|
اهتمام
كبير أبدته مختلف أطراف قضية الخلاف
الحدودي بين قطر والبحرين بقرار
محكمة العدل الدولية الذي صدر يوم
الجمعة الماضي منهياً النزاع. وإذا
كان هذا الاهتمام طبيعياً من قبل
الدولتين قطبي النزاع، فإن الدول
الخليجية والعربية - المعنية بالوضع
في منطقة الخليج ومنظومة الخلافات
البينية فيها - لم تُخف هي الأخرى
ترقبها الشديد لما سيسفر عنه المسلك
القضائي للخلاف.
وبينما
بدا أن دوافع الاهتمام الخليجي
والعربي تتركز أساساً في الحرص على
إنهاء هذا النزاع بين دولتين جارتين
بشكل سلمي ودون إثارة حفيظة أي منهما،
فإن الطريقة التي تمت بها تسوية هذا
الملف الشائك تستحق مزيداً من
الاهتمام والنظر بتعمق في دلالاتها
وأبعادها القائمة والمحتملة.
نهاية
انتظرها الطرفان
جاء
الحكم الذي أصدرته محكمة العدل
الدولية قبل يومين بصورة تبدو
متوازنة بين الموقفين البحريني
والقطري، حيث لم تؤيد المحكمة أياً
منهما بشكل كامل، بل تجدر الإشارة إلى
أن المحكمة نظرت في النزاع بشكل أوسع
مما بدأت به عندما بادرت قطر برفع
القضية إليها في سبتمبر 1991.
وقد
أعطى حكم محكمة العدل الدولية لقطر
الحق في السيادة على منطقة "زبارة"،
وكذلك على جزيرة "جنان"، ومنطقة
"فشت الديبل" وأن يكون لسفنها حق
المرور في المياه الإقليمية للبحرين،
التي تفصل بين جزر حوار عن غيرها من
الجزر البحرينية. بينما اعترفت
المحكمة للبحرين بالسيادة على جزر
"حوار"، وجزيرة "جرادة" كما
قامت المحكمة بترسيم الحدود البحرية
بين الدولتين.
ويبدو
من ظاهر الحكم أنه جاء متوازناً إلى
حد كبير، وهو أيضاً ما تشير إليه حالة
الرضا التي سادت الأوساط البحرينية
والقطرية على حد سواء. لكن تقييم
الحكم - أو بعبارة أدق تقييم ما جاء به
بالنسبة إلى كل طرف - ينبغي ألا يعتمد
على مجرد "ترضيته" للطرفين، ولا
بنظرة "كمية" لمضمونه مثل توزيع
المطالب والسيادة على الدولتين بنسب
متقاربة. وإنما المفترض أن ينطلق
النظر لقرار محكمة العدل وفقاً
لمعيارين أساسيين: الأول هو مدى دقة
وحياد المحكمة في تناول الأدلة
والدوافع المقدمة لها، وهذا بدوره لا
يتم إلا بقياس التزامها بالقواعد
القانونية المعترف بها. والمعيار
الثاني، هو مدى تلبية الحكم للمطالب
الخاصة بكل طرف.
بالنسبة
للتقييم القانوني، فمن الطبيعي ألا
يملك القدرة على تقييم هذه الجوانب
إلا القانونيون المتخصصون في مثل هذه
القضايا. ونشير هنا إلى الرأي الذي
أبداه القانوني الأردني المعروف عون
شوكت الخصاونة - أحد قضاة محكمة العدل
الدولية - حيث أبدى بعض التحفظ على عمل
المحكمة وطريقة تعاملها مع الملفات
المعروضة أمامها، وبالتالي الحيثية
التي استندت إليها في حكمها الصادر.
أما
بالنسبة لمدى تلبية الحكم لمطالب
كلتا الدولتين، فمن اللافت أنه في
غمرة الترحيب الكبير الذي أبدته
المنامة والدوحة بالحكم تم إغفال عدم
تلبية الحكم لمطالب أي من الطرفين
كاملة، ولم تصدر أية إشارة من أحد
الجانبين إلى وجود نقاط له وأخرى في
صالح الجانب الآخر.
وليس
المقصود هنا التشكيك في صحة الحكم أو
سلامته القانونية، ولا أيضاً في
عدالته بالنسبة لمطالب الدولتين
وموقفيهما عند عرض النزاع على
المحكمة، لكن الغرض من الإشارة إلى
النقاط السابقة الخروج بالمغزى
الكامن وراء الحكم وموقف الدولتين
طرفي الخلاف منه. فمعنى أن الحكم تعرض
للانتقاد من أحد قضاة المحكمة ذاتها،
وفور صدور الحكم، إضافة إلى
الاحتفالات وحالة الابتهاج الكبيرة
التي سادت شعبي وحكومتي الدولتين، أن
قرار محكمة العدل الدولية تحول في
التحليل النهائي إلى غاية في حد ذاته،
وليس مجرد وسيلة لتسوية الخلاف.
وكأن
كلا الطرفين قد اقتنع أخيراً -بعد عدة
سنوات من استمرار عرض النزاع على
المحكمة- بأن هذا النزاع لا بد وأن
ينتهي وتُطوى صفحته، بغض النظر عما
إذا كان الحكم سيأتي منصفاً أو مجحفاً
من وجهة نظر كل طرف. وبالفعل فإن
الرجوع إلى سلوك المسؤولين الرسميين
في الدولتين مع اقتراب صدور الحكم
يدعم هذا التحليل، حيث بدا واضحاً أن
هناك رغبة قوية في التقارب وتجاوز هذا
الملف، والاعتماد على حجية ومرجعية
محكمة العدل الدولية في اعتبار ما
سيصدر عنها الكلمة الفيصل في هذا
الخلاف، فضلاً عن المعروف مسبقاً من
أن الحكم واجب التنفيذ وغير قابل
للاستئناف أو الطعن فيه.
ردود
أفعال متجانسة
يشير
إجماع ردود الفعل الإقليمية والدولية
إلى الارتياح والترحيب بإغلاق ملف
النزاع القطري-البحريني بعد القرار
الذي أصدرته محكمة العدل الدولية يوم
الجمعة الماضي، إلى الأهمية غير
المسبوقة التي اتسم بها ملف ذلك
النزاع، بعد أن حفل عبر تاريخه
بتطورات وأحداث متباينة تراوحت من
الانفراج إلى التوتر الشديد والعكس.
كذلك
يأتي اتساق المواقف الرسمية والشعبية
سواء داخل قطر والبحرين أو على
المستوى الخليجي والعربي، بعد تكهنات
متباينة حول مضمون الحكم واحتمالات
أن يأتي قريباً من موقف إحدى الدولتين
على حساب الأخرى. وكان من الطبيعي إثر
ذلك أن تسود الأوساط العربية
والخليجية على وجه الخصوص حالة من
الترقب لرد فعل كلتا الدولتين على
قرار المحكمة، لكن الموقف الرسمي
الذي صدر عن المنامة والدوحة فور
إعلان حكم محكمة العدل الدولية زاد من
ارتياح وترحيب الدول العربية
والأجنبية بانتهاء القضية على هذا
النحو، وهو أيضاً ما بدا من موقف
جامعة الدول العربية ومجلس التعاون
لدول الخليج العربية.
وتجدر
الإشارة هنا إلى صعوبة كبيرة كانت
ستواجه الدول العربية وخاصة الخليجية
منها وكذلك المنظمات الرئيسية
والفرعية القائمة على المستويين (الخليجي
والعربي) إذا لم تقبل المنامة أو
الدوحة بالحكم، إذ كانت الأطراف
المعنية ستواجه معضلة كبيرة ليس فقط
في التعامل مع الدولتين في ظل الموقف
الجديد وحسب، وإنما أيضاً لانعكاس
هذا الأمر على المنظومة الإقليمية
الخليجية ومن حولها العربية بالضرورة.
وربما
يفسر هذا الوضع الافتراضي حالة
الارتياح وترحيب الكبير التي عمّت
الدول الخليجية والعربية، وكذلك
جامعة الدول العربية ومجلس التعاون
لدول الخليج العربية. فقد حملت
المحكمة، ثم بالأخص موقف الدولتين
طرف الخلاف، عبئاً كبيراً عن كاهل
الأطراف الأخرى.
دلالات
مهمة
يحمل
انتهاء النزاع الحدودي بين الدولتين
بهذا الأسلوب دلالات مهمة على أكثر من
مستوى، إذ يمثل إغلاق الملف بهذه
الطريقة سابقة في تاريخ العلاقة بين
دول الخليج، سواء من حيث اللجوء إلى
التحكيم الدولي تحديداً أو اعتماد
المسلك القانوني على وجه العموم
وسيلة لتسوية تلك النوعية من
النزاعات؛ فضلاً عن كونها المرة
الأولى التي تنظر فيها محكمة العدل
الدولية -منذ نشأتها قبل أكثر من نصف
قرن- في نزاع خليجي-خليجي. ومن الطبيعي
أن يفتح نجاح تلك التجربة غير
المسبوقة خليجياً الباب أمام إمكانية
تكرارها في حالات أخرى سواء تتعلق
بخلافات حدودية أو غيرها.
وفي
حين قد تعتبر بعض الأطراف العربية
والإقليمية هذا أمراً محموداً، من
الوارد كذلك أن تحاول أطراف أخرى
الابتعاد عن هذه المقارنة. وربما كان
الخلاف بين دولة الإمارات وإيران حول
الجزر الثلاث (طنب الكبرى، وطنب
الصغرى، وأبو موسى) أقرب الأمثلة على
هذا، إذ تضمنت المواقف والتعليقات
التي خرجت من أبوظبي وكذلك من بعض
العواصم الخليجية والعربية دعوة
صريحة لإيران بإبداء مرونة بشأن هذا
الخلاف، سواء بقبول التفاوض حوله أو
إحالته للتحكيم.
لكنّ
ثمة وجها آخر لهذه الدلالة: فمعنى
نجاح أسلوب تسوية الخلاف بهذه
الطريقة، أن رصيداً جديداً يضاف إلى
الفشل العربي في حل الخلافات البينية.
ومع أسف أن هذه القضية تُسلط الضوء
على جانب آخر من الإخفاقات العربية
المتعددة، وهو النواحي القانونية
والقضائية. فلو أن محكمة العدل
العربية تحولت إلى أمر واقع ولم تظل -كما
هو الحال- مجرد مشروع مقترح، فربما
كانت هي الأجدر بالتعاطي مع مثل هذا
الملف الشائك.
والمغزى
الأبعد في هذه المسألة أن احتمالات
لجوء أي طرف عربي إلى المحكمة الدولية
أو أي تنظيم دولي أو حتى دولة أجنبية
لتسوية خلاف بيني قد تدعمت بنجاح تلك
التجربة، خاصة أن هذا النجاح جاء بعد
وساطات عربية عديدة جرت على مدى
السنوات الماضية، بما في ذلك العقد
الأخير أي أثناء عرض النزاع على محكمة
العدل الدولية.
ولا
تقف دلالات إغلاق ملف النزاع الحدودي
القطري-البحريني بالوسائل القانونية
عند أسبقيته في اتباع هذه الوسائل
وإمكانية تكرار ذلك. فبالنظر إلى
تاريخ النزاع يمكن الخروج بنتيجة
مهمة مفادها أن منحنى تطور أي خلاف أو
نزاع لا ينبغي بالضرورة أن يكون في
اتجاه واحد صعوداً أو نزولاً. فقد كاد
الخلاف بين المنامة والدوحة يتحول
أحياناً إلى مواجهة مسلحة، وذلك
عندما وصل الخلاف إلى ذروته كما حدث
عامي 1986 و1992. وبالتالي فإن احتدام
الخلاف حول أية قضية أو توتر العلاقة
بين دولتين في فترة معينة لسبب أو
لآخر لا يعني بالضرورة عدم قابليته
للتسوية سلمياً، بل وأيضاً بصورة
مرضية للطرفين معاً.
لكن
يبقى السؤال: إذا كانت تسوية النزاعات
العربية-العربية ممكنة، حتى لو وصلت
هذه النزاعات إلى الاقتراب من
المواجهة المسلحة، فلِمَ لا يتم
تسويتها في داخل الإطار العربي؟ بل
لِمَ لا تتم تسويتها أساساً؟
اقرأ أيضًا:
|