|
قصف
بغداد يوم 16/2/2001م، وفي إطار الظروف
السياسية الإقليمية الآنية بالذات،
نموذج لصناعة القرار الغربي - لا سيما
الأمريكي - خارج نطاق التصوّرات
العربية الشائعة بشأن عوامل التأثير
عليه. وقد صدر القرار عن ثوابت
التوجهات السياسية الغربية أولاً،
وعن التقديرات الأمريكية للظروف
الآنية ذات العلاقة بالمنظور
الأمريكي 7ثانيًا، ولم يضع في حسبانه
شيئًا آخر بصورة جادّة.
وقد
كان للصمت الرسمي العربي الطويل بعد
القصف دلائل عديدة أهمها في هذا
السياق أنّ عملية القصف كانت مفاجئة،
وهو ما يكشف عن أمرين أو عن أحدهما على
الأقل:
-
عدم الحديث المسبق من جانب صانع قرار
القصف في العاصمتين الأمريكية
والبريطانية، مع صانعي القرار في
الدول العربية "الصديقة" و"غير
الصديقة".
-
أنّ التقديرات السياسية في العواصم
العربية لم تكن تضع في حسابها هذا
الاحتمال، وفي هذا ما يشير إلى أنّ
العناصر التي تقوم عليها هذه
التقديرات غير صحيحة أو ناقصة.
ويعني
ما سبق خطأ الاعتماد على ما شاع ذكره
على ألسنة السياسيين أحيانًا، وفي
وسائل الإعلام غالبًا على أنه من
المَواطن المناسبة للتأثير على صناعة
القرار الغربي؛ فاتخاذ قرار القصف لم
يتأثر بالرأي العام العالمي المتأثر
بالأوضاع المأساوية في العراق،
وبالتقارير الدولية الواسعة النطاق
عنها، ولم يتأثر بالعلاقات "الودية"
مع الدول المعنية التي تمارس تلك
العلاقات مع واشنطن ولندن، ولم يتأثر
بمواقف ذوي الأصل العربي والإسلامي
داخل الولايات المتحدة الأمريكية أو
داخل الغرب عمومًا، بل ولم يؤخذ في
الاعتبار عند صناعة القرار شيء من ذلك
حتى في إطار التوقيت لتنفيذ القصف،
إلا إذا اعتبرناه مقصودًا في الاتجاه
المضادّ، أي بقصد الإساءة للعلاقات
الودية مثلاً، وإحراج الدول المعنية
بممارستها.
كما
يسقط قرار القصف المقولات الشائعة
مؤخّرًا عن تأثير المصالح الأمريكية
في المنطقة على حكومة بوش، باعتباره
من الجمهوريين، وأنهم أكثر اعتمادًا
على الشركات ذات المصالح الضخمة في
المنطقة العربية.. فقد بقي هذا الحديث
بعيدًا عن الواقع تمامًا أيضًا، وكان
قد جرى تصويره بأسلوب "التطمين"
بأن الانحياز الكبير الذي عُرف عن عهد
"كلينتون" قد انتهى!.
ويبدو
أن الخطأ الأساسي لدينا في تقدير ما
يؤثر أو لا يؤثر على صناعة القرار
الغربي، كامن في مزيج من التمنيات
والأوهام، وحتى المقاييس التي قد
تبدو موضوعية ومنطقية، ولكنها تصدر
في نهاية المطاف عن وجهة نظر غير
واقعية؛ إذ المطلوب لمعرفة عوامل
التأثير على صانع القرار الغربي،
استخدام "منظوره" هو قدر الإمكان
في ذلك، وآنذاك سنجد أنّ المواطن التي
تتأثر صناعة القرار في نطاقها، لا
تخرج عن الثوابت الحضارية والسياسية
والمصالح الآنية الغربية.
اقرأ
في هذا المقال:
أولاً:
التأثير على الثوابت "الحضارية"
المقصود
بهذه الثوابت جملة التصوّرات
والأفكار والمعتقدات التي رسخت في
الغرب بمفعول التاريخ وأحداثه؛ فصنعت
"الإنسان الغربي" وتؤثّر على أي
موقف أو قرار يتخذه، بغضّ النظر عمّا
يعتنق منها، بل حتى وإن أعلن من
الناحية الشكلية تجرّده من الالتزام
بما هو معروف من مبادئ ومعتقدات، فقد
دخلت - بالرغم من ذلك - في تكوين شخصيته
وأسلوب تفكيره.
الانعكاسات
التطبيقية للثوابت الحضارية
وتؤكّد
المتابعة الطويلة الأمد للأوضاع
الغربية من كثب أنّ صانع القرار في
الغرب أشدّ التزامًا بتأثير تلك
الثوابت من الفرد العادي، وقد يتفاوت
ذلك قليلاً على حسب الانتماءات
السياسية والعقائدية. وعلى أية حال لا
تتبدّل هذه الثوابت أو تتعدّل إلا
بمفعول تطوّرات تاريخية كبرى؛ فليس
المقصود من التأثير المطلوب هنا على
صانع القرار، توظيف وسائل ما، ستبقى
قاصرة دومًا، للتأثير على الثوابت
نفسها، بل المطلوب اعتبارها – كما هي
– مدخلاً من مداخل التأثير على صانع
القرار الملتزم بها، ويعني ذلك
تطبيقيًّا:
حدثوهم
باللغة التي يفهمونها:
1
- عدم صرف الجهود للتأثير على صانع
القرار الغربي عبر محاولة إقناعه
بثوابتنا الحضارية الذاتية، أو توقّع
تقبّله لها، أو حتى التعايش معها،
وذلك حيثما تتناقض من الأساس مع
منطلقاته.. ومن الضروري ملاحظة أنّ
ربط مطالبته بقرار ما بتلك الثوابت قد
يكون سببًا إضافيًّا في دفعه إلى
التحرّك في اتجاه معاكس، إلا إذا ظهر
له أنّ هذا التحرّك سيصل به إلى نتيجة
سلبية، وتعتبر العلاقات التركية -
الأوروبية مثالاً نموذجيًّا على ذلك،
فبالرغم من سائر ما أقدمت عليه تركيا
من تغيير في اتجاه التغريب، لم تنشأ
أرضية مشتركة بمعنى الكلمة مع
الأوروبيين، لاقتناعهم الراسخ - في
اعتقادنا - أن الثوابت الحضارية في
تركيا لم تتبدّل، وأنها يمكن أن تصنع
واقعًا سياسيًّا واقتصاديًّا
واجتماعيًّا آخر.
لماذا
لم يُجْدِ الحوار مع الغرب؟
2
– تقويم موضع "الحوار" مع جهات
غربية بكافة أشكاله في حدوده
الواقعية، أي باعتباره "يساهم"
فقط في إزالة بعض الإشكاليات وإيجاد
أجواء أنسب للتفاهم، وقد يكون أقصى
فوائده تهيئة أرضيةٍ أفضل لعلاقات
مستقبلية على المدى البعيد، ولكن لن
يغيّر "الحوار" شيئًا من العوامل
الحالية المؤثّرة على صناعة القرار
الغربي والفعاليات التي تشارك في
صناعته؛ فمع تحبيذ الحوار - بشروط
مناسبة - ينبغي تجنّب الاستغراق في
التعويل عليه عند التعامل مع الأحداث
والقضايا السياسية على وجه التخصيص.
وتأكيدًا على ما سبق يُلاحظ أن الحوار
خلال عقد التسعينيات الميلادية
الماضية كان أوسع نطاقًا، كمًّا
ونوعًا، من أي فترة مضت، بينما كانت
تلك الفترة بالذات حافلة بمضاعفة
الضغوط الغربية، لا سيما فيما يسمّى
المؤتمرات الدولية العملاقة، على
البلدان الإسلامية في ميدان ثوابتنا
الحضارية بصورة خاصة .
الطابع
الصراعي للسياسة:
3
- وبالمقابل نجد من مرتكزات التصورات
الحضارية الغربية وثوابتها ما يوصف
بجدلية الصراع وموقعه في التطبيقات
اليومية في مختلف الميادين، كوسيلة
"واقعية" لا تغيب عن ساحة
التعامل، بغض النظر عن تحبيذها أو
نبذها. ومنذ سيطر أسلوب "الصراع"
على تحصيل "نصوص" حقوق الإنسان
بعد ثورة فرنسية وحرب أهلية أمريكية،
بقي مسيطرًا في تحصيل حقوق العمال
نضالاً نقابيًّا، وجولات دائمة بين
عمال وأرباب عمل، وتحصيل حقوق المرأة
نضالاً مستمرًّا منذ قرنين تقريبًا،
وهكذا مع سائر فئات المجتمع وفي مختلف
الميادين، مع استقرار مقولات من قبيل
"الغلبة للأقوى"، ولا يقوم جميع
ذلك على فراغ، بل يعتبر بمغزاه
ومقتضاه هو المحور الأساسي لصناعة
الحدث وصناعة القرار، ويعني ذلك في
إطار الموضوع المطروح:
-
ضرورة
تركيز الجهود الأعظم على تنمية
أسباب القوّة الذاتية الشاملة؛ فهي
التي ترفع مستوى القدرة على
التعامل مع صانع القرار الغربي من
موقع التأثير لا التأثّر فقط.
-
لا
يكاد الطرف الغربي يرصد أصلاً وجود
"طرف آخر" يتأثّر به وهو يصنع
قراره، ما دام ينطلق في أدبياته
السياسية، وفي معاملاته الرسمية
وغير الرسمية - كما نصنع - من روح "المطالبة"
بحقوق ما، ولكنّه يرصد على الفور
وجود طرف آخر، ويحسب حسابه بمجرّد
تحرّكه من منطلق "انتزاع" تلك
الحقوق، بغض النظر عن حجم أسباب
القوة التي يملكها بين يديه.
العولمة..
تراجع خطابي وتقدم عملي:
4
- لم تنتشر مقولات "نهاية التاريخ"
و"الصراع الحضاري" و"الإسلام
عدوّ بديل" اعتباطًا بعد سقوط
الجناح الشيوعي من منظومة الحضارة
الغربية، وانتهاء التناقض الداخلي
الذي صنعته "الحرب الباردة"
فيها، ولئن تراجعت نسبة استخدام هذه
المصطلحات في التعامل السياسـي
اليومي، فما زالت مضامينها مهيمنـة
على خلفيات صناعة القـرار في المرحلة
الانتقالية الحالية، فمن شأن التراجع
عن ثوابت ذاتية بتأثير وَهْمٍ يصنعه
عدم الاستخدام اليومي لمصطلحات
المواجهة الحضارية، أن يفتح الأبواب
أمام "الجوانب الواقعية" التي
بدأت التصوّرات المذكورة تساهم في
صنعها، وكثير منها ممّا يمكن رصده تحت
عنوان "العولمة".
ثانيًا:
التأثير على الثوابت السياسية
المقصود
بالثوابت السياسية ما يرسخ من
تصوّرات وقواعد ويوصف أحيانًا
بالخطوط الحمراء، ويبقى مستمرًّا لا
يتبدّل بكلياته الكبرى عبر حقبة
تاريخية معيّنة، وهذا ما كان ساري
المفعول في الغرب خلال حقبة الحرب
الباردة.
وتعتبر
الفترة الراهنة بالمنظور التاريخي
"مرحلة انتقالية" بين حقبتين،
ولعلّ من الأخطاء الكبرى أنّ ما
أعلنـه الأمريكيون فور انتهاء الحرب
الباردة من "أهداف" يريدون العمل
لجعلهـا "ثوابت" في حقبة تاريخية
مقبلة، رفعوا لها شعار نظام عالمي
جديد، قد اعتبره كثير من صانعي القرار
أو ذوي التأثير على صناعة القرار في
المنطقة العربية والإسلامية "ثوابت"
جديدة استقرّت بالفعل، وتعاملوا معها
على هذا الأساس، على نقيض معظم القوى
الدولية والمناطق الأخرى في العالم.
وبينما
حفلت الأدبيات السياسية العربية،
تسليمًا أو رفضًا، بالحديث عن
الزعامة الانفرادية، والهيمنة
الأمريكية، حفلت الأدبيات السياسية
العالمية، بما فيها الأوروبية
الغربية بالحديث عن تعدّد الأقطاب،
وانحسار الهيمنة الأمريكية أو رفضها
ومكافحتها، وبدأت الحصيلة تظهر في
بوادر ما يُسمّى التميّز أوروبيًّا
والتمرّد روسيًّا، مقابل ما نرصده في
البلدان العربية من تبرير رسمي
للتبعية الأمريكية في كثير من
البلدان والميادين!!
مراحل
التحول فرصة للتأثير
ليس
سهلاً التأثير على صناعة القرار
الغربي (أو سواه) عبر التأثير على
الثوابت السياسية في حقبة تاريخية
معينة، وهذا ما يمكن استنباطه من
التأمّل في حقبة الحرب الباردة،
ولكنّ إمكانية التأثير على عملية "صناعة
الثوابت" الجارية في الوقت الحاضر -
في الغرب وخارج حدوده - إمكانية أكبر
بكثير، أو هي بمثابة فرصة تاريخية من
الخطأ تفويتها، وهي تشبه نموّ مفعول
فكرة عدم الانحياز وتأثيرها على
الثوابت الغربية والشرقية في العقد
الأول بعد الحرب العالمية الثانية،
ومع ترسيخ دعائم حقبة الحرب الباردة.
محاور
التأثير في الثوابت السياسية
ومن
المحاور الرئيسية للتأثير الممكن
والمطلوب على صعيد "الثوابت
السياسية" الآخذة في التكوين:
1
- مواجهة الأهداف الأمريكية المراد
جعلها ثوابت برفضها فكريًّا: وهذا
حاصل بنسبة لا بأس بها، بما في ذلك
جانب التوعية العامة المرتبطة به،
وبرفضها على أرضية الواقع السياسي
التطبيقي، وهذا ما بقي مفتقدًا في
التسعينيات الماضية، وقد تُرغم عليه
ظاهرة رفضها شعبيا بعد أن بدأت تأخذ
أشكالا منظورة قابلة للنموّ.
*
مثال الرفض السياسي المطلوب: ما بدأ
تطبيقه مؤخرًا على صعيد كسر حلقة
الحصار حول العراق، شريطة ألاّ ينتكس
نتيجة تحرّك أمريكي مضاد؛ ليتحوّل
إلى جزء من الثوابت السياسية العربية
في المرحلة الراهنة، وآنذاك فقط يمكن
أن يتأثّر صانع القرار الأمريكي من
هذه الزاوية.
2
- تشجيع الأهداف الغربية الأخرى غير
الأمريكية، كالأوروبية باتجاه
التميز، والروسية باتجاه تعدّد
الأقطاب، باعتبارها عناصر تساعد على
إيجاد أرضية غربية ودولية بمواصفات
أفضل، أو أقل ضررًا، من مواصفات
الأرضية الغربية القائمة على ثوابت
مستهدفة أمريكيًّا فقط.
*
مثال التعامل المقصود، الدعم الجزئي
المدروس للتميز النقدي الأوروبي، عن
طريق رفع نسبة الاحتياطي النقدي منه،
وتوسيع نطاق التعامل الاستثماري
والتجاري به، مع ربط ذلك مباشرة أو عن
طريق الإعلام السياسي، بمواقف سياسية
معينة إلى جانب العوامل الاقتصادية
والمالية.
3
- التعامل مع "المنطقة الجغرافية
الضائعة" سياسيًّا - أي الجنوب الذي
تمثل الدول الإسلامية القسم الأعظم
منه - تعاملاً تطويريًّا في اتجاه
التكتل، والتحوّل في ذلك من أسلوب
تشكيل مجموعة دولية، ثم العمل على
إعطائها مضمونًا، إلى أسلوب توفير
المضمون الذي تنشأ عنه المجموعة
الدولية تلقائيًّا أو تحت ضغوط
الواقع والمصالح المرتبطة به،
ولتوجيه الاهتمام إلى هذه المنطقة
مكانة متقدّمة لأسباب عديدة لا مجال
للتفصيل فيها، باعتبارها أحد
المرتكزات الرئيسية لخامات تقدّم
الغرب ووقوده، وكذلك لهيمنته
وعولمته، وباعتبار المعطيات
المتوافرة فيها لتنمية القدرات
الذاتية لكل دولة على حدة، ولمجموعة
الدول النامية على السواء، وباعتبار
موقع "عنصر التكتل" المحوري في
صناعة القرار في الحقبة التاريخية
المقبلة.
*
مثال التعامل المقصود في هذا المجال
إعطاء الأولوية للمشاريع التطويرية
التي تربط بين البلدان المعنية
إقليميا، على صعيد البنية التحتية أو
على صعيد الإنتاج وتكامله، والتحرّك
تجاه الشركات الغربية العملاقة وتجاه
الحكومات الغربية الأقوى
اقتصاديًّا، تحركًا جماعيًّا قدر
الإمكان، أو بخلفية المصلحة المشتركة
لأكثر من دولة إقليميًّا، وهو ما يمكن
عند تكراره واستمراره أن يجعل الطرف
الغربي، الرسمي والخاص، يضع في
حساباته مسبقًا أنّه لا يستطيع
الانفراد بدولة دون أخرى؛ محققًا عبر
ذلك الفائدة الكبرى على حساب تلك
الدول جميعًا.
*
ومثال آخر على هذا الصعيد هو ما يمكن
أن تساهم به الدول الأقدر ماليًّا
كالدول النفطية، أو الدول الأقدر
بخبراتها العلمية الوطنيـة، أو الدول
الأقدر على التأثير السياسي
إقليميًّا؛ لمواجهة الآثار السلبية
لقرار غربي على دولة معينة من دول
الجنوب، كقرار المقاطعة كما هو الحال
مع أفغانستان، أو الإهمال كما هو
الحال مع الصومال، أو ابتزاز خطوات
سياسية كما هو الحال مع موريتانيا.
اقرأ
أيضاً:
|