English

 
 

اسألوا أهل الذكر

|

معًا نربي أبناءنا

|

الحج والعمرة

|

الزكاة

|

صحية

|

دعوية

|

إيمانية

|

شبابية

استشارات:

 

في الموقع أيضًا:

المنطقة العربية

إستراتيجيات |القضية الفلسطينية | المنطقة العربية | بقية العالم الإسلامي | آسيا | أوروبا وأمريكا الشمالية وأستراليا | إفريقيا | شئون عالمية | رواق الأفكار | مساهمات الزائرين


النظام الجزائري.. أشعل النار فأحرقت يديه!

9-7-2001

لندن- نور الدين العويديدي

الهدم صار سمة في الشارع الجزائري

بعد نحو شهرين من انطلاقها، خرجت احتجاجات الجزائر عن أن تكون أحداثا خاصة بمنطقة القبائل، إذ شملت في الأسابيع القليلة الماضية مناطق الشاوية ومناطق عربية عديدة، وخاصة في شرق الجزائر. وبالرغم من أن المناطق الأمازيغية لا تزال أكثر المناطق اشتعالا، ولا تزال تشد الإعلام الخارجي إليها أكثر من غيرها لأسباب متعددة؛ فإنها - وبعد نحو شهر ونصف من الاحتجاج - لم تعد تحتكر وحدها الغضب الملتهب في الشارع الجزائري.

لقد راهن القائمون على النظام الجزائري على أن تبقى الاحتجاجات الغاضبة محصورة في إطار منطقة القبائل. وحرصوا على القيام بكل شيء من أجل إبقاء الأحداث في تلك الدائرة ومنع انتشار اللهب إلى بقية المناطق. ولكن يبدو أن هذه الإستراتيجية قد أخفقت في تحقيق الهدف المنشود، فامتد اللهب إلى مناطق شاوية وعربية عديدة.

النظام وتسيير الأزمة

يذهب بعض المحللين والمهتمين بالشأن الجزائري إلى أن النظام الجزائري قد عجز عن التعاطي مع انتفاضة الشارع، رغم أن الكثير من الباحثين والمحللين كانوا ينبهون منذ فترة إلى احتمال حدوث مثل هذه الانتفاضة، وأن النظام الجزائري مال إلى تسيير الأحداث بالطريقة التي تحفظ وجوده واستمراريته.. بغض النظر عن النتائج التي يمكن أن تنجم عن التطورات، والتي قد تهدد وحدة البلاد وسلامة ترابها.

ويرى محللون ومتابعون أن النظام اختار - منذ الأيام الأولى للأحداث إستراتيجية - تصوير ما يجري باعتباره صراعا بين مكوني الهوية الجزائرية: العرب والبربر. ونجحت آلته الدعائية في تخويف العرب من الأحداث، وفي إقناع زعمائهم بأن الانسياق وراء البربر وتأييد انتفاضتهم من شأنه أن يكون على حساب العرب في النهاية.

ولقيت هذه الدعاية أقدارا من التجاوب، إذ هاجمت العديد من القوى السياسية الجزائرية البربر. فبرر بعضهم مواجهة السلطة للأحداث بعنف، ونفى بعضهم الآخر أن تكون للأحداث مبررات حقيقية. وكان أخطر ما في الأمر هو ذاك الصراع الدامي الذي شهدته منطقة القصبة في العاصمة الجزائر يوم 31 مايو الماضي بين الشبان البربر الذين شاركوا في مسيرة جبهة القوى الاشتراكية، وبين الشبان العرب من سكان القصبة المعروفة بولائها القوي للتيار الإسلامي.

ونقلت مصادر جزائرية أن الشرطة اكتفت في ذلك اليوم المرير بمراقبة المواجهة الدامية بين البربر "الغزاة للقصبة" - كما جرى تصويرهم - وبين شبانها العرب المدافعين عنها. وسقط في المواجهات المئات من الجرحى من الطرفين، ولم تتدخل الشرطة الجزائرية إلا في آخر وقت لمنع حصول تدهور أشد.

ويرى المحللون أن همّ الأجهزة الجزائرية كان مركزا على الحيلولة دون انتقال أحداث القبائل إلى المناطق الأخرى من خلال عزل الأمازيغ عن العرب، وتصوير مطالبهم باعتبارها مطالب فئوية، وإتاحة الفرصة للعناصر الأشد تطرفا في الجانبين الأمازيغي والعربي لاصطناع معركة بين العرب وبين البربر، حتى لا يتجه الجميع للضغط على النظام.

وفي هذا السياق يرى بعض المحللين أن سماح السلطات الجزائرية بتنظيم عدد من المسيرات البربرية في العاصمة الجزائر- وهو ما لم يحصل منذ 10 أعوام كاملة - يأتي في سياق تخويف العرب من البربر..

ويذكّر أصحاب هذا الرأي بوقوف قوى الأمن الجزائرية بالمرصاد لخروج أي مظاهرة مساندة للانتفاضة الفلسطينية في شهر أكتوبر الماضي، وكيف فرضت على المتعاطفين مع الانتفاضة التعبير عن احتجاجهم على العدوان الصهيوني على الفلسطينيين داخل قاعات مغلقة بحجة الخشية من انفلات الأوضاع في حالة تنظيم احتجاجات في الشارع.. لكن بخلاف ذلك سمحت السلطات الجزائرية للبربر بالتظاهر في أكثر من مناسبة بمئات الآلاف في العاصمة الجزائر وفي مدن جزائرية أخرى.

وبالرغم من أن محللين آخرين يذهبون إلى أن السماح للبربر بالتظاهر في العاصمة جاء لامتصاص غضبهم، ولإتاحة الفرصة أمامهم للتنفيس عن مشاعرهم الملتهبة، ومن ثم احتواء الوضع؛ فإن أصحاب الرأي السابق يرون أن الأمر لم يكن يهدف فقط إلى امتصاص الغضب والتنفيس عن البربر، وإنما يرمي بالأساس إلى تخويف العرب.. وبالتالي تقسيم الشارع الجزائري، ومنع توحده، وتصريف غضبه في صراع بين العرب والبربر بدلا من أن يكون الصراع بين النظام والشعب.

لكن هذه الإستراتيجية التي نجحت جزئيا - ولوقت محدود - أخفقت في النهاية في منع انتشار الغضب إلى مدن وقرى جزائرية شاوية وعربية خارج نطاق منطقة القبائل. فلماذا انتشرت الاحتجاجات إلى المناطق الشاوية والعربية؟

انتشار الحريق

لم يكن متوقعا منذ البداية أن تنحصر الاحتجاجات الغاضبة في منطقة القبائل.. فالأسباب الاجتماعية التي صنعت الغضب الشعبي موجودة في كل مناطق الجزائر، ولعلها أخف ما تكون في مناطق البربر.

وكما يرى الشيخ عبد الله جاب الله رئيس حركة الإصلاح الوطني.. فمناطق القبائل تعتبر محظوظة نسبيا بالقياس إلى المناطق العربية والشاوية.

ومن وجهة نظر تحليلية واجتماعية، فأهل القبائل أكثر انفتاحا على العالم بسبب وجودهم على السواحل في شمال الجزائر، وعلاقاتهم بفرنسا المميزة سمحت للكثير منهم بالهجرة وتحسين أوضاعهم الاجتماعية، فضلا أن الإحساس بالنزعة الاستقلالية لدى النخب البربرية جعل النظام الجزائري يحاول تحسين أوضاع البربر الاجتماعية، حتى لا يعطي المبررات لنزوعات الاستقلال الذاتي لدى بعض أهل هذه المنطقة.

ويعرف الكثير من الجزائريين أن العديد من نخب الحكم - وخاصة في المؤسسات النافذة العسكرية والأمنية وفي دوائر السلطة المختلفة - هي اليوم من مناطق القبائل، وهو ما يتيح لها تحسين ظروفها الاجتماعية وتحسين البنية التحتية للمنطقة. لكن هذا لا يعني أن وضع القبائل وضع ممتاز، فهو أفضل نسبيا فقط من بقية المناطق.. وهذه الأفضلية تظهر عند المقارنة مع بقية المناطق الجزائرية الأخرى.

هذا يعني أن أسباب انتشار الحريق إلى بقية المناطق الجزائرية قوية وفعالة.. فإذا كان البربر الأفضل وضعا اجتماعيا قد نزلوا للشارع في حركة جماهيرية غاضبة للمطالبة بتحسين ظروفهم وأوضاعهم المعيشية والاجتماعية، فإن أبناء المناطق الأخرى الأقل حظا لهم دوافع أكبر للتحرك. وهذا ما حصل بالفعل: فبعد أن أخفقت إستراتيجية تخويف العرب من البربر، انتشرت الحركة الاحتجاجية إلى بقية القرى والمدن الجزائرية، في الشرق أولا ثم انتقل صداها تدريجيا إلى مناطق الغرب.

نقمة عارمة على رموز الدولة

لعل أهم الرسائل التي يمكن ملاحظاتها هي حالة النقمة العارمة على رموز الدولة، وكل ما يمت لها بصلة. فحين بدأت انتفاضة القبائل قبل أكثر من شهرين، تجلت النقمة العارمة على الدولة وكل رموزها بشكل حاد ومفضوح. فكان الشباب الغاضب يحطم مجالس البلديات والبنوك ومراكز البريد والجباية، فضلا عن مراكز الأمن والشرطة والدرك. وكان أحد المطالب المعروفة للبربر المطالبة برحيل الدرك وقوات الأمن عن كامل مناطق القبائل.

ومن بين أبرز الشعارات التي رفعت في الأيام الأولى للأحداث شعارات "عليها نحيى وعليها نموت" (المقصود الدولة الإسلامية)؛ وهو الشعار الشهير للجبهة الإسلامية للإنقاذ في بداية التسعينيات، وشعار "الشعب معك يا حطاب": والمقصود زعيم الجماعة السلفية للدعوة والقتال حسان حطاب. ويحمل الشعاران دلالات بالغة على مدى نقمة شباب البربر الذين اختاروا التحالف الرمزي مع ألد أعداء السلطة الجزائرية: جبهة الإنقاذ المحظورة، وحسان حطاب أحد أشد الأعداء الشرسين للمؤسسة العسكرية.

أما بالنسبة لأحداث المناطق الشاوية والعربية اللاحقة مثل مدينة خنشلة وغيرها، فقد بدا فيها الغضب أشد.. فكانت مسرحا للعديد من الحرائق وعمليات النهب والتدمير. وطال الغضب في هذه المناطق كل من له صلة بالدولة: المنتخبين في البلديات والمنتخبين في البرلمان، ورجال الأمن، والمحسوبين على الأحزاب المشاركة في الائتلاف الحكومي.

لقد كان استهداف مسئولي البلديات واضحا بشكل خاص في مناطق عديدة، إذ جرى حرق منازلهم وتدمير كل ممتلكاتهم. وطال التدمير والحرق ممثلي الأحزاب، وخاصة حزبي التجمع الوطني الديمقراطي- وهو أكبر أحزاب البرلمان الجزائري الحالي- وكذلك جبهة التحرير الوطني (الحزب الواحد سابقا). وتركز استهداف ممثلي هذين الحزبين للصلة المتينة والاختلاط الحاصل بينهما وبين مؤسسات الدولة؛ لكن الغضب طال أيضا بقية الأحزاب الأخرى التي تشارك في الائتلاف الحاكم.

ولوحظ في منطقة القبائل كيف جرى تهميش الحزبين البربريين الرئيسيين: حزب جبهة القوى الاشتراكية الذي يقوده حسين آيت أحمد، وحزب التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية الذي يقوده سعيد سعدي أحد أبرز وجوه التطرف البربري؛ بل جرى حرق وتدمير بعض مقرات الحزبين. وتجلى بشكل واضح فقدان الحزبين لسيطرتهما على المنطقة، وعادت التنظيمات القديمة ممثلة في مجالس العروش لتسيير التحركات الاحتجاجية؛ وهو ما أظهر ممثلين جددا للبربر من غير أبناء الحزبين في دلالة واضحة على نزعة الانفصال والتمرد عن كل من له علاقة ما بالدولة.

هذه النزعة المتمردة عن كل ما له صلة بالدولة أتاحت الفرصة لظهور النزعات التدميرية العمياء؛ فكان همّ الكثير من المتظاهرين ليس تحقيق هدف سياسي عقلاني من وراء الاحتجاجات، وإنما الانتقام والثأر من كل من تسبب – بشكل مباشر أو غير مباشر - في الفقر والمذلة التي يعاني منها الجزائريون.

لقد كان لافتا للنظر كيف كان الشباب الجزائري يقوم بحرق منازل المسؤولين المحليين، ويدمر ممتلكاتهم أكثر من حرصه على نهبها والاستيلاء على ما فيها. أما بالنسبة للاستيلاء على المئات من المنازل الأخرى في كل قرية أو مدينة حصلت فيها الأحداث، فيحمل دلالة على رغبة الجزائري في أخذ حقه بيده، دون الرجوع للقانون، ودون الحاجة للمرور عبر المسؤولين المحللين الذين عرفوا على نطاق واسع بتقبل الرشوة والمحسوبية في توزيع تلك المساكن على المواطنين دون التقيد بقانون.

كيف تعاملت القوى السياسية مع الأحداث؟

باستثناء الحزبين البربريين: جبهة القوى الاشتراكية والتجمع من أجل الثقافة والديمقراطية – اللذين حرصا على تبني شعارات المتظاهرين البربر وقاما بتنظيم مسيرات تأييد لهم في العاصمة الجزائر، وإعلان التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية خروجه من الحكومة بحجة أنها حكومة تقتل أبناء شعبها – فإن بقية الأحزاب الأخرى، وخاصة المشروعة منها، نظرت للأحداث بعين الريبة والشك، واعتبر الكثير منها الأحداث موجهة من الخارج.

وبالرغم من أن شيئا من الشك والريبة مشروعان في نظر هذه الأحزاب، فإن مجمل تعاملها مع الأحداث - وخاصة تهجم بعضها على المتظاهرين وكيل السباب والشتائم لهم بدلا من التعرف على الأسباب الحقيقية لغضبهم - مكن متطرفي البربر إلى حد كبير من أن يصبحوا هم الممثل الشرعي والوحيد للشبان الغاضبين.

فبدلا من أن تدرك الأحزاب الجزائرية - والإسلامية منها بالخصوص - أن الدافع الاجتماعي هو السبب الرئيس للتحركات الاحتجاجية، اتجهت في تناغم مقصود أو غير مقصود مع الحكومة إلى التهجم على الدوافع العرقية للتحركات، وإلى مهاجمة الدور الخارجي وبالخصوص الفرنسي؛ وهو ما جعل المتظاهرين البربر يساوون بين هذه الأحزاب وبين السلطة.. ويشملون الجميع بغضبهم.

إن أخطر ما يتهدد الجزائر أن يصبح قلة من المتطرفين الفرنكفونيين - المعادين للعروبة والإسلام - هم قادة لنحو 6 ملايين جزائري يمثلون حوالي 20 في المائة من سكان الجزائر. إن كثيراً من الشباب البربر الغاضبين على السلطة، سيسلمون قيادتهم للمتطرفين فيهم- عندما يرون أن الجميع يشتمونهم، ولا يتفهمون مطالبهم المشروعة، ويرجعونها إلى التدخل الفرنسي.

لا شك في أن هناك تدخلا فرنسيا سافرا في الجزائر.. وهناك جماعات يسميها الجزائريون "حزب فرنسا" في بلادهم. وهذا الحزب فاعل وناشط، لكنه يستمد قوته من السيطرة على بعض الأجهزة، ومن سيطرته على الإعلام..

وقد أثبتت كل الانتخابات النزيهة التي جرت في الجزائر أن هذا الحزب أقلي، ولا قيمة عددية لأتباعه.. لكن مثل هذا الحزب يمكن أن يصبح حزب أغلبية في منطقة القبائل، إذا استمر التعامل مع مطالب الشباب البربري - في الكرامة والشغل والأمن والاستقرار - على اعتبار أنها مطالب موجهة من الخارج، وتنم عن رغبة عرقية أو عنصرية، أو موجهة فقط بدوافع الاستقلال والانفصال عن البلد الأم: الجزائر.. وهو أمر فيه الكثير من سوء الفهم، أكثر مما فيه من تعبير عن واقع موضوعي ملموس.

اقرأ أيضًا:


إستراتيجيات |القضية الفلسطينية | المنطقة العربية | بقية العالم الإسلامي | آسيا | أوروبا وأمريكا الشمالية وأستراليا | إفريقيا | شئون عالمية | رواق الأفكار | مساهمات الزائرين

 

 

«

ابحث 

«

بحث متقدم

 

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع