|
بعد
أزمة الطائرة التجسسية الأمريكية -
التي جاءت في الأشهر الأولى من حكم
الرئيس الأمريكي جورج بوش، ووسط غموض
تفاصيل أولوياته تجاه دول آسيان
وتوقع بقاء السياسات السابقة كما هي -
حملت الأسابيع الأخيرة إلينا ما أكد
عزم الولايات المتحدة على عودة
وتثبيت حضورها العسكري في منطقة
رابطة دول جنوب شرق آسيا (آسيان)، وعدم
الاكتفاء بالحضور العسكري القديم
والمستمر في اليابان وكوريا الجنوبية.
كما
أنه لا يهدف إلى مواجهة كوريا
الشمالية والصين فحسب؛ ولكن لمصالح
إستراتيجية في منطقة دول آسيان
العشرة، وهي: إندونيسيا وماليزيا
وسنغافورة وتايلاند وبروناي
والفليبين وفيتنام ولاوس وكمبوديا
وميانمار؛ وبهدف "تعزيز الأمن في
منطقة آسيا والمحيط الهادي عمومًا
وتقوية العلاقات العسكرية بهذه الدول".
التحول
عن الصين
وقد
صرَّح مسؤول في وزارة الخارجية
الأمريكية في 17/5/2001 بما سيكون في
الخطة العامة لسياسة بوش، مؤكدًا
تحولها عن الصين - خلافًا لسلفه
كلينتون الذي اهتم بعلاقته بالصين -
والتوجه بدلاً عن ذلك نحو تقوية
العلاقات مع اليابان وكوريا الجنوبية
وأستراليا.. والفليبين وتايلاند،
بالإضافة إلى سنغافورة؛ مع التركيز
على مواجهة الصين بإعداد الدول
الحليفة أولاً والصديقة ثانيًا "لمواجهة
أية أزمة إقليمية كتحالف أمني وعلى
شكل شراكة شاملة".
الاعتماد
على تايلاند وأستراليا
فقد
خسرت أمريكا الكثير بسقوط حكم
سوهارتو؛ لما لدولته من أهمية
جغرافية وسكانية؛ ثم تعكَّرت
العلاقات السياسة والعسكرية دون
الاقتصادية مع ماليزيا؛ ولذلك اعتمدت
واشنطن في الأعوام الثلاثة الأخيرة
على تايلاند وأستراليا، معتبرة
الأخيرة وكيلتها في المنطقة مع
الانسحاب المتدرج لحضورها العسكري
الذي بدأ منذ انتهاء الحرب الباردة،
وهذا ما جعلها تعتمد عليهما مع
نيوزلندة وغيرها في التدخل العسكري
الأمني في تيمور الشرقية وهندسة
توليد دولتها.
ومنذ
استلام الرئيس بوش الحكم؛ ظلت العديد
من الأسئلة تحوم حول سياسته
المستقبلية تجاه منطقة آسيان.. كما أن
تايلاند أعلنت إلغاء تدريبات الكوبرا
الذهبية الأمريكية التايلاندية هذا
العام في فبراير 2001 لأسباب مالية،
والعزم على استئناف تدريباتها مع
الجيش الماليزي في سبتمبر القادم،
وهذا ما دفع البعض إلى استعجال تحليل
الخطوتين بالقول بأنها إعادة رسم
لخريطة التدخلات العسكرية
الإقليمية، وقد يكون هذا صحيحًا،
لكنها لم تكن لتستهدف بالفعل إبعاد
اليد الأمريكية من الخريطة
الإستراتيجية لآسيان.
تايلاند
حليف قديم غير متقلب
هناك
مشاورات أمريكية تايلاندية نتج عنها
موافقة الطرفين مرة أخرى على عودة
التدريبات في عامها العشرين التي
تُعَدّ الأكبر بالنسبة لواشنطن في
جنوب شرق آسيا؛ خاصة بعد تسلم ثاكسين
رئاسة الوزراء التايلاندية، وقد بدأت
في 15/5/2001 ولمدة أسبوعين؛ وشهدت تطورًا
نوعيًّا من التدريب التقليدي إلى
التدريب على التدخل وحفظ السلام
والإجلاء.
وتضمنت
أمورًا جديدة، أولها: التدريب على
المراقبة الحدودية بهدف مساعدة الجيش
التايلاندي في قمع شبكات تهريب
المخدرات من جيرانه؛ وثانيها: "بناء
استعداد إقليمي مشترك لمهمات
مستقبلية"؛ وثالثها: أن العدد
المشارك هو الأكبر - فالجنود
الأمريكيون عددهم 14000 والتايلانديون
5000، وبمشاركة عسكرية سنغافورية
محدودة قال عنها قائد سنغافوري: "إننا
نريد الاستمرار في المشاركة كلما
دعينا؛ لأننا وجدنا في ذلك فوائد
شخصية ومهاراتية عدة".. وبحضور 35
ممثلاً - بصفة مراقبين - من الفليبين
وأستراليا وماليزيا وإندونيسيا
وسريلانكا وكوريا الجنوبية واليابان
ومنغوليا وفرنسا، وسيسمح لهذه الدول
بالمشاركة مستقبلاً إذا أرادت بعد أن
"تراقب" التدريبات لعدة سنوات
كما فعلت سنغافورة.
وقد
رفضت الصين وفيتنام إرسال ممثليها مع
بقاء ماينمار مقربة للصين وللهند
أحيانًا؛ وانعزال لاوس وكمبوديا، ثم
انتظار نتيجة "الترويض"
الأمريكي لفيتنام التي قد تستمر
لسنوات قبل أن تطرح فكرة قاعدة عسكرية
في فيتنام!!
ويشير
تاريخ العلاقات القديم بأن بانكوك
ظلت من أفضل الحلفاء لأمريكا - مقارنة
بغيرها منذ الثلاثينيات من القرن
التاسع عشر، وظلَّت خلال العقود
الماضية محور التدريبات العسكرية
الأمريكية في المنطقة التي يبلغ
متوسط عددها السنوي 20 تدريبًا
مختلفًا يجعلها أكثر دول آسيان
استضافة للقوات الأمريكية منذ عام 1992.
وهناك
تدريبات أخرى غير الكوبرا - إحداها
مناورات كارات المائية - وأجريت
بالاشتراك بين أمريكا وتايلاند
وبروناي وماليزيا والفليبين
وسنغافورة في الأعوام الستة الماضية
وآخرها في يوليو 2000. وكذلك استضافة
تايلاند لأكبر تدريبات جوية بمشاركة
الجيش الأمريكي والتايلاندي
والياباني والسنغافوري؛ والتي أجريت
4 مرات في عام 1999، بالإضافة إلى
تدريبات النمر المتغلب التي أجريت في
يناير 2000، وتدريبات "بلانس تورتش
"الخاصة بالجيشين التايلاندي
والأمريكي التي أجريت في الأعوام
الأربعة الماضية "لتقوية
الاستعدادات العسكرية الأمريكية
والتايلاندية وتعزيز العلاقات
الأمنية".
ماليزيا
وإندونيسيا صديقتان وليستا حليفتين!
لأول
مرة في تاريخ تدريبات الكوبرا يتم
تضمينها في "تدريبات تحديات الفريق
–1 " في موسمها الحالي الذي يستمر
حتى الثاني من أغسطس، والذي يجري فيه
تنسيق عدة تدريبات متباعدة في آن
واحد، حيث إن هناك تدريبات بدأت في
الفليبين، وفي أستراليا، وفي
إندونيسيا بهدف تقوية إمكانات
التعاون الميداني بين قوات هذه الدول
بإشراف أمريكي.
وعندما
افتتح السفير الأمريكي "ريتشار
هيكلنجر" في تايلاند تدريبات
الكوبرا فرَّق في كلامه بين الحلفاء
والأصدقاء؛ وهو أمر معروف في
العلاقات العسكرية، ومن ذلك قوله عن
"تدريبات تحديات الفريق" بأنها
"أسلوب هام يوضّح التعهد الأمريكي
القوي تجاه الحلفاء والأصدقاء في
المنطقة"؛ وتشير الأوراق الرسمية
العسكرية بأن الولايات المتحدة ذات
خمسة حلفاء أساسيين في آسيا عمومًا في
الوقت الحالي هم: أستراليا واليابان
وكوريا الجنوبية والفليبين؛ ولذا فإن
ماليزيا وإندونيسيا وبروناي وغيرها
تظل بمنزلة "الصديق".
جاكرتا..
من الحليف إلى الصديق
ظلَّت
إندونيسيا حليفة أساسية لواشنطن التي
تريد منها أن تبقى ذلك دائمًا
لأهميتها، حيث تعتبرها "ركن الأمن
الإقليمي"، لكن نوايا الدبلوماسية
الأمريكية تجاهها صارت محل جدل بعد
سقوط سوهارتو، ثم ظهور ثقل سياسي لقوى
وتغيرات سريعة، ومع تراجع حجم
التبادل التجاري والاستثماري بنسبة
كبيرة، وقبل ذلك، كانت العلاقات
العسكرية وطيدة لدرجة أن 80% من السلاح
الإندونيسي أمريكي الصنع.. وهذا ما
جعل الجيش الإندونيسي يعاني حاليًا
من ضعف في القدرات؛ بسبب الحظر
الأمريكي عليه، مما يصعب تجديد
السلاح، ويصعب ماليًا استبدال
الترسانة كلها، ومما جعل أيضًا البعض
يتهم أمريكا بالتآمر على تفكيك
إندونيسيا بدلاً من إبقائها موحَّدة
وتستلمها إحدى القوى الإسلامية
الصاعدة.
لكن
شهر مايو 2001 شهد حدثين مهمين، أولهما:
إشراك البحرية الإندونيسية مع
البحرية الأمريكية القادمة من
أوكيناوا وسان دياغو في تدريبات
كارات المائية ( 5/5 -26/5/2001) - ولأول مرة
منذ سقوط سوهارتو عام 1998 - في المياه
الإندونيسية لتدريب البحرية على
مواجهة الكوارث؛ وقال الأدميرال
الإندونيسي آدم إندروكو :"إن
العلاقة بيننا لم تضطرب جذريًّا،
بالرغم من أن الحكومة الأمريكية قد
فرضت حظرًا عسكريًّا علينا"
ترحيبًا باستئناف الموسم التدريبي
السابع بعد انقطاع سنوات في غضون
تأكيد الرئيس وحيد بأنه لا يزال
مدعومًا من واشنطن، غير أن الحكومة
الأمريكية تُعِدّ نفسها لما سيؤول
إليه حكم وحيد، ولمن سيستلم القيادة
بدله؛ وتراقب بقلق ما يدور في جاكرتا
حسب تصريح لكولين باول وزير الخارجية
الأمريكي في 16/5 /2001.
وثاني
الحدثين جاء بوصول إدارة بوش، حيث
عَيَّن سفيرًا أمريكيًّا جديدًا في
17/5/2001، وهو أكاديمي متخصص في الشؤون
الإندونيسية والآسيوية، ويعرفه
الكثير من الساسة والمسؤولين في
جاكرتا، وهو خلف للسفير الحالي الذي
كان محل انتقادات إندونيسية شديدة؛
"لتدخله في شؤون إندونيسيا
الداخلية" والمعيَّن من قبل إدارة
كلينتون.. ولكن ما الذي سيحمله السفير
الجديد في جعبته؟!
ماليزيا
تريد السلاح الأمريكي فقط
وتُعَدّ
ماليزيا "الصديق" الآخر الذي سبق
رئيس وزرائها الكثيرين في تهنئة بوش
على فوزه؛ متمنيًا تحسن العلاقات
الثنائية في ظل حكومته؛ وعبَّر عن
فرحه لخسارة آل جور.. والذي يظل مهمًّا
بالنسبة لماليزيا هو أن ربع ما تصدره
يتجه للأسواق الأمريكية؛ كما أنه
عسكريًّا هناك إمكانات لتحسن
العلاقات، ولكن يُستبعد أن تصل إلى
درجة "الحليف" انطلاقًا من
أولويات الدبلوماسية الماليزية التي
تفضِّل الاقتراب إلى العالم النامي
والإسلامي والآسيوي.
وفي
ظل سعي ماليزيا لتحديث جيشها، فإنها
تسعى إلى شراء ما بين 16 - 24 طائرة من
طراز "إف/ أي-18 إي سوبر هورنتيس"
من شركة بوينج الأمريكية؛ وإذا تم
بيعها بالفعل لكوالالمبور - فإن
ماليزيا ستكون أول دولة بعد أمريكا
امتلاكًا لهذه الطائرة، مما قد
تُعَدّ إشارة جديدة على توطيد
العلاقات الثنائية لو حصل ذلك
بالفعل، خاصة وأنها تتبع سياسية
تنويع مصادر السلاح من روسيا وجنوب
إفريقيا ودول أوروبية وحتى باكستان.
سنغافورة
من حليفة غير معلنة إلى حليفة رسمية
بعض
المحللين يعتقد أن سنغافورة كانت
حليفة غير معلنة قبل اعتبار واشنطن
إياها حليفة رسميًّا مؤخرًا؛ فهي
دولة تحسن الموازنة في علاقاتها
الخارجية – وفي هذا المقام بين
واشنطن وبكين.. فقد اشترت سنغافورة
رمالاً مهربة من إقليم رياو
الإندونيسي وبنت بها قاعدة عسكرية
لتستفيد منها القوات الأمريكية، وفي
مارس 2001 - وبعد شهر من سبق نشر شبكة "إسلام
أون لاين.نت" تقريرًا عن إتمام
القاعدة الجديدة - هبطت أولى الطائرات
الأمريكية في قاعدة تشانجي البحرية
حاملة رسالة مفادها "أن الولايات
المتحدة ستظل عاملاً مؤثرًا في الأمن
الإقليمي، وأن سنغافورة أكثر من
مستعدة للتعاون".
فوزير
التجارة السنغافوري يقول: "لقد
بنينا القاعدة بميزانيتنا؛ لنسهل
إنزال قوات الأسطول الأمريكي السابع
في مياه جنوب شرق آسيا.. وفي الوقت
الذي تمر به المنطقة بتغيرات سياسية
جذرية، فإن حضور هذه القوات له أثره
في الاستقرار؛ وأولى الدول المقصودة
بتصريحه هي إندونيسيا".
وبالنسبة
لواشنطن تناسب القاعدة سياسة "الأماكن
لا القواعد" التي اتبعتها في
حضورها بالمنطقة منذ أن أغلقت آخر
قاعدة لها في حوض سوبيك الفليبيني عام
1992. وأما سنغافورة فإنها تريد إثبات
أنها "شريك إستراتيجي لواشنطن
مقدرة حضورها العسكري، وهو موقف سابق
لها، ففي عام 1990 وقَّع الجانبان وثيقة
تفاهم لوصول السفن البحرية الأمريكية
إلى شواطئ سنغافورة، ثم تأسست وحدة
لوجستية بحرية أمريكية عام 1992 قبل
بناء قاعدة تشانجي؛ لكنها قامت
ببنائها بنفسها معطية إشارة إلى دول
أخرى بإمكانية التعاون معها أيضًا
ولتخفيف قلق الدول المجاورة والصين،
لكن الأخيرة تُعِدّها دليلاً على
إصرار أمريكا على مراقبتها.
الفليبين
من المستعمرة إلى الحليفة
أما
الفليبين فقد شهدت مناورات أمريكية
فليبينية مشتركة انتهت الدورة
الثالثة منها في 10/5/2001 من مجموع 18
تدريب من المقرر إتمامه هذا العام؛
خاصة بعد أن دعت منظمة راند الأمريكية
البحثية – في دراستها الصادرة في 14/5
– إلى إعادة تقوية التعاون العسكري
مع الفليبين، والتي لا يخفى كونها
مستعمرة أمريكية سابقة، ثم "حليف"
متعاون على أساس أربع اتفاقيات
للدفاع المشترك والمعونة العسكرية
وُقِّعت بين عامي 1947 و1958.
لكن
مجلس الشيوخ الفليبيني رفض أولاهما،
مما أغلق بذلك القاعدة الأمريكية
الكبيرة عام 1992، غير أنه أبقى على
الاتفاقيات الأخرى التي كانت ممهدة
لتوقيع اتفاقية القوات الزائرة في
فبراير 1998، وكثّفت بعدها حجم
التدريبات المشتركة التي تُعِدّها
واشنطن لطول فتراتها بديلاً مناسبًا
عن الحضور الدائم - خاصة لمراقبة
إندونيسيا وفيتنام والصين لموقعها
البارز في قبالة بحر الصين الجنوبي،
وقبل ذلك، لم يستطع أي رئيس فليبيني
البقاء دون دعم واشنطن، ولا ينسى
الرئيس بوش ولا الرئيسة الفليبينية
"جلوريا أرويو" أنهما تسلما
الحكم في يوم واحد وهو 20/1/2001!.
اقرأ
أيضًا:
|