بريدك الالكتروني


English

 
 

اسألوا أهل الذكر

|

معًا نربي أبناءنا

|

الحج والعمرة

|

الزكاة

|

صحية

|

دعوية

|

إيمانية

|

شبابية

استشارات:

 

في الموقع أيضًا:

المنطقة العربية

إستراتيجيات |القضية الفلسطينية | المنطقة العربية | بقية العالم الإسلامي | آسيا | أوروبا وأمريكا الشمالية وأستراليا | إفريقيا | شئون عالمية | رواق الأفكار | مساهمات الزائرين


العالم العربي: حتمية التغيير التدريجي

26/2/2001

د. حمزة زوبع

في عام 1989 حين ثارت الشعوب في أوروبا الشرقية وتمردت على الشيوعية وعلى قادتها وأعدم الرومانيون زعيمهم الملهم "نيقولاي شاوشيسكو"، ثار في نفسي سؤال: هل يمكن أن يحدث ذلك في بلادنا، إلا أنني أدركت أن ما يحدث في أوروبا آنذاك لن يحدث عندنا في المنظور القريب؛ وذلك للأسباب التالية:

1- سيطرة الدول على الإعلام، فأجهزة الإعلام الرسمية لا تعرف سوى الحكومة والحزب الحاكم وأنصاره، أما غيرهم من المواطنين الشرفاء فهم "رجس من عمل الشيطان"، يجب ألا يقربوا هذه المواقع، وعليهم أن يتمتعوا بالمشاهدة أو فليضربوا رؤوسهم بالحائط. ولم تعرف أجهزة الإعلام الرسمية آنذاك كلمة الرأي الآخر؛ لأنهم يعتقدون أنه لا حاجة للرأي الآخر ما دام الرأي الأول موجودًا وحاكمًا، ويكفي أن أحد القادة العرب صرّح في لقاء معه على قناة الجزيرة بأنه لا حاجة للمعارضة في بلاده؛ لأن المعارضة (ح تعارض إيه.. ح تعارض الشعب؟! تبقى معارضة خاينة لأن الشعب هو اللي بيحكم) على حد قوله!.

2 - الحالة الأمنية شديدة التعقيد والتداخل بين المهددات الخارجية والداخلية والتي استفاد منها الحكم في العالم العربي، فالإرهاب سبب قوي لمنع وصول المعارضة إلى الإعلام، والحرب مع إسرائيل ذريعة لدى البعض؛ لكي يبرر إحكام قبضته الأمنية على الشارع بكل أطيافه، وهناك دائمًا عدو يتربص بالوطن وإن لم يكن فإن البعض قادر دائمًا على خلق هذا العدو وترويجه من أجل إبقاء الوضع على حالته، وفي ضوء هذه الحالة انبثقت إجراءات تحول بين المعارضة وبين الوصول إلى المعلومات التي تمكنها من معرفة حقيقة ما يدور في بلادنا، وهكذا زادت حالة الأمن من حالة التعتيم، وليس سهلاً كسر هذا الطوق من التعتيم المعلوماتي والإجراءات الأمنية التي تلاحق كل باحث عن الحقيقة، وترتب على ذلك سجن كل معارض يرى الفساد، لكنه لا يستطيع أن يأتي بدليل، فهو يشم رائحته ولا يكاد يلمسه؛ لأن لمسه أشبه بالرقص على الجمر.

3 - الحالة الثقافية التي نعيشها في عالمنا العربي والمتمثلة في نظرية المؤامرة والتي استثمرتها بعض الدول في التخويف من تقليد الغرب، فتارة يتدخل رجل الدين لكي يلعن الديمقراطية ويحذر الناس من ممارسة حقوقهم؛ لأن ولي الأمر يعلم أكثر منا، وتارة يكون الحديث عن احترام السلطة والسلطان فذلك من تقاليدنا، لكنهم جميعًا نسوا في لحظة ما، أن العدل من أركان الدولة، وأن الحرية التي تُمنح يمكن أن تُمنع، وأن الحكم أو البيعة عقد قائم ما التزم الطرفان…

كل ذلك ساهم في عدم لحاقنا بقطار التغيير الذي طال دولاً كان يطلق عليها دول الستار الحديدي؛ وذلك لما لديها من أجهزة أمنية وعسكرية تحول بين حدوث أي اختراق داخلي أو خارجي.

مظاهر التحول

واليوم وبعد مرور أكثر من اثني عشر عامًا أزعم أن تغيرات عالمية حدثت تجعل من التغيير ضرورة حتمية قادمة لا يمكن أن يعترض طريقها إلا مغامر. وأعني بالتغيير هنا التحول التدريجي في قبضة الدولة الحديدية على مقاليد السلطة في العالم العربي، بمعنى زيادة مساحة التلاقي الرسمي والشعبي سواء كانت هذه الزيادة برغبة الحكومات أم رغمًا عنها، نتيجة زيادة مساحات دور الشعوب، وهذه بعض الشواهد:

1- الكثير من الدول العربية اعتمدت النموذج الاقتصادي الغربي القائم على اقتصاديات السوق. ويعتمد اقتصاد السوق في الأساس على مبدأين أساسين هما الانفتاح والحرية، بمعنى إلغاء القيود على الواردات وحرية المستثمر داخل البلد المعني، وهذا يتطلب التخلص من القيود الروتينية والتي خرجت على شكل قوانين، وهذا التخلص في حد ذاته يُعَدّ تغييرًا يجب ملاحظته وتسجيله، ورغم ما عليه من مآخذ - أهمها عدم وجود فكر سياسي مساند لعملية التحول الاقتصادي - فإنه في النهاية يظل تغييرًا ملموسًا في عقلية إدارة الدولة يجب دعمه؛ لأن الخطوة التالية تتمثل في وجود فكر سياسي واعٍ يدير العملية الاقتصادية في منهجيتها الجديدة.

2- فَتَح اعتماد نهج اقتصاد السوق الباب على مصراعيه أمام ما أُسمّيه مجازًا – إعلام السوق والذي بدأ ضعيفًا وعلى استحياء، وكان يشكل واجهة لبعض رجال المال والأعمال، لكنه سرعان ما تحول إلى حقيقة وحاجة: حقيقة لأن الواقع العربي شهد مولد عشرات القنوات التي تفاوتت في مضمونها ما بين التجاري والثقافي والسياسي والفني، وحاجة لأن الإعلام الرسمي عجز عن تلبية احتياجات المواطن العربي في هذه المجالات.

لقد تسبب وجود الفضائيات في السماء العربية في حرج شديد للأجهزة الرسمية في عالمنا العربي من ناحيتين:

الأولى: أن هذه الفضائيات نقلت بقصد أو دون قصد ما يدور في العالم من حولنا، فاستفزت مشاعر المواطنين في داخل حدودها، فعندما يشاهد المواطن العربي المقهور في عالمنا العربي المواطنين الصرب وهم يتظاهرون ضد زعيمهم الروحي "سلوبودان ميلوسوفيتش" الذي تسبب في هزيمتهم العسكرية، وتردي أوضاعهم الاقتصادية، فحتمًا سيثور في ذهنه سؤال: ولماذا لا أفعل؟

وعندما تنقل كاميرات الأخبار فيلمًا عن تنازل "جوزيف إسترادا" الفنان النجم الفلبيني عن السلطة؛ لأنه مثّل على الشعب واستثمر موهبته الفنية في الاختلاس، فحتمًا سيثور في ذهن المواطن العربى: وماذا عن هؤلاء الذين يجيدون هذا الفن على مدى عشرات السنين؟

وعندما يسمع المواطن العربي عن "ألبرتو فوخيموري" رئيس بيرو وهروبه من بلده الذي كان يتمتع فيه بصلاحيات لا حدود لها، ولجوئه إلى موطن أجداده اليابان – قد يتساءل المواطن العربي: وماذا عن الذين يهربون من بلادنا وجيوبهم متخمة بأموال المساكين ولا ندري عنهم شيئًا؟

الثانية: أن الإعلام الرسمي عجز عن التحرر كلية من قيده الحكومي، مما زاد من مشكلاته، وأفقده مصداقيته أمام المواطنين الذين راحوا يبحثون عن الحقيقة في مكان آخر.

3- ومن المتغيرات التي أخذت موقعًا هامًّا من آراء المفكرين والمحللين، هو الزمن ذاته، فالقدرة على الاستمرارية هي ضد طبيعة الأشياء وضد نواميس الكون، فالحاكم مهما يطول عمره فسوف ينتهي أجله وسيأتي غيره، وحتى وإن تشابهت الجينات الوراثية فإن طبائع الأفراد تكون لها الغلبة، ومن هنا يمكننا رصد ما حدث في سوريا والمغرب والأردن والبحرين، وما قد يحدث في بلاد عربية أخرى في القريب المنظور، فلقد انتقل بشار الأسد من موقع المشاهد غير المحاسب إلى موقع الفاعل الذي ستحسب له أو عليه تحركاته، وانتقلت السلطة إليه ليديرها، على طريقته، وقد شهدنا كيف أن نائبًا بمجلس الشعب السوري خرج على الأعراف والتقاليد وطالب بمزيد من الحرية والديمقراطية، وربما نشهد مولد أحزاب جديدة هناك، وصحف جديدة كذلك، وربما لا تستمر مسيرة الانفتاح أبعد من الحدود التي ترسمها الأجهزة الحاكمة في هذه الدول، لكن في المحصلة ثمّة تغيير لا يمكن التراجع عنه.

4- هل ينكر أحدنا أن المعارضة في العالم العربي قد عادت إلى الحياة ودبت فيها الروح خلال هذين العقدين، فشاركت في الحكم في اليمن والأردن والكويت والمغرب والجزائر؟ وهل ينكر أحد أن ما حدث في مصر ووصول ممثلين عن التيار الإسلامي إلى مجلس الشعب هو تحول كبير يعود الفضل فيه إلى إسناد الأمر إلى القضاء وإلى الشارع الذي تحمل ما لا يطاق؛ لأنه كان يدرك أن هذه المرة تستحق المخاطرة؟ وهل سقوط رموز الحزب الحاكم جاء نتيجة لتحكيم القضاء فقط أم لإرادة الشعوب التي ظن البعض أنها ماتت؟

5- هل كان ممكنًا أن نرى معارضًا على شاشة التلفاز الرسمي في مصر مثلاً؟ اليوم قد نرى، ونسمع من يتجاوز ما تُعورف عليه بأنه خطوط حمراء، وما برنامج "رئيس التحرير" في الفضائية المصرية الحكومية إلا نموذج لذلك. وعلى فضائية الكويت نشاهد اليوم الوزراء والنواب والمسؤولين على الهواء وهم يتعرضون لأسئلة محرجة من مذيعين يفترض أنهم حكوميون، ولكنهم شقّوا عصا الطاعة، وسمحت لهم وزارتهم بهذه المساحة؛ لأن ذلك خير من الكبت الذي لا يؤدي سوى إلى الانفجار.

6 - الخطاب الأمني والتعامل الأمني مع المواطنين هل يجزم أحدنا أنه ما زال كما كان، أم أنه شهد تغيرًا؟ وهل كان ممكنًا قبل ربع قرن أن نشاهد وزيرًا للداخلية وهو يناشد المواطنين التقدم ببلاغات ضد رجالاته أو يعلن تحويل بعضهم للتأديب حتى ولو كان ذلك زورًا؟ وهل نالت السينما والمسرح من رجال الشرطة في مصر مثلما نالت في العشرين عامًا الماضية، مما شجع المواطنين على عدم الرهبة المطلقة من الشرطة..

حتمية التغيير التدريجي

في ظل ما ذكرته أعتقد أن الأيام المقبلة ستشهد تغيرات كبيرة وبدرجة أسرع من تلك التي استغرقت عقدين من الزمن، ويراها البعض وكأنها لا شيء، والحقيقة أننا في العالم العربي نعيش حالة "المطلق" فنريد كل شيء أو لا شيء، ورغم أن البعض يرى أن التدرج على وضعه الراهن قد يستغرق بنا قرونًا قبل أن نشهد مولد ديمقراطية حقيقية ويطالب بتغيير فوري، فإنني أخالف هذا الرأي، وهذه بعض الأسباب:

1- الهيمنة الحكومية الحالية تسيطر على كل شيء، ومن الخطأ التصور أن التغيير الثوري الجذري سيؤدي إلى نتائج أفضل، حيث ثبت من تجارب الدول التي أزاحت الشيوعية عن كاهلها أن القيادات الجديدة لم تكن مدربة بالشكل الكافي لإدارة البلاد، وما حدث بعد فترة هو عودة الشيوعيين مرة أخرى بعد فترة تربص.

2- كلفة التغيير الجذري عالية جدًّا، فهي قد تتم وفق منهج أيديولوجي يتفق معه العالم أو يختلف، ويحتاج الأمر إلى كثير من الوقت حتى تتم تهيئة الأجواء لتقبله. وما حدث في إيران استغرق عقدين وما زالت إيران تبحث عن شريك غربي نظيف يقبلها كشريك دون المساس بنهجها الإسلامي، وتقبل هي بإنجازاته الإنسانية دون تكفيره ولو سياسيًّا. وقد يحدث التغيير الجذري وفق إرادة شعبية لا فكر لها ولا منهج سوى البحث عن التغيير أو الحرية المفقودة، وهذا قد يكون مطلوبًا إذا بلغ السيل الزّبى، ولكن في غير هذه الحالة فإن التغيير يكون إلى المجهول، كما حدث في ألبانيا بعد 1992، فالنهب والسرقة والمافيا كلها ترعرعت في ظل نظام قيل إنه ديمقراطي - ولم يحدث إبان فترة الديكتاتور "أنور خوجا" التي امتدت قرابة نصف قرن.

3 - ميزة التغيير التدريجي - غير البطيء - أنه يمكّن المعارضة والرموز المستقلة من تعلم فنون القيادة والإدارة، ويجعل من الأحزاب خلية نحل لتربية كوادرها، على عكس التغيير الفوري والثوري الذي يجمّد الحالة السياسية حينًا من الدهر لحين ترتيب أوراقه، وما حدث في السودان يدلنا على ذلك، فبعد عشر سنوات من الثورة وتجميد الحالة السياسية اضطرت الثورة - الإنقاذ - إلى العودة مرة إلى حالة من الانفتاح على الآخرين، وبعد عشر سنوات فشل الإنقاذيون في إعادة اللحمة لإطارهم التنفيذي، وانشق الترابي، وراح يبحث عن حليف قد اختلف معه وحاربه بالأمس القريب.

والخلاصة: أن الوضع العربي في الوقت الراهن يشكل تحديًا كبيرًا أمام أي تغيير فوري وجذري، ولكنه في الوقت نفسه يمثل بيئة مناسبة لحدوث تغييرات متسارعة، فهو يعاني حالة من الترهّل الشديد تدفع بالحكومات إلى البحث عن مخرج، لكنها لا تقبل أن يكون المخرج هو إزاحتها؛ لذا فمن الذكاء أن يكون المخرج في مدّ يد العون وستَقْبل الحكومات؛ لأن الوقت ليس في صالح بعضها، أما مواجهة الحكومات بالشعارات المرعبة فلن يزيدها إلا إصرارًا على موقفها، وسترفع شعارها المعروف: (تقدر تزيحني.. زحني).

اقرأ أيضاً:


إستراتيجيات |القضية الفلسطينية | المنطقة العربية | بقية العالم الإسلامي | آسيا | أوروبا وأمريكا الشمالية وأستراليا | إفريقيا | شئون عالمية | رواق الأفكار | مساهمات الزائرين

 

 

«

ابحث 

«

بحث متقدم

 

أخبار وتحليلات شرعي دعوي تزكية نماء علوم وصحة ثقافة وفن حواء وآدم مشاكل وحلول وسائط متعددة

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع