بريدك الالكتروني


English

 
 

اسألوا أهل الذكر

|

معًا نربي أبناءنا

|

الحج والعمرة

|

الزكاة

|

صحية

|

دعوية

|

إيمانية

|

شبابية

استشارات:

 

في الموقع أيضًا:

أوروبا وأمريكا الشمالية وأستراليا

إستراتيجيات |القضية الفلسطينية | المنطقة العربية | بقية العالم الإسلامي | آسيا | أوروبا وأمريكا الشمالية وأستراليا | إفريقيا | شئون عالمية | رواق الأفكار | مساهمات الزائرين


الولايات المتحدة وبقية العالم.. نهاية أسطورة

13/05/2001

بون - نبيل شبيب 

استبعاد الولايات المتحدة الأمريكية من عضوية مفوضية حقوق الإنسان الدولية وعضوية مكتب المراقبة الدولية لتجارة المخدرات، حَدَثٌ له دلالته على أكثر من وجه، وأعطى مؤشرات إضافية على أكثر من صعيد، وفي مقدمة ما يمكن إبرازه من ذلك على سبيل الإيجاز:

1 - كان فريق من الساسة والمتخصصين والإعلاميين، يعمِّمون عن الولايات المتحدة الأمريكية وموقعها على خريطة السياسة العالمية - بأسلوب الطرح النظري أو بأسلوب التعامل الفعلي - كما لو أنّ سيطرة قوّة انفرادية أمريكية أمر بديهي مسلَّم به، ولها صفة الاستمرارية والديمومة، أو أنّها تمثّل "نهاية التاريخ" البشري فعلاً.. ويقدّم الحدث مؤشرًا جديدًا ودليلاً إضافيًا - من عالم الواقع - على الخلل الكبير في هذه الصورة المصطنعة وتناقضها مع بديهيات علوم السياسة والاجتماع وسنن التاريخ، التي تؤكّد أنّ كلّ شيء متقلّب متغيِّر..

2 - وبذلك أضاف الحدث إلى عشرات الأدلة السابقة - لا سيما في فترة التسعينيات الميلادية - دليلاً آخر على أنّ الهيمنة الأمريكية على صناعة القرار الدولي ليست هيمنة مُحكمة لا يمكن التصدّي لها، كما يُشاع بالذات في المنطقة العربية، بل هي هيمنة حافلة بالثغرات ومواطن الخلل..

3 - وأظهر الحدث - لا سيما بعد ردود الفعل الأمريكية "الابتزازية" عليه - أنّ عنصر الهيمنة في الوجود الأمريكي على المستوى العالمي، لا يقوم على أساس الاقتناع بالمواقف والسياسات الأمريكية، كما لا يقوم على مصالح "مشتركة متوازنة"، إنّما يقوم على قواعد لعبة "الهيمنة" ومنطق القوّة.. فحسب.

4 - وأسقط الحدث قناعًا آخر من أقنعة المحاولات الدائبة لتزيين الصورة المطروحة أمريكيًّا عن نظام دولي جديد وفق ألوان برّاقة معيّنة، في مقدمتها: قضايا حقوق الإنسان، ومكافحة المخدرات والجريمة، ونشر الديمقراطية.

5 - وتضمّنت تفاصيل الواقعة ما يشير مباشرة إلى أنّ غالبية دول العالم - بما فيها الدول الأوروبية الغربية - لا تريد الأخذ بهذه الأساليب الأمريكية في العلاقات الدولية؛ وبدأت تتخلّى تدريجيًّا عمّا كانت تمارسه في اتجاه واحد غالبًا: وهو "إعطاء الأولوية لصفاء العلاقات مع واشنطن على صفاء العلاقات مع بقية العالم".. وهذا ما يعنيه مثلاً وصول السودان إلى عضوية مفوضية حقوق الإنسان أو وصول إيران إلى عضوية مكتب المراقبة الدولي لتجارة المخدرات، في حين تعتبرهما الولايات المتحدة من الدول الإرهابية، وتفرض عليهما الحصار والمقاطعة.

الابتزاز والحارس "النزيه"

واللافت للنظر أنّ المحللين السياسيين بحثوا عن الأسباب كما يقتضي المنطق، أي وفق السؤال عن الأخطاء الرئيسية التي ارتكبتها السياسة الأمريكية في الفترة الأخيرة.. فوجدوا بطبيعة الحال عشرات الأجوبة التي تُعطي تعليلات منطقية لرجحان كفّة الرافضين للعضوية الأمريكية في أجهزة دولية معينة.

أمّا الأمريكيون - من مسؤولين سياسيين أو محللين إعلاميين - فيحصرون الخطأ في تقصير "إداري" في الإعداد المسبق لعمليات التصويت، وبعضهم يصرّح بالمقصود وهو ممارسة الضغوط على دول معينة. وفيما عدا ذلك يرون المشكلة في "بقية العالم" وليس في الولايات المتحدة الأمريكية، الدولة النموذجية بزعمهم.. على كل صعيد. فالدول الأوروبية الغربية تخون الحليف الأكبر، والدول "المارقة" تنتقم، والدول التي تتلقى الدعم المالي تتمرّد، وهكذا.. فلا يوجد أي سبب يستدعي إعادة النظر في "السياسة الأمريكية" نفسها.

وحتى عند إقرار مسؤول أمريكي - من وزن وزير الخارجية باول - بوجود خطأ في الأسلوب الأمريكي، جاء ذلك الإقرار على مضض بإصرار متعجرف على ممارسة الأسلوب نفسه في المستقبل كقوله. إن التوجّهات التي أقصت واشنطن عن العضوية ترجع إلى "الأسلوب العنيف الذي طرحنا به قضايانا حول حقوق الإنسان، والضغوط التي مارسناها من أجل تنفيذها.. ولا شك أنّنا سنتصرف بهذا الأسلوب نفسه هذا العام"..

وقد جاء ذلك التصريح جنبًا إلى جنب مع أسلوب "الابتزاز" المالي المحض، عبر ما تردّد في الكونجرس الأمريكي أنّ الموافقة الحالية على تسديد مبلغ 582 مليون دولار من أصل مستحقات قديمة متأخرة، كانت مقترنة بشرط يربط تسديد بقية الأقساط المتأخرة لصالح الأمم المتحدة بقيمة 244 مليون دولار بعد عام، بأن يتخذ "الناخبون" من ممثلي دول العالم في المجلس الاقتصادي والاجتماعي التابع للأمم المتحدة قرارهم بالتصويت لصالح العضوية الأمريكية خلال عام واحد.

إنّ الدولة "الديمقراطية" التي تمارس الضغوط والابتزاز لتزييف أصوات "الناخبين" على هذه الصورة المكشوفة المفضوحة - وبما يشمل "شراء الأصوات" - من أجل تثبيت "الاستبداد الأمريكي الدولي" عالميًّا، هي عينها التي تزعم لنفسها دور الحارس النزيه وتعمل على احتكار مقعد الصدارة في دعوات نشر "الديمقراطية" بمفهومها الغربي، وفي الدفاع عن حقوق الإنسان.

وأغرب ما ينطوي عليه مجرى الحدث هو وجود من "يستغرب" وقوعه، وإذا كان الغرور السياسي الأمريكي وصل إلى درجة مستفحلة، وهو لا يختلف عن الغرور الشخصي الفردي بتأثيره على البصر والبصيرة، فالمفروض أن يقتصر الاستغراب على الساسة الأمريكيين فقط، وربما امتدّ إلى عامّة الأمريكيين بالإشارة إلى مفعول الإعلام الأمريكي في التأثير على تكوين شخصية "الإنسان" الأمريكي نفسه.. أمّا أن تستغرب وقوعَ الحدث - في الوقت الحاضر بالذات - جهات أخرى من الأوساط السياسية والإعلامية، فهذه ظاهرة يصعب تفسيرها إلاّ على أحد وجهين:

أولهما، الارتباط التبعي المصيري بالاستبداد الأمريكي الدولي إلى درجة العجز عن رؤية الوقائع ومقدّماتها وأبعادها ونتائجها إلا عبر "نظارات أمريكية"، وسط الإحساس بأن سقوطها يقترن بسقوط التبعيات نفسها بهياكلها وشخوصها.

والوجه الثاني، المحتمل هو العجز الفعلي عن متابعة التطوّرات السياسية الجارية على الأصعدة الإقليمية والعالمية، بينما يكفي إلقاء نظرة عاجلة على بعض المواقف العلنية المعروفة التي رسمت معالم سياسة الرئيس الأمريكي الجديد بوش على المستوى الدولي، لرؤية أثرها المحتم في أن تدفع "الموقع الدولي" للسياسة الأمريكية نحو المنحدر، ولا يبقى سوى الأشكال الظاهرية لذلك، مثل فقدان العضوية هنا أو هناك على مستوى المنظمات الدولية.. فأين عنصر المفاجأة؟ وما الذي يبرّر الاستغراب؟

استمرارية السياسة الأمريكية

الجدير بالذكر أنّ ما يسير عليه بوش، هو عين ما سار عليه كلينتون من قبل، ولكن بشيء من الفظاظة في إظهار "المخالب والأنياب"، وهو عين ما سار عليه رؤساء أمريكيون سابقون.. وليست السياسة الأمريكية رهنًا بشخص الرئيس المنتخب، وإن كانت مظاهر الاحتفاء به توهم بأنه يغيّر ويبدّل في مجراها، وربما كان ذلك مقصودًا أحيانًا كنوع من "التطمين" بقرب تبدّلها في انتخابات قادمة عندما يزداد الانزعاج منها..

وعلى أي حال، فنادرًا ما كان لبعض الرؤساء الأمريكيين شخصية ذاتية قوية فرضت نفسها على السياسة الأمريكية أكثر من العوامل الأخرى المتحكمة فيها - أي على مواطن النفوذ وصناعة القرار -، وأبرزها المال والإعلام عبر المصارف المالية والشركات، ثم التشكيلات التنظيمية المصلحية والسياسية، ومعاهد صناعة "الفكر" وأرضية القرار.

وبتعبير آخر، إن ما بلغ به بوش الآن ذروة الاستفزاز الأمريكي تجاه القوى الدولية الأخرى، إنّما أكمل به مشوار الرؤساء السابقين؛ ولهذا فردود الفعل الدولية التي سبق وبدأت بالظهور تجاه السياسات الأمريكية في عهود سابقة، تكتسب الآن صفة الاستمرارية والتصعيد على نحو مقابل لما تصنع واشنطن.

العالم كله يتمرد إلا المنطقة العربية

تعرّضت الدول الأوروبية الغربية إلى اتهامات واشنطن متبعةً أسلوب "التلميح المكشوف"، بأنها أخلفت وعودها، فحرصت على أن تكون المقاعد الثلاثة المخصصة للمجموعة الغربية في المفوضية العامة لحقوق الإنسان من نصيب الدول الأوروبية مع إقصاء الولايات المتحدة الأمريكية عن العضوية. بل ربّما دخل الأوروبيون - كفرنسا التي حصلت على 52 من 54 صوتًا - في مقايضات تضمّنت التصويت لصالح عضوية السودان مثلاً من المجموعة الإفريقية بعد أيام من وضعه على لسان بوش في رأس قائمة انتهاك حقوق الإنسان، أو لصالح عضوية كوبا.. "العدوّة اللدود" لواشنطن داخل "نصف الكرة الأمريكي".. ولكن الدول الأوروبية - وهنا الشاهد - لم تبدّل بعد التهديد الأمريكي المبطن وغير المبطن من موقفها، فلم تعمل للتأثير من قريب أو بعيد على مجرى التصويت بعد أسبوع واحد لاختيار الأعضاء الجدد في المكتب الدولي للرقابة على تجارة المخدرات.. فخسر المندوب الأمريكي مقعده، وفاز آخرون من بينهم مندوب إيران.

وكان من عناوين تلك المعالم الاسـتفزازية في السياسات الأمريكية، لا سيما بعد سقوط الشيوعية في الشـرق، مواقف حكومة واشنطن من قضايا دولية مشتركة كمكافحة الألغام الأرضية ضد الأفراد، ومكافحة تلويث البيئة والمخاطر المستقبلية على المناخ، ومكافحة انتشار وباء نقص المناعة المكتسبة، والصلاحيات المطلوبة لمحكمة جزاء دولية تحت التأسيس، فضلاً عن مشروع التسلّح الصاروخي المتضمن نقضَ معاهدات دولية سابقة وإثارة مخاطر حرب باردة وسباق تسلح جديد.

ثم كان بالنسبة إلى الحلفاء الأوروبيين، ما مارسته واشنطن من سياسة الهيمنة على القيادات الأطلسية، واحتكار قطاعات معينة كالمراقبة عبر الأقمار الصناعية، فضلاً عن النزاعات التجارية، بل وإهمال مجرّد "التشاور المسبق" في قضايا حساسة. كما ظهر أكثر من مرة، آخرها الإعلان الأمريكي المفاجئ عن صفقة سلاح لتايوان تتضمّن غواصات كان من المفروض وفق التصورات الأمريكية أن تشارك في صناعتها ألمانيا وهولندا بصفة أساسية..

الأهم من ممارسة الاستفزاز - وهو منتظر وفق "المنطق سياسة الهيمنة" - أنّ الدول الأخرى والمجموعات الدولية في أنحاء العالم - مثل الاتحاد الأوروبي، وأمريكا الجنوبية، وحتى إفريقيا - دون الصحراء الكبرى - فضلاً عن الصين الشعبية والاتحاد الروسي - كانت هذه المناطق تردّ على الاستفزازات الأمريكية الخاصة بكل منها على حدة، وهو ما أعطى سياسة التميز الأوروبي دفعات كبرى، وأسقط معظم ما أحرزته سياسة "الهجوم" الأمريكية في الصراع على النفوذ مع فرنسا في القارة الإفريقية.

كما بدأ يزيد من تقارب الدول الآسيوية، وطوّرت الدول الأمريكية الجنوبية والوسطى سلسلة من المعاهدات والاتفاقات التجارية فيما بينها، وتحرّكت غالبية دول العالم دون الولايات المتحدة الأمريكية في الاتفاقات الدولية. وكان في سائر هذه الخطوات وأمثالها إشارات "تحذيرية" موجّهة إلى واشنطن، وممّا يؤسف له أن المنطقة العربية بالذات لم تشارك في ذلك إلا قليلاً.. فباتت المنطقة الوحيدة التي تواجه التحديات والاستفزازات الأمريكية دون ردود فعل مناسبة. ولعلّ هذا في الدرجة الأولى ما يفسّر تصعيدها بأسلوب الاستهتار العلني بمن يتلقونها من المسؤولين..

أول الغيث

لقد بدأت ردود الفعل الدولية تتخذ شكل التمرّد العلني على الاستبداد الأمريكي. ولئن كانت الإشارات السابقة في حدود "السياسات الذاتية" إذا صح التعبير - أي في حدود صنع ما يمكن صنعه دون توجيه ضربة مباشرة للسياسة الأمريكية نفسها - فإنّ التصويت الأخير في المجلس الاقتصادي والاجتماعي ضدّ العضوية الأمريكية يمثل ضربة علنية مباشرة وموجعة، وإن كانت "صغيرة" وفي ميدان محدّد، فكأنّها جاءت على سبيل التجربة أو مقدّمة لسواها..

فمفوضية حقوق الإنسان، ومكتب مراقبة تجارة المخدرات، هما من المنظمات الفرعية التابعة للأمم المتحدة التي تعتبر الولايات المتحدة الأمريكية وجودها هي فيهما شرطًا لقدرتهما على العمل أساسًا، والواقع أنهما ميدانان "رخيصان" من ميادين السياسة الدولية لنشر النفوذ والهيمنة تحت طائلة التهديد هنا والإنذار هناك. كما أنّ قضيتي حقوق الإنسان ومكافحة المخدرات كانتا على رأس القائمة في سائر المواقف والمقترحات الرسمية الأمريكية عبر السنوات الماضية بشأن تطوير منظمة الأمم المتحدة وتطوير مهامها الرئيسية.

وبالتالي لا يعتبر إسقاط العضوية الأمريكية في المنظمتين مجرّد حدث عابر، ناجم عن غفلة الإدارة الأمريكية مؤقتًا؛ بل هو حلقة في سلسلة طويلة، لا تختلف في جوهرها - ولن تختلف في نتائجها - عن حلقات أي معركة ضد الاستبداد، تبدأ صغيرة، في مواقع متفرّقة، ثم تتلاقى وتنمو فتشكّل تيّارًا جارفًا يستحيل على الاستبداد أن يقاومه.. ولا توجد فروق جوهرية ولن توجد بين تمرّد غالبية شعبية على استبداد حكم محلي، وبين تمرّد غالبية الشعوب والدول على استبداد أمريكي دولي.

اقرأ أيضًا:


إستراتيجيات |القضية الفلسطينية | المنطقة العربية | بقية العالم الإسلامي | آسيا | أوروبا وأمريكا الشمالية وأستراليا | إفريقيا | شئون عالمية | رواق الأفكار | مساهمات الزائرين

 

 

«

ابحث 

«

بحث متقدم

 

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع