|
عُقد
في نهاية الشهر الماضي في دوربان
بجنوب أفريقيا مؤتمر الأمم المتحدة
لمناهضة العنصرية والتمييز العرقي
وكراهية الأجانب وصور عدم التسامح،
وقد اعتُبر المؤتمر محفلاً دوليًا
على درجة كبيرة من الأهمية؛ حيث شارك
فيه أكثر من 12 ألف ممثل لـ190 دولة،
وحوالي 3000 منظمة غير حكومية وسط جدل
واسع بين الدول العربية والإسلامية
والأفريقية من جانب، والولايات
المتحدة وأوروبا وإسرائيل من جانب
آخر- حول قضية وَسْم إسرائيل
بالعنصرية وقضية التعويض عن العبودية.
وقد
امتلأ برنامج عمل المؤتمر بالعديد من
الموضوعات التي تحظى باهتمام دول
العالم الثالث.
من
أهم هذه الموضوعات:
-
القضية
الفلسطينية: حيث دعا المؤتمر
المجتمع الدولي إلى توفير الحماية
الدولية للشعب الفلسطيني ضد أي
تمييز عنصري يتعرض له.
-
إدانة
إسرائيل: حث المؤتمر إسرائيل على
مراجعة قوانينها التي تقوم على أساس
التمييز الديني أو العنصري ومختلف
سياسات قوة الاحتلال التي تمنع
اللاجئين الفلسطينيين من الرجوع إلى
وطنهم.
-
تجارة
الرقيق وسياسة الأبارتيد (الفصل
العنصري) التي اعتُبرت مصدرًا
أساسيًا للعنصرية؛ كذلك فكرة تقديم
الاعتذار أو التعويض عن سنوات الرق
والعبودية التي عانت منها القارة
الأفريقية.
-
حماية
حقوق الأقليات.
-
وضع
آليات على الصعيد القومي تستهدف
تشجيع وحماية حقوق الإنسان وتعويض
ضحايا التمييز العنصري.
الاتجاهات
المختلفة
رغم
كثرة القضايا المدرجة في جدول أعمال
مؤتمر دوربان وتنوعها؛ فإن ملف
التعويضات وإدانة الممارسات
الإسرائيلية بالعنصرية طغيَا على
السطح، وهيمنَا على النقاش المثار في
الاجتماعات التحضيرية، بعد أن أصبحَا
مجالا للصراع بين مصالح فريقين من
الدول والمنظمات غير الحكومية
المشاركة في المؤتمر.
الفريق
الأول:
ضم معظم الدول المشاركة، وهي الدول
العربية والإسلامية والأفريقية؛ فقد
رأت الدول الأفريقية أن تجارة العبيد
كانت أحد أسباب تخلفها؛ حيث انتُزعت
ثروتها البشرية، وحُرمت القارة
السوداء من سواعد أبنائها. ثم جاء
الاستعمار ليمارس أشكالا متعددة من
العبودية والتمييز العنصري تجاه
أبناء القارة داخل أوطانهم.
وبالتالي، فإن معاناة القارة
الأفريقية من العبودية والاستعمار
والتمييز العنصري تُعتبر – بكل
المقاييس – جريمة أخلاقية ودينية لا
تسقط بالتقادم، ولا يمكن نسيان
آثارها أو تجاهلها. وهو ما أكد عليه
"أوباسيجو" رئيس نيجيريا؛ حيث
طالب الدول الغربية بالاعتذار عن
الدمار الذي ألحقه احتلالها بدول
قارة أفريقيا؛ لأن الاعتذار يعني
اعتراف الغرب بإساءته للأفارقة،
ويشكل وعدًا بعدم السماح بتكرار هذه
الفظائع مستقبلاً.
بالإضافة
إلى ذلك، فقد أصر "أياديما" رئيس
توجو على ضرورة تقديم الغرب تعويضات
لدول أفريقيا بسبب تجارة الرقيق
والاستعمار الذي عانت منه القارة،
وأشار إلى أن هذه التعويضات يتعين أن
تشتمل على شطب مديونية أفريقيا
الخارجية.
وقد
وقفت الدول والمنظمات العربية
والإسلامية إلى جانب حقوق الدول
والشعوب الأفريقية، بالإضافة إلى
ذلك، فقد طالبت بمناقشة الجرائم
الصهيونية في فلسطين باعتبارها
ممارسات عنصرية، موضحة بالأدلة كيف
أن القوانين والنظم والممارسات
الإسرائيلية تحفل بمظاهر التمييز
والاضطهاد العنصري ضد الشعب
الفلسطيني؛ وهو ما أكده الرئيس
الفلسطيني ياسر عرفات في كلمته أمام
المؤتمر؛ حيث ندَّد بسياسات إسرائيل
في الأراضي المحتلة، ووصفها بأنها
نظام تمييز عنصري في شكل جديد، واعتبر
عدم اتخاذ المجتمع الدولي موقفًا
رادعًا منها تشجيعًا لها على التمادي
في هذا الطريق.
وقد
طالب الأمين العام لجامعة الدول
العربية بوقف سياسة الاستعمار، والكف
عن مصادرة ممتلكات العرب؛ ودعا إلى
الوقوف بكل جرأة ضد كل أنواع التعصب
والعنصرية؛ سواء ضد اليهود أم ضد
المسلمين أم ضد الأفارقة أم العرب.
كما
طالب هذا الفريق بأن يتضمن البيان
الختامي للمؤتمر إدانة واضحة
لإسرائيل، وإدانة سياساتها العنصرية
التي تتبعها ضد الشعب الفلسطيني،
واعتبارها دولة عنصرية قائمة على
قوانين التمييز العنصري.
الفريق
الثاني:
ضم الولايات المتحدة والدول
الأوروبية وإسرائيل، ورفض أي محاولة
لوصف إسرائيل بالعنصرية، كما رفض
مسألة دفع أي تعويضات للدول
الأفريقية على ما تكبدته من خسائر
بشرية فادحة في القرنين السابع عشر
والثامن عشر من جراء سياسة جلب
العبيد، بالإضافة إلى الاستعمار
الأوروبي لأفريقيا.
وقد
برر هذا الفريق موقفه بأن مسألة
التعويضات وإدانة إسرائيل سوف تجرّ
المؤتمر إلى مسائل تاريخية خلافية
يصعب حسمها خلال المؤتمر، وسوف تضفي
طابعًا سياسيًا على المؤتمر في وقت
يجب التركيز فيه على الحاضر
والمستقبل. وفي هذا الإطار، أشار
ممثلو هذا الفريق إلى أن الأمم
المتحدة قد ألغت عام 1991 القرار الصادر
عام 1975 باعتبار الصهيونية شكلا من
أشكال العنصرية. وبالتالي، فقد أُغلق
هذا الملف. ذلك بالإضافة إلى السلوك
غير الديمقراطي الذي مارسته الولايات
المتحدة قبل انعقاد المؤتمر، إذ هددت
بمقاطعة المؤتمر وعدم مشاركتها في
التمويل.
وفي
إطار فعاليات المؤتمر، لم تشارك
الولايات المتحدة إلا بوفد غير رسمي
متوسط المستوى، بالإضافة إلى مقاطعة
وزير الخارجية الأمريكي كولن باول
للمؤتمر؛ بسبب ما وصفه باللغة
المعادية لإسرائيل.
تقييم
عام
يكتسب
مؤتمر دوربان لمناهضة العنصرية أهمية
كبيرة؛ لأنه من المفترض أن الوثائق
التي ستصدر عن هذا المؤتمر هي التي
ستشكل رؤية المجتمع الدولي وموقفه
واتجاهاته في التعامل مع موضوعات
حقوق الإنسان في الألفية الجديدة،
وسوف تعكس أيضًا توجه المجتمع الدولي
في تناول حماية حقوق الإنسان ومكافحة
العنصرية بكل أشكالها وألوانها في
أرجاء العالم، سواء في أفريقيا أم
فلسطين أم غيرها.
لقد
كان المؤتمر مليئًا بالتناقضات
والخلافات الشديدة؛ فمنذ البداية،
كان برنامج العمل –الذي أسفرت عنه
أعمال اللجنة التحضيرية– موضع خلاف
بين أعضاء المؤتمر، وبخاصة فيما يتصل
بتعويض ضحايا العبودية وإدانة
الممارسات الإسرائيلية في فلسطين.
وفي النهاية، جاءت الغالبية العظمى
من المواد المقترحة –في مشروع البيان
الختامي– بين أقواس، دلالة على كونها
متحفَّظًا عليها من جانب بعض الدول
الأعضاء في المؤتمر، وهو ما يعكس
استمرارية تباين المواقف والآراء
خلال المؤتمر، وعدم حدوث تقارب بينها
عبر مداولات المؤتمر ومناقشاته.
فقد
استمر المؤتمر ساعات بعد موعد
انتهائه، وسعت جهود حثيثة للتوصل إلى
صيغ توفيقية في شأن قضيتيْ الرق
وإدانة إسرائيل اللتين مثَّلتا محور
أعماله طوال أيامه السبعة. وقد فشلت
المبادرة التي صاغتها جنوب إفريقيا -الدولة
المضيفة للمؤتمر- في إحداث انفراجة
بشأن مشكلة إدانة إسرائيل؛ حيث إن
الصياغة التي اقتُرحت لمشروع البيان
الختامي أبدت حق الفلسطينيين في دولة
مستقلة، لكنها لم تصف إسرائيل بأنها
دولة عنصرية، وهو ما أثار رفض مجموع
الدول العربية والإسلامية ومطالبتها
بإدخال تعديلات على المشروع.
ويمكن
القول:
إن المؤتمر كان بمثابة ساحة مواجهة
بين الدول العربية والإسلامية ومعها
معظم دول العالم الثالث من جانب،
والدول الغربية الأوروبية والولايات
المتحدة وإسرائيل من جانب آخر. وقد
نجحت الدول العربية والإسلامية في
إثبات حضور فعال في ساحة المؤتمر،
وحققت نجاحًا كبيرًا في جذب التأييد
الدولي لمواقفها، على نحو أدى إلى عجز
وعزلة كل من الولايات المتحدة
وإسرائيل، ومن ثَمَّ دفعهما إلى
الانسحاب من المؤتمر؛ الأمر الذي
مثَّل نصرا للجهود العربية
والإسلامية مدعومة بتأييد الدول
النامية بصفة عامة والأفريقية بصفة
خاصة.
خندق
واحد
وفي
ظل واقع ضعف النظم العربية
والإسلامية الظاهري يثور التساؤل عن
عوامل نجاح وفود تلك النظم في تحقيق
ذلك النصر، وهنا
يمكن إبراز عدة أسباب لذلك النصر:
-
إن
الدول العربية والإسلامية قد وجدت
لزامًا عليها اتخاذ موقف متشدد إزاء
الممارسات الإسرائيلية في ضوء
النجاح الكبير الذي حققته الجمعيات
والمنظمات الأهلية العربية
والإسلامية على مستوى الاجتماعات
الخاصة بهذه الجمعيات؛ فالبيان
الختامي لهذه الاجتماعات حمل إدانة
صريحة لإسرائيل بوصفها دولة عنصرية،
مطالبًا إياها بالتراجع عن القوانين
والممارسات العنصرية تجاه
الفلسطينيين.
-
على
الرغم من امتناع "ماري روبنسون"
مفوضية حقوق الإنسان بالأمم
المتحدة، عن تسليم البيان إلى ممثلي
الحكومات في المؤتمر الرسمي؛ فإن
أصداء ذلك النجاح ومحتوى البيان قد
دفعَا ممثلي النظم والحكومات
العربية والإسلامية لمحاولة تحقيق
النجاح ذاته على المستوى الرسمي
حفاظًا على صورتهم أمام شعوبهم،
وحتى لا يُتهموا بالفشل فيما نجحت
فيه المنظمات غير الحكومية.
-
إن
الممارسات الإسرائيلية في أرض
فلسطين كانت من الوضوح العنصري بما
لا يدع مجالا للخلط أو الغموض -إلا عن
هوى- في الموقف عن تلك الممارسات؛
وهو الأمر الذي نجحت الوفود العربية
والإسلامية الرسمية وغير الرسمية في
استثماره عبر اللقاءات والمنتديات
وصور الإعلام كافة، على نحو أسفر عن
تأييد حاشد للموقف العربي والإسلامي
تجلى في المظاهرات الحاشدة التي
شهدتها مدينة "دوربان" للتنديد
بالسياسات والممارسات العنصرية
لإسرائيل.
-
إن
المنطق العربي قد أحسن توظيف
الممارسات الإسرائيلية الراهنة -في
ظل حكومة شارون- ولم يتوقف طويلا
أمام قضية الصهيونية؛ حتى يتجنب
إحراج الدول التي وافقت من قبل على
إلغاء قرار مساواة الصهيونية
بالعنصرية، وحتى يُسقط حجة الدول
الغربية بأن الأمر تمت مناقشته من
قبل. ولذا فإنه –عبر التركيز على
الممارسات الوحشية اليومية للسلطات
الإسرائيلية- استطاعت الوفود
العربية والإسلامية الرسمية وغير
الرسمية كشف الترجمة العملية
القبيحة للصهيونية بطريق غير مباشر.
-
إن
انسحاب الولايات المتحدة الأمريكية
وإسرائيل من فعاليات المؤتمر كشف عن
ضعف منطقهما، وعدم قدرتهما على
مواجهة سيل الإدانات والاتهامات من
جانب الوفود المختلفة بالمؤتمر.
وكشف كذلك عن زيف القناع الديمقراطي
الغربي الذي سرعان ما يزول عند أي
اختبار يمس المصالح والكيانات
الغربية أو تلك المرتبطة بها، وهو ما
دفع العديد من المنظمات والجمعيات
الأهلية -بما في ذلك الأمريكية منها-
إلى التظاهر والتنديد بسياسات الكيل
بمكيالين وعدم انصياع الولايات
المتحدة للشرعية الدولية.
-
يُضاف
إلى ما سبق نجاح الدول العربية
والإسلامية في التنسيق مع غيرها من
دول العالم النامي -لا سيما الدول
الأفريقية- فيما يتصل بتبادل الدعم
والتأييد في المواقف؛ حيث ساندت
الدولة العربية والإسلامية موقف
الدول الأفريقية من قضية التعويضات
عن الرق، مقابل دعم الأخيرة لحق
الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره،
وإدانة إسرائيل بالعنصرية. والحق أن
نجاح الدول العربية في التنسيق مع
الدول الأفريقية –فيما يتصل بقضية
الرق– أمر يستحق الإشادة والمزيد من
التأمل في عوامل ذلك النجاح، في ضوء
ما تحاول القوى الغربية إلصاقه
بالعالم العربي من مسئولية عن عملية
الرق في أفريقيا؛ لذا فإن هذا
التنسيق يُعتبر اقتحاما جادًّا
لواحدة من أخطر الرواسب التاريخية
على العلاقات العربية الأفريقية.
ختامًا،
فإنه أيًّا ما كان محتوى البيان
الختامي للمؤتمر؛ فإنه من الواضح أن
الأمة العربية والإسلامية بشقيْها –الحكومي
وغير الحكومي- ما زالت قادرة على
الفعل إذا أرادت، شريطة الاستفادة من
معطيات الواقع والتنسيق بين مصالحها
ومصالح الآخرين، وتوظيف القدرات
والإمكانات على نحو فاعل، وتوزيع
الأدوار بين الطرفين –الحكومي
والأهلي- على نحو يزيد الفاعلية،
ويمنع الصدام والتعارض؛ فهل تتم
ترجمة دروس دوربان في غيرها من
المجالات بعد أن أثبتت التجربة أن
وقوف مؤسسات الدولة والمجتمع في خندق
واحد يزيل أعتى التحديات، حتى ولو
كانت الولايات المتحدة الأمريكية؟.
اقرأ
أيضًا:
|