|

|
القـذافـي
|
لقد
أثار قرار موافقة الدول الإفريقية في
قمة سرت الاستثنائية الثانية - التي
عقدت في ليبيا (أوائل مارس 2001) - على
إقرار الاتحاد الإفريقي عدة تساؤلات
هامة، لعل من أبرزها: هل سيحل الاتحاد
الجديد محل منظمة الوحدة الإفريقية،
أم سيكون الاتحاد جهازًا معاونًا لها
يختص بقضايا الوحدة في مختلف
المجالات؟
لقد
كان هناك تباين كبير بخصوص هذه
الجزئية؛ وذلك بين ليبيا صاحبة
الاقتراح من ناحية، وباقي الدول
الإفريقية، خاصة الدول الكبرى من
ناحية ثانية.
دعم
أم بديل؟!
فالعقيد
القذافي – منذ تقديمه المشروع
الوحدوي في قمة سرت الأولى (سبتمبر 1999)
– أعلن أن هذا المشروع يُعدّ بديلاً
لمنظمة الوحدة الإفريقية، على اعتبار
أن المنظمة فشلت في تحقيق المهام
المنوطة بها، خاصة المهام الوحدوية،
فضلاً عن بطء تنفيذ القرارات التي
صدرت عن القمم الإفريقية.. ومن هنا عمل
على اقتراح ميثاق جديد للاتحاد؛ يعد
بديلاً عن ميثاق الوحدة الإفريقية.
هذا الميثاق عبارة عن خليط من
القرارات الوحدوية التي صدرت عن
القمم الإفريقية السابقة، والنصوص
الوحدوية الموجودة في الميثاق، ويتم
صياغة الاثنين معًا لتشكيل الميثاق
الجديد.
أما
الاتجاه الثاني - والذي تتزعمه الدول
الإفريقية الكبرى - فيرى أن الاتحاد
الجديد يجب أن يشكل دعمًا للمنظمة
وليس بديلاً عنها، خاصة أن العقبات
التنفيذية ترجع ليس إلى المنظمة،
ولكن لغياب الإرادة السياسية للدول
الأعضاء. كما أن عملية تعديل ميثاق
المنظمة - وليس إعلان ميثاق جديد -
تحتاج إلى وقت طويل. ويكفي أن هناك
لجنة أطلق عليها لجنة تعديل الميثاق،
تم تشكيلها منذ أكثر من 20 عامًا
لإدخال بعض التعديلات على ميثاق
المنظمة، لكن هذه اللجنة لم تعقد سوى
ستة اجتماعات فقط، وتم تجميدها. ومن
ثم – وفقًا لهؤلاء - فإن عملية تعديل
الميثاق أو اقتراح ميثاق جديد لا بد
أن يتم من خلال هذه اللجنة صاحبة
الاختصاص الأصيل.
اللوبي
الليبي الإفريقي له تأثير قوي
وبالرغم
من أن القضية لم تحسم كلية، فإنه بعد
قمة سرت الثانية بات واضحًا أن هناك
اتجاها للأخذ بالموقف الليبي. ولعل
ذلك يكون له أسبابه الخاصة منها: عدم
إغضاب ليبيا التي تمت القمة في عقر
دارها من ناحية، فضلاً عن الدعم
الليبي لعدد من الدول الإفريقية التي
تواجه مشكلات داخلية. ومن ثم صار
أنصار الفريق الثاني أمام "لوبي
ليبي إفريقي"، ومن ثم كانت النتيجة
الموافقة؛ ولذا تردد أن القمة
الإفريقية القادمة في "لوزاكا" (9
- 11 يوليو القادم) ستكون القمة
الأخيرة، خاصة بعد اكتمال تصديق ثلثي
الدول الإفريقية (36 دولة) على الاتحاد
الإفريقي الجديد، كما أن الميثاق
الجديد يتم إعداده الآن من قبل وزراء
الخارجية.
اتحاد
إفريقي أم ولايات متحدة إفريقية؟
لم
تكن النقطة السابقة – هي محل الخلاف
الوحيد – وإنما ثار خلاف آخر حول شكل
الاتحاد: هل سيكون اتحادًا إفريقيًّا
أم ولايات متحدة إفريقية، أو بمعنى
آخر: هل سيكون اتحادًا فيدراليًّا أم
كونفيدراليًّا؟ والسبب في إثارة هذه
القضية أن القذافي قدم مشروعين
للوحدة – في قمة سرت الأولى - أطلق على
الأول اسم اتحاد الدول الإفريقية،
والثاني الولايات المتحدة
الإفريقية، ويبدو أنه ترك الاختيار
للدول الإفريقية للترجيح بين أي
منهما.
والأول
يتمثل في إقامة اتحاد كونفيدرالي –
مع بقاء الشخصيات الاعتبارية للدول
الأعضاء - على أن يكون هناك مجلس رئاسي
يضم في عضويته رؤساء هذه الدول. وواضح
أن هذا الاقتراح الهدف منه عدم إحساس
الدول الإفريقية بأن الاتحاد الجديد
منظمة فوقية تؤثر على سيادة هذه
الدول؛ إذ ستكون سلطات الاتحاد على
سبيل الحصر، على أن يترك باقي القضايا
للدول الأعضاء تتصرف كيفما تشاء، لكن
صعوبة هذا الاتحاد يتمثل في الحجم
الكبير للهيئة الرئاسية التي تتخذ
القرار (55 دولة في هذه الحالة)؛ إذ قد
يصعب التوصل إلى قرار في القضايا
المصيرية.
أما
الاقتراح الثاني فيدعو إلى إقامة
ولايات متحدة إفريقية – اتحاد
فيدرالي - على النمط الأمريكي، وسيكون
هناك رئيس للاتحاد يتولى السلطة
التنفيذية الاتحادية، ويتم انتخابه
من خلال رؤساء الدول الأعضاء لتلافي
عيوب الاقتراح الأول.
ويلاحظ
أن الدول الإفريقية كانت تميل
للاقتراح الأول – في حين أن ليبيا
كانت تميل إلى الرأي الثاني، خاصة
فيما يتعلق بالاختصاصات المنوطة
بالاتحاد؛ وقد ظهر هذا الخلاف بوضوح
في أول قمة إفريقية بعد قمة سرت
الاستثنائية.. ففي قمة "توجو" (يوليو
2000) احتجت بعض الدول الإفريقية الكبرى
(مصر – نيجيريا – جنوب إفريقيا) على
بعض الاختصاصات الواردة في المشروع
الليبي، خاصة فيما يتعلق بالسيادة
الوطنية، على اعتبار أنه من ضمن هذه
الاختصاصات إمكانية التدخل في الشئون
الداخلية في حالة حدوث فوضى داخلية
لأي دولة عضوة.
ولقد
حاول البيان الختامي لقمة توجو –
اتباع سياسة الحلول الوسط - فأعلن أن
الاتحاد يختص بمناقشة القضايا
المتعلقة بالهجرة والجنسية وإقامة
الأجانب فقط، ويترك باقي القضايا
للدول الأعضاء.
وبالنسبة
لهيكل الاتحاد الإفريقي تم الاتفاق
على ما يلي:
1
- أن يكون مؤتمر رؤساء الدول
والحكومات أعلى هيئة لاتخاذ القرار (يشبهه
الاتحاد الكونفيدرالي في هذه الجزئية).
2
- يشكل وزراء الخارجية المكتب
التنفيذي للاتحاد الجديد.
3
- تم الاتفاق على أن تكون صلاحيات
البرلمان الإفريقي – الذي تم إقراره
في قمة سرت الأولى - استشارية فقط، على
أن يتم تحديد تشكيله وآلية عمله بموجب
اتفاق إضافي، وهو ما تم بالفعل في
مؤتمر البرلمانيين الأفارقة الذي عقد
في بربتوريا (أكتوبر 2000)؛ حيث تم
الاتفاق على أن تُمثَّل كل دولة بخمس
أشخاص في البرلمان الإفريقي، وقد
اعترضت بعض الدول الكبرى على مبدأ
التساوي، وأثارت هذه النقطة في قمة
سرت الثانية. ومرة أخرى يتم التوصل
إلى حل توفيقي – يؤكد أن العمل بقاعدة
التمثيل المتساوي سيتم لفترة
انتقالية مدتها خمس سنوات، ويمكن
بعدها الأخذ بقاعدة التمثيل النسبي.
أما
بالنسبة لباقي الهياكل الأخرى فقد
حددتها اتفاقية سرت الأولى، ومنها:
-
إنشاء البنك المركزي الإفريقي،
والاتحاد النقدي، ومحكمة العدل
الإفريقية، وهي المؤسسات التي نصت
عليها المعاهدة المؤسسة للجماعة
الاقتصادية الإفريقية التي تم
توقيعها عام 1981، والتصديق عليها عام
1991، ولم تدخل حيز التنفيذ الجزئي إلا
عام 1994.
مشكلات
في طريق الوحدة
لقد
تمثل أهم القرارات - التي صدرت عن قمة
سرت الثانية (مارس 2001) - في إعلان
الاتحاد الإفريقي، والاتفاق على باقي
الإجراءات التنفيذية للتوقيع على
ميثاقه في قمة "لوزاكا" القادمة (يوليو
2001). وبالرغم من أن 30 دولة فقط صدقت على
الاتحاد قبيل قمة سرت، فإن القادة
وافقوا على إعلان قيامه، الذي سيدخل
حيز التنفيذ الفعلي – وفق ميثاق
منظمة الوحدة الإفريقية - بعد شهر من
تصديق الدولة رقم 36 عليه.
ومن
ثَم، وكما سبق القول، فإن بعض
المحللين للشئون الإفريقية يرى أن
قمة "لوزاكا" القادمة ستكون
القمة الأخيرة لمنظمة الوحدة
الإفريقية؛ حيث سيبدأ بعدها عمل
الاتحاد الجديد، الذي من المفترض أن
يحمل ميثاقه – الذي يتم إعداده الآن -
محل ميثاق منظمة الوحدة الإفريقية.
كما تم إقرار نظام التصويت المتساوي
في البرلمان خلال السنوات الخمس
القادمة.
وبالرغم
من ذلك فإنه ينبغي القول: إن الطريق
ليس مفروشًا بالورود أمام الوحدة
الإفريقية، وذلك لعدة اعتبارات:
1
- عدم اكتمال البناء المؤسسي للاتحاد
الجديد؛ فهناك بعض المؤسسات لم يتم
الانتهاء من تشكيلها (البرلمان)، كما
أن بعض المؤسسات الأخرى لم يتم
الاتفاق على آلية عملها أو اتخاذ
القرار بها (مجلس القيادة)، فضلاً عن
عدم الاتفاق على تشكيل مؤسسات أخرى
مثل الأمانة العامة. ولعل غياب هذا
الإطار المؤسسي قد يؤخر إعلان
الاتحاد بداية، أو قد يؤدي إلى تعثره
على الأقل في المدى المنظور، كما
يرتبط بهذه الجزئية عدم الاتفاق على
أسلوب اتخاذ القرار داخل هذه
المؤسسات.
2
- يخشى أن يؤدي ضيق الوقت حتى قمة "لوزاكا"
الحالية إلى عدم صياغة الميثاق
الوحدوي بصورة جيدة، وهو ما سيترك
آثاره السلبية على عمل الاتحاد
الجديد.
3
- عدم توافق الإرادة السياسية بين
الدول الأعضاء، خاصة بين تلك
المتحاربة مع بعضها، قد يؤدي إلى تحول
اجتماعات الاتحاد إلى ساحة للخلافات
بدلاً من العمل معًا لحل مشكلات
القارة.
4
- مدى تعبير الدول المشاركة في مؤسسات
الاتحاد عن الرأي العام الداخلي بها؛
إذ إن معظم الدول الإفريقية لم تشهد
ديمقراطية حقيقية، فضلاً عن أن بعضها
الآخر (20 دولة) تشهد حروبًا أهلية. ومن
ثم فإن مستوى تمثيل هذه الدول في
مؤسسات الاتحاد، خاصة البرلمان، قد
يكون غير معبر عن الرأي العام الداخلي
بها.
5
- ستظل مشكلة العلاقة بين الاتحاد (ككيان
فوقي من ناحية) والسيادة الوطنية
للدول الأعضاء - من ناحية ثانية - حجر
عثرة في سبيل أداء الاتحاد لعمله، ومن
ثَم فإنه من المتوقع أن يتم إفراغه من
مضمونه.
6
- مشكلة التمويل؛ إذ كيف سيتم تمويل
الاتحاد؟ وهل ستدفع الدول الأعضاء
نسبًا متساوية أم لا؟ وهل الدول التي
ستدفع أكثر سيكون لها ثقل أكبر؟ (ليبيا
قامت بتسديد متأخرات قرابة عشر دول في
قمتي سرت الأولى والثانية لكي تشارك
هذه الدول في عملية التصويت).
كما
أن مشكلة التمويل هذه تشكل عقبة كبرى
في وجه المؤسسات التي ستنبثق عن
الاتحاد مثل المصرف المركزي؛ إذ كيف
سيتم تمويل هذا المصرف في الوقت التي
تبلغ فيه الديون الإفريقية 350 مليون
دولار.
7
- أن فكرة قيام محكمة عدل إفريقية محل
شك كبير، في ظل وجود نظم استبدادية
متسلطة تقوم بانتهاك حقوق الإنسان،
كما أنه بفرض قيام هذه المحكمة فإن
السؤال هو: هل يترك لها قادة الدول
العمل بحرية حتى وإن اقتضى الأمر
مثولهم للمحاكمة أمامهم؟!
8
- وأخيرًا وليس بآخر: هل سيدخل الاتحاد
حيز التنفيذ العملي أم سيظل حبرًا على
ورق؟ إذ من عادة الأفارقة إصدار
القرارات وعدم التصديق عليها، أو
التصديق عليها وعدم تنفيذها، وخبرة
منظمة الوحدة الإفريقية خير شاهد على
ذلك؛ إذ من بين 21 معاهدة أو ميثاق، لم
يدخل حيز التنفيذ سوى 13 فقط.
اقرأ
أيضاً:
|