 |
|
مشهد
من الاعتقالات |
فوجئت
الأوساط السياسية والشعبية
اللبنانية بحملة الاعتقالات
والمداهمات التي نفَّذتها قوات الأمن
اللبنانية في عشرات من أنصار تيارات
سياسية تنتمي إلى حزب الوطنيين
الأحرار، وإلى عناصر سابقة في القوات
اللبنانية المنحلَّة، وإلى مؤيدين
للعماد ميشال عون، بالإضافة إلى
مسؤولين سياسيين في هذه التيارات. ولم
تَدُم فترة الاعتقال لمعظم هؤلاء
طويلاً، فقد أُفرج عنهم في اليوم
التالي، وبقي قلَّة منهم رهن التحقيق.
وما
بين حملة المداهمات والاعتقال
والإفراج، أي من 8 إلى 9 أغسطس، شهد
لبنان حالة من الاضطراب السياسي،
عكست نفسها في الاجتماع الذي عقده
مجلس الوزراء في اليوم التالي لحملة
الاعتقالات؛ إذ انقسم الوزراء بين
مؤيد للإجراءات التي حصلت ومعترض
عليها؛ لأن ليس هناك ما يبررها. بينما
دافع وزير الداخلية عمّا جرى
باعتباره عملية وقائية ضد مشروع
تقسيمي يحاول النفاذ إلى داخل
المؤسسة العسكرية نفسها، ويحاول
زعزعة الأمن والاستقرار في البلد.
انقلاب
ليس له ما يبرره
أما
عنصر المفاجأة بالنسبة إلى الأوساط
السياسية والرسمية فهو عدم اطلاع
معظم الوزراء على هذه الإجراءات قبل
حصولها، وبالتالي عدم مناقشة جدواها
السياسية أو الأمنية، وخصوصًا كما
يقول المعترضون إن مشروعًا بهذا
الحجم، وهذا التهديد (مشروع تقسيمي
ويهدِّد السلم الأهلي) يحتاج إلى
اجتماع طارئ لمجلس الوزراء أو لمجلس
الدفاع الأعلى.
أما
الجانب الآخر من المفاجأة فهو عدم
حصول أي مؤشرات ظاهرة سياسية أو أمنية
في الأيام الأخيرة تدلّ على خطة
تُعِدّها هذه التيارات السياسية التي
تعتبر نفسها في صف المعارضة للحكم
الحالي، وفي صف الاعتراض على طبيعة
العلاقات اللبنانية - السورية، وعلى
الوجود السوري في لبنان. لا بل يذهب
البعض إلى القول إن ما جرى من جانب
الأجهزة الأمنية هو انقلاب على
الخطوات الوفاقية، وعلى زيارة
البطريرك صفير الماروني إلى وليد
جنبلاط الزعيم الدرزي في جبل الشوف،
باعتبار أن هذه الزيارة في نظر
المتحمسين لها والمدافعين عنها،
بمثابة عودة الروح إلى المصالحة
الوطنية المطلوبة التي لم ينجح العهد
الحالي في إرساء دعائمها أو التقدم
نحوها. بينما يُعتبر آخرون أن مبدأ
المصالحة لا يرفضه أحد، ولكنه لا
ينبغي أن يحصل من خلال ثنائيات طائفية
أو من خلال الضغوط المباشرة وغير
المباشرة على العهد الحالي وعلى رئيس
الجمهورية تحديدًا.
السياق
العام للأحداث
إن
ما جرى في اليومين الماضيين مهما كانت
الانتقادات التي وُجِّهت بسببه إلى
القوى الأمنية، لا يمكن أن ينفصل عن
إطار حركة الاعتراض على سياسة العهد
الحالي وحكومته التي بدأت تتبلور منذ
بضعة أشهر في لقاءات وتجمعات سياسية،
مثل: "لقاء قرنة شهوان" و"حركة
التجدد الديمقراطي" و"المنبر
الديمقراطي"، ضمَّت شخصيات سياسية
وحزبية ونقابية وأكاديمية من الطوائف
كافة، مع غلبة مسيحية في هذا اللقاء،
أو إسلامية في ذاك.
وجوهر
اعتراض هذه اللقاءات، كما ورد في
البيانات التي صدرت عنها هو سياسة
العهد الحالي من قضيتين رئيسيتين:
الأولى هي المصالحة الوطنية،
والثانية هي قضية الوجود السوري في
لبنان.
فبالنسبة
إلى القضية الأولى يعتبر المعترضون
أن هذه المصالحة لن تتم إلاّ من خلال
لقاء كل التيارات السياسية في لبنان،
ومن خلال إطلاق جميع المسجونين
السياسيين (وفي مقدمتهم سمير جعجع)،
ولا يعترف هؤلاء بما يمثله مجلس
النواب على صعيد هذه المصالحة، على
الرغم من وجود ممثلين للطوائف كافة
وللتيارات السياسية المختلفة فيه. بل
يعتبرون أن هذا المجلس موالٍ لسوريا
وفاقد للاستقلالية. كما يضغط هؤلاء
على رئيس الجمهورية ليعترف بدوره بأن
المصالحة غير تامة، ولكي يبادر إلى
رفع العراقيل من أمامها من خارج
المؤسسات الشرعية والدستورية.. من هنا
مصدر الاتهام الذي ترفعه المعارضة
حول دور الأجهزة الأمنية في تعطيل
الحياة السياسية، وفي عرقلة الخطوات
الوفاقية، وفي تقليص مساحة الحريات
والتضييق على المجتمع المدني.
الوجود
السوري والسيادة اللبنانية
أما
بالنسبة إلى الوجود السوري فقد
تناولته لقاءات القوى المعارضة
وبياناتها من خلال علاقته بالسيادة
اللبنانية. وعلى الرغم من عملية إعادة
انتشار القوات السورية التي حصلت قبل
نحو شهرين، وأدَّت إلى انسحاب واسع
لهذه القوات من مناطق عدة في بيروت
وضواحيها، فإن المطالبة بسحب هذه
القوات لا يزال مستمرًّا في أوساط
التيارات التي أشرنا إليها، على
قاعدة أن سيادة لبنان لا تزال منقوصة
بوجود هذه القوات. كما يضيف آخرون أن
العمالة السورية في لبنان تحمل وزر
الأزمة الاقتصادية المتفاقمة التي لا
تجد حتى اليوم المخارج المناسبة لها.
كما يؤكد في الوقت نفسه أصحاب هذه
الدعوة لخروج القوات السورية من
لبنان، رغبتهم في علاقات "متوازنة"
مع سوريا بدلاً من العلاقات الراهنة
التي يعتبرونها علاقة هيمنة ووصاية.
الصراع
على قمة الحكم
ولا
ينفصل ما جرى في اليومين الماضيين عن
"التحالفات" السياسية التي
ارتسمت في لبنان منذ الانتخابات
النيابية الأخيرة التي تشكلت في
خلالها "قوى معارضة" تمثلت في
الرئيس رفيق الحريري، وفي رئيس الحزب
التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط، وفي
شخصيات سياسية مسيحية اجتمعت كلها
على قاعدة رفض تدخل الأجهزة الأمنية
في الشؤون السياسية والاجتماعية،
ورفض استمرار العلاقة الحالية مع
سوريا، والدعوة إلى تغيير هذه
العلاقة لتكون أكثر "توازنًا".
وهذا
يفسِّر ما جرى في مجلس الوزراء عقب
عمليات الاعتقال والمداهمة؛ إذ انقسم
هذا المجلس على نفسه بين معترضين على
هذه الإجراءات الأمنية وفي مقدمهم
الوزراء الذين ينتمون إلى تيار
النائب وليد جنبلاط، ومعهم بعض
الوزراء الآخرين المقربين من الرئيس
الحريري، بينما دافع عن هذه
الإجراءات الوزراء "المقربون"
من رئيس الجمهورية، وقد خرج مجلس
الوزراء بعد جلسته تلك ببيان يعكس
تسوية بين وجهتي النظر؛ إذ دعا هذا
البيان إلى تأييد الجيش في مهماته
الأمنية، بينما امتنع عن إدانة
الإعلام أو إقفال إحدى المحطات التي
اتُّهمت بالتحريض الطائفي.
وأكد
البيان "دور مجلس الوزراء المنوطة
به السلطة الإجرائية، وأمر السهر على
تنفيذ القوانين والأنظمة، والإشراف
على أعمال كل أجهزة الدولة من دون
استثناء". وأشاد "بالدور الذي
قام ويقوم به الجيش الوطني في ضمان
السلم الأهلي والدفاع عن كرامة الوطن".
ثم التأكيد على كل الأجهزة الأمنية
والهيئات القضائية تطبيق القانون على
الجميع من دون تفريق أو تمييز". كما
كلَّف مجلس الوزراء وزير الإعلام "تطبيق
أحكام قانون الإعلام بالتنسيق مع
المجلس الوطني للإعلام المرئي
والمسموع لوقف المخالفات".
إذن
لم تذهب هذه النقاط الأساسية في بيان
مجلس الوزراء إلى إدانة أي محاولة
تقسيمية. ولم تُشِر في الوقت نفسه إلى
سلبيات ما قام به الجيش. وهذه هي فيما
يبدو "التسوية" التي تمَّت بين
وزراء معارضين ووزراء مؤيدين. لكن ذلك
لم يمنع الاضطراب السياسي الذي حصل في
اليومين الماضيين، فيما رأى بعض
المحللين فيما جرى ضغوطًا على حكومة
الرئيس الحريري لدفعها إلى الاستقالة.
أين
سوريا في كل ما جرى؟
وتذكر
بعض المعلومات الصحافية أن السوريين
تدخلوا لعدم تفاقم التصعيد السياسي
بين الأطراف كافة. وأن رغبتهم كانت في
إيجاد المخارج "الوسط" المناسبة
في هذه الظروف الحرجة التي تحيط
بلبنان وسوريا. إلا أن البعض الآخر من
الكتَّاب لم يرَ فيما حصل من اعتقالات
ومداهمات سوى "رغبة سورية" في
إسكات المعارضين للوجود السوري،
ومنعهم من إبداء الرأي أو حرية الحركة.
وفي
المحصلة تعرَّض لبنان من جانب القوى
الدولية كباريس وواشنطن إلى التذكير
باحترام "الحريات العامة". إلاّ
أن أيًّا من هذه القوى لم يدْع إلى
تأييد هذا التيار أو ذاك من التيارات
التي تعرضت للاعتقال والملاحقة. كما
شدَّد حتى الوزراء اللبنانيون أنفسهم
الذين عارضوا هذه الإجراءات على عدم
تعاطفهم مع "الخط السياسي" الذي
يمثله الموقوفون، وعلى رفضهم لهذا
الخط.
وعندما
يحصل مثل هذا التوافق في داخل مجلس
الوزراء على هذا الرفض، فإن المقصود
به التمسك بالعلاقات اللبنانية -
السورية، ورفض أي موقف عدائي منها.
واعتبار هذا الخط السياسي خارج
مسلمات الوفاق الوطني اللبناني، كما
أشارت إلى ذلك جريدة المستقبل
الموالية للرئيس الحريري في صفحتها
الأولى يوم الجمعة في 10 أغسطس 2001م.
وفي
كل الأحوال سيبقى التجاذب مستمرًّا
في المرحلة المقبلة بين الاتجاهات
التي ترى في موضوع الوجود السوري و"السيادة
اللبنانية" أولوية في جدول أعمال
مهماتها النضالية والسياسية..
والاتجاهات الأخرى الرسمية وغير
الرسمية التي ترى في هذا الوجود، وفي
العلاقة مع سوريا حاجة مُلِحَّة من
أجل الاستقرار الداخلي، ومن أجل
مواجهة الاحتمالات المفتوحة على
المنطقة كلها التي تنذر بها
المواجهات المستمرة في فلسطين
المحتلة.
اقرأ
أيضًا:
|