وجيزة من لقاء
غازي صلاح الدين -مستشار البشير
لشئون السلام– مع الصادق المهدي
زعيم حزب الأمة المعارض الذي يتمتع
بعلاقات وثيقة مع الولايات
المتحدة، والذي طالب بضرورة
الإفراج عن زعماء المعارضة من أجل
استكمال جهود المصالحة الوطنية.
-
كما
يأتي قبل يومين فقط من الزيارة
المقرر أن يقوم بها مسئول الأمم
المتحدة لحقوق الإنسان، التي قد
تساهم في عودة السودان للمشاركة
بقوة في المحافل الدولية بعد رفع
العقوبات، خاصة أن هذه المسألة تم
استغلالها أسوأ استغلال من قبل
المجتمع الدولي، فضلا عن الإفراج
عن الأرصدة الحكومية المجمّدة لدى
بعض المؤسسات الاقتصادية الدولية.
-
يُضاف
إلى ذلك أن الخرطوم تستهدف من هذه
الخطوة توجيه رسالة إلى واشنطن
بشأن رفع الحظر الأمريكي المفروض
على السودان منذ حادث تفجير
السفارتين الأمريكيتين في كينيا
وتنزانيا عام 1998؛ إذ إن واشنطن كانت
تستخدم هي الأخرى ورقتي "الإرهاب"
و"حقوق الإنسان" لتبرير
استمرار هذه العقوبات.
وإذا
كانت الورقة الأولى قد سقطت بشهادة
الفريق الأمني الأمريكي الذي كان
يتوافد على الخرطوم طيلة الأشهر
الثمانية عشرة الماضية، ورفع تقريرًا
يشير إلى خلو السودان من الإرهابيين
المطلوبين للمحاكمة، وساهم هذا
التقرير في رفع العقوبات الدولية عن
السودان، وامتناع واشنطن عن استخدام
حق الاعتراض (الفيتو) -فإن قرار البشير
الأخير من شأنه أن يسقط الورقة
الثانية (حقوق الإنسان) بحيث يتم رفع
الحظر الأمريكي، الأمر الذي يساهم في
استعادة الاقتصاد السوداني لعافيته.
أهداف
القرار
استهدف
الرئيس البشير من قراره تحقيق بعض
الأهداف على الصعيدين الداخلي
والخارجي:
على
الصعيد الداخلي:
يُلاحظ
أنه استهدف تحقيق هدف مزدوج يتمثل في
تحسين صورته أمام المعارضة الداخلية
المتمثلة في كل من "التجمع الوطني
الديمقراطي"، و"حزب المؤتمر
الشعبي".
فمن
ناحية، قرار البشير بالنسبة للإفراج
عن سكرتارية التجمع من شأنه استمالة
الحزب الاتحادي الذي يرأسه الميرغني،
والذي يرأس التجمع أيضًا من أجل
التجاوب مع المبادرة المصرية-
الليبية، التي تقضي بوحدة السودان،
مع إعطاء الأقاليم قدرًا أكبر من
الحكم الذاتي.
ولعل
هذه النقطة كانت دائما أحد أسباب
الخلاف بين فصائل التجمع الرئيسية (حزب
الأمة بزعامة المهدي في جانب، وكل من
الميرغني وجارانج في الجانب الآخر).
فالمهدي يؤكد وحدة السودان، وإن كان
يؤكد على أن هذه الوحدة ينبغي أن تتم
بصورة طوعية، كما قام بالتوقيع على
اتفاق جيبوتي مع الحكومة الذي يؤكد
أيضًا وحدة السودان.
وفي
المقابل فإن كلاًّ من الميرغني
وجارانج يصران على حق تقرير المصير،
الذي قد يؤدي بدوره إلى انفصال الجنوب.
ولقد كان هذا الخلاف أحد أسباب انسحاب
المهدي من التجمع.
لذا،
فإن البشير بقراره الأخير يهدف إلى
استمالة الميرغني أيضًا، وهو الأمر
الذي يعني في النهاية بقاء جارانج
بمفرده في الساحة.
ومن
ناحية أخرى، يحاول الرئيس السوداني
تخفيف الضغط الواقع عليه من قبل
المؤتمر الشعبي، الذي دفع المؤتمر
إلى توقيع مذكرة التفاهم مع جارانج
بالرغم من اختلاف توجهات الجانبين،
واختلاف الهدف النهائي لكل منهما.
أي
أن البشير أراد أن يكسب ود المؤتمر
الشعبي –الحليف القديم له- بعد
الممارسات التي تعرضت لها جبهة
الترابي في العامين الماضيين، التي
بدأت بحل البرلمان الذي كان يرأسه
الترابي، مرورًا بعملية إقصائه من
منصب الأمين العام للحزب الحاكم،
وصولاً إلى اعتقاله هو وبعض رفاقه في
فبراير الماضي.
ولا
شك أن هذا الموقف سيعزز موقف الرئيس
بشير أمام المعارضة؛ نظرًا للثقل
النسبي للمؤتمر الشعبي، كما سيعزز
أيضا من فرص نجاح المبادرة المصرية-الليبية
التي يؤيدها الترابي.
أما
بالنسبة لاستثناء الترابي ذاته من
قرار العفو، فإن الأمر لا يخلو من
مدلولات سياسية، فالبشير لا يرغب في
الإقدام على مثل هذه الخطوة
لاعتبارين:
الأول:
عدم إثارة حفيظة المعارضة التي ترفض
أي تقارب بين النظام والإسلاميين،
وترفع جميعها شعار فصل الدين عن
الدولة، ومن ثم فإنها تخشى عودة
الترابي مرة أخرى إلى الساحة
السياسية.
ولا
شك أن البشير ذاته يرفض عودة الترابي
للعب دور فاعل؛ حتى لا يتكرر نموذج
النظام الذي يتحكم فيه رأسان.
الثاني:
عدم إثارة حفيظة الولايات المتحدة،
التي ترغب الخرطوم في تحسين علاقاتها
معها في الآونة الأخيرة من أجل رفع
الحظر الأمريكي عنها، وتشهد هذه
العلاقات بالفعل تحسنًا ملحوظًا،
خاصة بعد إدانة السودان للتفجيرات
التي شهدتها نيويورك وواشنطن،
وإعلانها تأييدها للتحالف الأمريكي
ضد "الإرهاب الدولي".
لذا،
فإن البشير لا يرغب في تعكير صفو هذه
العلاقة، فهو يدرك جيدًا أن واشنطن
ترفض أي هوية إسلامية للسودان، كما أن
الاهتمام الأمريكي الأخير –إنما
ينبع من بين أسباب أخرى- من ضغوط
اللوبي المسيحي في الحزب الجمهوري
الذي يطالب الإدارة الأمريكية
بالتدخل لحماية الأقلية المسيحية في
السودان، كما تدخلت لحماية الأقلية
المسلمة في حرب كوسوفا.
وعلى
الصعيد الخارجي:
يُلاحظ
أن البشير لا يستهدف فقط رفع الحظر
الأمريكي عن بلاده، وإنما –وهذا هو
الأهم- قيام واشنطن بالضغط على جارانج
للقبول بمبدأ الحكم الذاتي في إطار
السودان الموحد. أي، بمعني آخر، تأييد
واشنطن للمبادرة المصرية– الليبية.
ولعل البشير يستند في ذلك إلى وجود
حالة تخبط واضحة في الإدارة
الأمريكية بشأن جارانج قد تدفع إلى
تأييد واشنطن للحكم الذاتي للجنوبيين
بدلا من الانفصال التام.
هذا
التخبط لا يتعلق بدعم جارانج بقدر ما
يتعلق بالتصور الأمريكي النهائي لحل
أزمة الجنوب السوداني. ولقد ظهرت عدة
مؤشرات في هذا الشأن من أبرزها ما
ذكره الرئيس الأمريكي عند اختيار
دانفورث ليكون المبعوث الأمريكي
الرابع للسودان منذ وصول حكومة
الإنقاذ للحكم عام 1989؛ حيث أشار إلى
أن المتمردين في جنوب السودان إنما
يسعون للحصول على الحكم الذاتي فقط.
كما أعلن دانفورث ذاته أنه لا مانع
لديه من إجراء حوار مع دول الجوار
بشأن حل مسألة الجنوب، وأشار في هذا
الصدد إلى كلٍّ من مصر وكينيا.
وإذا
كان اختياره لكينيا أمرًا متوقعًا
على اعتبار أنها ترأس حاليا المجموعة
الوزارية "للإيجاد"، كما أن
واشنطن أساسًا تؤيد مبادرة "الإيجاد"
التي تهدف في النهاية إلى إعطاء
الجنوبيين حق تقرير المصير، فإن
حديثه عن مصر يعني إمكانية النظر في
المبادرة المصرية-الليبية، وإن كان
قد استبعد إجراء مشاورات مع طرابلس
بسبب حساسية العلاقة بين بلاده
وليبيا.
ومن
هنا يمكن القول بأن قرار البشير
باستثناء الترابي من عملية الإفراج
إنما اتسم بقدر كبير من العقلانية،
خاصة بعدما تردد من أن واشنطن بصدد
طرح مبادرة جديدة للأزمة السودانية
عبر مبعوثها الجديد. صحيح أن معالم
هذه المبادرة لم تتضح بعد حتى الآن،
لكن الشيء الذي تطمع فيه الخرطوم هو
أن يقترب الطرح الأمريكي مع الطرح
المصري– الليبي.
العلاقة
بين الحكومة والمعارضة
يستهدف
النظام السوداني دفع المعارضة إلى
القبول بالمبادرة المصرية- الليبية
التي لم يبد عليها أي تحفظات، بل قام
في الرابع والعشرين من الشهر الماضي
بالرد على الأسئلة التي طرحها كلٌّ من
مصر وليبيا، والتي تدور حول آليات
تنفيذ المبادرة، ومن هذه الأسئلة
مكان انعقاد المؤتمر التمهيدي للحوار
الوطني، ومن الذي سيمثل كل وفد،
وتوقيت عقد هذا المؤتمر، وجدول
الأعمال.
وبالرغم
من أن مصر وليبيا أعطتا القوى الثلاث
المعنية (الحكومة- التجمع الوطني-حزب
الأمة) مهلة مدتها ستة أسابيع (انتهت
بنهاية سبتمبر2001)، فإن الحكومة
السودانية اقترحت عقد هذا المؤتمر في
مصر أو ليبيا، كما أعلنت أنها ستشارك
بوفد يرأسه الدكتور غازي صلاح الدين
المسئول عن ملف السلام، واقترحت أن
ينعقد المؤتمر في الأسبوع الأول من
أكتوبر، أو الأسبوع الأول من نوفمبر؛
نظرًا لأن الحزب الحاكم سيكون
مشغولاً خلال الأسابيع الثلاثة
الأولى من أكتوبر في إعداد وعقد
مؤتمره السنوي.
وفي
المقابل، نجد أن المعارضة لم تقم
بالرد حتى الآن على هذه المقترحات. بل
إن التجمع الوطني يشهد حالة من
الانقسام الواضح بشأنها؛ نظرًا لرفض
جارانج لها، وإصراره على الالتزام
بما جاء في مبادرة "الإيجاد".
على
أية حال يبقى القول في النهاية: إن
قرار البشير الأخير ساهم في إكساب
النظام مزيدًا من الشرعية في مواجهة
المعارضة من جانب، وفي مواجهة العالم
الخارجي من جانب آخر. أو بمعنى آخر،
فقد نجح في نقل الكرة من ملعبه إلى
ملعب الخصوم، وهو ينتظر الآن ما ستسفر
عنه هذه المباراة من أحداث ونتائج.
اقرأ
أيضًا:
|