 |
|
الرئيس
السوري ونائب الرئيس العراقي |
لم
يكن التقارب السوري-العراقي الذي
تصاعدت مؤشراته مؤخرا هو الأول من
نوعه على المستوى العربي، فقد خطت
بغداد خطوات كبيرة على مدى العام
الأخير في اتجاه كسر الحظر الجوي
والاقتصادي المفروض عليها من خلال ما
أبرمته من اتفاقيات للتبادل التجاري،
واستعادة العلاقات الدبلوماسية مع
دول عربية عديدة.
ولم
تكن سوريا استثناء من هذه التطورات..
لكن ما شهدته العلاقات بين بغداد
ودمشق في الأشهر القليلة الماضية
يمثل بذاته مؤشراً على تطور نوعي في
العلاقات بين الجارتين "اللدودتين".
مؤشرات
التقارب
ومن
أبرز مؤشرات التقارب الأخيرة ما يلي:
1-رفع
مستوى زيارات المسؤولين من
البلدين، فبعد أن تبادل البلدان
الزيارات على مستوى الخبراء ووزراء
الحقائب الفنية "غير السياسية"
مثل (الصحة/النقل/الري...) شهدت
الفترة الأخيرة نقلة في مستوى
زيارات المسؤولين خاصة من الجانب
السوري؛ مثل زيارة رئيس الوزراء
السوري محمد مصطفى ميرو للعراق
التي تعتبر الأولى من نوعها منذ 20
عاما.
2-أبرمت
بغداد ودمشق في فبراير 2001 اتفاقية
للتجارة الحرة بينهما.
3-أقيم
معرض للمنتجات السورية في بغداد
مطلع يونيو 2001، واستمر المعرض
أسبوعاً بمشاركة 123 شركة سورية
متخصصة في مجالات متنوعة؛ وتم في
هذا المعرض تطبيق قواعد اتفاق
التجارة الحرة بعد أن كانت المعارض
السابقة تخضع لقاعدة قيد الاستيراد
وقيد الرسم الجمركي.
4-فازت
الشركة العامة للري ومياه الشرب
السورية في نهاية مايو 2001 بعقد
لتنفيذ مشروع مائي هام في العراق
بقيمة 133 مليون يورو بعد منافسة
كبيرة مع شركات عالمية من الصين
وتركيا وروسيا ويوغسلافيا. ويتضمن
المشروع بناء نفق طوله 19.2 كم لنقل
المياه من سد على نهر دجلة لري 200
ألف هكتار من الأراضي في منطقة
الموصل بشمال العراق.
5-وفقاً
للتقديرات الرسمية، بلغ حجم
التبادل التجاري بين الدولتين خلال
عام 2000 حوالي 500 مليون دولار.
تسييس
الاقتصاد
التسييس
هنا يعني توظيف هذا التقارب لتحسين
علاقة بغداد مع دول أخرى أو إعادة
دمجها في الإطار العربي مجدداً،
فضلاً عن الخطوة الأبعد وهي محاولة
ردم الفجوة الضخمة بينها وبين
الكويت؛ إذ لم يحدث – حتى الآن – أن
بدأت دولة عربية في تحسين علاقاتها مع
العراق اقتصادياً ثم انتقلت إلى
الإطار السياسي وحاولت الدخول على خط
العراق-الكويت أو العراق-السعودية.
والأمثلة
حاضرة في العلاقات التجارية
والاقتصادية مع مصر والأردن والبحرين
والإمارات؛ فحتى مع تطور العلاقات
السياسية والدبلوماسية نسبياً، ظل
هذا التطور محصوراً في النطاق
الثنائي وحسب. والعكس صحيح؛
فالمبادرات السياسية لحل المشكلة مع
الكويت جاءت دون مقدمات اقتصادية،
ومبادرتا قطر ثم اليمن عام 2000 للقيام
بدور الوسيط في هذا الموضوع تشهدان
على ذلك.
ما
وراء المؤشرات
يمكن
تحليل التنامي المطرد في العلاقات
العراقية-السورية باستقراء المؤشرات
السابقة على ثلاثة مستويات أساسية:
أولاً:
المستوى الثنائي:
علاقات
بغداد العربية دشنتها دول عربية لم
تكن لها خلافات جذرية حقيقية مع
بغداد، بل إن بعضها كان من الدول
المتعاطفة مع العراق حتى في أوج حرب
الخليج الثانية 1991، ونعني هنا
تحديداً الأردن؛ إضافة إلى بعض الدول
التي لم يكن من وجه للخلاف بينها وبين
العراق إلا في اعتدائها على أراضي
وسيادة دولة عربية مجاورة، ومن أبرز
هذه الدول مصر. وهو ما يمكن أن ينطبق
أيضاً على الإمارات والبحرين، فرغم
كونهما دولتين خليجيتين فإن موقفهما
من العراق يُعد – خاصة في السنوات
الأخيرة – من أكثر المواقف تعاطفاً
مع العراق وتحديداً الشعب العراقي،
الأمر الذي أوضح بجلاء أن خلافهما مع
بغداد كان تحديداً بسبب واقعة بعينها
– هي غزو الكويت – بل بعبارة أكثر
تحديداً: ليس لغزو الكويت بحد ذاته؛
وإنما بسبب الخشية من تكرار ما حدث
للكويت معهما.
الجديد
في العلاقات العراقية-العربية مؤخراً
يشير إلى نقلة نوعية، ونقصد بها
العلاقة مع سوريا. وقد شهدت العلاقات
بين الدولتين تقارباً نسبياً بعد
وفاة الرئيس السوري الراحل حافظ
الأسد وتولي نجله بشار مقاليد الحكم
في سوريا في 17 يوليو من العام 2000، لكن
ظل هذا التقارب محصوراً في نطاق
الخطاب السياسي والإعلامي أكثر منه
خطوات وتحركات سياسية أو دبلوماسية
فعلية؛ من هنا تأتي أهمية الخطوات
الأخيرة التي اتخذتها كل من الدولتين
تقارباً من الأخرى.
ووجه
الأهمية هنا أن لسوريا والعراق
تاريخا طويلا من العداء المتبادل على
كافة المستويات شعبياً ورسمياً، وإذا
كان الواقع العربي يشير دائماً إلى أن
المستوى الرسمي هو الذي يرسم مسار
العلاقات بين الدول والشعوب، فإن
النظر إلى حجم ونوع الخلافات بين
النظامين الحاكمين يوضح أن التنافر
بينهما ليس سياسياً وحسب، بل أيضاً
عقائدي، على الرغم من انتماء كليهما
إلى الفكر البعثي. إضافة إلى العداء
الشخصي الذي جمع بين الرئيسين حافظ
الأسد وصدام حسين.
ثانياً:
المستوى العربي:
يعلم
متابعو الشأن العربي - في الآونة
الأخيرة - أن الحديث عن تطور العلاقات
العراقية-العربية ينصرف إلى العلاقة
مع كل من الكويت والسعودية، وموقفهما
من عودة العراق إلى الصف العربي. فما
من دولة عربية تمانع في عودة العراق
وانخراطه مجدداً في التفاعلات
والمؤسسات والسياسات العربية سوى
هاتين الدولتين. وبالتالي، ربما لم
يكن التقارب السوري-العراقي ليحظى
بالاهتمام الإعلامي والسياسي الحاصل
لو لم يكن ملف الحالة العراقية-الكويتية
مفتوحاً.
كما
يحمل التقارب بين بغداد ودمشق دلالات
أخرى بالنسبة لما يوصف في الأوساط
العربية الرسمية بالحالة العراقية-الكويتية.
فقد صحبت زيارة الأسد للكويت أجواء
متفائلة بدور سوري في اتجاه التقريب
بين الموقفين: العراقي- والكويتي؛
وبغض النظر عما آلت إليه تلك الأجواء
على أرض الواقع، فإن المغزى الذي يمكن
الخروج به هو أن دمشق مؤهلة للعب دور
فاعل مؤثر في الملف العراقي بكافة
محتوياته، بما فيها أصعبها: وهو
المحور الكويتي-السعودي. ورغم
محاولات دمشقية حثيثة لتقليل هواجس
الكويت من تقدم العلاقات مع بغداد،
فإن تحسن العلاقات السورية-العراقية
يمثل إضافة لرصيد العراق في المعادلة
العربية والإقليمية.
ثالثاً:
المستوى الإقليمي:
هذا
التقارب السوري-العراقي يأتي في
توقيت شديد الأهمية بالنسبة للوضع
العربي والإقليمي في المنطقة، حيث
تزداد نذر الحرب؛ ما يعني بالتالي أن
الوجه المسلح للصراع العربي-
الإسرائيلي مرشح بقوة لتصدر قائمة
أدوات الصراع بين الطرفين؛ وغني عن
البيان، أن حالة العلاقات بين بغداد
ودمشق تمثل متغيراً مهماً في معادلة
التوازن الإقليمي الإستراتيجي.
دوافع
وحسابات إستراتيجية
ينطلق
التقارب السوري-العراقي من منطلق عدة
دوافع لكل طرف؛ فبالنسبة لدوافع
بغداد:
يرمز
التقارب السوري-العراقي إلى نقلة في
العلاقات العراقية-العربية، حيث تمثل
سوريا بذاتها محطة مهمة في التعاطي
العربي مع المسألة العراقية. فعلى
سبيل المثال، لم تكن التحفظات على
حضور العراق (رئيسه) القمم العربية
كويتية وسعودية فقط، وإنما سورية
أيضاً. ورغم تراجع هذا التحفظ مؤخراً
في قمتي القاهرة ثم عمّان، فإن موافقة
دمشق على حضور بغداد – بالإضافة إلى
مفاجأة حضور الرئيس صدام حسين شخصياً
- لم تكن واضحة أو كاملة. وبالطبع، فإن
الوضع سيختلف كثيراً حال طرح فكرة
حضور الرئيس العراقي القمة العربية
الدورية القادمة في مارس القادم
ببيروت.
كذلك،
فإن للتوازن الإستراتيجي في الدائرة
الضيقة المحيطة ببغداد دورا كبيرا في
توجيه سياسة العراق الخارجية في
مرحلة ما بعد حرب الخليج-2 ؛ ويتجسد
هذا العامل بوضوح في حالة التذبذب
التي تميز علاقات العراق بكل من إيران
وتركيا. ومن شأن تغير مكان سوريا في
معادلة علاقات الجوار العراقي أن
يمثل دافعاً قوياً لبغداد لتُحسِّن
علاقاتها بدمشق. وغني عن الإيضاح، مدى
إيجابية التقارب السوري-العراقي
بالنسبة لبغداد في الصراع الممتد بين
الأخيرة وواشنطن، خاصة مع احتمال
حدوث تقارب بين الولايات المتحدة
الأمريكية وإيران.
أما
دوافع سوريا فهي:
-
التفات العهد الجديد في سوريا إلى
السياسة الخارجية؛ فقد قام الرئيس
السوري الجديد بشار الأسد – منذ
توليه مقاليد الحكم في سوريا –
بمبادرات سياسية واقتصادية عمل من
خلالها على إرسال إشارات بنهج جديد في
إدارة الدولة. لكن تركزت هذه
المبادرات أساساً في الساحة
الداخلية، ولم تشهد السياسة الخارجية
السورية إشارات موازية إلا في أضيق
نطاق؛ وهو ما يعكس استمرارية بشار على
نهج والده.
بيد
أن الأمر اختلف كثيراً لدى زيارة بشار
الأسد الكويت قبل أسبوعين، فبدت
الزيارة وكأنها محاولة لتفسير التغير
الطارئ في العلاقة بين دمشق وبغداد.
فقد كشفت الزيارة عن محاولة سوريا
للعب دور ما في تنقية الأجواء بين
الكويت والعراق، وهو الملف الشائك
الذي حاولت دول عربية كثيرة فتحه
والإمساك بزمامه دون نجاح يذكر. وكلا
الأمرين علامة واضحة على أن جديداً
قادم في السياسة الخارجية السورية
على المستوى العربي، وهو ما يلزم
الكويت التهيؤ له من الآن.
-
محاولة طرق الباب الموصد منذ عقد
كامل، وهي مسألة قد تبدو عسيرة على
النجاح في ظل تعقد الموقف بين بغداد
والكويت، لا سيما بعد إخفاق معظم بل
كل المحاولات السابقة. لكن في
المقابل، هناك عوامل ربما هي التي
فتحت باب الأمل أمام دمشق لتقدم على
تحركها. ومن أهم هذه الاعتبارات:
الوضع العربي العام الذي لم يكن أكثر
تردياً مما هو اليوم، ما يعني أن
المعطيات الراهنة ليست مهيأة لتقارب
عربي شامل وحسب، بل تفرض ذلك على كل ذي
عقل وبصيرة.
-
محاولة سورية لإقامة محور سوري-عراقي
جديد يقوي بالضرورة من موقف دمشق أمام
إسرائيل والولايات المتحدة
الأمريكية، ويضيف زخماً جديداً
للمساندة العربية التي تتوقعها دمشق
حال تفجر الموقف مع إسرائيل.
-
إن محور إسرائيل- تركيا يلعب دوراً
فاعلاً في التطورات الحاصلة بمنطقة
الهلال الخصيب، ولا يمكن النظر إلى
تطور العلاقات العراقية-السورية
بمعزل عن التطور المستمر في العلاقات
التركية-الإسرائيلية، ويشار هنا إلى
الزيارة التي قام بها رئيس الوزراء
الإسرائيلي إريل شارون قبل ثلاثة
أسابيع إلى أنقرة، وهي الزيارة التي
أحاط بها غموض كبير حاولت بعض
التحليلات تفسيره باستعدادات
إسرائيلية لمواجهة عسكرية قد تكون
سوريا أحد أطرافها، ما يستلزم
الترتيب مع أنقرة بشأنه؛ وزاد من قوة
هذه التفسيرات ما تناقلته أنباء غير
رسمية عن إقامة تل أبيب حائطا صاروخيا
في جنوب الأراضي التركية يستهدف كلا
من سوريا وإيران.
اقرأ
أيضًا:
|