|
في الوقت الذي تتصاعد فيه التهديدات التي تواجه المنطقة العربية، تتجه الأنظار عادةً إلى جامعة الدول العربية؛ علَّها تستطيع القيام بدور في دفع الخطر أو وضع حد لاعتداءات القوى المعادية، أو النجاح في بلورة موقف عربي موحد، يمكن من خلاله التصدي لها والتعامل معها..
وقد بنت الشعوب العربية آمالاً عريضة على هذه الجامعة باعتبارها المنظمة الأم التي انتظمت في ثناياها كل الدول العربية، غير أن هذه الآمال كانت في الواقع أكبر من إمكانات الجامعة ومن هامش الحركة المتاح لها؛ فجاء إخفاقها في تحقيق هذه الآمال محبطًا لتلك الشعوب من ناحية، وفاتحًا الباب أمام دعاة التشرذم والقطرية من ناحية أخرى.
وباعتبارها منظمة دولية ذات طابع سياسي؛ فقد كانت غاية الجامعة العربية في نظر الشعوب العربية هي تحقيق الاستقلال والأمن لدولها، والسعي نحو تحقيق التضامن والوحدة العربية، غير أن طريق الجامعة قد اعترضته عقبات عدة، أدت إلى فشلها في تحقيق تلك الأهداف التي جاء بها ميثاقها؛ الأمر الذي قاد إلى مزيد من الشك في قدرتها على العمل والإنجاز.
وسنسعى إلى تتبع أزمة الفعالية التي تعاني منها جامعة الدول العربية؛ مستعرضين مظاهر هذه الأزمة وأسبابها ووسائل التغلب عليها:
أولاً: مظاهر أزمة الفعالية في جامعة الدول العربية:
تتعدد مظاهر أزمة الفعالية التي تعاني منها جامعة الدول العربية بتعدد الأهداف التي أنيط بالجامعة أمر القيام على تحقيقها، وذلك لأن قرارات ميثاق الجامعة وما ألحق به من وثائق، لا سيما اتفاقية الدفاع العربي المشترك والتعاون الاقتصادي لعام 1950، تمكننا من القول: إن ثمة أهدافًا أمنية وسياسية واقتصادية وتنظيمية تضمنتها هذه الوثائق، وسعى واضعوها إلى تحقيقها من وراء إنشاء هذه المنظمة.
(أ) فيما يتعلق بالجوانب الأمنية، يلاحظ أن دافع الأمن أحد أهم الدوافع- إن لم يكن أهمها على الإطلاق- وراء إنشاء جامعة الدول العربية، ويشمل هذا
الدافع جانبين أساسيين، أولهما: ضمان الأمن الفردي والجماعي للدول الأعضاء في مواجهة الدول غير الأعضاء في المنظمة، وذلك بخلق الآليات الكفيلة بتحقيق الدفاع الشرعي ضد أي عدوان قد تتعرض له إحدى الدول الأطراف في المنظمة أو
بعضها من جانب دول ليست أعضاء فيها، وثانيهما: ضمان الأمن في العلاقة بين الدول الأعضاء في المنظمة، بمعنى الحيلولة دون تصاعد نزاعاتهم المشتركة إلى حد التصادم العسكري، وذلك من خلال خلق الآليات الكفيلة بتحقيق التسوية السلمية لمنازعاتهم، وهو ما جاء بكل من: نص المادة الخامسة والسادسة من ميثاق الجامعة، ونص المادتين الأولى والثانية من اتفاقية الدفاع المشترك والتعاون الاقتصادي لدول الجامعة لعام 1950م.
والحق أنه يمكننا في هذا الصدد أن نسجل الملاحظات التالية:
1- أخفقت الجامعة إخفاقًا واضحًا فيما يتعلق بضمان وحماية أمن الكثير من الدول الأعضاء فيها ضد الاعتداءات الموجهة إليها من جانب دول ليست أعضاء؛ فبدءًا من عام 1948- بعد ثلاث سنوات فقط من إنشاء الجامعة- تمكنت الجماعات الصهيونية المسلحة من التغلب على قوات جيوش دول عربية، وتمكنت بالتالي من احتلال أرض فلسطين العربية، مرورًا بالعدوان الثلاثي على مصر عام 1956م، والعدوان الإسرائيلي على أرض ثلاث دول عربية هي: مصر وسوريا والأردن عام 1967، ووصولاً إلى احتلال إريتريا لبعض الجزر اليمينية في مدخل البحر الأحمر، ثم الاعتداء الإسرائيلي على لبنان في إبريل عام 1996م، وغير ذلك الكثير من الاعتداءات التي تعرضت لها الدول العربية، ولم تفعل بصددها الجامعة شيئًا ذا بال؛ فلقد بقيت أحكام اتفاقية الدفاع العربي المشترك، ومن قبلها أحكام المادة السادسة من ميثاق الجامعة، نافذة وسارية المفعول كلامًا، ولم توضع موضع التطبيق الفعلي عملاً.
2- إن نجاح الجامعة العربية في مجال التسوية السلمية
للمنازعات العربية-العربية، كان محدودًا للغاية، ومن مظاهر ذلك أنه من بين سبعة وستين نزاعًا بين الدول العربية في الفترة من 1945-1981 لم تقم الجامعة إلا بتسوية ستة نزاعات فحسب، وذلك بنسبة مئوية لا تكاد تبلغ 9%.
3- أدت أزمة احتلال العراق للكويت، والتي تعد أبرز
أزمات العلاقات العربية-العربية على الإطلاق، وأكثرها تأثيرًا على الأمن والتضامن العربيين، إلى هزة عنيفة أصابت جامعة الدول العربية وكيان التنظيم الإقليمي العربي كله؛ فلقد عجزت الجامعة عن التعامل الإيجابي مع هذه الأزمة، بما يكفل إيجاد حل سلمي لها في إطار عربي يقي العرب مخاطر التدخلات الأجنبية في شئونهم الداخلية.
خلاصة القول: أن الإخفاق وعدم الفعالية
كانا هما الأصل، وكان النجاح هو الاستثناء، في تجربة جامعة الدول العربية إزاء جوانب الأمن والدفاع.
(ب) وفيما يتعلق بالجوانب السياسية؛ فإنه ليس ثمة شك في أن التنسيق السياسي كان في مقدمة الأهداف التي سعت الدول العربية إلى تحقيقها من وراء إنشاء الجامعة، وإذا كانت الأخيرة قد استطاعت من خلال قراراتها ومواقفها، بالإضافة إلى المبادئ والأهداف التي تحددت في ميثاقها، أن تبلور ملامح موقف عربي موحد إزاء عدد من القضايا ذات الأهمية، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية وقضايا الأمن والدفاع عن المنطقة العربية، وعدم التدخل في الشئون الداخلية للدول العربية.. فإن مثل هذا الموقف لم يكن إلا تعبيرًا عن الحدود الدنيا التي لا ينبغي تخطيها في التعامل مع قضايا معينة، دون أن يعني تماثلاً مطلقًا في المواقف التي تتخذها كل دولة من هذه الدول على حدة، ودون أن يعني تماثلاً في درجة التأييد بين كل دول المجموعة إزاء موقف معين.
والحق أن الجامعة العربية قد تمكنت في هذا الصدد من خلق آلية جديدة لم ينص عليها ميثاق، لتحقيق درجة أعمق من التنسيق والتعاون السياسي بين دولها، تمثلت في مؤتمرات القمة العربية، والتي تعد قناة فعالة للعمل العربي المشترك، خاصة في الأوقات الحرجة التي تتطلب سرعة في اتخاذ القرار والسعي إلى تنفيذه، فمما لا شك فيه أن دبلوماسية القمة هذه، لا سيما بعد أن قدر لها أن تتمتع بصفة الدورية أخيرًا، من شأنها أن تزيل خصومات شتى وتهيئ الفرصة لحل مشاكل تبدو مستعصية بين الدول العربية بعضها البعض.
غير أن ما تقدم لا ينفي حقيقة أن التنسيق السياسي العربي ما زال في أدني درجاته، وليس أدل على ذلك من الخلافات الكثيرة المثارة بين الدول العربية، وفي القلب منها منازعات الحدود.
(ج) وفيما يتعلق بالجوانب الاقتصادية؛ فإن تحقيق التعاون الاقتصادي بدرجاته المختلفة، وصولاً إلى التكامل والوحدة الاقتصاديين، يمثل هدفًا أساسيًا من أهداف أي تنظيم دولي إقليمي.
وهو ما جرى به نص المادتين الثانية من ميثاق جامعة الدول العربية، والسابعة من معاهدة الدفاع العربي المشترك والتعاون الاقتصادي، والحق أنه إذا كانت ثمة إنجازات في الميدان الاقتصادي قد تحققت، من قبيل معاهدة الوحدة الاقتصادية لعام 1957 والتي صادقت عليها خمس دول عربية، ومشروع السوق العربية المشترك لعام 1964 والذي كان يهدف إلى إقامة اتحاد جمركي بين الدول الأعضاء تتحرر فيه معاملاتها المشتركة من كافة الرسوم الجمركية.. فإنه مما يعيب هذه المعاملات- وما شاكلها- أن القليل منها هو الذي تحقق على أرض الواقع، بينما بقيت غالبيتها مجرد حبر على ورق.
ثانيًا: أسباب أزمة الفعاليات في جامعة الدول العربية:
من الممكن أن نصنف أسباب أزمة الفعاليات هذه في مجموعتين أساسيتين، تشمل أولاهما الأسباب القانونية والتنظيمية، وتشمل الثانية الأسباب السياسية:
(أ) فيما يتعلق بالأسباب القانونية والتنظيمية نلاحظ أنها تشمل كلاًّ من نظام التصويت واتخاذ القرار، وكيفية إعمال نظام الأمن الجماعي، وغياب محكمة العدل العربية، وذلك على التفصيل التالي:
1- نظام التصويت واتخاذ القرار: جرى نص المادة السابعة من ميثاق الجامعة على أن ما يقرره مجلس الجامعة بالإجماع يكون ملزما للجميع، وما يقرره بالأكثرية يكون ملزما لمن يقبله.
وبدهي أن اللجوء إلى قاعدة الإجماع يحد من عوامل التضامن الموضوعية التي تجمع بين الدول العربية، في عدة ميادين؛ إذ يبقى بإمكان أية دولة أن تتستر بمبدأ السيادة؛ للحيلولة دون صدور قرارات تتصل بقضايا ذات أهمية جماعية أو قومية الأمر الذي ساهم إلى حد كبير في شل إرادة المنظمة وأضعف من فاعليتها.
2- نظام الأمن الجماعي: الواقع أن نصوص الميثاق المتعلقة بهذا الموضوع يعتريها القصور من نواحٍ عدة؛ فهي تتطلب من ناحية أن يصدر قرار مجلس الجامعة بالتدابير اللازمة لرد العدوان بالإجماع، وهو ما يعني أن رأي أية دولة من الدول الأعضاء يمكن أن يشل المجلس عن اتخاذ ما يلزم من قرارات، وهي من ناحية أخرى لم تحدد معيارًا لما يعد عدوانًا، ولم تتحدث عن التدابير اللازمة لمواجهة العدوان ولا عن ماهيتها أو الجهاز المنوط به تنفيذها، وهي من ناحية ثالثة لم تحدد العقوبات التي يمكن أن توقّع على المعتدي أو المساعدات التي ينبغي أن تقدم لضحية العدوان؛ لذلك فإن الميثاق لم ينشئ الأداة القادرة على تنفيذ تدابير القمع بصفة خاصة إذا ما تعلق الأمر باستخدام القوة المسلحة.
3- غياب محكمة العدل العربية: على الرغم من نص الميثاق في المادة 19 منه على أن قيام مثل هذه المحكمة هو من المسائل ذات الأولوية عند بحث تعديله، وعلى الرغم من إقرار مجلس الجامعة في عام 1950 مشروع تأسيسها؛ فإن شيئًا في هذا السبيل لم يتحقق حتى الآن، رغم أن تعقّد أجهزة الجامعة، وتزايد عدد الدول الأعضاء فيها، يتطلبان وجود جهاز قضائي يصدر أحكامًا ملزمة في الخلافات التي تنشب بين الدول الجامعة من ناحية، ويقدم الفتاوى والاستشارات إلى مختلف أجهزتها ووكالاتها المتخصصة من ناحية أخرى.
(ب) أما فيما يتعلق بالأسباب السياسية؛ فيمكن حصرها في غياب الإرادة السياسية وطبيعة الظروف والتحديات الدولية المحيطة بالمنظمة:
1- غياب الإرادة السياسية: ذلك أن الجامعة تعاني، ليس فقط من ضعف في بنيتها وجوانبها التنظيمية، وإنما كذلك من عدم قدرة الدول الأعضاء أو عدم رغبتها في أن تعمل في دأب لإنفاذ برامج تستهدف الصالح المشترك، ولعل من أبرز مظاهر ذلك انخفاض مستوى تمثيل الدول في اجتماعات مجلس الجامعة، والتقاعس عن الوفاء بالالتزامات المالية الواجبة عليها، كذلك فإن الكثير من هذه الدول تغلّب المصلحة القطرية الضيقة على المصلحة القومية العامة، سواءً في تعاملها بعضها مع بعض، أو في تعاملها مع دول العالم الخارجي.
2- التحديات الدولية والإقليمية: جوبهت الجامعة العربية بتحديات دولية وإقليمية حالت- من بين أسباب أخرى- دون تمتعها بالفعالية؛ فلقد تأثرت الجامعة إلى حد كبير في تصديها للأهداف الغربية بطبيعة المناخ العام المسيطر على العلاقات الدولية، لا سيما فيما بين القوى الكبرى الفاعلة في النظام الدولي؛ فعلى سبيل المثال أدت الثنائية إلى إصابة المنظمة في بعض فترات حياتها بالعجز والشلل، إذ انقسمت الدول الأعضاء فيها بين منحاز لأحد القطبين ومنحاز للقطب الآخر؛ الأمر الذي كان له أكبر الأثر في الحد من فعاليتها، كذلك فإن عقد مصر لمعاهدة سلام مع إسرائيل- والذي كان بشكل أو بآخر مظهرا من مظاهر تدعيم علاقتها بالغرب على حساب علاقتها بالاتحاد السوفيتي وحلفائه- أدى إلى قيام خلافات حادة بينها وبين معظم الدول العربية، وهو ما انعكس بدوره أيضًا على أداء الجامعة وفعاليتها.. أما على المستوى الإقليمي؛ فقد تعددت التحديات التي واجهها النظام الإقليمي العربي من جانب بعض دول الجوار (تركيا- إيران- أثيوبيا) غير أن هذه التحديات تظل قليلة الأهمية إلى جانب التحدي الأكبر لهذا النظام والذي يتمثل في وجود إسرائيل الاستعماري الاستيطاني على أرض فلسطين.
حاصل القول أن ثمة مظاهر وأسبابًا عديدة لأزمة الفعالية التي تعاني منها جامعة الدول العربية؛ حيث جاءت إنجازاتها دون المستوى المتوقع والمأمول في كافة المجالات والميادين.
ويمكننا في هذا السياق أن يسجل مجموعة من المقترحات الهادفة إلى معالجة أوجه القصور التي تعاني منها الجامعة، بما يسمح بتحقيق أكبر قدر ممكن من الأهداف المنوطة بها والآمال المعقودة عليها، ومن ذلك: وجوب تعديل الميثاق من أجل تعزيز الاتجاه نحو الأخذ بمبدأ الأغلبية، دون الإجماع في اتخاذ القرارات داخل أجهزة الجامعة، مع ضرورة النص على تمتع مثل هذه القرارات بقوة النفاذ الفعلي والمباشر داخل أقاليم الدول الأعضاء. ويرتبط بهذا كذلك ضرورة تعديل النصوص الخاصة بموضوعات الأمن الجماعي والتسوية السلمية للمنازعات بما يسمح بخلق الآليات الكفيلة- على مستوى الواقع وليس على مستوى المنصوص فحسب- بضمان أمن الدول الأعضاء في الجامعة، وضمان تسوية منازعاتها بشكل سلمي.
ومن ذلك أيضًا وجوب إدخال مشروع محكمة العدل العربية حيز النفاذ، بحيث تضطلع من خلال اختصاصها القضائي الملزم، ومن خلال ما تقدمه من فتاوى وآراء استشارية، بأمر التسوية السلمية لما ينشأ بين الدول العربية من منازعات، فضلاً عن قيامها بتفسير الميثاق وما قد يعقد بين الدول العربية من معاهدات.
وغني عن البيان في هذا الصدد أن أية محاولة جادة لتفعيل الجامعة، ومعالجة أوجه القصور التي تعاني منها، إنما تفترض إعادة النظر في نظر الجزاءات التي توقع على الدول المخالفة لأحكام مواثيقها المنشئة، وذلك على اعتبار أن وجود نظام قوي وفعال للجزاءات والمساءلة في نطاق المنظمة الدولية يعد أحد الشروط الضرورية التي تكفل لها النجاح والفعالية.
كذلك؛ فإن تفعيل آلية مؤتمرات القمة العربية، وهي الآلية التي استخدمها مجلس الجامعة في الممارسة دون أن يكون ثمة نص عليها في الميثاق، من خلال تقنيتها وتحديد علاقتها بمجلس الجامعة، وبحيث يتعين على الأخير احترام ما يصدره المؤتمر من قرارات، ويقتصر المؤتمر في مباشرة مهامه على الأمور ذات الأهمية القصوى مع ترك الأمور الأقل أهمية للمجلس.. قد يكون حلا ملائمًا لمشاكل أزمة الفعالية التي تعاني منها الجامعة، وذلك بالنظر إلى ما تتمتع به القمة من القدرة على اتخاذ قرارات سريعة، بالإضافة إلى ما يعنيه التئام شملها، وتعبير المشاركين فيها عن التمسك بالمصالح والأهداف العربية الكبرى من قدرة على العمل المشترك.
اقرأ
أيضا :
العالم
العربي: حتمية التغيير التدريجي
المنطقة
العربية بين الحرب والسلام - رؤية
إستراتيجية
الديمقراطية
العربية..إهدار الوعي الشعبي
القمة
العربية..لهجة خطابية شديدة وأفعال
قليلة
القيادات
العربية الجديدة ومستقبل النظم
السياسية العربية
القمة
العربية.. النتائج والآمال
|