بريدك الالكتروني


English

 
 

اسألوا أهل الذكر

|

معًا نربي أبناءنا

|

الحج والعمرة

|

الزكاة

|

صحية

|

دعوية

|

إيمانية

|

شبابية

استشارات:

 

في الموقع أيضًا:

أفريقيا

إستراتيجيات |القضية الفلسطينية | المنطقة العربية | بقية العالم الإسلامي | آسيا | أوروبا وأمريكا الشمالية وأستراليا | إفريقيا | شئون عالمية | رواق الأفكار | مساهمات الزائرين


في البحيرات العظمى.. فرنسا ترتدي ثوبا أمريكيا

21/8/2001

بدر حسن شافعي - القاهرة
باحث في الشؤون السياسية الأفريقية

تشكِّل القارة السمراء إحدى أهم دوائر السياسة الخارجية الفرنسية، وهو الأمر الذي عبَّر عنه الرئيس الفرنسي الراحل فرانسوا ميتران في القمة الفرنسية - الأفريقية التي عقدت في بيارتيز بفرنسا (نوفمبر 1994م)، حيث أكَّد للحاضرين أنه بدون أفريقيا فلن يكون لفرنسا تاريخ في القرن الحادي والعشرين، فالقارة السمراء كانت مجد فرنسا ومنطقة نفوذها التاريخية؛ لذا فمن الصعب تخيل قيام رئيس أو حكومة فرنسية أيًّا ما كانت توجهاتها بالتخلي عن أفريقيا.

ويبدو أن هذا الإدراك ليس مقصورًا على ميتران فقط، بل هو استمرار لسياسة ثابتة، حيث سبقه في ذلك الجنرال ديجول، الذي أرسى تقليدًا لا يزال ساريًا، يشرف بموجبه رئيس الدولة الفرنسية - بمعاونة مستشارين في قصر الإليزية - على ملف الشؤون الأفريقية، ويصنف هذا الملف على أنه "بالغ السرية". كما تم في منتصف التسعينيات من القرن الماضي ربط وزارة التعاون الدولي مع أفريقيا بوزارة الخارجية لضمان فاعلية التواصل مع قضايا القارة.

أهداف السياسة الفرنسية في أفريقيا

ويمكن القول إن الباعث على هذا الاهتمام الفرنسي بالقارة هو السعي لتحقيق عدة أهداف أهمها:

1- الهيمنة على أفريقيا، حتى وإن بدا من التصريحات الرسمية غير ذلك، وهو ما أكَّده مستشار الرئيس السنغالي السابق عبده ضيوف، حيث أشار إلى أن لفرنسا قواعد عسكرية تفوق قوتها وقدراتها القتالية كفاءة الجيوش الأفريقية الوطنية، وأنها تمثل تهديدًا لأمن واستقرار المنطقة.

2- مواجهة النفوذ الأمريكي المتزايد في القارة، خاصة بعد الحرب الباردة، وبعد تراجع مكانة بريطانيا، وهذا ما نلاحظه من تصريحات المسؤولين الفرنسيين والأمريكيين، ففي أثناء زيارة وليام ديلي وزير التجارة الأمريكي الأسبق للقارة (ديسمبر 1998م)، أي بعد انعقاد القمة "الأفريقية - الفرنسية" العشرين بأيام قليلة، أكَّد أن هناك دولاً عديدة أصبحت مؤهلة للخروج من دائرة نفوذ الأوروبيين - فرنسا تحديدًا - وأن بلاده مصمِّمة على الالتزام بشكل قاطع وعلى مدى طويل بعملية الاستثمارات الجارية في أفريقيا. وفي المقابل نجد أن الرئيس شيراك ينتقد في القمَّة العشرين السياسة الأمريكية تجاه أفريقيا، ويعتبرها تقوم على مبدأ المصلحة فقط، وليس مبدأ التكافؤ. كما انتقد الشعار الذي رفعه الرئيس الأمريكي السابق كلينتون، وهو: "شراكة لا تبعية مع أفريقيا"، ويرى في المقابل أهمية تقديم المساعدات بجانب الاستثمارات.

وقد ظهر الاستقطاب بين الدولتين في عدة مجالات، نذكر منها على سبيل المثال: تأييد واشنطن لحركة التمرد التي قادها الرئيس الراحل لوران كابيلا في الكونجو الديمقراطية في مواجهة نظام الرئيس الراحل موبوتو سيسي سيكو المدعوم من فرنسا.

3- الاحتفاظ بمصالحها الاقتصادية مع أفريقيا، حيث يبلغ حجم الصادرات الفرنسية 13.5 مليار دولار سنويًّا، فضلاً عن المشاريع الاقتصادية الهائلة في الدول الأفريقية، مثل شراء شركات المياه والكهرباء والهواتف في السنغال، واستثمارات النفط في الكونجو برازافيل والتي تقوم بها شركة (أو- إل- إف إكيستان)، ويتراوح حجم استثماراتها خلال العقدين القادمين بين 40 و60 مليار دولار.

مشروع أفريقيا

إن السياسة الفرنسية - الحالية - بشقيها السياسي والاقتصادي - تنبع من المشروع الذي أعدته وزارة الخارجية الفرنسية عام 1997م، وعُرِف باسم "مشروع أفريقيا"، وكانت أهم ملامحه:

1- تأييد إقامة أنظمة سياسية جديدة في الدول الأفريقية وفق مبادئ الديمقراطية (بالطبع وفقًا لمعايير المصلحة الفرنسية).

2- دعم العلاقات بأنواعها مع الحكومات المدنية، والعمل على تقليص دور المؤسسات العسكرية في أفريقيا.

3- إعداد كوادر سياسية واعية من الشباب، وتثقيفهم وتدريبهم سياسيًّا وحزبيًّا؛ لكي تكون النخبة السياسية الحاكمة في المستقبل تابعة لباريس.

4- دعم برامج التنمية والإصلاح الاقتصادي، مع التركيز على الدول التي تمتلك بنية أساسية معقولة.

5- إعادة تنظيم التواجد العسكري الفرنسي في أفريقيا، بحيث يضم الخبراء والمستشارين أكثر مما يضم وحدات عاملة. وبالفعل قامت فرنسا بتقليص عدد قواعدها العسكرية في القارة إلى ست قواعد فقط في دول: جيبوتي، تشاد، السنغال، كوت ديفوار، الكاميرون، الجابون، وكانت آخر قاعدة تمت تصفيتها هي قاعدة بونجي في أفريقيا الوسطي أواخر عام 1997م، وذلك بعدما كانت تُستخدم للهيمنة على مناطق أفريقيا الوسطى والبحيرات العظمى.

ويلاحظ أن هذه الخطة التي اعتمدتها فرنسا - ويظهر منها حرصها الرسمي على الالتزام بمبادئ الديمقراطية وحقوق الإنسان - جاءت بعد الانتقادات الدولية الحادة التي تم توجيهها لحكومة باريس؛ بسبب إصرارها على دعم الأنظمة الفاسدة، خاصة نظام موبوتو في الكونجو الديمقراطية، وبعد سقوط نظام موبوتو (مايو 1997م) عملت فرنسا على صياغة هذه السياسة لتحسين صورتها أمام الرأي العام العالمي.

سياسة فرنسا في البحيرات العظمى

تكتسب منطقة البحيرات العظمى (التي تضم السودان - أوغندا – رواندا - بورندوي - الكونجو الديمقراطية - كينيا - تنزانيا - أثيوبيا - إريتريا) أهمية خاصة؛ لعدة اعتبارات:

1- الثروة الطبيعة الهائلة الموجودة بها، خاصة الألماس، والذهب، والنحاس، فضلاً عن المواد المعدنية التي تُستخدم في الصناعات الثقيلة والنووية كالكوبالت واليورانيوم.

2- الثروة المائية الهائلة التي تتمتع بها هذه المنطقة؛ إذ إن الموارد المائية بها تكفي لسدِّ احتياجات أفريقيا من المياه، وتكتسب المياه أهمية خاصة في ظل الحديث عن حرب المياه خلال هذا القرن.

3- الموقع الإستراتيجي، فهذه المنطقة تُعَدّ حلقة وصل هامة بين أفريقيا العربية، وأفريقيا جنوب الصحراء، فضلاً عن قربها من المدخل الجنوبي للبحر الأحمر، وهو ما يكسبها أهمية سياحية كبيرة. ولقد دفعت هذه الأهمية الإستراتيجية الدول الكبرى للتنافس بشأن مناطق النفوذ (ومن أبرز هذه القوى فرنسا والولايات المتحدة).

ففرنسا من جانبها تسعى للاستفادة من الموارد المعدنية الموجودة بهذه المنطقة لخدمة صناعتها الثقيلة والنووية من ناحية، كما أن هذه المنطقة قريبة إلى الغاية من جيبوتي - حيث توجد قاعدة فرنسا الشرقية في أفريقيا - التي تكتسب أهمية خاصة بسبب إطلالها على المدخل الجنوبي للبحر الأحمر، ووقوعها على طريق التجارة بين جنوب آسيا والمنطقة العربية، بالإضافة إلى أنها تشكِّل كتلة بشرية هائلة يمكنها استقبال المصنوعات ومنتجات السلاح الفرنسية.

ولهذا عملت فرنسا على دعم بعض الأنظمة الحليفة والصديقة، وانتهاز الفرص المناسبة للتدخل في الصراعات التي تشهدها هذه المنطقة؛ ولذا نراها تتدخل في رواندا عام 1994م في إطار العملية التي أطلق عليها "تركواز" وكان الهدف المعلن منها هو حماية المدنيين الأبرياء في رواندا، ولكن فرنسا عملت على دعم نظام الهوتو الحاكم ضد الأقلية التوتسي، ولعل هذا الدعم يرجع إلى عاملين هما: انتماء الهوتو لرابطة الفرانكفون، في حين أن التوتسي ينتمون إلى رابطة الأنجلوفون، والاعتبار الثاني يرجع إلى تلقي الجيش الرواندي – ومعظمة من الهوتو- تدريباته على أيدي الضباط الفرنسيين.

كما عملت فرنسا من ناحية ثانية على دعم نظام موبوتو سيسي سيكو في الكونجو الديمقراطية في مواجهة قوات المعارضة التي كان يقودها آنذاك الرئيس الراحل لوران كابيلا المدعوم من التوتسي، وكان هدف فرنسا استمرار حصولها على الألماس من ناحية، وتصدير السلاح إلى الكونجو الديمقراطية من ناحية ثانية.

لكن يلاحظ أن السياسة الفرنسية اصطدمت بعقبتين أساسيتين، إحداهما داخلية (خاصة بالدول الأفريقية)، والأخرى خارجية.

- أما العقبة الداخلية فتمثَّلت في رفض جماعة التوتسي في كل من رواندا والكونجو، للتدخل في شؤون بلديهما، بل اعتبرت القوات الفرنسية التي تم إرسالها بموافقة مجلس الأمن في رواندا قوات معتدية، ومن ثَم قررت شنَّ هجوم ضدها.

- وأما العقبة الخارجية فتتمثل في معارضة بعض القوى الإقليمية والدولية، حيث وصل الرئيس الأوغندي يورو موسيفيني للحكم عام 1986م من خلال مساعدة الولايات المتحدة والتوتسي (ينتمي موسيفيني للتوتسي)؛ ولذا فقد كان من أبرز المعارضين للتدخل الفرنسي في رواندا، بل قام بدعم المعارضة التوتسية التي استولت على الحكم بعد ذلك.

ومن ناحية أخرى، فقد انقلبت الولايات المتحدة منذ أوائل التسعينيات على موبوتو بعدما كان أقوى حليف لها إبَّان الحرب الباردة لدعمه حركة يونيتا المعارضة في أنجولا في مواجهة النظام الشيوعي الحاكم هناك، لكن انهيار الاتحاد السوفييتي وانتهاء الحرب الباردة، فضلاً عن الفضائح والممارسات اللاإنسانية لموبوتو، دفع واشنطن إلى التخلي عنه، بل وتحوَّلت إلى دعم المعارضة التي يقودها كابيلا - حتى وإن تم ذلك بأسلوب غير مباشر من خلال تمرير المساعدات العسكرية عبر أوغندا- بل وطلبت الولايات المتحدة من فرنسا صراحة أن ترفع يدها عن موبوتو، ولعلَّ هذا ما دفع فرنسا بالفعل إلى صياغة إستراتيجية جديدة في المنطقة، ظاهرها احترام حقوق الإنسان ودعم النظم الشرعية، وتحقيق الاستقرار في المنطقة.

أهداف السياسة الأمريكية في البحيرات العظمى

لكن ليس معنى ذلك تراجع فرنسا عن أهدافها في المنطقة، أو ترك الساحة مفتوحة للأمريكيين، فهي تدرك أن واشنطن تسعى لتحقيق عدة أهداف قد تضرُّ بمصالح باريس، ومنها:

1- الهيمنة على الثروات الطبيعية بالمنطقة خاصة الألماس والذهب.

2- إقامة مشروع القرن الأفريقي الكبير الذي يضم إلى جانب دول القرن الأفريقي التقليدية (إثيوبيا - إريتريا - الصومال) كلاًّ من أوغندا، ورواندا، وبوروندى، والكونجو الديمقراطية، وجنوب السودان - بعد فصله عن السودان -. ويهدف هذا المشروع إلى إنشاء بنية أساسية لمصلحة شركات التعدين والنفط الأمريكية، كما يلاحظ أن الدول الخمس - بخلاف دول القرن الأفريقي - تسيطر عليها الآن أقلية التوتسي؛ لذا يرى بعض المحلِّلين أن هذا المشروع يهدف إلى تقسيم المنطقة لدولة التوتسي الكبرى مقابل دولة الهوتو الكبرى، لكن تراجع نفوذ الهوتو الحالي يلقي بالعبء الأكبر على فرنسا.

السياسة الفرنسية في ثوب أمريكي

لقد أدَّى فشل سياسة فرنسا السابقة في كل من رواندا والكونجو الديمقراطية، إلى سعي باريس لإحداث نقلة شكلية في إستراتيجياتها في منطقة البحيرات العظمى، هذه النقلة تتمثل في استخدام وسائل السياسة الخارجية الأمريكية نفسها من إعلان دعمها لحقوق الإنسان وتأييد النظم الحاكمة، أيًّا ما كانت توجهاتها، أو بمعنى آخر: هل تمثل الأغلبية أم الأقلية.

ولعل هذا يفسِّر لنا أسباب حرص وزير خارجية فرنسا هوبير فيدرين في جولته الأخيرة (12 - 14 أغسطس 2001م) على الاتصال بالدول التي تساند المتمردين في الكونجو، وهي رواندا وأوغندا، بل ولقائه بزعماء المتمردين الذين ينطلقون من هذه الأراضي لشنِّ هجماتهم ضد نظام الرئيس الكونجولي الحالي جوزيف كابيلا، في الوقت ذاته اعترض فيدرين خلال جولته على استخدام أسلوب الحسم العسكري من قبل النظام في كينيا، ومن ثَم تمثَّل الطرح الفرنسي في هذا الشأن في التأكيد على أهمية تنفيذ بنود اتفاق لوزاكا للسلام الذي تم توقيعه في يوليو عام 1997م، ويقضي بسحب القوات الأجنبية الموجودة في الكونجو سواء المساندة للنظام (أنجولا - زيمبابوي - ناميبيا) أو تلك المؤيدة للمتمردين (رواندا - أوغندا) ونشر قوات مراقبة تابعة للأمم المتحدة بعد أن يتم جمع الأسلحة من الميليشيات المتقاتلة، ودمج هذه الميليشيات في الجيش الوطني. ولقد عرضت فرنسا أن تشارك بالقسم الأكبر من القوات التي سيتم نشرها في الإقليم.

وهكذا يلاحظ أن باريس تسعى للحفاظ على نفوذها في المنطقة من أجل مواجهة النفوذ الأمريكي من ناحية، وضمان الحفاظ على مصالحها الإستراتيجية والاقتصادية من ناحية ثانية، حتى وإن تطلَّب ذلك إحداث نقلة شكلية في أدوات تنفيذ سياساتها الخارجية في المنطقة، وهكذا تؤكِّد فرنسا كغيرها من الدول الكبرى أن مفهوم المصلحة سيظل هو الحاكم لتوجهات هذه الدول.

اقرأ أيضًا:


إستراتيجيات |القضية الفلسطينية | المنطقة العربية | بقية العالم الإسلامي | آسيا | أوروبا وأمريكا الشمالية وأستراليا | إفريقيا | شئون عالمية | رواق الأفكار | مساهمات الزائرين

 

 

«

ابحث 

«

بحث متقدم

 

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع