|
فور
وقوع تفجيرات واشنطن ونيويورك يوم
الثلاثاء 11 سبتمبر الجاري، شرعت
الولايات المتحدة في الاستعداد لشن
عملية عسكرية انتقامية واسعة ضد من
يثبت أنهم وراء تلك التفجيرات؛ حيث
أعلن الرئيس الأمريكي جورج بوش أن
الولايات المتحدة تمر بحالة حرب،
وقام باستدعاء 50 ألفا من قوات "الاحتياط"
الأمريكية، كما قام الكونجرس
الأمريكي بتخصيص 40 بليون دولار
لأغراض الإنفاق على احتياجات
المواجهة العسكرية القادمة من مختلف
النواحي، كما بدأ في تشكيل تحالف دولي
واسع النطاق للمشاركة مع الولايات
المتحدة في الحرب القادمة ضد الإرهاب.
ومنذ البداية حددت الإدارة الأمريكية
هدفها في هذه الحرب في محاربة الإرهاب
على الصعيد العالمي عموما،
والاستعداد لمهاجمة أفغانستان
للقضاء على أسامة بن لادن، وحركة
طالبان الحاكمة في أفغانستان التي
توفر له المأوى والحماية.
تحديات
تشكيل التحالف
وتواجه
الخيارات العسكرية الأمريكية العديد
من التحديات والتعقيدات، بعضها
سياسي، والبعض الآخر عسكري.
فمن
الناحية السياسية، يبدو من المؤكد أن
الدول الحليفة والصديقة للولايات
المتحدة، والتي يمكن أن يتشكل منها أي
تحالف دولي لشن الحرب المزمعة ضد
الإرهاب، سوف ترفض المشاركة في أي عمل
عسكري قبل أن تتوافر الأدلة الكافية
والمقنعة بشأن مسؤولية الدول أو
المنظمات التي تتهمها الولايات
المتحدة بالمسؤولية عن التفجيرات
الانتحارية في واشنطن ونيويورك، وهي
هنا تحديدا أسامة بن لادن وحركة
طالبان. وكان هذا الموقف واضحا بقوة
لدى العديد من دول حلف شمال الأطلنطي،
بما في ذلك بريطانيا أقرب حليف
للولايات المتحدة على الإطلاق، كما
كان ذلك أيضا موقف الدول الكبرى
الأخرى، وبالذات روسيا الاتحادية
والصين. وحتى إذا تمكنت الولايات من
إثبات مسؤولية طرف معين عن
التفجيرات، فإن القوى الدولية الأخرى
تطالب بضرورة وضع خطة فعالة ومحكمة
لمحاربة الإرهاب، وليس مجرد عمل
عسكري انتقامي أعمى منفلت ضد المشتبه
فيهم.
أما
من الناحية العسكرية، فإن هناك
العديد من التعقيدات التي تحيط
بالحرب الأمريكية الدولية القادمة ضد
الإرهاب، وأبرزها استمرار الغموض
بشأن العديد من القضايا الحيوية
المتعلقة بهذه الحرب، مثل: ما الهدف
السياسي العسكري للحرب؟ وما شكل
العمليات العسكرية؟ وكيف سيكون هيكل
القيادة العسكرية للعمليات؟ وكيف
سيتم توزيع أعباء العمل العسكري بين
القوات الأمريكية وقوات التحالف
الدولي؟ ومن أين ستنطلق العمليات
العسكرية؟ وما المدى الزمني للعمليات
العسكرية؟ وهل يتم الاكتفاء بضرب
ومعاقبة بن لادن وطالبان بعملية
صاروخية جوية أم بغزو بري شامل؟ وهل
يمكن الاكتفاء بالأسلحة التقليدية في
العمليات العسكرية أم أنه يمكن
اللجوء إلى استخدام السلاح النووي؟
الخيارات
المتاحة للانتقام
وفى
مواجهة هذه التعقيدات، فإن الولايات
المتحدة ما زالت تحاول إيجاد إجابات
حاسمة للتعامل مع التساؤلات المطروحة.
وعلى أية حال، فإن هناك عددا من
الخيارات العسكرية المحددة التي يمكن
لأية عملية عسكرية أمريكية ـ دولية أن
تلجأ إليها في الفترة القادمة.
وسوف
نتناول فيما يلي كل خيار من هذه
الخيارات، من حيث سيناريوهات التنفيذ
والفوائد والقيود التي تحيط بكل خيار
من هذه الخيارات.
الاغتيالات
كان
هذا الخيار مطروحا بقوة لتصفية أسامة
بن لادن والعناصر القيادية في تنظيم
القاعدة في أفغانستان، ويتميز هذا
الخيار بقدرته على الرد بصورة سريعة
وحاسمة على العمليات الإرهابية التي
تعرضت لها الولايات المتحدة، إذا كان
لدى الولايات المتحدة القدرة على
تنفيذ مثل هذه العمليات. ومع أن
القانون الأمريكي يحظر قيام أجهزة
الاستخبارات والأمن القومي
الأمريكية بعمليات اغتيال للمسئولين
الأجانب، فإن الممارسات الفعلية
للإدارات الأمريكية السابقة تشير إلى
أنه لم يكن هناك بالضرورة التزام كامل
بالقيود القانونية على مثل هذا
الخيار في الماضي، بالإضافة إلى أن
الفترة القصيرة الماضية شهدت بروز
عدد من الاقتراحات في أوساط الإدارة
والكونجرس في الولايات المتحدة بشأن
تعديل القانون الأمريكي الذي يحظر
سياسة الاغتيالات.
ومن
الممكن أن تعتمد الولايات المتحدة في
تنفيذ هذا الخيار على عدد من العناصر،
مثل إسقاط عنصر من القوات الخاصة
الأمريكية لتنفيذ عملية الاغتيال، أو
الاعتماد على عملاء محليين موجودين
في أفغانستان، أو التعاون مع عناصر
المعارضة الطاجيكية ـ الأوزبكية
بقيادة برهان الدين رباني، التي
تمتلك معرفة واسعة بأفغانستان، كما
يمكن أن تحاول الاستخبارات الأمريكية
تجنيد عناصر من داخل حركة طالبان.
ومن
ناحية أخرى، تشير بعض التقارير إلى أن
الاستخبارات الباكستانية تدرس أيضا
هذا الخيار، وبالذات اغتيال أسامة بن
لادن، باعتبار ذلك مخرجا مثاليا من
الأزمة الحالية، التي يخشى كبار
المسئولين الباكستانيين من أن
تصعيدها عسكريا سوف يكون له تداعيات
سلبية خطيرة على الجبهة الداخلية في
باكستان. ومن الممكن أن تعتمد
الاستخبارات الباكستانية في تنفيذ
هذا الخيار على العناصر المتعاونة
معها في صفوف حركة طالبان، بالإضافة
إلى أنه من المتوقع أن تتعاون
الاستخبارات الباكستانية مع نظيرتها
الأمريكية لتنفيذ هذه العملية.
وعلى
الجانب الآخر، فإن هذا الخيار يواجه
العديد من الصعوبات، وأبرزها أن
الولايات المتحدة فشلت في تنفيذ مثل
هذا الخيار في الماضي، حيث من الواضح
أنها كانت تسعى إلى تصفية أسامة بن
لادن منذ فترة ليست بالقصيرة، ولكنها
عجزت عن ذلك، ناهيك عن أن المؤشرات
المتاحة تدل على أن الولايات المتحدة
تعانى عجزا فادحا في عنصر
الاستخبارات البشرية داخل
أفغانستان، وعجزت عن اختراق تنظيم
القاعدة الذي يتزعمه بن لادن أو حركة
طالبان الحاكمة. والأكثر أهمية مما
سبق، أن هذا الخيار لا يمكن أن يمثل
ردا انتقاميا كافيا على تفجيرات
واشنطن ونيويورك، نظرا لحجم الدمار
الهائل والخسائر البشرية الضخمة التي
سببتها تلك التفجيرات، وإنما يمكن أن
تكون الاغتيالات في أفضل الأحوال
مجرد جزء من عمل عسكري انتقامي أوسع.
غارات
القوات الخاصة (الكوماندوز)
كان
هذا الخيار مطروحا بقوة من جانب
المحللين ووسائل الإعلام الأمريكية
للانتقام من التفجيرات الانتحارية في
واشنطن ونيويورك. ويهدف هذا الخيار
إلى تدمير البنية التحتية لتنظيم
القاعدة الذي يتزعمه أسامة بن لادن في
أفغانستان، وتصفية عناصر هذا التنظيم.
ويقوم على تنفيذ عمليات سريعة بواسطة
قوات خاصة من قوة (دلتا) المتخصصة في
الضربات الخاطفة وعمليات القصف
المركز. ومن الواضح أن الإدارة
الأمريكية درست هذا الخيار بعناية،
واهتمت في هذا الإطار بالتعاون مع
أجهزة الاستخبارات في كل من باكستان
والهند وروسيا الاتحادية من أجل
الحصول على معلومات دقيقة بشأن أماكن
وجود أسامة بن لادن وأتباعه. وتشير
بعض التقارير إلى أن الإدارة
الأمريكية تدرس إمكانية إرسال
مجموعات من القوات الخاصة الأمريكية
إلى داخل أفغانستان يتألف كل منها مما
يتراوح بين 100 ـ 150 عسكريا لمهاجمة
أهداف عسكرية منتقاة داخل أفغانستان.
ومن
الجدير بالذكر أن الولايات المتحدة
حاولت في العديد من المرات السابقة
تنفيذ عمليات خاطفة باستخدام القوات
الخاصة لاختطاف أسامة بن لادن أو
اغتياله، إلا أنها فشلت في ذلك. ففي
أعقاب حادثة الانفجار في مركز
التجارة العالمي في فبراير 1993، حاولت
السلطات الأمريكية اعتقال المشبوهين
المشاركين في العملية في أفغانستان،
إلا أن حكومة نواز شريف، التي كانت
تحكم وقتذاك في باكستان، رفضت
التعاون تماما مع الولايات المتحدة
في هذا الشأن بسبب خوفها من ضغوط
الرأي العام في باكستان. وبعد وصول
حكومة بناظير بوتو إلى الحكم في
باكستان في أكتوبر 1993، أعاد الجانب
الأمريكي طرح هذه المسألة مرة أخرى،
وبدأ الجانبان الأمريكي والباكستاني
بالفعل في الإعداد لتنفيذ تلك
العملية بسرية تامة، إلا أن تسريب
معلومات حول العملية لبعض مسئولي
الأمن الباكستانيين المتعاطفين مع بن
لادن تسبب في إفشال الخطة.
ويعانى
هذا الخيار من استمرار التعقيدات
نفسها التي كانت قائمة في الماضي. وما
لم تتوافر للقوات الأمريكية الخاصة (دلتا)
معلومات دقيقة للغاية بشأن كافة
تفاصيل العملية، فإن من الممكن أن تجد
نفسها فريسة لشرك مميت، كما أن الواضح
أن الطبيعة الجبلية الصعبة والمعقدة
تطرح صعوبات بالغة أمام أي عمليات
خاصة من هذا النوع، بالإضافة إلى أن
هذه العمليات يمكن أن تكون جزءا من
عملية عسكرية أكبر، ولكنها لا تمثل
بحد ذاتها ردا كافيا على التفجيرات
الإرهابية التي تعرضت لها الولايات
المتحدة.
القصف
الجوى والصاروخي المكثف
يعتبر
القصف الجوى والصاروخي المكثف جزءا
محوريا في أي عملية عسكرية أمريكية-
دولية ضد أفغانستان، إلا أن بعض
التحليلات تطرحه باعتباره خيارا
متكاملا بحد ذاته.
أ-
تبني هذا الخيار كخيار متكامل بذاته:
في
حالة تنفيذ هذا الخيار كخيار متكامل
بحد ذاته، سوف يكون الغرض منه مقصورا
على مجرد الإسراع برد فعل انتقامي
يستجيب للضغوط المتزايدة على الإدارة
الأمريكية من جانب الرأي العام
ووسائل الإعلام من أجل معاقبة منفذي
الحادث. وسوف يكون التطبيق العملي على
غرار ما قامت به إدارة كلينتون
السابقة عام 1998، ردا على تفجير
السفارتين الأمريكيتين في تنزانيا
وكينيا، حينما قامت بقصف المعسكرات
التابعة لتنظيم القاعدة، ولكن يمكن
أن يكون التطبيق الأمريكي لهذا
الخيار خلال الأزمة الحالية أوسع
نطاقا بكثير من الحالة السابقة، بحيث
يشمل القصف الجوى طائفة واسعة من
الأهداف، بما في ذلك الأهداف التابعة
لحركة طالبان، وبالذات المعسكرات
ومناطق التجميع الرئيسية للقوات
والبنية العسكرية الأساسية
والتحصينات الجبلية، كما أن السلاح
الجوى الأمريكي سوف يشارك بالضرورة
في عمليات القصف ضد أفغانستان.
وسوف
تعتمد عمليات القصف الجوى والصاروخي
الأمريكية ـ الدولية على أنواع
وطرازات متنوعة من طائرات القتال
والسفن الحربية الأمريكية، المرابطة
في الخليج العربي وبحر العرب والمحيط
الهندي. وسوف تلعب القاذفات
والمقاتلات الأمريكية دورها محوريا
في تلك العمليات، وبالذات القاذفات
المقاتلة الخفية (ستيلث) (إف 117)، و(بى 2)
بعيدة المدى ذات الحمولة الكبيرة،
والقاذفات الإستراتيجية طراز (بى 52)
التي تنطلق من قاعدة دييجو جارسيا،
ولديها القدرة على حمل صواريخ كروز
وقنابل ثقيلة من مختلف الأوزان،
والمقاتلات (إف 15 إيجل) و(إف 16 فالكون)،
والطائرات القتالية التابعة للبحرية
الأمريكية طراز (إف 14 تومكات) و(إف 18
هورنيت) و(هاريير) البريطانية ذات
القدرة على الإقلاع والهبوط الرأسي.
أما
من حيث الأسلحة والذخائر، فإن من
المتوقع أن تلعب الصواريخ الطوافة (كروز)
دورا رئيسيا في أي عمليات للقصف ضد
أفغانستان، بالإضافة إلى القنابل (جى
بى يو 28) التي يتم توجيهها بالأقمار
الصناعية، والقنابل المصممة لاختراق
التحصينات المسلحة في باطن الأرض. ومن
المنتظر أن تلجأ القوات الأمريكية
إلى استخدام أسلحة جديدة لمهاجمة
التحصينات الجبلية والخنادق
والملاجئ الأرضية، مثل ما يعرف بـ (القنبلة
الوقودية) أو (القنبلة الرذاذية)، وهى
عبارة عن قنبلة تقذف من الطائرات،
ولديها القدرة على نشر رذاذ من الوقود
سريع الاشتعال على ارتفاع منخفض فوق
المنطقة التي تحتوى على الخنادق
والملاجئ الأرضية المستهدفة، ثم
إشعال هذا الرذاذ، بما يولد ارتجاجا
هائلا وموجات هوائية شديدة تتسبب في
تفريغ الهواء وقتل كل من يوجد في تلك
المنطقة، والمساعدة في إخراج القوات
المرابطة في أنفاق خرسانية تحت الأرض
أو القضاء عليها في مواقعها.
ب-
تبني هذا الخيار كجزء من عملية شاملة:
تبني
خيار القصف الجوي والصاروخي كجزء من
عملية عسكرية أوسع، تشمل غزوا بريا
شاملا للأراضي الأفغانية، هو الأكثر
احتمالا. فخيار القصف الصاروخي لا
يمكن أن يكون خيارا مستقلا بذاته؛
نظرا لضخامة العملية الإرهابية التي
تعرضت لها الولايات المتحدة، من حيث
حجم الدمار والضحايا؛ ولذلك، يمكن أن
يكون القصف الجوي والصاروخي جزءا من
عملية عسكرية متكاملة تقوم بها
الولايات المتحدة والتحالف الدولي.
وفى هذه الحالة، سوف تسير عمليات
القصف على النحو سالف الذكر، ولكنها
سوف تتضافر مع أعمال قتال القوات
البرية في إطار عملية بر ـ جوية
مشتركة. ومن الممكن أن تلجأ القيادة
العسكرية الأمريكية في هذه الحالة
إلى تطبيق نظريات عسكرية جديدة في
الفكر العسكري الأمريكي، وبالذات
تطبيق مبدأ جديد نسبيا يعرف بـ "مبدأ
القيادة والسيطرة المشتركة للقوات"
(Joint Command & Control) بهدف توحيد وتنسيق
أعمال قتال الأسلحة المختلفة أثناء
العمليات العسكرية، من أجل تفادى
الانقسامات السابقة التي كانت تحدث
في الماضي، حيث كان مشاة البحرية في
السابق يقومون بمهام معينة، في حين
تقوم القوات البرية بمهام مختلفة،
كما كانت البحرية توفر الإسناد الجوى
القريب، بينما كان السلاح الجوى يقوم
بذلك في حالات أخرى؛ ولذلك، فإن تطبيق
المبدأ الجديد سوف يركز على تنظيم
أعمال القوات المسلحة الأمريكية
المشتركة، وتطوير هيكل قيادة وسيطرة
مشتركة لهذه القوات، تعمل معا وتشترك
معا في تنفيذ أعمال القتال وتوجيه
الوحدات القتالية بصورة منسقة.
الغزو
البري الشامل
يعتبر
خيار الغزو البرى الشامل الخيار
الأكثر احتمالا للحرب الأمريكية ـ
الدولية القادمة ضد الإرهاب. وسوف
يحتاج هذا الخيار إلى ترتيبات
واستعدادات طويلة، ربما تستغرق عدة
أسابيع. وتشير المعلومات المتاحة إلى
أن القوات المسلحة الأمريكية وحلف
شمال الأطلنطي بدؤوا بالفعل في وضع
الخطط اللازمة لهذا الغزو البرى
الشامل، والذي سوف يحتاج إلى ما لا
يقل عن نصف مليون جندي. ومن الممكن
بطبيعة الحال أن يشتمل هذا الخيار على
كل أو بعض الخيارات السابقة. ولن
تقتصر أهداف هذا الخيار على القضاء
على البنية الأساسية لتنظيم القاعدة
الذي يتزعمه أسامة بن لادن، ولكن أيضا
الإطاحة بحركة طالبان الحاكمة في
أفغانستان، باعتبارها حركة داعمة
للإرهاب، من وجهة النظر الأمريكية،
على الرغم من النفي المتكرر لهما عن
أي مسئولية عن تفجيرات واشنطن
ونيويورك.
وسوف
تقوم باكستان بدور محوري في أي عمل
برى واسع النطاق ضد أفغانستان، سواء
في توفير المعلومات الهامة المتاحة
لأجهزة الاستخبارات الباكستانية عن
حركة طالبان وأسامة بن لادن، أو
كقاعدة لانطلاق الهجمات الجوية
والبرية ضد أفغانستان. وكان ذلك هو
السبب في اهتمام الإدارة الأمريكية
بالتباحث بسرعة مع القيادة
الباكستانية بشأن أي ترتيبات خاصة
بالعمل العسكري ضد حركة طالبان. أما
بالنسبة للدول المجاورة الأخرى، فإن
من المؤكد أن ترفض إيران السماح
للولايات المتحدة باستخدام مجالها
الجوى وأراضيها في الهجوم على
أفغانستان، في حين أن تركمانستان
أعلنت أيضا رفضها مساعدة الولايات
المتحدة في الهجوم على أفغانستان.
وسوف
تركز العملية العسكرية الأمريكية ـ
الدولية على تطبيق تكتيكات الحرب
الحديثة، عبر الاستفادة من التطور
التكنولوجي الهائل لدى القوات
الأمريكية خصوصا، ولدى القوات
العسكرية الغربية عموما، سواء في
مجال الأسلحة والمعدات القتالية أو
في مجال المنظومات المساعدة من عناصر
مضاعفة القوة (Force Multiplier)، وبالذات
منظومات القيادة والسيطرة
والاستطلاع وجمع المعلومات. وسوف يتم
ترجمة ذلك في ساحة العمليات من خلال
أسلوب "الاشتباك الآمن عن بعد"،
وفق إستراتيجية "الذراع الطويلة"،
التي تهدف إلى تمكين القوات المهاجمة
من تحقيق أهدافها العسكرية وتنفيذ
هجماتها من مسافات آمنة تضمن لها
تقليل الخسائر التي يمكن أن تنجم عن
المواجهة المباشرة مع الخصم، وذلك من
خلال التركيز في هذه العملية على
استخدام طائرات القتال والصواريخ
الطوافة (كروز)، حتى يتم التأكد من
القضاء تماما على قدرة العدو على
المقاومة، وبعدها يمكن للقوات البرية
أن تتقدم في أرض العدو، وهو المبدأ
الذي طبقته القوات الأمريكية في حرب
الخليج (1991) والعملية الجوية الأطلسية
في كوسوفو (1999).
وفى
حالة الغزو البرى الشامل، يمكن
للولايات المتحدة الاعتماد على قوات
التحالف الطاجيكي ـ الأوزبكي بقيادة
برهان الدين رباني، الذي مازال
بمثابة الحكومة الشرعية في أفغانستان.
وكانت قوات هذه الحكومة قد تعرضت
للهزيمة والتقهقر المتواصل أمام قوات
حركة طالبان. وتشير بعض التقديرات إلى
أن هذه المعارضة يمكنها أن تحشد ما لا
يقل عن 100 ألف مقاتل للمشاركة في أي
عمليات عسكرية محتملة ضد طالبان. وقد
أعلن مسئولو هذا التحالف رغبتهم في
التعاون مع الولايات المتحدة والقضاء
على حركة طالبان الحاكمة في البلاد،
ويمتلكون بطبيعة الحال ثروة من
المعلومات بشأن مواقع حركة طالبان
والطبيعة الجغرافية للبلاد، وبالذات
في المناطق الجبلية الوعرة. ومن
الممكن أن تعمل هذه القوات كرأس حربة
في حالة أي غزو برى تقوم به القوات
الأمريكية للأراضي الأفغانية، إلا أن
مقتل أحمد شاه مسعود القائد العسكري
للمعارضة الأفغانية خلال الفترة
الماضية يمكن أن يحد من قدراتها
القتالية.
ومن
أجل مواجهة تكتيكات حرب العصابات من
جانب مقاتلي طالبان وأسامة بن لادن،
وبالذات الاختباء في الملاجئ الجبلية
الحصينة، فإن القوات الأمريكية
والدولية يمكن أن تلجأ إلى استخدام
طائفة متنوعة من التكتيكات على النحو
التالي:
1.
شن حرب جبلية بالاعتماد على قوات
خفيفة الحركة، بواسطة القوات الخاصة
الأمريكية (دلتا) المتخصصة في حروب
الجبال والغابات، من أجل مهاجمة
المخابئ الجبلية لأسامة بن لادن، ولا
سيما إذا حصلت القوات الأمريكية على
التصميمات الهندسية الخاصة بهذه
المخابئ، أو إذا حصلت على تعاون فعال
مع جماعات المعارضة الأفغانية التي
تمتلك دراية واسعة بهذه المناطق
الجبلية.
2.
التوسع في استخدام طائرات الهليكوبتر
المسلحة على ارتفاعات منخفضة في صورة
دوريات مستمرة لاصطياد المقاتلين
الأفغان والعرب، مع الاستعانة بطبيعة
الحال بوسائل متنوعة للتجسس
والاستطلاع، سواء الأقمار الصناعية
أو وسائل الرصد والتنصت أو وسائل
التجسس البشرى.
3.
التطويق طويل المدى للمناطق الجبلية
التي يختبئ فيها أسامة بن لادن
وأتباعه، لمنعه وصول أي إمدادات
جديدة لهم، سواء من المؤن أو الأسلحة
أو الذخائر، مما يمكن أن يضعف قدرتهم
على الصمود والمقاومة، بما يضطرهم
إلى الاستسلام أو الموت جوعا في
مخابئهم.
أما
بالنسبة لخيارات طالبان ذاتها في
حالة الغزو البرى الشامل للأراضي
الأفغانية، فإن مواقف مسئولي طالبان
تشير إلى إمكانية توسيع نطاق
المعركة، بحيث تشمل أي دولة مجاورة
توافق على التعاون مع الولايات
المتحدة في الهجوم على أفغانستان،
وأطلق مسئولو طالبان تهديدات صريحة
بهذا المعنى. وفى جميع الأحوال، فإن
أسامة بن لادن وحركة طالبان يمكن أن
يلجؤوا، في حالة بدء هجمات عسكرية ضد
الأراضي الأفغانية، إلى التوسع في
تنفيذ عمليات إرهابية في الخارج، ضد
أهداف في الولايات المتحدة وأوروبا
والدول المتحالفة مع الولايات
المتحدة، كما يمكن أن تتعاون حركة
طالبان وأسامة بن لادن مع الجماعات
والعناصر المتعاطفة معهم في الولايات
المتحدة وأوروبا و"الشرق الأوسط"
والشيشان لتنفيذ عمليات إرهابية ضد
أهداف خاصة بالولايات المتحدة والدول
المتحالفة معها. ومن ناحية أخرى، يمكن
لحركة طالبان أن تستفيد من التأييد
الشعبي الواسع الذي تتمتع به في
باكستان من أجل الضغط على حكومة برويز
مشرف لتقليص أو وقف تعاونها العسكري
مع الولايات المتحدة في الهجوم على
أفغانستان.
وعلى
الرغم من المكاسب الهامة التي يمكن أن
تحققها الولايات المتحدة في حالة
الغزو البرى الشامل لأفغانستان، من
حيث ضمان القضاء بصورة كاملة على
البنية الأساسية لحركة طالبان وتنظيم
القاعدة، فإن هناك العديد من
التكاليف والقيود التي تحيط به،
وأبرزها أن الكثير من الدول المجاورة
لأفغانستان رفضت فتح أراضيها أمام
القوات الأمريكية لمهاجمة
أفغانستان، كما أن الموقف المعلن
لباكستان ذاتها اقتصر حتى الآن على
مجرد السماح للولايات المتحدة
باستخدام المجال الجوى الباكستاني
بهدف توجيه ضربات جوية وصاروخية على
مواقع داخل أفغانستان، والموافقة على
تبادل المعلومات الاستخبارية مع
الولايات المتحدة. ولم تعلن باكستان
صراحة موافقتها على السماح للولايات
المتحدة باستخدام أراضيها لمهاجمة
أفغانستان.
وعلى
الرغم من أي غزو بري شامل للأراضي
الأفغانية من جانب القوات الأمريكية
والحليفة يمكن أن يكون أقل تكلفة
بكثير من تكلفة الاحتلال السوفيتي
لأفغانستان، بسبب وقوف معظم دول
العالم ضد حركة طالبان، وافتقارها
إلى أي مصدر خارجي للدعم العسكري
والاقتصادي والمالي، ومعاناتها عزلة
دولية خانقة، فإن خيار الغزو البري
الشامل يمكن أن يتحول إلى حرب استنزاف
للقوات الأمريكية والحليفة في
أفغانستان، حيث إن دروس التاريخ
والجغرافيا تشير دوما إلى أن أي قوة
أجنبية تسعى إلى احتلال أفغانستان
تتعرض للهزيمة أو الاستنزاف، كما أن
الأراضي الأفغانية تتسم بوعورة شديدة
من حيث غلبة الطبيعة الجبلية
والبرودة الشديدة للطقس، ويتمتع
الشعب الأفغاني بروح قتالية عنيفة
وقدرة عالية على مقاومة القوات
الأجنبية، علاوة على أنه ليس لدى
الأفغان ما يخسرونه في ظل تدني
مستويات المعيشة بصورة بالغة البؤس.
وفى
الوقت نفسه، فإن الكثير من الدول التي
يمكن أن تشارك في التحالف الدولي
المزمع، بل وقطاعات واسعة من الرأي
العام الأمريكي ذاته، تطالب الإدارة
الأمريكية بالتأكد أولا بصورة لا لبس
فيها من مسئولية حركة طالبان، قبل
توجيه أي ضربات عسكرية ضدها، علاوة
على أن روسيا الاتحادية ترفض من حيث
المبدأ المشاركة في أي عملية عسكرية
ضد أفغانستان؛ خوفا من العودة مجددا
إلى المستنقع الأفغاني، ناهيك عن
الصعوبات اللوجستية الهائلة التي
يمكن أن تواجه هذه العملية. وأخيرا،
يظل من المؤكد أن أي عملية غزو بري
شامل وواسع النطاق للأراضي الأفغانية
سوف تستغرق وقتا طويلا نسبيا، كما أن
القوات الأمريكية والمتحالفة يمكن أن
تتكبد خسائر بشرية كبيرة نسبيا، وهو
ما قد يعقد كثيرا من مسار هذه
العملية، بالنظر إلى الحساسية
الشديدة التي يتعامل بها الرأي العام
الغربي تجاه الخسائر في الأرواح.
الهجوم
الشامل على عدد من الدول
يقوم
هذا الخيار على توسيع نطاق العملية
العسكرية الأمريكية ـ الدولية ضد
الإرهاب، بحيث لا تقتصر على مهاجمة
أفغانستان، وإنما تمتد إلى مهاجمة
أهداف محددة في عدد من الدول التي
تعتبرها الولايات المتحدة دولا داعمة
للإرهاب. ويستند هذا الخيار على
تقديرات لبعض المسئولين الأمريكيين
ووسائل الإعلام الأمريكية تشير إلى
أن أي عملية عسكرية أمريكية ربما تكون
أكبر بكثير من مجرد استهداف أسامة بن
لادن وحركة طالبان التي توفره له
الدعم والمأوى. فمن الممكن أن تتسع
العملية العسكرية الأمريكية في مرحلة
لاحقة لضرب جميع العناصر التي
تعتبرها الولايات المتحدة عناصر
إرهابية، والموزعة في عدد من دول
"الشرق الأوسط"؛ حيث ذكرت بعض
التقارير أن الولايات المتحدة ربما
تفكر في ضرب أهداف في كل من اليمن
والسودان وسوريا ولبنان وإيران،
لتدمير أي أهداف تعتبرها الولايات
المتحدة بمثابة قواعد إرهابية في تلك
الدول. وفى الوقت نفسه، فإن المسئولين
الإسرائيليين يروجون بقوة لتنفيذ هذا
الخيار، بحجة دعم تلك الدول للإرهاب.
وهناك
العديد من القيود والصعوبات التي
تحيط بهذا الخيار، أبرزها أن الكثير
من الدول الحليفة والصديقة للولايات
المتحدة لا يمكن أن توافق على توسيع
نطاق الحرب ضد الإرهاب على هذا النحو،
وبالذات في ظل عدم وجود أدلة كافية
ومقنعة بشأن تورط تلك الدول في أي
أعمال إرهابية ضد الولايات المتحدة
عموما، وفي تفجيرات واشنطن ونيويورك
خصوصا. ورغم أن عددا من الدول
العربية، مثل مصر والسعودية، أعلنت
استعدادها للتعاون مع الولايات
المتحدة في أي ترتيبات لمكافحة
الإرهاب، فإن هذه الدول تطالب بتوفير
أدلة كافية ومقنعة بشأن المسئولية عن
التفجيرات، علاوة على أن تلك الدول
سوف ترفض حتما ضرب دول عربية أخرى
بحجة دعمها للإرهاب، بالإضافة إلى
أنها سوف ترفض حتما ضرب إيران عسكريا،
خوفا من انعكاسات ذلك على الأمن
الإقليمي في الخليج. وفى الوقت نفسه،
فإن هذا الخيار سوف يتسبب في إطالة
أمد المواجهة ضد الإرهاب، وتعقيد هذه
المواجهة، ولا سيما أن تنفيذ هذا
الخيار سوف يجعل الولايات المتحدة
تبدو كأنها تدخل صراعا مسلحا لمصلحة
إسرائيل في الشرق الأوسط، ولضرب خصوم
إسرائيل في المنطقة، مما سوف يخلق
ردود فعل عنيفة ضد السياسة الأمريكية
في العالم العربي.
ومن
ناحية أخرى، فإن المواقف المعلنة
لمسئولي الإدارة الأمريكية تشير إلى
استبعاد خيار استهداف الدول
المذكورة، حيث رحب وزير الخارجية
الأمريكية بإدانة كل من سوريا وإيران
بالاعتداءات التي تعرضت لها الولايات
المتحدة، وأشار إلى أن هذا الموقف
يمكن أن يفتح الباب أمام تعاون بين
هاتين الدولتين والولايات المتحدة من
أجل استئصال الإرهاب، وهو ما يشير إلى
أن العلاقات بين الجانبين تتجه نحو
التعاون، وليس نحو الصدام.
اقرأ
أيضًا:
|