 |
|
اللواء طلعت مسلم |
توقع
خبير عسكري مصري فشل الحملة العسكرية
الأمريكية على أفغانستان في نهاية
المطاف، على الرغم من كمّ الذخيرة
الهائل الذي سقط على الأفغان والسلاح
المتطور، مشددا على أن أمريكا ورطت
نفسها هناك.
وقال
اللواء متقاعد طلعت مسلم: إن الهدف
الذي تسعى إليه واشنطن في أفغانستان
هو – فقط- الانتقام، واستعادة هيبتها
وكرامتها المهدرة في أحداث 11 سبتمبر
الماضي ، وإن ما تفعله أمريكا حاليا
هو -كما يقال- " حلاوة الروح"!
فهي مضروبة في أمنها وفي اقتصادها،
ومضروبة في سياستها.
واستغرب
اللواء مُسلم هذا الكم الهائل من
السلاح والذخيرة الأمريكية الذي يتم
إلقاؤه كل يوم فوق أفغانستان، والذي
يفوق ما أُلقي على العراق في أكثر من
شهر، وقال بسخرية: إنهم يضربون،
وكأنهم في ميدان رماية!. كما أشار إلى
أن الأمريكان يجربون أسلحتهم الحديثة
في أفغانستان.
وأكد
أن هناك فرصا للعرب والمسلمين يمكن
استغلالها لتحقيق مكاسب في ظل هذه
الحملة الأمريكية، ولكن هذه الفرصة -كما
قال- تتوقف على من يستطيع أن يستغلها،
وهل نحن قادرون على استغلالها أم لا؟
وقال: للأسف، حتى الآن غير واضح أننا
قادرون على استغلالها بشكل كبير!!
وفيما
يلي تفاصيل الحوار:
* في
رأيك ما هو الهدف الحقيقي
الإستراتيجي الذي تسعى من ورائه
واشنطن في أفغانستان في ضوء هذا الحشد
العسكري الهائل.. هل هو ضرب طالبان
وكفى؟
- الهدف في رأيي هو استعادة
الهيبة الأمريكية؛ بمعنى أن صورة
أمريكا اهتزت أمام العالم كله وأمام
نفسها، وهذا الحشد الهدف الإستراتيجي
من ورائه هو استعادة الهيبة والمكانة
والثقة بالنفس. ولكن السؤال هو: هل
استعادت أمريكا هذه الهيبة؟! المشكلة
الآن أنها ورطت نفسها في أفغانستان،
وكيف تخرج من هذه الورطة التي قد لا
تأتي بنتيجة؟!
فلو
حدث هذا –أي عدم تحقيق نتيجة لضرب
أفغانستان- فسوف تؤكد أمريكا بذلك
ضعفها، وهنا حتى انسحابها دون تحقيق
نتيجة سيكون مشكلة أكبر.
أما الأهداف الأخرى مثل تحقيق نفوذ في
وسط أسيا، أو الاقتراب من بترول بحر
قزوين، أو محاصرة الصين وروسيا،
فأعتقد أنها أهداف قديمة، وليس هذا هو
الوقت المناسب لتحقيقها؛ بمعنى أن
القضية قد تكون معقدة إذا استمر
الوجود الأمريكي هناك، وأنا أشك في أن
تستمر القوات الأمريكية في هذه
المنطقة. فلو شعرت الدول المحيطة
بأفغانستان أن المقصود من التواجد
الأمريكي هو البقاء في المنطقة؛ فسوف
تسحب تعاونها مع واشنطن ضد
أفغانستان، وبالتالي ستكون واشنطن
ينطبق عليها المثل العربي الذي يقول:
"إنها لا حصلت على بلح الشام ولا
عنب اليمن"!
وأنا
أرى أن هذا ليس الوقت المناسب لتحقيق
الأهداف الإستراتيجية الكبرى
للولايات المتحدة. والأساس فيما
تفعله هو أن تؤكد قيادتها للعالم،
وهذا ما تفعله من خلال التحالف، وما
تقوله من أنه: "مَن ليس مع واشنطن
فهو مع الإرهاب"!.
* هل
تعتقد أن الطبيعة الجغرافية
والمناخية للأراضي الأفغانية ستسمح
لأمريكا بتحقيق انتصار وهدم نظام
طالبان؟
-
الانتصار
العسكري الأمريكي على طالبان في رأيي
مستحيل؛ لأن طالبان ليست مجرد طائفة
دينية، وإنما قاعدتها هي قاعدة قبلية
تشكل الجزء الأكبر من سكان
أفغانستان، وحتى لو هزمت القوات
العسكرية الأمريكية طالبان عسكريًا؛
فهي لا تستطيع أن تقيم نظام حكم مستقر
في أفغانستان بدون طالبان، وبدون أن
تكون طالبان هي الأساس.
أما بالنسبة للمعارضة الأفغانية،
فعلاقتها مع أمريكا تضرها ولا
تنفعها، ونفس الكلام بالنسبة للملك
ظاهر شاه، وبالتالي مهما كانت القوة
العسكرية الأمريكية، فأعتقد أنها لا
تستطيع أن تحقق انتصارًا في
أفغانستان.
* هل
تعتقد أن قوة النيران الأمريكية (قذائف
زنة 5 أطنان و2.5 طن، وطائرات حديثة
وثقيلة وغيرها) مبالغ فيها أم أنها
أمر عادي؟
- أولا:
قوة النيران الأمريكية عادة مبالغ
فيها، ولو تذكرنا في حرب الخليج ظلت
تقوم بضربات جوية مستمرة على العراق
حوالي شهر، وبلغ عدد طلعات الطيران 180
ألف طلعة طيران، وبالتالي فهذا يرجع
لطبيعة الأمريكان؛ لأنهم يحاولون
استبدال القوات الجوية بالقوات
البرية، فيكثفوا القصف الجوي وقوة
النيران، وإلى حد ما نجحت هذه العقلية
العسكرية الأمريكية في صربيا، ولكنها
فشلت في العراق. أما في أفغانستان
فأعتقد أن هناك استحالة لنجاح هذا
القصف؛ نظرًا لطبيعة المنطقة والجبال
وغيرها.
يجربون
أسلحتهم في الأفغان!
الأمر
الثاني: أن هناك احتمالا أن يكون
الأمريكان يقومون بتجربة أسلحتهم
الحديثة في أفغانستان، ومنها حكاية
قنبلة اختراق الأحجام الكبيرة من
الخرسانة، واحتمال الوصول إلى باطن
كهف معين، وهذه فرصة ذهبية لتجربة هذه
الأسلحة في أفغانستان، وهناك تجارب
سابقة على ذلك، وقد يكون هذا أحد
مبررات استخدام هذه القوة النيرانية
الكثيفة والقذائف الثقيلة. ومع ذلك
يثار السؤال: لماذا هذه الكمية من
النيران ضد أفغانستان؟ لم يسبق أن
يكون هناك ضرب بمثل هذا الحجم والقوة
كتمهيد للهجوم، في حرب أكتوبر ظللنا
عبر قناة السويس نضرب التحصينات
الإسرائيلية لمدة (50) دقيقة كتمهيد
نيراني للعبور، وقلنا: إن هذا شيء لم
يحدث، ولكن هذا لم يعد يقارن بحجم
وكثافة النيران التي تطلقها القوات
الأمريكية الآن!
فأحد أنواع الطائرات التي استخدمت
مثلا القاذفات الإستراتيجية ب – 52
والطائرة الواحدة تحمل 20 طنا، غير
الطائرات الحديثة من طراز أس-130، فما
الذي تعمله هذه القاذفات هناك؟ وما هو
الهدف الذي تضربه؟ بعبارة أخرى: ليس
هناك هدف يصلح للضرب في أفغانستان،
والأمر يبدو كالضرب في ميدان رماية؟
والمهم هو النتيجة التي تتحقق؛
فطالبان لا تزال متماسكة، وتنظيم
القاعدة تنظيم سري في الأساس، وليس
جيشًا محددًا؛ بحيث نحدد كيف تأثر
بالضرب.
* في
رأيك.. هل يتغير التوازن العسكري
والإستراتيجي في العالم بعد حرب
أفغانستان؟ بعبارة أخرى: هل نتوقع
خريطة جديدة للعالم؟
- أنا أعتقد أننا يجب أن نتوقع خريطة
جديدة للعالم بعد 11 سبتمبر 2001؛ أي
تاريخ ضرب أمريكا، وليس بعد ضرب
أفغانستان! وقد حدث تغيير بالفعل في
التوازن العالمي نتيجة الضربة التي
أُصيبت بها الولايات المتحدة؛ فلا شك
أن ما تفعله أمريكا حاليا هو -كما يقال-
"حلاوة الروح"! فهي مضروبة في
أمنها وفي اقتصادها، ومضروبة في
سياستها، فلم تكن الولايات المتحدة
مكروهة في العالم مثلما هي مكروهة
الآن، ولا شك أن ضربة 11 سبتمبر ستؤثر
على التوازن العالمي.
* ما
هو المقصود باختلال التوازن.. هل هو
ظهور قوى أخرى عالمية؟
- على
الأقل تضاؤل القدرات الأمريكية على
مستوى العالم؛ فمثلا تكون هناك قوى
أخرى بجوارها، وليس شرطًا ظهور قطب
جديد، ولكن أقطاب متعددة مثل روسيا
والصين والاتحاد الروسي الأوروبي
واليابان، وهذه كلها أقطاب يتوقع أن
يكون لها أهمية في الميزان العالمي
عقب أحداث 11 سبتمبر 2001 في أمريكا.
أشكال
الحروب لن تتغير بعد 11 سبتمبر
* يبدو
أن مفهوم الحروب تغير بعد هجمات 11
سبتمبر وبوادر الحرب البيولوجية
الجديدة (مرض الجمرة الخبيثة).. هل
تعتقد أن هذا سيهدم نظام الردع النووي
والنظام التسليحي الحديث مستقبلا
بعدما أصبح ممكنًا ضرب دولة ما في
مقتل من الداخل بأسلحة مختلفة؟
- أرى
أن أشكال الحروب لن تتغير، ولكن الردع
النووي لن يردع أحدًا أيضا، وهناك فرق
بين "الردع" و"التوازن"،
فعندما أشعر أن مَن أمامي قوته توزن
بقوتي أو أقل بقليل، أو أكثر، فهذا هو
ما يُطلق عليه "توازنا" يجعلني
أفكر قبل اتخاذ خطوة ما، وهذا لا
أعتبره ردعا.
أما
الردع الحقيقي فهو بمعني "الرهينة"؛
أي أنني لا يشترط أن أكون في مثل قوتك،
ولكني أخذت حاجة ثمينة منك رهينة
عندي؛ فهذه تجعل الطرف الآخر يفكر
أكثر من مرة قبل أن يتخذ أي خطوة
بالضرب، والعامل الذي يمنع هنا ليس
القوة، ولكن احتمال خسارة أكبر من
المكسب الذي يمكن أن يحققه الطرف
الأخر. وهذا الرادع في رأيي لم يتحقق
أبدا، وما بين روسيا وأمريكا هو درجة
من التوازن .
أما
مسألة ضرب دولة من الداخل فهو أمر
يختلف ، والحرب البيولوجية مستخدمة
من زمن وليست جديدة ، واحتمالات
استخدامها تزيد مع ذلك بسبب تطورها
حاليا واستخدام وسائل جديدة (الخطابات
- تلويث مصادر المياه مثلا وهكذا ) .
*
هل تعتقد أن الدول العربية حليفة
واشنطن وعت درس "حرب الخليج"؛
ولذلك تحفظت عن التعاون مع واشنطن في
حرب أفغانستان؟ وهل لذلك آثار
انتقامية من جانب أمريكا بالنظر
لتوتر العلاقات الظاهر حاليا بين
واشنطن وكل من القاهرة والرياض؟
- ليس
الأمر مسألة وعي بدرس سابق، ولكن
الدول العربية كان عندها "حجة"
تبرر فيها "لشعوبها" اشتراكها في
حرب الخليج ، ولكن الآن ليس لديها حجة
مماثلة تبرر بها اشتراكها في حرب
أفغانستان؛ فالشعوب تشعر بدرجة من
الإحباط والغضب، وبالتالي فالحكومات
تخاف على نفسها من أن يحدث انفجار في
الشارع ضدها.
* في
رأيك هل هناك فوائد -باستثناء الأضرار-
للعالم العربي والإسلامي من وراء ضرب
أمريكا سواء على مستوى أزمة فلسطين أو
على المستوى العالمي؟
- أُفضل
تسميتها "فرصا"، وليس "فوائد"
.. وهناك بالفعل فرص يمكن استغلالها
لتحقيق مكاسب، ولكن هذه الفرصة تتوقف
على من يستطيع أن يستغلها، وهل نحن
قادرون على استغلالها أم لا؟ وللأسف
حتى الآن غير واضح أننا قادرون على
استغلالها بشكل كبير.
بالطبع
حدث نوع من التحسن من خلال تصريحات
بوش وبلير حول الدولة الفلسطينية،
وضرورة إنشائها، وهذا لم يكن مطروحًا
قبل 11 سبتمبر، أي أن هناك جديدًا. وبعد
أن كنا نقول للأمريكان: إن مصالحكم
مهددة وهم لا يكترثون شعرت أمريكا بعد
11 سبتمبر أن مصالحها مهددة بالفعل،
ولكن يبقى أن نستغل الفرصة.
*
كيف نستغل هذه الفرص؟
- كان
يجب أن نربط تعاوننا مع أمريكا والغرب
فيما يُسمى "حرب الإرهاب"
بالتقدم الفعلي في قضية فلسطين، وليس
بالكلام؛ فهم يقولون الآن: يجب إنشاء
دولة فلسطينية.. إذن علينا أن نضغط،
ونستثمر ذلك، ونطلب البدء بالفعل،
ونحدد ما هي هذه الدولة؟ وما شكلها
المستقبلي؟.. وهذا قبل أي نوع من
التعاون مع أمريكا، فلا شك أن هناك
تعاونًا حقيقيًا حاصلا بين أمريكا
ودول عربية، ودون أن تقدم واشنطن أي
شيء، أو تقبض هذه الدولة العربية
الثمن.
* ولكن
حلفاء واشنطن الآخرين يسعون لجني
مكاسب لهم بدورهم مثل روسيا في
الشيشان والهند في كشمير والفليبين
مع مسلمي مورو؟!
- لي
رأي مختلف هنا، فهم استطاعوا
الاستفادة (أي هذه الدول) فقط بضمان
نوع من سكوت الولايات المتحدة على ما
يفعلونه؛ فما الذي استفادت منه روسيا
في الشيشان، سوى أنه لم يعد أحد يشكو
الآن من ضربهم للشيشانيين كما في
الماضي؟! والهند والصين نفس الشيء؛ لم
يستفيدوا إلا بصمت الولايات المتحدة
على ما يفعلونه مع الكشميريين
المسلمين أو مسلمي الصين، وحتى ما
يقال عن إرسال قوات للفليبين لمحاربة
جماعة "أبو سياف" مجرد كلام،
وحتى إذا أرسلوا قوات فلن يتعدى الأمر
إرسال قوات أمريكية خاصة، وفي مناطق
محدودة جدًا.
|