|
|
توني بلير
|
عقد
رئيس الوزراء البريطاني "توني بلير"
يوم الأربعاء 19-9-2001م، اجتماعًا في
استراحته الريفية بأحد ضواحي لندن مع
رؤساء ست دول أفريقية هي نيجيريا –
غانا – السنغال – تنزانيا – بتسوانا
– موزمبيق، وقد كان الهدف من هذا
الاجتماع الاطلاع على الأوليات
التنموية لهؤلاء القادة في القارة
الأفريقية، فضلاً عن مناقشة ملف
العلاقات البريطانية - الأفريقية،
وقد أعلن بلير خلال هذه المحادثات
تأييد بلاده للمبادرة الأفريقية
الجديدة التي طرحها الرئيسان:
النيجيري أوباسايجو، والسنغالي عبد
الله واد – مؤخرًا - والخاصة بتحقيق
التنمية الاقتصادية في القارة من
خلال مكافحة الديون، والفقر، ومرض
الإيدز.
وتأتي
هذه الخطوة في سياق الترحيب الدولي
بمواجهة الإيدز – ليس على مستوى
أفريقيا فقط - وإنما على مستوى العالم
أجمع، وقد ظهر هذا الاهتمام بوضوح في
الاجتماع الأخير لمجموعة الدول
الثماني الصناعية الكبرى الذي عقد في
مدينة جنوا الإيطالية في شهر يوليو
الماضي، واتفقت فيه هذه الدول على
تخصيص مبلغ 1.2 مليار دولار لمكافحة
الإيدز على مستوى العالم، وإنشاء
صندوق خاص لتحقيق هذا الهدف.
كما
يكتسب توقيت اجتماع بلير مع هؤلاء
القادة أهمية خاصة؛ نظرًا لأنه يأتي
بعد فترة وجيزة من انتهاء المؤتمر
الثالث للأمم المتحدة المناهضة
العنصرية بمدينة دربان بجنوب أفريقيا
في الفترة من 31 مارس – 8 سبتمبر، الذي
كشف عن وجود مساحات واسعة من التباعد
بين دول الاتحاد الأوروبي – ومن
بينها بريطانيا – والدول الأفريقية،
حيث ساهم مؤتمر دربان في تعميق
الإحساس بعدم الثقة خاصة من جانب
الأفارقة، بعدما رفضت الدول
الأوروبية الاعتراف بمسئوليتها عن
قضية الرق في أفريقيا، وبالتالي عدم
وجود التزام من جانبها بشأن دفع
التعويضات للقارة الأفريقية، وهو ما
سينعكس بدوره على التنمية الاقتصادية
في أفريقيا، ومن هنا يمكن اعتبار حرص
بلير على هذا اللقاء - بالرغم من أنه
يكتسي صفة غير رسمية، فضلاً عن أنه
يأتي في وقت ينشغل فيه العالم
بتداعيات التفجيرات التي تعرَّضت لها
الولايات المتحدة - لمحاولة رأب الصدع
لدى الأفارقة، وإزالة سوء التفاهم
الذي ظهر أثناء مؤتمر دربان.
أهمية
مضاعفة
وبالنظر
إلى الدول الأفريقية المشاركة في هذا
اللقاء، يتضح من الناحية الجغرافية
أن ثلاثا منها (نيجيريا – غانا –
السنغال) تقع في غرب أفريقيا، ودولة
واحدة من شرق أفريقيا (تنزانيا)،
ودولتين من الجنوب الأفريقي (بتسوانا
– موزمبيق)، أي أن هناك تمثيلاً لكل
أقاليم أفريقيا جنوب الصحراء (إذا
استثنيا الشمال على اعتبار أن الشمال
الأفريقي يرتبط بعلاقات وثيقة ليس مع
بريطانيا فحسب، وإنما مع الاتحاد
الأوروبي من خلال برنامج الشراكة
الأوروبية المتوسطية وإعلان برشلونة.
وإذا
كان هذا التمثيل يكشف عن مدى اهتمام
بريطانيا العام بالقارة ككل، فإنه
يعكس في طياته – وهذا هو الأهم - طبيعة
القضايا التي تمت مناقشتها ولم يتم
الإفصاح عنها لوسائل الإعلام؛ هذه
القضايا هي التي تشغل بال بريطانيا
حاليًا، وهي: الصراع في سيراليون في
الغرب، وموزمبيق في الجنوب، والسودان
في الشمال الشرقي.
سيراليون..
تجارة الماس
فبالنسبة
لقضية سيراليون
يلاحظ أن بريطانيا تولي اهتمامًا
كبيرًا بها لعدة اعتبارات لعل من
أهمها الاعتبار الاقتصادي، خاصة
تجارة الماس؛ ولذا كانت بريطانيا
حريصة على تحقيق الاستقرار في
البلاد؛ لضمان الحفاظ على مصالح
الشركات البريطانية العاملة هناك،
ولعلَّ هذا يفسِّر الموقف البريطاني
من الأزمة، والذي نلمسه من عدة مواقف:
1-
تأييد
بريطانيا لعودة الرئيس أحمد تيجان
كاباه إلى الحكم بعد الانقلاب الذي
نفَّذه فوداي سنكوح في مايو 1997م،
وتجميدها عضوية سيراليون برابطة
الكومولث أثناء سيطرة سنكوح على
البلاد، من أجل الضغط عليه لإعادة
الحكم الديمقراطي في البلاد.
2-
قيام
بريطانيا من خلال إحدى شركاتها
العاملة في سيراليون بتزويد أنصار
كاباه بالمؤن والسلاح، منتهكة بذلك
الحظر المفروض من الأمم المتحدة في
هذا الشأن.
3-
إعلان
بريطانيا دعمها لقوات الجماعة
الاقتصادية لدول غرب أفريقيا (الإيكواس)
أثناء عملها في سيراليون، ثم
قيامها بإرسال 500 جندي بعد الأحداث
الأخيرة؛ لكي تقوم بدور هام في حفظ
السلام، جنبًا إلى جنب مع قوات
الأمم المتحدة.
زيمبابوي..
بين النظام والأقلية البريطانية
أما
بالنسبة لزيمبابوي
فإن الاهتمام البريطاني بالأزمة
الداخلية – بها – لا يقل عن اهتمامها
بقضية سيراليون، وإن كان النهج
مختلفًا بعض الشيء، فبريطانيا لا
تخفي مصالحها الاقتصادية مع زيمبابوي
التي تُعَدّ ثاني أكبر شريك تجاري لها
في الجنوب الأفريقي بعد جنوب
أفريقيا، كما أنها حريصة في المقابل
على الحفاظ على امتيازات البيض هناك،
حيث يتمتع 20 ألف من هؤلاء بالجنسية
البريطانية، ويحملون جوازات سفر
بريطانية، ولعلَّ هذا الموقف
المعقَّد (الرغبة في الحفاظ على
علاقات متوازنة مع النظام والأقلية
البيضاء – هو الذي يفسر النهج
المعتدل الذي انتهجته لندن إزاء
مشاركة الرئيس موجابي في اجتماعات
الدورة القادمة للكومنولث التي ستعقد
في أستراليا في أكتوبر 2001م، حيث ترى
أن حضور موجابي سيساهم في حل المشكلة؛
نظرًا لأن القادة المشاركين سيضغطون
عليه في هذا الشأن.
السودان..
تأييد الانفصاليين
أما
بالنسبة لقضية السودان فإن موقف
بريطانيا واضح وصريح بالنسبة لهذه
القضية، فهي تعارض مبدأ تطبيق
الشريعة الإسلامية في السودان، فضلاً
عن تأييدها قيام دولة مسيحية جنوبية،
تحول دون تدفق الإسلام العروبي من
شمال القارة إلى جنوبها، ومما زاد من
دعم بريطانيا للجنوبيين ظهور البترول
في السودان، ولطالما أدَّت هذه
المواقف البريطانية المعارضة للنظام
في الخرطوم إلى توتر العلاقات بين
الجانبين، ولا أدل على ذلك من قيام
الرئيس عمر البشير عام 1993م بطرد
السفير البريطاني، على اعتبار أنه
يتدخل في شؤون بلاده. وقد جاء هذا
الإجراء بعد قيام الدكتور كيري كبير
الأساقفة ورئيس الكنيسة الإنجيلية في
بريطانيا بزيارة جنوب السودان من
خلال الحدود مع كينيا، كما قام
بالالتقاء مع زعماء التمرد الجنوبي (جارانج
– مشار) في كينيا، ولم تتم الزيارة
عبر الخرطوم، وهو ما دفع الأخيرة إلى
طرد السفير.
أهداف
بريطانيا من أفريقيا
أخذت
بريطانيا في الآونة الأخيرة تهتم
بالقارة السمراء ككل، وذلك لتحقيق
ثلاثة أهداف رئيسية:
1-
مواجهة
النفوذ الأمريكي والفرنسي
المتزايد في القارة.
2-
الاستفادة
من السوق الأفريقية الضخمة (700
مليون نسمة)؛ للترويج للمنتجات
البريطانية.
3-
الاستفادة
من المواد الخام الموجودة في بعض
الدول، وحماية مصالح الشركات
البريطانية العاملة هناك (البترول
في نيجيريا – الماس في سيراليون).
مراحل
السياسة البريطانية
إن
المتأمل لسياسة بريطانيا تجاه
أفريقيا يجد أنها مرَّت بثلاث مراحل
خلال العقدين الأخيرين:
المرحلة
الأولى:
بدأت منذ عام 1979م، مع وصول مارجريت
تاتشر لرئاسة الحكومة في بريطانيا،
ولقد كان الاهتمام البريطاني خلال
هذه المرحلة يتركز على جنوب أفريقيا،
حيث نظام الفصل العنصري، كما أن
الزيارات التي قامت بها تاتشر
لأفريقيا على الرغم من محدوديتها
كانت تتم لدول أطلق عليها "دول
المواجهة" أو "الطوق" لجنوب
أفريقيا، (زيارتها لزيمبابوي ومالاوي
عام 1989م)، وكانت السياسة البريطانية
آنذاك قائمة على ضرورة قيام النظام
العنصري بإطلاق سراح مانديلا، لكنها
في المقابل رفضت الاستجابة لمطالب
دول المواجهة بشأن توقيع عقوبات
اقتصادية على حكومة بريتوريا.
المرحلة
الثانية:
بدأت مع تولي جون ميجور رئاسة الحكومة
خلفًا لتاتشر، فالبرغم من أن ميجور
كان صاحب المبادرة الخاصة بتخفيض
الديون عن الدول الأفريقية الأكثر
فقرًا (1990م)، فإن الاستفادة الأفريقية
كانت محدودة؛ إذ لم تستفد من هذه
المبادرة سوى أوغندا.
ولعلَّ
السبب في ذلك يرجع إلى أن هذه الفترة
شهدت انهيار الاتحاد السوفييتي
والكتلة الشرقية، ومن ثَم تحول
الاهتمام الأوروبي من أفريقيا إلى
دول الكتلة الشرقية، ولعلَّ هذا
يفسِّر قرار حكومة ميجور عام 1994م
بتحويل أكثر من 160 مليون جنيه
أسترليني من ميزانية المساعدات
الخارجية لدول أفريقيا إلى دول
أوروبا الشرقية ودول الاتحاد
السوفييتي السابق.
المرحلة
الثالثة:
بدأت مع وصول توني بلير للحكم،
فالبرغم من محدودية خبرة بلير
بالنسبة لأفريقيا، فإنه يرغب في
إيجاد موطئ قدم لبلاده من جديد في
أفريقيا.
أدوات
تحقيق الأهداف البريطانية
تعتمد
بريطانيا على تحقيق أهدافها في
القارة السمراء على مجموعة من
الأدوات وهي:
أ
- الأدوات الاقتصادية: وهي تتضمن
بدورها عدة وسائل:
1-
تقديم
المساعدات الاقتصادية، ويلاحظ أن
اعتماد بريطانيا على هذه الوسيلة
يتم بصورة ضئيلة، وربما يرجع ذلك إلى
اعتبارين: الأول: وجود حكومة العمال
في الحكم، والثاني: يرجع إلى وجود
توجُّه أوروبي - وليس بريطانيًّا
فحسب - يقوم على مبدأ تقليل المساعدة
الاقتصادية لأفريقيا، وإقرار مبدأ
التعاون والشراكة بدلاً من
المساعدة، وإن كان هذا المبدأ
يسبِّب عدة مشكلات لدى الدول
الأفريقية، التي ترى أنها لا تزال
تحتاج إلى هذه المساعدات من أجل
الخروج من المأزق الاقتصادي الذي
تمر به؛ لذا نجد في كثير من الأحيان
حدوث توتر في العلاقة بين الدول
الأوروبية والأفريقية، وقد ظهر ذلك
بوضوح بالنسبة للعلاقة بين بريطانيا
وزيمبابوي؛ إذ تعهدت بريطانيا
والولايات المتحدة بتقديم الدعم
اللازم للرئيس موجابي بعد حصول
البلاد على الاستقلال لإعادة توطين
السود في الأراضي، وقد تم تقرير
التكلفة الإجمالية لهذا المشروع
بملياري دولار، ولم تقم بريطانيا
إلا بدفع 70 مليون دولار فقط، وكانت
النتيجة قيام موجابي بإصدار أوامره
العام الماضي للمحاربين القدماء
بالسيطرة على أراضي البيض.
2-
إسقاط
بعض الديون المحدودة عن الدول
الأفريقية، وتحاول بريطانيا ربط
إسقاط هذه الديون بحدوث تطورات
اقتصادية (برامج التكيف الهيكلي)،
وديمقراطية (نظام حكم ديمقراطي،
احترام حقوق الإنسان)، من أجل إسقاط
الديون، وغالبًا ما يتم اتخاذ هاتين
النقطتين كذريعة للهروب من عملية
إسقاط الديون، وتعتبر هذه سياسة
مشتركة بين دول الاتحاد الأوروبي،
ولعلَّ هذا كان إحدى سلبيات القمة
الأفريقية الأوروبية التي عقدت في
القاهرة (أبريل 2000م).
ب
- الأدوات الدبلوماسية وتمثل بدورها
في نقطتين أساسيتين:
1-
الاحتفاظ
بعلاقات وثيقة مع النظم الصديقة،
ومعارضة أي محاولات انقلابية تتعرض
لها هذه النظم (حالة سيراليون).
2-
تعليق
أو تجميد العضوية في رابطة
الكومنولث والتي تضم 19 دولة أفريقية
من إجمالي 54 دولة، وقد حدث ذلك مع
نيجيريا – سيراليون تحت حكم سنكوح –
ويلاحظ أن بعض الدول تخشى من عملية
تجميد العضوية؛ لأنها ستحرم من
التعاون التجاري والاقتصادي مع باقي
الدول الأعضاء في الرابطة.
3-
الدبلوماسية
الوقائية، وذلك من خلال إنشاء صندوق
العام الماضي أطلق عليه صندوق منع
النزاعات، وتقدر ميزانيته السنوية
بـ 110 مليون جنيه أسترليني. ويعمل هذا
الصندوق الذي ترأسه وزيرة التنمية
الدولية لما وراء البحار كلير شورت
– بالتعاون مع جهاز المخابرات
البريطانية (إم – آي – 6) على رصد بؤر
التوتر، من أجل منع نشوب النزاعات
التي قد تهدِّد مصالح الحكومة
والشركات البريطانية. ويتم ذلك من
خلال شبكة واسعة من رجال المخابرات
والعملاء المدنيين المنتشرين في
ربوع القارة.
ج
- الأدوات العسكرية:
تتمثل
هذه الأدوات في التدخل المحدود في بعض
بؤر الصراع – كما حدث في سيراليون –
وفي الأغلب الأعم يتم استخدام أسلوب
حظر الصادرات العسكرية، كما حدث في
زيمبابوي إبان الانتخابات التي تمَّت
العام الماضي، وإن كان هذا الأسلوب
يضرُّ بالمصالح الاقتصادية لشركات
السلاح، وغالبًا ما يتم تهريب السلاح
إلى المناطق التي تشهد توترات
داخلية، ولعل هذا ما كشف عنه أحد
النواب المحافظين في مجلس العموم
العام الماضي، حيث أشار إلى قيام هذه
الشركات ببيع السلاح إلى المعارضة في
سيراليون، الأمر الذي وضع الحكومة
البريطانية في مأزق؛ لأن هذه الأسلحة
تستخدمها المعارضة في مواجهة قوات
حفظ السلام البريطانية.
الخلاصة
وفي
النهاية، يبقى القول: إن بريطانيا
تستهدف كغيرها من الدول الأوروبية
إيجاد موطئ قدم في القارة السمراء
ومزاحمة هذه الدول، وهي ترغب في تحقيق
ذلك بأقل تكلفة، مع تعظيم الفائدة
لأقصى درجة، ولا شك أن ذلك لا يتماشى
مع تطلعات الأفارقة، ومن ثَم تظل
الهوة كبيرة بين الجانبين، ويبدو
أنها ستستمر هكذا على الأقل في الأمد
المنظور.
اقرأ
أيضًا:
|