|
لم
تكن مفاجأة أن تنتهي زيارة كولين باول
للمنطقة دون إجابات عن أسئلة كثيرة
بشأن توجهات الإدارة الجديدة فليس
سرًّا أن إدارة بوش تعكف من الوقت
الراهن على مراجعة شاملة لمجمل
السياسة الخارجية الأمريكية، صحيح أن
الرئيس الجديد كان قد حدد مجموعة من
الخطوط العريضة لسياسته الخارجية
أثناء الحملة الانتخابية، إلا أن
هناك فارقًا ضخمًا بين الحديث في
العموميات وفق متطلبات الحملات
الرئاسية وبين إنزال تلك العموميات
إلى أرض الواقع وتطبيقها فعلاً،
خصوصًا أن هذه الخطوط العريضة التي
تحدث عنها "المرشح" جورج بوش
كانت تحوي في طيَّاتها تناقضات عدة،
بدءاً بالعلاقة بين الخفض الضريبي
الهائل الذي يقترحه من ناحية، وزيادة
الميزانية العسكرية من ناحية أخرى،
ووصولاً إلى العلاقة بين دعم العلاقة
مع الحلفاء من ناحية، والإصرار على
إنشاء نظام الدفاع الصاروخي وتقليص
التدخل العسكري الأمريكي من ناحية
أخرى.
وقد
جاءت زيارة باول كغيرها من جولات قامت
بها رموز أخرى من إدارة بوش- بمثابة
جولة "استطلاعية" يتم من خلالها
ترتيب الملفات في إطار عملية
المراجعة المطلوبة للسياسة الخارجية
الأمريكية عمومًا.
بعبارة
أخرى، لم تكن من أهداف الزيارة
الإعلان عن مواقف محددة تتبناها
الإدارة، وأتى باول لإطلاع زعماء
المنطقة عليها، بل إنه حتى فيما يتعلق
بالعراق، فإن ما أتى به باول يدعم هذه
الصورة، فقد جاء الوزير بعد تنفيذ
ضربة جوية تمثل في تحليلها الأخير
استمرارًا لسياسات واشنطن أثناء حكم
كلينتون، وجاء باول يحمل معه فكرة
واحدة هي البحث عن وسائل أفضل لحصار
العراق، أطلق عليها العقوبات "الذكية"،
إلا أن جوهر ما قاله باول في هذا الصدد
هو أن الولايات المتحدة الأمريكية
"تبحث" أو "تفكر" في شكل تلك
العقوبات، لا أنها "قررت" أو
حددت شكلها وطبيعتها. فالملف العراقي
إذن، شأنه شأن كافة ملفات السياسة
الخارجية لا يزال في طور المراجعة.
وعلى
ذلك يمكن تسمية المرحلة الراهنة
بأنها مرحلة "استعداد للانطلاق"،
لا مرحلة الانطلاق في تنفيذ السياسة
الخارجية الأمريكية.
إعادة
فرز الخطوط العريضة للسياسة
الأمريكية
غير
أن أهم ما أسفرت عنه هذه الزيارة هي
أنها حملت مجموعة من المؤشرات التي
تعيد فرز الخطوط العريضة للمسار الذي
يرجح أن تتخذه الإدارة الجديدة.
1-
فقد أثبتت هذه الزيارة ما كشفت عنه
الحملة الانتخابية من أن هذه الإدارة
تعطي الأولوية لملف الخليج، لا ملف
التسوية السياسية للصراع العربي
الإسرائيلي. ففي الحملة الانتخابية
كان بوش قد حدد هدفين رئيسين لسياسته
الخارجية: أولهما دعم القوة العسكرية
الأمريكية، وثانيهما دعم تحالفات
أمريكا الدولية.
وتأتي
أولوية الخليج من الهدف الثاني، فقد
كان الانتقاد الأساسي الذي وجهه بوش
لإدارة كلينتون هو أنها فشلت في
الحفاظ على التحالف الدولي الذي نشأ
أثناء حرب الخليج، ومن ثَم كان واضحًا
أن هذا التحالف سوف يحظى بأهمية
متقدمة على أجندة أولويات الإدارة
الجديدة.
ويؤكد
ذلك ما صرّح به باول في المؤتمر
الصحفي الذي عقده في القاهرة، فرغم أن
إجابته عن سؤال بشأن أولوية الخليج
على عملية التسوية جاءت بالنفي فإن
مضمون ما قاله الوزير يؤكد هذا
الترتيب ولا ينفيه، فقد قال الوزير:
إن أمريكا تنظر إلى المنطقة ككتلة
واحدة، وهي عبارة كان المقصود منها
نفي تراجع ملف التسوية في الأولويات
الأمريكية، لا نفي الاهتمام الأكبر
بملف الخليج.
غير
أن تراجع ملف التسوية لا يعني بالمرة
تجاهله، وإنما يعين التباطؤ في
الانخراط الأمريكي في تعقيداته.
2-
أما المؤشر الثاني والمرتبط بالأول
فهو أن حالة "الانتظار المتفائل"
التي لفَّت العالم العربي أملاً فيما
سوف تأتي به الإدارة الجديدة لم يكن
لها ما يبررها. فهذه الإدارة لم تقدم
مبادرات محددة بشأن استئناف مفاوضات
التسوية، وإنما ترى دورها من حدود رد
الفعل إزاء ما يصدر عن أطراف الصراع
أنفسهم، فقد أعلنت الولايات المتحدة
رسميًّا تخليها عن الإطار الذي
تبنَّاه كلينتون، ثم لم تطرح بديلاً
له. كل ما قدمه باول في زيارته هو مجرد
توصيات بوقف ما يُسمّى "بالعنف
الفلسطيني"، و"تخفيف" الحصار
الذي تفرضه إسرائيل على الفلسطينيين.
أما تفاصيل القضايا فلا يوجد لدى
الإدارة ما تقدمه في شأن أي منها.
المحددات
الداخلية والخارجية للتطور
المستقبلي
وبناء
على ما تقدم يصبح السؤال: ماذا عن
المستقبل المنظور؟
في
واقع الأمر توجد مجموعة من العوامل
التي من شأنها أن تلعب دورًا في تشكيل
السياسية الخارجية الأمريكية بعضها
داخلي والآخر إقليمي.
أما
فيما يتعلق بالداخلي، فلعل أهم هذه
العوامل هو الشكل النهائي الذي
ستتخذه عملية توزيع الأدوار بين رموز
فريق السياسية الخارجية، فمثله مثل
كافة جوانب السياسة الخارجية، يخضع
توزيع الأدوار نفسه لعملية مراجعة
للاختصاصات التي سيتولاها أعضاء
الفريق، وهي مسألة تلعب تقليديًّا
دورًا مهمًّا في تشكيل السياسة
الخارجية الأمريكية، وإن كانت تكتسب
هذه المرة أهمية أكبر؛ نظرًا للشكوك
التي تحيط بمدى إلمام الرئيس الجديد
بتعقيدات القضايا، وليس فقط المتعلقة
بالسياسة الخارجية والداخلية أيضًا.
وهي شكوك لها في الواقع ما يبررها
بناء على تصريحات بوش، سواء في فترة
الحملة الانتخابية، أو حتى بعد تولي
الرئاسة.
ولعل
آخر الأمثلة الواضحة على ذلك هو
التصريح الذي أدلى به الرئيس
الأمريكي في المؤتمر الصحفي الذي
عقده مع الرئيس المكسيكي عشية القصف
الأخير للعراق، حيث قال بوش: "إن
على صدام حسين أن يدرك أننا نتوقع منه
الالتزام بالاتفاق الذي وقّعه بعد
عاصفة الصحراء، ونحن ننفّذ مناطق
الحظر الجوي في الشمال والجنوب".
ومن
الواضح أن الرئيس لم يكن على علم بأن
اتفاق وقف إطلاق النار لم يُشِر من
قريب أو من بعيد لمنطقتي الحظر الجوي،
وأنها سياسة فرضتها أمريكا وبريطانيا
معًا فيما بعد.
ومن
ثَم فنحن هذه المرة إزاء رئاسة أشبه
بنموذج رونالد ريجان منها إلى نموذج
كلينتون أو حتى جورج بوش الأب، فبينما
كان كلينتون على دراية واسعة
بتعقيدات القضايا المختلفة، كان
ريجان يعتمد بالأساس على مجموعة
الوريقات الصغيرة التي يُعِدّها له
مستشاروه، فيها نقاط قليلة يلزم
الرئيس نفسه بعدم الخروج عنها؛
ببساطة لأنه لا يعرف غيرها.
ومن
ثَم فإن من يتولى ماذا من بين فريق
السياسة الخارجية سوف يكون له تأثير
كبير في هذه الإدارة.
ومن
الواضح حتى الآن - رغم الوعكات الصحية
المتكررة - أن "ديك تشيني" يحظى
بثقة الرئيس الكاملة، خصوصًا بعدما
أعلن الأول أنه ليست له طموحات شخصية
للوصول لمنصب الرئاسة، وهو تصريح غير
مألوف بالنسبة لمن يتولى هذا المنصب،
ولكنه على أية حال يدعم اعتماد الرئيس
على تشيني، الذي كان واضحًا بجلاء منذ
الحملة الانتخابية، ثم أثناء أزمة
فرز الأصوات، فعادة ما يتوجس الرؤساء
من لحظات يتبنى فيها نائب الرئيس
أجندة شخصية تدعم فرصه في المستقبل
على حسب أولويات الرئيس.
ولعل
هذا هو السبب وراء عدم اعتراض الرئيس
على قيام تشيني بتشكيل فريق عمل تابع
له موازٍ إلى حد كبير للجهاز الفني
للبيت الأبيض. فقد شكّل تشيني فريق
عمل تابع له شخصيًّا يضم من حيث العدد
ضعف العدد الذي ضمه فريق آل جور الذي
لعب أصلاً دورًا غير مسبوق في حجمه
بالنسبة لمن تولوا منصب نائب الرئيس،
بل إن فريق تشيني يضم عددًا كبيرًا من
المستشارين والخبراء فيما يمكن
اعتباره بمثابة مجلس أمن قومي مصغر
تابع له شخصيًّا.
ورغم
أن بوش أعطى صلاحيات واسعة
لكوندوليزا رايس مستشارة الأمن
القومي، فإن رايس نفسها أبدت صراحة
أنها لا تنوي التدخل في اختصاصات وزير
الخارجية، كما كان عليه الأمر في حالة
صامويل برجر مع مادلين أولبرايت، حيث
هيمن الأول على عملية صنع القرار على
حساب الثانية.
إلا
أن السؤال الحقيقي هو: ما إذا كان
تشيني سوف يزاحم كوندوليزا رايس
ويطغى على نفوذها؟!
وأما
فيما يتعلق بالعوامل الخارجية، فلعل
أهم ما ينبغي التأكيد عليه هو أن هناك
دورًا بالغ الأهمية على الأطراف
الفاعلة في المنطقة لعبته في الفترة
الراهنة، أي استثمار مرحلة المراجعة
الأمريكية هذه في بلورة أفكار محددة
بشأن القضايا المختلفة.
وفي
هذا الإطار ينبغي الانتباه، إلى أن
تراجع ملف التسوية أمريكية يلقى
ترحيبًا إسرائيليًّا لا العكس، فقد
صرّح شارون أثناء زيارة باول بأنه
يسعى لأحداث تغيير في العلاقات
الأمريكية- الإسرائيلية، يهدف
للتركيز على التعاون الثنائي
الإستراتيجي، مشيرًا إلى اعتقاده بأن
ملف التسوية حظي باهتمام أكثر مما
ينبغي من جانب إدارة كلينتون في
علاقتها مع حكومة باراك.
بعبارة
أخرى، فإن الأولوية العربية الراهنة
إنما تتمثل في بلورة مواقف محددة
واضحة المعالم، أي بدلاً من اتخاذ
موقف رد الفعل إزاء ما يصدر عن واشنطن-
بل وأحيانًا عن إسرائيل- توجد حاجة
مُلحَّة لوضع واشنطن في موقع رد الفعل
عبر المبادرة بصياغة المطالب
المختلفة، وهو الأمر الذي ربما تنجح
قمة عَمان في وضع الأسس الموضوعية
لحدوثه.
اقرأ
أيضاً:
|