 |
|
الرئيس السادات بدأ تجربة التعددية الحزبية الحديثة في مصر |
جاء
قرار لجنة الأحزاب المصرية- وهى لجنة
حكومية- بتجميد نشاط حزب الوفاق
القومي ذي الاتجاه الناصري في التاسع
عشر من أغسطس 2001 ليلقي مزيدًا من
الشكوك حول التعددية الحزبية في مصر
بعد مرور ربع قرن على بدايتها، فهذا
الحزب الذي مضى على تأسيسه أقل من عام
ونصف العام (أنشئ في 12 مارس 2000) ولا
يتجاوز عدد أعضائه المائة- عصفت به
أنواء السياسة ومزَّقته الخلافات
الداخلية.
وقد
وجدت الحكومة في ذلك فرصتها لتنقضَّ
عليه وتقرر تجميده بحجة وجود خلاف بين
قياداته وتنازع على رئاسته، ومن ثمَّ
جاء قرار لجنة الأحزاب بعدم الاعتداد
برئاسة أي من المتنازعين على رئاسة
الحزب حتى ينهوا منازعاتهم رضاء أو
قضاء، وهذا ما يعني عمليا دخول الحزب
ثلاجة القضاء والتجميد الدائم.
حلقة
في مسلسل طويل
لم
يكن تجميد حزب الوفاق هو الأول من
نوعه، بل سبقه تجميد عدة أحزاب للسبب
ذاته، وهو وجود تنازع على رئاسة
الحزب، ومن هذه الأحزاب "حزب مصر
الفتاة"، و"حزب الأحرار"، و"حزب
العدالة الاجتماعية"، و"حزب
الشعب الديمقراطي"، وأبرزها على
الإطلاق "حزب العمل".
وقد
لجأت كل هذه الأحزاب إلى القضاء،
طاعنةً في قرار لجنة الأحزاب
بتجميدها وعدم الاعتداد بأي من
المتنازعين على رئاستها، وصدرت عشرات
الأحكام القضائية التي أكدت عدم
أحقية لجنة الأحزاب في التدخل في
الشؤون الداخلية للأحزاب، وعدم
أحقيتها في الاعتداد أو عدم الاعتداد
بأي من المتنازعين على رئاسة
الأحزاب، باعتبار ذلك حق القضاء فقط،
ولكن الحكومة المصرية- ممثلة في لجنة
الأحزاب- ضربت عُرض الحائط بكل هذه
الأحكام القضائية.
بداية
خاطئة
بدأت
التجربة الحزبية الحديثة في مصر
بقرار من رئيس الجمهورية السابق "أنور
السادات"؛ حيث أعلن في الحادي عشر
من فبراير عام 1976 عن حرية تكوين
المنابر داخل "الاتحاد الاشتراكي"؛
فتكونت المنابر الرئيسية: منبر
اليسار، ومنبر اليمين، ومنبر الوسط.
وقد
تلا ذلك الإعلان عن حرية تشكيل
الأحزاب في العاشر من فبراير عام 1977،
وتم كل ذلك في الوقت الذي كان الدستور
يقوم على فكرة الحزب الواحد (الاتحاد
الاشتراكي العربي)، ولم يكن قانون
الأحزاب قد صدر بعد (صدر القانون في
الثاني من يوليو 1977)، كما أن الدستور
ظل ينص على نظام الحزب الواحد حتى تم
تعديل هذا النص ضمن تعديلات الدستور
في عام 1980.
وهذا
يوضح أن التجربة لم تُبْنَ من البداية
على أسس ديمقراطية سليمة، وإنما كانت
رغبة آنية حالّة في نفس الرئيس
السادات الذي كان يريد التخلص من كل
ميراث عبد الناصر- ومنه الاتحاد
الاشتراكي- من ناحية، وكان يريد تقليد
الغرب- ولو صوريا- من ناحية ثانية.
وهكذا
كانت ولادة الأحزاب المصرية ولادة
مبتسرة، وظلت تحت رحمة السلطة التي
سمحت أساسًا بولادتها. ومنذ بدأت
التجربة الحزبية المصرية الحديثة،
شهدت الساحة السياسية المصرية ولادة
ستة عشر حزبا سياسيا، وُلد سبعة منها
بقرار من لجنة الأحزاب، وهى: "العربي
الاشتراكي" الذي كان الحزب الحاكم
منذ بدء التجربة، وحتى تخلَّى عنه
السادات عام 1978 بإنشاء "الحزب
الوطني الديمقراطي" الذي وافقت
عليه اللجنة أيضًا، وكذلك "حزب
الوفد"، و"حزب العمل"، و"حزب
التجمع"، و"حزب الأحرار"،
وأخيرًا "حزب الوفاق القومي".
أما باقي الأحزاب الستة عشر فقد وُلدت
بحكم قضائي، وهي جميعها أحزاب هامشية
جدا باستثناء "الحزب الناصري".
تجربة
ضعيفة
ولأن
التجربة في مجملها ولدت مبتسرة ولم
تكن نتيجة قناعة حقيقية بفكرة التعدد
الحزبي والتداول السلمي للسلطة، فقد
ظلت طوال السنوات الماضية غير قادرة
على أي تأثير حقيقي، وحرصت السلطة في
مصر على تحجيم هذه الأحزاب بشكل دائم؛
حتى لا تخرج على الخطوط المرسومة لها.
ومن
هنا وفّرت لها دعمًا ماليًا محدودًا
أصبح مثار نزاع بين قيادات بعضها
لاحقا، كما حدث في أزمة حزب الوفاق
مؤخرًا، ولكنها (أي السلطة) ظلت تحاصر
الأحزاب داخل مقارها وترفض السماح
لها بالالتحام المباشر بالجمهور أو
عقد مؤتمرات شعبية في الأماكن
العامة، أو حتى التحرك بحرية كاملة في
المواسم الانتخابية.
ونتيجة
لهذا التضييق الحكومي، وللمشكلات
الداخلية للأحزاب، وتنازع قياداتها،
وعدم قدرتها على جذب الشعب إليها،
وعدم قدرتها على تجديد نفسها وتجديد
أفكارها- فقد تكلست وتقوقعت في
مقارها، وأصبحت تُمثل ما يمكن أن يطلق
عليه البطالة السياسية؛ حيث يوجد
أعضاء لهذه الأحزاب بلا نشاط يستوعب
طاقاتهم، وهو ما يراه بعض المحللين من
أسباب الانفجار في الأحزاب المصرية،
كما يقول المثل الشائع: "الجيش
العاطل تكثر مشاكله".
أسباب
داخلية وخارجية
لقد
نشبت الخلافات داخل بعض الأحزاب
لأسباب سياسية أو مالية أو إدارية،
ولم تستطع حسم هذه الخلافات وفق قواعد
الشورى وآليات الديمقراطية؛ حيث إن
البناء التنظيمي لهذه الأحزاب ما
يزال هشًّا، وما يزال الفكر الشمولي
يحكمها داخليًّا.
ورغم
أن مثل هذه الخلافات موجودة في معظم
الأحزاب بما فيها "الحزب الوطني"
الحاكم، فإن الحكومة المصرية استغلت
بعضها لضرب بعض الأحزاب التي رأت أنها
تجاوزت الخطوط الحمراء.
وكان
أول هذه الأحزاب "حزب مصر الفتاة"؛
فقد أصدر الحزب صحيفة عالية الصوت في
ظل رئاسة الصحفي "مصطفى بكري"
لها، وقد قامت بشنّ هجومٍ قاسٍ ضد
المملكة العربية السعودية، ورأت
الحكومة أن تتخلص من هذه الصحيفة عن
طريق تجميد الحزب الذي يصدرها،
فاستغلت الخلافات الداخلية والتنازع
على رئاسة الحزب لتبرر قرارها بتجميد
الحزب منذ بداية التسعينيات وحتى
الآن.
والشيء
نفسه تكرر مع "حزب العدالة
الاجتماعية" الذي دخلت صحيفته
معركة مع وزير الداخلية السابق "حسن
الألفي"، فما كان منه إلا أن دفع
ببعض الأعضاء في الحزب للتنازع على
رئاسته لتبرير صدور قرار بتجميده. أما
"حزب الشعب الديمقراطي" فقد دبت
خلافات حقيقية بين أعضائه لا دخل
للسلطة بها.
والحال
نفسه تكرر مع "حزب الأحرار" الذي
نشأ الخلاف بين قياداته بعد وفاة
مؤسسه "مصطفى كامل مراد"؛ حيث
تنازع على رئاسته ما يقرب من أحد عشر
رئيسًا، وظل خلافهم قائمًا حتى اليوم.
ورغم تجميد الحزب رسميا، فإن اللافت
أن الحكومة تسمح بصدور صحيفته
بانتظام حتى الآن.
حزب
العمل: خلافات جديدة
وكان
قرار الحكومة المصرية بتجميد نشاط
حزب العمل في العشرين من مايو 2000
نموذجًا لضيقها بالمعارضة السياسية
القوية، فقد رأت السلطات أن الحزب
تجاوز الخطوط الحمراء بموقفه في أزمة
رواية "وليمة لأعشاب البحر"
للكاتب السوري "حيدر حيدر"، وما
نجم عن ذلك من مظاهرات كبيرة لطلاب
الأزهر والجامعات المصرية.
وقد
وضح ذلك من خلال مذكرة مباحث أمن
الدولة المرسلة للمدعي العام
الاشتراكي بتاريخ (31-5-2000)، وبالتالي
فقد أعدت الحكومة خطة للتخلص من هذا
الحزب، واستغلت وجود بعض العناصر
الغاضبة داخله للإيحاء بوجود تنازع
على رئاسة الحزب، ومن ثم تجميده، وهو
ما حدث فعلا.
ورغم
مرور حوالي عام ونصف العام على إغلاق
الحزب وتجميده ووقف صحيفته "الشعب"،
فإن الحزب ظل متماسكًا، وحصل خلال هذه
الفترة على أحد عشر حكما قضائيا بوقف
قرارات لجنة شؤون الأحزاب فيما يخص
عدم الاعتراف برئيسه، أو وقف صحيفته.
ورفضت الحكومة تنفيذ تلك الأحكام
جميعها، وتوالت الرسائل المباشرة
وغير المباشرة على قيادة الحزب
لتقديم تنازلات محددة تتعلق بتغيير
الخط الإسلامي للحزب وتغيير عدد من
قياداته حتى توافق الحكومة على
إعادته للنشاط القانوني، غير أن
الحزب رفض تقديم هذه التنازلات.
ولكن
مع استمرار الأزمة حتى الآن وعدم ظهور
بوادر لحلها بدأت الصورة تهتز داخل
الحزب، وظهر اتجاه يطالب بإبداء
المرونة اللازمة حتى توافق الحكومة
على حل الأزمة؛ حيث يرى هذا الفريق أن
عودة الحزب- ولو بفاعلية أقل مما كان
من قبل- أفضل من غيابه تمامًا عن
الساحة السياسية، خاصة أن هناك
تفكيرًا في إجراء الانتخابات
النيابية القادمة بنظام القائمة
الحزبية، وهو ما يعني حرمان أعضاء
الحزب من الترشيح إذا ظل الحزب مجمدًا.
وهكذا
تفاعلت الأحداث وتصاعدت داخل حزب
العمل لتصبح حربًا أهلية بدلاً من
اتحاد الحزب في مواجهة الحكومة.
"الوفاق"
على طريق "العمل"
ترتبط
أزمة "حزب الوفاق" الذي جُمِّد
مؤخرًا في جزء منها بأزمة "حزب
العمل"؛ إذ إن حزب الوفاق أصبح
الملاذ الآمن لحزب العمل بعد تجميده،
وأصبحت صحيفة "القرار" التي
يصدرها حزب الوفاق هي البديل لصحيفة
"الشعب" الموقوفة؛ حيث إن هيئة
تحريرها تكاد تكون بالكامل من صحفيي
"الشعب"؛ حتى إن المتنازعين على
الحزب اتهموا قيادته الحالية بتحويل
الحزب إلى مأوى لحزب محظور بالمخالفة
للقانون.
وبالطبع
لم يكن هذا هو السبب الوحيد لأزمة
الحزب، ولكن هناك أسباب أخرى، الظاهر
منها اعتراض المتنازعين على طريقة
القيادة الحالية للحزب في إدارة
شؤونه، والخلاف حول صرف المبالغ التي
تقدمها الدولة كدعم للحزب والصحيفة.
وكان
أغرب الأسباب هو الادعاء بأن الحزب
يحاول أن يقيم تحالفًا مع جماعة "الإخوان
المسلمين" المحظورة على غرار
تحالفها مع حزب العمل، وهو ما زعمه
المتنازعون في مذكرتهم إلى لجنة
الأحزاب، ونفاه رئيس الحزب في مؤتمر
صحفي، كما نفاه المستشار "مأمون
الهضيبي" نائب المرشد العام لجماعة
الإخوان.
ويرى
الحزب في بيان له عقب قرار تجميده أن
ما تم تجاهه من إجراءات وصفها
بالهمجية والبربرية ترجع إلى الأسباب
التالية:
1-
مواقفه
المتشددة من الصهيونية والتبعية
لأمريكا، ووقوفه ضد الغزو الثقافي
الصهيوني الأمريكي، وتمسكه
بالهوية العربية الإسلامية،
ووقوفه في خندق الحق العربي
الإسلامي وطليعة جهاده المشروع في
الانتفاضة الفلسطينية.
2-
اتخاذه
موقفًا هجوميًا ضد الاستنكارات
الذليلة للمسؤولين المصريين
للعمليات الاستشهادية ضد الإجرام
الصهيوني، وهو ما لم تحتمله أعصاب
النظام.
3-
وقوفه
ضد الفساد ومطاردته للوزراء
الفاسدين وسياساتهم التي تجرّع
منها الشعب المصري كل ألوان الذلّ
والهوان، وأشار بشكل خاص إلى وزراء
الزراعة والتعليم والثقافة.
4-
موقف
الحزب المعارض بشدة لدور المجلس
القومي للمرأة، الذي أنشئ مؤخرًا،
وترأسه حرم رئيس الجمهورية، الذي
يصفه الحزب بأنه شكّل لمصر رأسًا
ثانية، ونتج عنه من التشريعات
والسياسات والاستحواذ على
الوزارات والوزراء ما يكفي لفساد
منطقة بأكملها.
أما
السبب الحقيقي في رأي المتابعين- الذي
أشار إليه الحزب في بيانه أيضا- فقد
كان حول انتقاد نائب رئيس الحزب لرئيس
الجمهورية، واتهامه إياه بالضعف
والعجز عن تعيين نائب له، والعجز عن
إقالة الحكومة الحالية. وكان ذلك في
حوار نشرته صحيفة "القرار"
الناطقة بلسان الحزب في آخر عدد لها،
وهو العدد الذي تمّت مصادرته من
الأسواق.
وهكذا
دخل "حزب الوفاق" الذي لم يمضِ
على تأسيسه عام ونصف العام ثلاجة
الأحزاب المُجمدة، وبدأ معركة قضائية
للطعن في قرار لجنة الأحزاب، ولكن
أغلب التوقعات ترى أنه سيواجه مصير
الأحزاب التي سبقته؛ وهو تجاهل
الحكومة لأية أحكام تصدر لصالحه،
واستمراره مجمدا حتى يُقدِّم ما
يُطلب منه من تنازلات.
الوفد
والناصري والتجمع يعانون
لم
تقتصر الانفجارات والمشكلات على هذه
الأحزاب التي انتهت إلى التجميد،
ولكنها امتدت إلى الأحزاب التي لا
تزال تباشر نشاطها، ومنها أحزاب "الوفد"
و"الناصري" و"التجمع".
أما
"حزب الوفد" فهو يعاني مشكلات
حقيقية بعد وفاة مؤسسه ورئيسه "فؤاد
سراج الدين" قبل عام، وقد ظهرت هذه
المشكلات مع تولِّي الرئيس الجديد
الدكتور "نعمان جمعة" الذي لا
ينتمي لأي من أسر الوفد العريقة، كما
أنه عمد إلى استبعاد بعض رموز هذه
الأسر وتقليص دورهم في الحزب، مثل
أسرة سراج الدين والبدراوي، وقد أدت
الانشقاقات داخل الحزب إلى خروج
ثلاثة من نواب الحزب بمجلس الشعب
ليتبقى له أربعة نواب فقط.
وأما
"الحزب الناصري" فيشهد صراعًا
حادًّا بين قياداته؛ استعدادًا
لمؤتمره العام في أكتوبر القادم؛ حيث
استحدث الحزب منصبًا للرئيس ومنصبًا
للأمين العام، وذلك على خلاف الوضع
الحالي الذي يقتصر على الأمين العام
فقط. ونظرًا لخلو منصب الأمين العام
فإن العديد من القيادات يتنافسون
للفوز بهذا المنصب.
وتختلف
أزمة "حزب التجمع" عن غيره من
الأحزاب؛ إذ تتعلق بموقفه الفكري
وقناعاته الشيوعية التي لم تعد
تتواكب مع العصر، خصوصا بعد انهيار
الاتحاد السوفييتي والمعسكر الشيوعي.
وقد حاول الحزب تقديم رؤية جديدة
أسماها "اشتراكية المستقبل"،
وهى صيغة هلامية لم تسلم من النقد.
كما
أن الحزب يشهد خلافا حول طريقة
التعامل مع "الإسلاميين"، وإن
كان هذا الخلاف بدأ يتلاشى لصالح
الجناح المتشدد الذي يقوده الدكتور
"رفعت السعيد" الأمين العام
للحزب، الذي يرفض التعامل مع "الإخوان
المسلمين" والقوى الإسلامية
الأخرى، وقد دفع هذا التيار الحزبين
الآخرين الشريكين في لجنة التنسيق
بين الأحزاب والقوى السياسية- وهما
"الحزب الناصري" و"حزب الوفد"-
إلى قصر عضوية اللجنة على هذه الأحزاب
الثلاثة، واستبعاد "الإخوان
المسلمين" و"حزب العمل" بعد
تجميد نشاطه.
اقرأ
أيضًا:
|