بريدك الالكتروني


English

 
 

اسألوا أهل الذكر

|

معًا نربي أبناءنا

|

الحج والعمرة

|

الزكاة

|

صحية

|

دعوية

|

إيمانية

|

شبابية

استشارات:

 

في الموقع أيضًا:

رواق الأفكار

إستراتيجيات |القضية الفلسطينية | المنطقة العربية | بقية العالم الإسلامي | آسيا | أوروبا وأمريكا الشمالية وأستراليا | إفريقيا | شئون عالمية | رواق الأفكار | مساهمات الزائرين


حين يسقط الطغاة لا تبكي السماء

19/04/2001

د. حمزة زوبع

ميلوشيفيتش

كلما سقط ديكتاتور أو طاغية في مكان ما من العالم.. تتوارد إلى خاطري صورة فرعون مصر الذي بغى وطغى و"حشر فنادى فقال أنا ربكم الأعلى". وهو نفسه فرعون الذي قهره موسى -عليه السلام- وتغلب على سحره ونجح في ضم السحرة إلى قافلة الإيمان. ولا أدري السبب الذي يجعلني أزداد يقيناً يوماً بعد يوم أن الرعب الكامن في داخلنا -حين يذكر الفرعون أو الطاغية- ليس له ما يبرره؛ وأن الفرعنة (مركب نقص) سرعان ما يتفكك إلى عناصره الأولية.

وحين سقط "ميلوشيفيتش" في صربيا، كتبت مقالا بعنوان "سقوط طاغية"؛ وحاولت البحث في نشأته وتربيته لمعرفة أسباب ظاهرة الاستبداد عند ميلوشيفيتش.. واليوم يسقط ميلوشيفيتش ليس كزعيم سياسي، بل كمجرم تبحث عنه العدالة.. وفى اللحظة التي يسقط فيها طاغية مثل ميلوشيفيتش .. ترتاح النفس وتطمئن إلى عدالة السماء.. وإلى إمكانية زوال الطغاة مهما طال الأمد.

الآراء حول الطاغية لا تختلف

"إنه ليس مجرد سياسي فاشل، أو لص محترف .. إنه جبان" (رجل صربي في السبعينيات من عمره في لقاء عبر قناة "سي إن إن" عقب استسلام ميلوشيفيتش).

"لقد استولى ابنه على دكاني الذي أعمل به، وجروني إلى المخفر، وضربوني حتى أتنازل عن المحل لـ"ماركو" بن ميلوشيفيتش" (شاب صربي في لقاء مع مراسل الجزيرة).

" أين سيحاكم ميلوشيفيتش؟.. سؤال يساوى مليار دولار " (صحيفة كريستيان ساينس مونيتورChristian Science Monitior 6 إبريل 2001)

الفرق يبن الأمس واليوم أن من هتفوا له بالأمس كانوا بالآلاف.. ومن طالبوا بعزله كانوا أقرب للمليون. أما من احتشدوا حول بيته ليمنعوا الشرطة من اعتقاله فهم لا يزيدون عن ثلاثمائة فقط. (تقرير لمراسل وكالة رويتر).

ملامح جامدة

عدت إلى شريط مسجل عليه لقطات لبعض الزعماء الفاشلين في بلادهم؛ وخصوصا أولئك الذين اتسم حكمهم لشعوبهم بالجبروت أو ما يعرف بالحديد والنار، فوجدت ميلوشيفيتش مثله مثل ألبرتو فوخيمورى- بيرو، ومثل بينوشيه- شيلي، وأسترادا- الفليبين، وسوهارتو- إندونيسيا.. كلهم اتسموا بما يعرف بالوجه القناعي؛ جمود في المشاعر والأحاسيس، تظاهر بالقوة والعظمة، ابتسامة لا تدل على انفراج في القلب أكثر منها ابتسامة مضطر، استخدام العبارات النارية القوية، استمالة الشعوب بكلمات الوطنية والدين.

كلهم يتحدث لغة واحدة (أحب بلادي- أخاف على مصالحها– أخشى التهديدات الخارجية). وإزاء المعارضة فالخطاب يكاد يكون متشابها (المعارضون خونة- عملاء- لا يريدون مصلحة البلاد). وعند الانتخابات تجد الإعلام الرسمي وقد سُخر لخدمتهم (فالحديث عن الرفاهية والتطور والإنجاز مضافا إليه الحديث عن الزعيم وما قدمه لبلده، وفى حالة الضرورة يمكن استخدام حديث ترهيبي، مثل: لو غاب القائد فماذا نصنع؟ ومن يقود السفينة؟).

الدروس والعبر من اعتقال ميلوشيفيتش

الدرس الأول: ديكتاتور ولكن جبان:

ذكرني اعتقال ميلوشيفيتش بفرعون مصر الذي ملأ الدنيا صراخا بأنه الفرعون وزعم أنه "إله"، وقال: "ذروني أقتل موسى".. رغم أن موسى كان في بيته وكان يستطيع أن يفعل لأنه الفرعون.. ولكن لأنه جبان يخشى المواجهة فقد فشل في مواجهة موسى.. ولجأ إلى السحرة وأغراهم بالمناصب: "إن لنا لأجرًا إن كنا نحن الغالبين* قال نعم وإنكم لمن المقربين" (الأعراف: 113،114).

هذا الفرعون الذي استعبد الناس.. وفعل ما فعل؛ حين أطبق الله عليه البحر هو وجنوده.. لم يثبت على موقفه، لم يمت شجاعا؛ ليثبت لمن خلفه على الأقل أنه رجل يستحق الاحترام.. بل قال وهو يلفظ أنفاسه كما ذكرت الآية: "آمنت بالذي آمنت به بنو إسرائيل"! تماما مثلما فعل ميلوشيفيتش وكل طواغيت العالم؛ يبدون قدرا من الشجاعة وحين يضغط عليهم ينهارون.

كان بإمكان ميلوشيفيتش أن يطلق النار على نفسه، كما أوعز إلى أحد رجاله المقربين بعد محاولة إلقاء القبض عليه؛ واعتقدنا جميعا أنه رجل قادر على اتخاذ قرار يتناسب مع ادعائه بالقوة.. وإذا بنا نفاجأ بأنه لم يفعل.

وعلامة أخرى على جبنه وضعف تحمله، تجلت في عدم تحمله زنزانة السجن المركزي ببلجراد (3 أمتار × 3.5 أمتار) رغم أنه مرفه ويعيش على عكس ما يعيش عليه من سجنهم، وألقى بهم في غياهب السجون؛ لأنهم عارضوه يوما ما.

لم يتحمل ميلوشيفيتش وحدة السجن وانفراده في الزنزانة، فادعى إصابته بمرض قلبي لكي يتمتع بالعيش في المستشفى بدلا من السجن. وقد كان من قبل حين يصاب لا يخبر أحدا.. واليوم يملأ الدنيا ضجيجا حتى يتعاطف معه البعض، ويرضى بنقله إلى المستشفى.

الدرس الثاني: رأس الطاغية تساوي ذهبا:

كان ميلوشيفيتش يتحكم في كل شيء في بلاده، وكان يمنع زيارة المسؤولين الغربيين إلى بلاده لأنه يرفض - كما يدعى - الهيمنة الغربية. وبعد سقوطه، دخل الغربيون رغما عنه وصافحهم المسؤولون في بلاده؛ وفتح لهم الإعلام الرسمي نوافذ ليطلوا على شعبه الذي حرمه من الاطلاع على الإعلام الغربي.

لكن زيارة المسؤولين الغربيين- هذه المرة- ليست مجرد زيارة عادية! إنها زيارة رغم أنف ميلوشيفيتش ومن أجل طلب رأسه شخصيا. فاليوم أصبح ميلوشيفيتش مفيدا لبلاده عن ذي قبل. واليوم ينعم شعبه بمائة مليون دولار معونة أمريكية (تستذل بها أمريكا شعبه لعشرات السنين). وإذا ما تم تسليمه فستنعم بلاده بمليار دولار هي حصتها في برنامج إعادة إعمار البلقان.. أما إذا لم يسلم فستحرم بلاده، كما جاء في التهديد الأمريكي الصريح الذي جاء على لسان "ريتشارد باوتشر" المتحدث باسم الخارجية الأمريكية: "لن ندعم أي مؤتمر للمانحين حتى نرى خطوات أكثر تقدما في موضوع التعاون مع محكمة جرائم الحرب في يوجسلافيا".

الدرس الثالث: سر الشقاء وسر السعادة:

أصبح ميلوشيفيتش مفتاح سعادة الصرب بعد أن كان سر شقائهم وتعاستهم؛ فاعتقاله وتسليمه لمحكمة جرائم الحرب يعني المزيد من المساعدات، ويعني أيضا أن العالم سينظر إلى الصرب على أنهم شعب محترم يستحق الدعم، ولِمَ لا وهم الذين تخلصوا من ديكتاتور فاشي وأجبروه على النزول من فوق صهوة جواده مرتين: مرة في الانتخابات والمظاهرات، ومرة حين ساندوا حكومتهم في عملية اعتقاله.. وربما مرة ثالثة إذا ما سمحوا بنقله إلى "لاهاى" ليعامل كمجرم حرب، وليس مجرد رئيس مختلس أو فاسد؟

الدرس الرابع: أين السحرة يا فرعون؟:

حين سقط فرعون مصر في اختبار القوة الإيمانية أمام سيدنا موسى، لم يكن لديه من شيء يفعله سوى أن يأمر رجاله بقتل وصلب السحرة الذين قالوها مدوية: "آمنا برب هارون وموسى"، ولم يكن يتوقع أن يكون رد السحرة الذين كانوا في حوزته وتحت إمرته أن يقولوا له: "اقض ما أنت قاض".

والنموذج ذاته يتكرر.. هذه المرة لم يكن الاختبار اختبار القوة الإيمانية بقدر ما كان اختبار القدرة السياسية، فبعد سقوط ميلوشيفيتش وابتعاد السحرة عنه، أصرت حركة الطلاب الجامعيين والمعروفة باسم "أوتبور" أو "المقاومة" على اعتقاله، وقامت الحركة بأكبر حملة إعلانية لدعم عملية الاعتقال، وقد طبعت الحركة مائة ألف بوستر، وأنتجت العديد من الإعلانات التليفزيونية، وكان شعارها قبضة اليد، وعبارة "لقد انتهى"!

لم يجد ميلوشيفيتش من يقف إلى جواره سوى حفنة من المرتزقة ورجال العصابات الذين رباهم من أجل قهر المسلمين في كوسوفا والبوسنة، وحتى الصرب أنفسهم الذين نالهم منهم نصيب غير منقوص.. وحين فشلت المحاولة الأولى اجتمع الساسة في الحكومة الصربية الجديدة برجال الجيش، واضطر العسكر إلى الإعلان عن تخليهم عنه، وبعد ساعات من تخلي رجال الجيش عن صاحبهم، استسلم ميلوشيفيتش.

ورغم أن روسيا هددت باتخاذ خطوات ضد الغرب إذا اعْتُقل، فإنها حين جد الجد، وعرفت أن مصالحها سيلحقها الضرر، تراجعت وتركت ميلوشيفيتش وحيدا، وربما يجد الروس أنفسهم مضطرين إلى إلقاء القبض على أقارب ميلوشيفيتش أو ترحيلهم من روسيا إذا لجئوا إليها.

الدرس الخامس: ما الذي علمك الحكمة يا كوشتونيتسا؟:

رغم أن "كوشتونيتسا" الرئيس الصربي الجديد لا يقل قومية عن ميلوشيفيتش، فإنه وجد نفسه مضطرا لاعتقال متطرف قومي مثله، والسماح للغربيين بأن يضغطوا، وأن يضعوا شروطهم، وأن يعلن أنه سيحاكم عن جرائمه في حق شعبه، ومن ثم ينظر في أمر تسليمه لمحكمة جرائم الحرب.. لقد تعلم كوشتونيتسا الدرس بسرعة، وأدرك أن العالم اليوم غير عالم الأمس، وأن ميلوشيفيتش الذي كان مضرب المثل قد اضطر للركوع أمام الضغط الغربي والشعبي، فما بالك به وهو الدخيل على عالم السياسة رغم كبر سنه، لقد أدرك الرئيس الجديد أن عين الحكمة تقتضي منه القضاء المبرم على ميلوشيفيتش قبل أن يكون عدم القضاء عليه هو ذاته أداة القضاء على كوشتونيتسا.. فمن يتعلم؟.

اقرأ أيضاً:


إستراتيجيات |القضية الفلسطينية | المنطقة العربية | بقية العالم الإسلامي | آسيا | أوروبا وأمريكا الشمالية وأستراليا | إفريقيا | شئون عالمية | رواق الأفكار | مساهمات الزائرين

 

 

«

ابحث 

«

بحث متقدم

 

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع