|

|
|
مجرمو الحرب لهم أنصار ايضا |
عند
النظر في مسلسل جرائم شارون، منذ
مذبحة قبية عام 1953م إلى قتل الأسرى
المصريين في حربي 1956 و1967م، إلى مذبحة
صبرا وشاتيلا عام 1982م، وحتى جرائمه
الحالية في مواجهة الانتفاضة
الفلسطينية، لا يستغرب الترحيب
التلقائي الذي وجده رفع دعوى ضدّه
أمام القضاء البلجيكي بصدد مذبحة
صبرا وشاتيلا على الأقل، أو الذي
وجدته المحكمة الشعبية التي بدأتها
نقابة المحامين بمصر، وتزامن ذلك مع
إعلان حكومة بلجراد تسليم ميلوسوفيتش
الذي ارتكب أبشع الجرائم الحربية في
البوسنة والهرسك وكوسوفا لمحكمة
جرائم حرب البلقان في لاهاي في بادرة
جيدة لمحاكمة رئيس دولة سابق كمجرم
حرب.
وقد
بدأت هذه المحاكمات تجد اهتمامًا
متزايدًا، ويدور الحديث عنها وعن
تشكيل محكمة جزائية دولية باعتبارها
خطوة هامة نحو توفير قدر أكبر من
العدالة في الواقع الدولي، وهذا ما لا
ينبغي التسليم به تلقائيًّا، ودون
دراسات منهجية كافية تراعي الواقع
العملي للتعامل مع تلك المحاكمات،
وبالتالي النظر في موقعها الحقيقي من
مجرى تطور الأوضاع القانونية
والسياسية الدولية، وتقويم التأثير
المتبادل بينها وبين آلية صناعة
القرار وتنفيذه عالميًّا، لا سيّما
من حيث الأخذ بمحاكمة مجرمي الحرب
والمجرمين ضد الإنسانية على أساس
تحقيق مبدأ العدالة دون تمييز، ومن
حيث قابلية توظيف المحاكمات أو مجرّد
المطالبة بها، لأغراض أخرى، قد لا
يكون لها أصلاً أي علاقة بمبدأ
العدالة ولا المساواة ولا حقوق
الإنسان، هذا فضلاً عن التأثير
المتبادل بين تلك المحاكمات وعنصر
سيادة الدولة الذي يتعرّض موقعه في
القانون الدولي في الوقت الحاضر
لعملية تقليص غير متوازنة ولا تراعي
مبدأ المساواة بين الدول.
وفي
إطار ما سبق ذكره كأمثلة على جوانب
عديدة أخرى، تقتصر الخواطر التالية
على التنويه فقط ببعض الدلالات
السياسية والقانونية الدولية ذات
العلاقة المباشرة بالأحداث المشار
إليها بصدد شارون وميلوسوفيتش، ويمكن
الفصل هنا بين ثلاثة أمور:
شارون وجرائمه مع القضية الفلسطينية
لا
يوجد أدنى ريب في الدوافع المشروعة
والمفهومة وراء سعي بعض ضحايا صبرا
وشاتيلا للاستفادة من القانون
البلجيكي لعام 1993م والمعدّل عام 1999م؛
لملاحقة المسؤول الأول عن المذبحة
التي قتل فيها ما لا يقل عن 1700 إنسان،
وأصيب زهاء ثلاثين ألفًا آخرين، ثم
بقي الاحتلال الإسرائيلي من بعدها 22
عامًا برعاية أمريكية في الدرجة
الأولى.
ولا
ريب أيضًا في الدوافع الوطنية
والقومية والإسلامية من وراء تحرّك
نقابة المحامين في مصر لتنظيم محاكمة
شعبية لمجرم الحرب شارون، لا سيما
وأنها أكَّدت في الأهداف الأربعة
الرسمية من وراء ذلك، أنّ أحدها
موجَّه ضدّ الصمت العربي، وآخر لدعم
أبطال الانتفاضة الفلسطينية.
ولكن
تتسرب الشكوك على أصعدة أخرى تتعلق
بالتعامل مع الحدث من خارج نطاقه،
وترتبط بحقيقة أنّ شارون أفلس
سياسيًّا وعسكريًّا وانتهى دوره
واقعيًّا، ولا يعني ذلك سقوط
مسؤوليته عن الجرائم التي ارتكبها
منذ وطأت أقدامه الأرض الفلسطينية،
ولا الدعوة إلى الامتناع عن العمل
لمحاسبته عليها بكل وسيلة ممكنة،
ولكن يستدعي على الأقل التساؤل عن
توقيت حدثين آخرين رافقا التحرك في
بلجيكا ومصر، وهما:
1
- إقدام محطة "بي بي سي"
البريطانية الآن، وبعد 19 عامًا كاملة
على مذبحة صبرا وشاتيلا، على نشر ما
نشرته على شكل فيلم وثائقي يحمِّل
شارون المسؤولية بصورة دامغة، فهل
يمكن التسليم بأن المحطة لم تنطلق إلا
من اعتبارات إنسانية أو إعلامية محضة!..
2
- التحوّل الطفيف للغاية في الموقف
الأمريكي الرسمي أثناء زيارة شارون
الثانية لواشنطن، وهو على ضعفه
الشديد أُعطي صورة تضخّمه وسط احتفاء
رسمي، فلسطيني وعربي، به وبالدور
الأمريكي "النزيه" من جديد..
والسؤال: ألا يعني ذلك وعلى ضوء
الأسلوب الاستعراضي المتبع في إعلان
الموقف الأمريكي أمام شارون مباشرة،
أي على شكل "صفعة سياسية" على حد
تعبير الصحف الإسرائيلية.. ألا يعني
أن المراد أمريكيًّا هو التمهيد
سياسيًّا لمرحلة ما بعد شارون؟ وأن
هذا التمهيد يجد التجاوب الرسمي
الفلسطيني والعربي بغض النظر عن عدم
تبدل "المضمون" السياسي بحد
ذاته؟..
لقد
ذكر أكثر من محلِّل سياسي من داخل
الأرض الفلسطينية منذ الساعات الأولى
لنقل السلطة من باراك إلى شارون، أنَّ
ما كان يجري آنذاك لا يمثل سوى عملية
إخراج زعماء حزب العمل من ورطتهم في
عهد باراك، واستخدام أسلوب الإجرام
المنتظر من شارون ليحترق به، علاوة
على انتزاع المزيد من التنازلات من
جانب السلطة الفلسطينية تحت القصف،
ثم يمكن العودة إلى طريق أوسلو تحت
العنوان نفسه أو عنوان جديد، بما يحقق
الإخراج السياسي المطلوب بكافة
جوانبه، ومنها على المستوى الدولي
ترسيخ مزاعم الرغبة الإسرائيلية
بالسلام، ومنها على المستوى
الفلسطيني وضع رداء "نصر" ما ولو
جزئي وموهوم فوق واقع التنازل
الفلسطيني – أو تنازل السلطة بالذات
– تنازلاً هو الأكبر والأهم في تاريخ
القضية؛ إذ يمكن أن يمس مباشرة البقية
الباقية من الثوابت على محاور القدس
وعودة اللاجئين ومصير المستعمرات
التوسعية في الأرض المحتلة عام 1967م،
ومنها على المستوى العربي إعادة
تثبيت دعائم مسيرة مدريد على أساس
الزعم أن دبلوماسية "الصبر" تجاه
المأساة الفلسطينية من جانب الأنظمة
العربية، قد أوصلت إلى تعديل الموقف
السياسي الأمريكي في نهاية المطاف.
إن
الاشتغال بمحاكمة شـارون بأي شكل
رسمي أو شعبي مطلوب، شريطة التمييز
بين ذلك وتوظيفه وتوظيف نقمة منتشرة
على المستوى العالمي بسبب جرائمه؛
للتهوين من شأن الجريمة الكبرى..
جريمة وجود الاحتلال الصهيوني
التوسعي من الأساس، فقد بدأ بالفعل
تصويره – وحده - كعقبة في وجه حل عادل
مزعوم للقضية، والظاهر للعيان هو أنّ
الهدف الراهن في مجرى القضية هو إسقاط
شارون مع استعراض أن هذا يجري نتيجة
تلاقي مفعول الانتفاضة، وسياسات
السلطة، والسياسات العربية، والضغوط
الدولية، فهذا ما يعني لفت أنظار
الفلسطينيين والعرب والمسلمين، عن
أنّ الحصيلة الحقيقية لما يراد
تنفيذه حاليًا بغض النظر عن الإخراج
الرسمي له، هي خنق الانتفاضة
سياسيًّا بعد العجز عن خنقها
عسكريًّا من جهة، وتخاذلاً عن الدعم
من جهة أخرى.
فالانتفاضة
– وليس شارون - هي العقبة في وجه
العودة بقضية فلسطين من مسار التحرير
الذي شقت الانتفاضة طريقه من جديد عبر
التضحيات، إلى مسار كامب ديفيد
ومدريد وأوسلو، وهو ما يعني في أقصى
احتمالات النظرة "السلمية"
العربية المتفائلة، تخلِّيًا غير
مشروع عن سائر الأرض المحتلة عام 1948م،
ومزيد عليها من عام 1967م، مع إعطاء هذا
التخلي صبغة شرعية دولية مزعومة،
يفرضها منطق القوة المهيمنة فحسب،
عبر مجلس الأمن الدولي وخارج نطاقه،
وذلك مقابل استحالة أن يكتسب الكيان
الإسرائيلي وضعًا شرعيًّا ما بمفهوم
القانون الدولي نفسه.. هذا علاوة على
أن الرجوع إلى ذلك المسار يعني فتح
الأبواب بصورة "نهائية" في نظر
أصحاب "التسوية السلمية"، أمام
ترسيخ وجود الكيان الإسرائيلي ودمجه -
رغم إرادة الشعوب - في المنطقة
العربية والإسلامية من حوله.
التطور التاريخي للقانون الدولي
دون
الدخول في التفاصيل، يمكن التمييز
بين مرحلتين رئيسيتين في مسيرة
التعامل الدولي مع جرائم الحرب
والجرائم ضد الإنسانية:
1
- منذ الحرب العالمية الثانية إلى
نهاية الحرب الباردة، اقتصرت
الملاحقة على ما ارتكبه مجرمو الحرب
من ألمانيا واليابان أولاً، ثم على من
جرت ملاحقتهم من "مجرمين نازيين"
على أساس مشاركتهم بصورة ما في جرائم
نازية ضد اليهود، داخل نطاق الحملات
الصهيونية المتوالية لتوظيف ذلك في
مصلحة دعم المشروع الصهيوني بفلسطين
وعالميًّا. فيما عدا ذلك لم يُطرح أمر
ملاحقة مجرمي الحرب في مئات الحروب
والنزاعات الأخرى، رغم ما حفلت به من
جرائم وما سقط فيها من ضحايا، بدءاً
بفلسطين، مرورًا بفيتنام، وانتهاء
بأفغانستان، هذا رغم أن المعطيات
الأولى لملاحقة الإجرام الحربي،
والإبادة الجماعية، والجرائم ضد حقوق
الإنسان، قد توفرت في مواثيق القانون
الدولي، وأبرزها ميثاق حظر الإبادة
الجماعية عام 1948م، وما يعرف
باتفاقيات جنيف الأربعة لتنظيم "العلاقات
الدولية في حالة الحرب".
2
- فور انتهاء الحرب الباردة بدأ طرح
القضية على مستويين، أحدهما: قرار
الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1990
بتشكيل محكمة الجزاء الدولية، وهو ما
أوصل إلى اتفاقية روما التي وقَّعت 129
دولة عليها، وتنتظر ليسري مفعولها
والتصديق عليها من جانب 60 دولة على
الأقل، والثاني: إنشاء محاكم إقليمية
كما كان في رواندا والبلقان.
في
هاتين المرحلتين كانت العقبات في وجه
"تحقيق العدالة" سياسية وليست
قانونية دولية، ومن الأمثلة عليها،
تقاعس غالبية الدول المعنية مباشرة -
ولا سيما الأوروبية - عن تقديم ما يكفي
من الوثائق والمعلومات ومن الدعم
المالي لمحكمة جرائم حرب البلقان،
مما أدى في حينه إلى انتقادات حادة
على ألسنة من حملوا المسؤولية
المباشرة فيها، كما أدّى إلى تقليص
عملها على متابعة عدد محدود من مرتكبي
الجرائم في البوسنة والهرسك على وجه
التخصيص، لا سيما وأنها افتقدت قيام
القوات الدولية - الأطلسية - في
البلقان بدورها في ملاحقة مجرمي
الحرب ملاحقة فعَّالة لا شكلية
وانتقائية.
ومن
الأمثلة أيضًا عرقلة وصول ميثاق
تشكيل المحكمة الجزائية، ولا سيما من
جانب الولايات المتحدة الأمريكية،
إلى صيغة تحقق المبادئ الأساسية
للقانون الدولي، كالمساواة بين سائر
الدول، أو الحيلولة دون وقوعها تحت
تأثير منظمات دولية أخرى، وعلى وجه
التحديد مجلس الأمن الدولي، وقد جرت
تعديلات عديدة على الميثاق في
الاتجاه السلبي، مما يجعل المحكمة
الجزائية، وإن بدأت أعمالها، مقيدة
أو دون مستوى تحقيق الهدف منها على
الوجه الأمثل والنزيه بما فيه
الكفاية.
ولعلّ
أهم ما يعنيه التطور الجديد، أن
الأبواب فتحت أمام ملاحقة الأفراد لا
الدول فقط، وأن طلب الملاحقة يمكن أن
يصدر عن جهات خاصة وليس عن دولة أو
منظمة دولية، ورغم انسجام ذلك مع
الاتجاه نحو تقليص مكانة مبدأ "سيادة
الدولة" في القانون الدولي عبر
انتهاكها على أرض الواقع، فإن حرص
الولايات المتحدة الأمريكية على
إبقاء نفسها فوق القانون الدولي،
جعلها تركِّز على هذه النقطة بالذات
في نصب العراقيل المتوالية في صياغة
المحكمة الجزائية وتشكيلها،
واستهدفت من وراء تلك العراقيل منع
التعامل مع "رعايا أمريكيين" -
ومن هم في منزلتهم كالإسرائيليين -
كسواهم من البشر "العاديين"،
بينما امتنعت دول أخرى عن المشاركة في
التوقيع أصلاً مثل الاتحاد الروسي
والصين الشعبية!..
الأبعاد القانونية في إطار النظام السياسي العالمي
إن
المحاكم الجارية على صعيد ملاحقة
مجرمي الحرب خلال السنوات العشرة
الماضية، وكذلك ما يجري الآن على صعيد
محاكمة شارون، تترك من الناحية
الإيجابية مفعولاً يقتصر على تنشيط
الرأي العام العالمي وتوعيته، وربما
ازدياد ضغوطه على المسؤولين عن
ارتكاب مثل تلك الجرائم ومن يدعمهم،
ولكن تبقى وفق الشروط المحيطة بها،
أداة من الأدوات التي يجري توظيفها؛
لامتصاص غضبة الرأي العام العالمي
عندما يتابع الأحداث المأساوية
الكبرى التي تصنعها جرائم الحرب
والجرائم ضد الإنسانية، كما كان في
البوسنة والهرسك، وكما بدأ يترك أثره
المبدئي من خلال الانتفاضة
الفلسطينية الحالية. أما بمنظور
القانون الدولي نفسه، فلا يزال
سائرًا ما تم اتخاذه من خطوات
وإجراءات عملية، دون مستوى اعتباره
نقلة حاسمة من وضع انعدام الملاحقة
أصلاً، إلى الشروع في تنفيذها، ولكن
مع مراعاة ما يفرضه القانون الدولي،
أي من حيث عدم التمييز بين مجرم
ومجرم، أو دولة ودولة، أو واقعة
إجرامية وأخرى ما دام المضمون واحدًا.
الواقع الدولي خارج
الشرعية الدولية
إن
النظر في المحاكمات الجارية أو التي
يراد أن تجري لمجرمي الحرب، يتطلب طرح
تساؤلات مبدئية عن إطار الواقع
السياسي المرتبط بها، منها ما سبق
التنويه به بصدد نهاية دور شاورن،
ويضاف إليه محاكمة ميلوسوفيتش، فما الذي
يعنيه ذلك مستقبلاً، ليس بالنسبة إلى
محاكمة "صدام حسين" التي بدأ
الإعداد لها فحسب، وإنما بالنسبة إلى
جعل ما يجري "سابقة واقعية" على
أرضية التعامل مع الدول "الأضعف"
عمومًا، وبأسلوب استغلال هذه الطريقة
ضد مَن تريد القوى الدولية المهيمنة
عالميًّا ممارسة ضغوط عليه أو التخلص
منه، عبر مثل تلك المحاكمات أو
التهديد بها، وهو ما يتم وفق موازين
القوى الحالية، اعتمادًا على
المقاييس الغربية، والتقارير
الغربية، كالتقرير السنوي لوزارة
الخارجية الأمريكية حول حقوق الإنسان
مثلاً!.. هل يمكن اعتبار بعض الزعماء
والمسؤولين في البلدان العربية
بمنجاة من ذلك الاحتمال، عند النظر في
قضية كجنوب السودان، بل حتى ما يشاع
باستمرار بصدد التعامل مع الأقباط في
مصر، أو الدور السوري بلبنان.. والحبل
على الجرار!..
وقد
تتضح الصورة في مثال "ميلوسوفيتش"
أكثر من مثال شارون، فمن الأسئلة
الواجب طرحها: ما الذي جعل الغرب يلقي
بكل ثقله الآن، لا سيما ثقل شروط "الدعم
المالي" في قضية تسليم ميلوسوفيتش
للمحاكمة، ولا يصنع معشار ذلك
ماليًّا ولا سياسيًّا ولا عسكريًّا
في مسألة تسليم كاردزوفيتش وميلاديش
من مجرمي الحرب من الأقلية الصربية في
البوسنة والهرسك؟.. وسؤال آخر: ما الذي
جعل الغرب ولا سيما واشنطن تمارس
الضغوط المكثفة لتسليم ميلوسوفيتش،
وقد كان الغرب – وخاصة واشنطن – من
وراء إنقاذه بعد إجرامه الحربي في
البوسنة والهرسك ومعاملته معاملة
الشريك في السلام في اتفاقية دايتون؟..
العقاب لمعارضي الناتو "الأمريكي"
إن
ما يجري الآن مع ميلوسوفيتش - وهو
يستحق في الأصل المحاكمة والعقوبة
قطعًا - لا يعدو أن يكون عملية سياسية
تجعل منه نموذجًا رادعًا لمن يقف عقبة
في وجه حلف شمال الأطلسي بزعامته
الأمريكية، وليس نموذجًا رادعًا لمن
يرتكب جرائم حربية أو جرائم بحق
الإنسانية، وهذا ما يسري على صدام
حسين إذا وصلت إليه أيدي من يريد ذلك -
من الغرب - محاكمته بصورة مشابهة،
فالغرب هو في مقدّمة من ساهم في صنع
"صدام حسين" عندما استخدمه أداة
ضد إيران، فلم يذكر الغرب مذبحة "حلبجا"
- على سبيل المثال - إلا بعد أن قرّر
توجيه ضربة - غير قاضية له - في حرب
الخليج الثانية، والتي كانت من بين
عمليات تمهيد أخرى جرت آنذاك؛ لتنفيذ
مشروع فاس "العربي"، الذي سبق
إعداده للصلح مع اليهود، وتم إخراجه
تحت عنوان مسيرة مدريد.
إن
المشكلة الرئيسية لملاحقة مجرمي
الحرب والمجرمين ضد الإنسانية لا
تكمن في إيجاد "جهاز" دولي مثل
المحكمة الجزائية، ولا في ميثاق ينظم
الجوانب الشكلية والتطبيقية لتنفيذ
المحاكمات، إنما تبدو المشكلة الكبرى
كامنة في الخلل الأساسي الذي يقوم
عليه النظام السياسي العالمي منذ
الحرب العالمية الثانية، ويزداد
اتساعًا وعمقًا منذ نهاية الحرب
الباردة.
إن
ما نشأ بعد الحرب العالمية الثانية
يمكن تشبيهه بما ينشأ في دولة من
الدول بعد انقلاب عسكري أو حزبي،
فالدول الخمسة التي أعطت نفسها دون حق
ما يسمَّى "حق النقض/ الفيتو" في
مجلس الأمن الدولي، باتت بصلاحياتها
وممارساتها السياسية عالميًّا مثل
"مجلس قيادة الثورة" في دولة
انقلابية، له من الصلاحيات ما يتجاوز
به الدستور وسائر الأجهزة الأخرى،
وحتى النزاعات بين تلك الدول الخمس
أثناء الحرب الباردة، لا تختلف
كثيرًا عن نزاع تيارات ضمن الجهاز
الاستبدادي الحاكم في دولة انقلابية.
والجانب
الحاسم في هذا الاستبداد الدولي هو
الامتناع المقصود عن تشكيل مرجعية
دولية مستقلة لتحديد مشروعية قرارات
الأجهزة والمنظمات الدولية
المختلفة، بما فيها مجلس الأمن
الدولي، وهو ما لا يختلف اختلافًا
كبيرًا عن دولة انقلابية يمتنع
المسيطرون فيها عن تشكيل محكمة
دستورية عليا تنال منهم ومن قراراتهم
هم، وإن قامت فقدت مغزى وجودها من
خلالها جعلها تابعة "لمجلس قيادة
الثورة"، كما جرى مع محكمة العدل
الدولية في لاهاي، من خلال بقاء
صلاحياتها غير ملزمة، ودون مستوى
قرارات مجلس الأمن الدولي.
إن
حصيلة الواقع السياسي الدولي القائم
لا تتجاوز أن تكون استبدادًا دوليًّا
يتحكم من خلاله الطرف الأقوى، وليس
الطرف الذي يملك بالضرورة الحق
بميزان الشرعية الدولية عبر ما
يسمَّى القانون الدولي الأساسي أو
المبادئ والمثل المثبتة "نظريًّا"
في المواثيق الدولية نفسها.. ولا يمكن
في ظل هذا الخلل ضمان اتخاذ قضية "عدالة"
كقضية محاكمة مجرمي الحرب والمجرمين
ضد الإنسانية، صيغة قويمة، وتجد
طريقها إلى التطبيق القويم، وإن تمّ
تشكيل جهاز دولي جديد لها، أو جرت
ملاحقة بعض مجرمي الحرب دون بعضهم
الآخر.
إنما
يحتاج الخلل الأكبر القائم إلى علاج
من حيث الأساس، وهو ما لا يجري بين
ليلة وضحاها بطبيعة الحال، ولكن
الغفلة عنه تطيل من أمده وترسخه،
بينما يمكن للتوعية به أن توصل يومًا
ما إلى وضع دولي جديد، لا سيما وأن
الطرف الاستبدادي الرئيسي في الواقع
الدولي المعاصر، وهو الولايات
المتحدة الأمريكية، بدأ يعزل نفسه
عالميًّا من خلال مواقفه الصارخة في
الاتفاقيات الدولية، ومن خلال
التحديات المتصاعدة له من جانب
المجموعات الدولية المختلفة.. وهذا ما
ينبغي أن يُنظر إليه بمنظار أبعاد
التحوّلات التاريخية الكبرى
ومقاييسها الزمنية، وليس بمنظار
اللحظة الراهنة وضغوطها الآنية فقط.
اقرأ
أيضًا:
|