|
حسم
تقرير كوفي عنان لمجلس الأمن يوم
الجمعة 22/6/2001، حالة التردد التي طبعت
النقاش الأممي حول النزاع، منذ 26
فبراير 2000، حينما تبين للمنظمة
الأممية أن نجاح فرص إجراء الاستفتاء
أصبح شبه معدوم، وأنه من الأفضل البحث
عن حل سياسي، وهو نقاش أفضى في 25 يوليو
2000، إلى التبني الرسمي لهذا الخيار
بموازاة الخيار الأول المتمثل في
محاولة تجاوز العقبات التي تحول دون
تطبيق الخطة الاستفتائية. وشكلت
الاستجابة القوية للمغرب لهذا الخيار
الثاني عاملاً مشجعًا لصالح الاعتماد
النهائي لمشروع الحكم الذاتي، وهو ما
تجسَّد في التقرير الأخير لكوفي
عنان، إلا أن الموقف المتشدد
للبوليساريو والجزائر إزاء التقرير
أدى بمجلس الأمن - وبعد أسبوع من
المشاورات والجدل - إلى صياغة قرار
توفيقي يعطي الأولوية لبحث مشروع
الحكم الذاتي وتشجيع الأطراف عليه،
دون أن يعلن التخلي النهائي عن خيار
الاستفتاء.
تابع
في هذا المقال:
خلفيات
المشروع الأممي
الخلفيات
الكامنة وراء هذا التوجه متعددة،
ويمكن حصرها في أربع خلفيات:
1
- الحيلولة دون الارتداد إلى محاولة
اعتماد الخطة الاستفتائية، حيث إن من
شأن طرح مقترح أممي واضح ومتكامل أن
يحسم الجدل والتردد بين خطة
الاستفتاء ومشروع الحكم الذاتي.
ومعلوم أن خطة الاستفتاء ينتج عنها
أحد حلَّين، إما الإدماج الكلي
للصحراء في المغرب أو الانفصال الكلي
للصحراء عن المغرب، أما الحكم الذاتي
فهو حل وسط بينهما، واحتمال حصول هذا
الارتداد نحو الخطة الاستفتائية أمر
وارد وظهر جليًّا في رد جبهة
البوليساريو الرافض للمشروع، حيث
استنكفت عن النظر في المقترح أو
مناقشته في زيارة بيكر لها في 5 مايو
2001، كما بعثت بمذكرة تفصيلية تعرض
فيها مقترحات لتسهيل مواصلة تطبيق
خطة الاستفتاء، ومن بينها قبولها
بالنظر في جميع الطعون المقدمة (عددها
131038 طعنًا)، والاستعداد لإعادة
اللاجئين من مخيمات "تندوف" إلى
داخل الصحراء، وأيضًا قبولها باتخاذ
عدد من التدابير لبناء الثقة.
وبغض
النظر عن الرد الصارم لكوفي عنان على
مذكرة البوليساريو، واعتباره أن
المقترحات لا تحل جوهر المشكل المعيق
لتنفيذ الخطة الاستفتائية، والمرتبط
بغياب التعاون بين الطرفين وعدم قدرة
الأمم المتحدة على تنفيذ أية تدابير
ما لم يتفق الطرفان على التعاون،
فضلاً عن إشارته إلى أن التجربة
بيَّنت خلال عملية تحديد الهوية أن
شيوخ القبائل قد دأبوا على رفض
الاعتراف بهوية مقدمي الطلبات من
الجانب المغربي، وبغض النظر كذلك عن
بقية الاعتراضات التي أثارها كوفي
عنان على موقف الجزائر -فإنه كان
لافتًا أن حوالي نصف التقرير، كان
مخصصًا لحشد الأدلة على وصول خطة
الاستفتاء للطريق المسدود واستحالة
المضي فيها، مركزًا على العقبات
المرتبطة بتحديد هوية أعضاء الهيئة
الاستفتائية التي لها حق التصويت
والطعون الكثيرة على القوائم الأولية
للجنة تحديد الهوية، وأن البتّ في هذه
الطعون قد يستغرق وقتًا أطول وأكثر
تعقيدًا وخلافية مما كانت عليه عملية
تحديد الهوية ذاتها، كما أن عددًا من
المسائل الأساسية في إطار خطة
التسوية لا يزال دون حل، مثل الإفراج
عن أسرى الحرب والمعتقلين السياسيين
الصحراويين (لا يذكر التقرير سوى حالة
1479 أسيرًا مغربيًّا في "تندوف"
معظمهم معتقل منذ 20 سنة)، وتوفير
الظروف الأمنية اللازمة للعائدين
الصحراويين المؤهلين للتصويت
ولأسرهم المباشرة، فضلاً عن الموافقة
على مشروع بروتوكول لإعادة اللاجئين
والذي قُدّم للأطراف منذ 1988، ثم
المشكلات المتصلة بمدونة قواعد
السلوك في حملة الاستفتاء، فضلاً عن
الافتقاد لآلية أممية لإنفاذ نتائج
الاستفتاء.
وقد
لجأ التقرير إلى سرد مواقف الأطراف
تجاه النقط الخلافية وإبراز التعارض
العميق بينها؛ وذلك لقطع الطريق على
دعوات مواصلة التباحث حول سبل تجاوز
عقبات تطبيق الاستفتاء أو حتى
الاجتماع من جديد لدراسة مقترحات
البوليساريو.
2
- تمكين جيمس بيكر، الوسيط الدولي في
النزاع، من أرضية قوية، تعبّد الطريق
أمامه لجمع الأطراف للتفاوض حول
مشروع الحكم الذاتي، فقد سبق لبيكر في
زيارته للجزائر و"تندوف" في
بداية مايو 2001، أن عرض نفس المشروع،
واعتبرته الجزائر "مقترحًا غير
رسمي" كما أن البوليساريو رفضت حتى
النظر فيه ومناقشته. كما أن الجزائر
اعتبرت أن طرح المشروع ليس ضمن المهام
الموكولة للمبعوث الشخصي للأمين
العام، التي حصرتها في نقطة وحيدة هي
بحث سبل تحسين فرص استئناف خطة
الاستفتاء.
وقد
جاء التقرير الأخير لكوفي عنان ليحسم
هذا الخلاف، حيث اعتبر أن الجزائر
أساءت تفسير ولاية بعثة المبعوث
الشخصي بإحالتها إلى قرار مجلس الأمن
1084 المؤرخ في 1996/07/27، في حين أنها
ترتكز على القرار 1108 المؤرخ في 1997/05/22
الذي لا يحصر مهمته في تجاوز عقبات
خطة الاستفتاء.
3
- الدفع في إذابة بعض الحواجز النفسية
تجاه مشروع الحل السياسي، المتعلقة
بكون الأمم المتحدة تقوم بتسويق
المشروع المغربي، بما يجعلها مجرد
أداة مغربية لفرضه على الأطراف
الأخرى، وهي تهمة حالت دون انطلاق
نقاش جدي حول المشروع، لا سيما داخل
البوليساريو بالأساس، وأعاقت تحرك
بعض المسؤولين السابقين فيه لصالح
فكرة الحل السياسي.
ولهذا
من شأن إعلان الأمم المتحدة عن تصورها
الخاص والمتميز عن المغرب أن يعطي
مصداقية أكبر لعمل "جيمس بيكر"،
ويساعد على أخذ الموضوع بجدية أكثر.
4
- إدماج بعض المطالب الجزئية لمختلف
الأطراف، والتوفيق بينها، بما يؤدي
إلى ترضية نسبية للجميع، تشجِّع على
البدء في التفاوض، وهو شيء لم يكن
متحققًا في حالة اعتماد المقترح
المغربي والذي قدم للأمم المتحدة في
أبريل 2001.
اتفاق
الإطار
تأسيسًا
على ما سبق، أقدم جيمس بيكر على طرح
مشروع اتفاق/ إطار للحكم الذاتي،
تبنّاه كوفي عنان ودعمه مجلس الأمن في
قراره ليوم الجمعة 29 حزيران/ يونيو 2001؛
ليكون أرضية إجراء مشاورات إضافية
بين الأطراف، ينجم عنها تحديد مركز
الصحراء الغربية في المستقبل، ويتضمن
الاتفاق الإطار مجموعة عناصر أبرزها:
1
- تمكين سكان الصحراء الغربية من
ممارسة السلطة الكلية في قضايا الحكم
المحلي والميزانية والضرائب والأمن
الداخلي والخدمات الاجتماعية
والتعليمية، وكذا الجوانب التجارية
والزراعية والمعادن والصيد البحري
والصناعة والبيئة.. وذلك من خلال
ثلاثة أجهزة: سلطة تشريعية، وهيئة
تنفيذية تفرزها انتخابات مباشرة
يشارك فيها الأشخاص الذين سبق للجنة
تحديد هويتهم (حصرهم) في كانون الأول/
ديسمبر 1999 (حوالي 84 ألفًا)، ورفض أي
طعن أو اعتراض في أفراد الهيئة
الناخبة، وستنتخب الهيئة التنفيذية
لمدة أربع سنوات، وبعدها يقع إفرازها
مباشرة من الجمعية التشريعية، وإلى
جانب ذلك ستكون هناك هيئة قضائية
موازية، وستكون المحاكم المرجع فيما
يتعلق بالقانون الإقليمي.
2
- تبقى للحكومة المركزية في الرباط
اختصاصات العلاقات الخارجية بما
فيها، والاتفاقيات الخارجية، والأمن
الوطني، والدفاع الخارجي، وتعيين
الحدود وحمايتها، والمسائل المتعلقة
بالأسلحة من حيازة وبيع وإنتاج
واستخدام، والحفاظ على السلامة
الإقليمية من أي محاولة انفصالية من
داخل أو خارج الإقليم، بالإضافة إلى
العَلَم المغربي والعملة، والجمارك
ونظم البريد والاتصالات.
3
- احترام القوانين الصادرة عن الجمعية
التشريعية لدستور المغرب وقوانينه،
اللهم إلا إذا تعارضت مع قواعد السلوك
التي اتفق عليها الطرفان في هيوستن 1997،
التي تنظم إجراء الانتخابات
والاستفتاءات.
4
- عدم إمكانية الإعلان من جانب واحد عن
أي تغيير أو إلغاء لوضع الصحراء
الغربية، وبعد خمس سنوات سيجرى
استفتاء لتقرير وضع الصحراء الغربية،
ولكي يكون الناخب مؤهلاً للتصويت؛
فعليه أن يكون قد أقام بصورة دائمة في
الصحراء طيلة السنة التي سبقت
الاستفتاء. ويقترح مشروع الاتفاق/
الإطار الجزائر وموريتانيا بمثابة
شاهدتين عليه، وفرنسا، والولايات
المتحدة بمثابة ضامنتين لتعزيز
التسوية وتنفيذ الاتفاق.
قرار
مجلس الأمن قدم دعمه الكامل لمقترح
كوفي عنان الداعي لمباحثات جديدة
مباشرة أو غير مباشرة بين الأطراف،
ووافق بالإجماع على توصيته بتمديد
ولاية بعثة المينورسو خمسة أشهر، إلى
غاية 30 تشرين الثاني/ نوفمبر 2001. كما
تمت دعوة الأطراف إلى مناقشة مشروع
الاتفاق/ الإطار حول وضع الصحراء
الغربية، الذي اعتبره مجلس الأمن
نقلاً جوهريًّا للسلطة إلى السكان،
مؤكدًا أن الانخراط في هذه المفاوضات
لا يعني أن الأطراف اتخذت المواقف
النهائية لها من المشروع، وهو ما أرضى
البوليساريو والجزائر اللتين
تتوجسان من أن يؤدي بحث مشروع عنان -
بيكر للحكم الذاتي إلى إلزامهما
بالتخلي عن موقفهما المتشبث
بالاستفتاء. وسيكون على الأطراف - حسب
قرار مجلس الأمن - التفاوض حول أي
تغيير على مشروع عنان – بيكر، بما فيه
مناقشة أي حل سياسي آخر يُقترح من قبل
الأطراف، بغاية الوصول إلى اتفاق
مقبول. كما أن القرار لم يُلْغِ
إمكانية بحث المقترحات الجديدة التي
تقدمت بها جبهة البوليساريو من أجل
تجاوز العقبات التي تحول دون تنفيذ
خطة الاستفتاء الأصلية.
مواقف
الأطراف ومستقبل المفاوضات
انقسمت
مواقف الأطراف إلى موقفين: موقف
القبول المبدئي، وموقف الرفض مع
اختلاف في حدة هذا الرفض ودرجته:
1
- المغرب:
رغم
أن الاتفاق يرضي عددًا من المطالب
المغربية، وأبرزها مسألة السيادة،
وما يرمز إليها من اختصاصات الدفاع
والعلاقات الخارجية والعلم والعملة
والبريد، فإن هناك بعض التوجسات
المرتبطة بالهيئة الناخبة، حيث كانت
للمغرب اعتراضات كثيرة على نتائج
لجنة تحديد الهوية، وقد بلغت الطعون
المقدمة من جانبها ما يزيد عن 120 ألف
طعن، كما أن عددًا من النقط بقيت
مبهمة، مثل حدود التداخل والعلاقة
بين السلطة المركزية والسلطة
المحلية، والعلاقة بين البرلمان
المغربي والجمعية المحلية التشريعية
المحلية، وقضايا إعادة انتشار الجيش
المغربي والآليات الكفيلة بتدخله
للحيلولة دون أية محاولة انفصالية من
داخل الإقليم أو خارجه، ومسألة إعادة
اللاجئين، ووضعية غير المدرجين في
القوائم، وتدبير عائدات ثروات
المنطقة، فضلاً عن الغموض القائم
بخصوص ما بعد السنوات الخمس، أي ما
بعد المرحلة الانتقالية، فهناك وضع
ملتبس ومبهم حول الاستفتاء ومن سيحدد
سؤاله؟ وهل سيكون متاحًا إلغاء
السيادة المغربية؟ ومن سيشرف على
الاستفتاء ويقدم الضمانات الكفيلة
بنجاحه؟ خصوصًا أن جواب عنان على
المذكرة الجزائرية أشار فيها إلى أن
الاستفتاء ستكون فيه فرص الفوز
متكافئة بين الطرفين؟
وهذه
التوجسات تستبطن أن الاعتراف الوارد
بالسيادة في مشروع الاتفاق/ الإطار
ليس اعترافًا نهائيًّا، رغم أنه يشكل
مخرجًا مؤقتًا؛ لهذا أبدى مندوب
المغرب في الأمم المتحدة "محمد
بنونة" وجود تحفظات مغربية على
المشروع، ما يعني أن المغرب ستكون لها
مطالبها في المفاوضات المقبلة.
2
- جبهة البوليساريو:
رفضت
البوليساريو المشروع بشكل مسبق، ولم
تكلف نفسها عناء الرد عليه، واعتبرت
أن إمكانية تطبيق خطة الاستفتاء ما
تزال متاحة.
3
- الجزائر:
رفضت
الجزائر المشروع الأممي بشكل منهجي
توسلت فيه بعرض جوانب الضعف
والاختلال في مشروع الاتفاق وإبراز
كونه يخدم مشروع الاندماج مع المغرب،
ولا ينسجم مع عمل الأمم المتحدة في
تصفية الاستعمار وتقرير المصير، وأنه
يبخس حق جبهة البوليساريو في الإدلاء
برأيها في عملية تعيين الهيئة
التنفيذية، وعدم النص على انسحاب
الدولة القائمة على الإدارة، وهو ما
يجعل الهيئة التنفيذية رهينة محكومًا
عليها بالجمود والتبعية والخمول.
كما
اعتبرت أن المشروع لا يتسم
بالمصداقية ما دام ينص على احترام
دستور الدولة القائمة بالإدارة (أي
المغرب) في الإقليم، فضلاً عن الخلط
بين سكان الإقليم والشعب الصحراوي
وإعطاء الأفضلية للسكان، وهو ما
يعزِّز الأطروحة الإدماجية للإقليم
في المغرب، ويرسِّخ الاحتلال غير
المشروع للأراضي الصحراوية حسب
المذكرة الجزائرية لعنان.
وقد
رد كوفي عنان بعنف على عدد من
الاعتراضات الجزائرية، حيث اعتبر أن
الادعاء بتحيز الاتفاق لفكرة
الاندماج هو ادعاء مضلِّل، وأن
انتخاب الهيئة التشريعية سيفرز من
قوائم لجنة تحديد الهوية (ما يزيد عن 33
ألف هم من تندوف و5 من موريتانيا و 44 من
داخل الصحراء)، أي أن الهيئة ستنتخب
من قبل ناخبين يرى كل طرف أنهم
سيعطونه بعض الامتياز. كما أن لفظ "الشعب
الصحراوي" ليس لفظًا رسميًّا عند
الأمم المتحدة التي تستعمل ألفاظًا
من قبيل "سكان الصحراء الغربية"
أو "شعب الصحراء الغربية" و"الصحراويون
الغربيون"؛ ولهذا فالمذكرة
الجزائرية – حسب عنان – تغفل جزءاً
كبيرًا من السكان الصحراويين الذين
اختاروا البقاء في الإقليم، ولا
تعترف إلا بمن يوجد في مخيمات تندوف.
كما
ذكّر بأن الموقف الجزائري يغفل أهم
نقطة وهي مسألة إجراء استفتاء حول
المركز النهائي للصحراء، وهو استفتاء
يعطي لكلا الطرفين فرصة متساوية
للفوز، ويجمل الأمين العام موقفه بأن
النقط التفصيلية والخلافية يمكن أن
تُبحث على طاولة المفاوضات.
خلاصة
وتقويم
والواقع
أن هناك توزيعًا في الأدوار بين
الجزائر والبوليساريو، وظهر أن
الجزائر طرف مباشر في النزاع
بمذكرتها التفصيلية للرد على
الاتفاق، التي نابت فيها عن
البوليساريو، وهو ما يؤكد صحة الموقف
المغربي من أن المفاوضات هي في العمق
مع الجزائر.
ويمكن
تفسير حدة الموقف الجزائري، بكون
الاتفاق لا يتيح له أي مكاسب، بل
يجعله مجرد شاهد في الوقت الذي كان
يحلم طيلة ربع قرن بإيجاد منفذ بري
على المحيط الأطلسي يمكّن الجزائر من
تصدير الحديد الجزائري بأقل تكلفة،
ويشكل منطلقًا لسياستها في الغرب
الإفريقي، ويحكم الطوق على المغرب.
يضاف إلى ذلك أن الاتفاق سيقدم هدية
للمغرب تساعده على التفرغ لمشكلاته
الاقتصادية والاجتماعية، وبعث
دبلوماسيته الإفريقية في الوقت الذي
تطحن الأزمة الداخلية النظام
الجزائري.
إلا
أنه في المقابل، يمكن تفسير لجوء
الجزائر بالرد التفصيلي على المقترح
الأممي بكونها تبحث عن مخرج إزاء
اشتداد الضغط الخارجي عليها لقبول
تسوية أممية سياسية لنزاع الصحراء،
هذا الضغط الذي سيشتد إذا ما صدر قرار
أممي واضح في الموضوع. والملاحظ أن
الجزائر - التي انتقدت بشدة نشر
مذكرتها كملحق في تقرير الأمين
العام، واتهمت الأمانة العامة
بالخروج عن الحياد والموضوعية
والاستخفاف بمقترحات البوليساريو
واعتراضات الجزائر، وأنها بالتالي
فقدت مصداقيتها - اعتبرت قرار مجلس
الأمن متوازنًا على لسان مندوبها في
الأمم المتحدة "عبد بعلي".
أما
جبهة البوليساريو، فإن مشروع التسوية
هو بمثابة نهاية سياسية لها، كما كشف
عن عجز بنيوي لديها يحول دون قدرتها
على الدخول إلى الصحراء، والتكيف مع
التحولات الحاصلة في ميزان القوى
الإقليمي والذي رجح لصالح المغرب
بفعل الدعم الفرنسي - الأمريكي. ورهان
الجبهة حاليًا هو في محاولة تلطيف
الاتفاق بما يضمن استمرارية وجودها
الخارجي وتمثيلياتها الدبلوماسية،
والتقليص - ما أمكن - من الهيئة
الناخبة التي ستكون مدعوّة بعد خمس
سنوات للتصويت على الوضع النهائي
للصحراء.
بغض
النظر عن التصلب الظاهري
للبوليساريو، فإن الاستعداد
الجزائري للتحاور حول المشروع
مستقبلاً، يشكل نقطة ضوء للأمم
المتحدة، لتمديد ولاية البعثة، على
الأقل خمسة أشهر إضافية كما أوصى بذلك
عنان في تقريره.
وستكون
مهمة بيكر شاقة لتليين موقف
البوليساريو، والذي يعتبر موقفها في
العمق موقفًا مؤقتًا قابلاً للتغيير
إذا ما أعطيت لها الضمانات للسيطرة
على مؤسسات الحكم الذاتي.
إن
القضية مقبلة على مرحلة جديدة
كليًّا، تختلف عن المسار الذي عرفته
طيلة عقد التسعينيات من القرن
العشرين، حيث كانت مرتهنة لمشروع
استفتاء عقيم، إلا أن المرحلة
الجديدة لا تعني أن المشكلة قد
حُلَّت، بل على العكس، كل ما هنالك هو
إدامة المشكلة في جوهرها بما هي قضية
تجزئة تمكّن الغرب من التدخل في
المنطقة، وإضعاف برامج التنمية
المستقلة، وإعاقة أي تكامل مغاربي
عبرها، لا سيما في ظل الإبقاء المعلق
على مشروع استفتاء بعد خمس سنوات حول
مستقبل الصحراء.
اقرأ
أيضًا:
|