|
تتركز
أبرز ملامح السياق الذي أحاط
بالتطورات الأخيرة في البحرين، في
تغير رأس السلطة، فالتطورات الأخيرة
جاءت على يد الأمير الشيخ حمد بن عيسى
آل سلمان، الذي تولى مقاليد الحكم
خلفًا لوالده إثر وفاته في مارس عام
1999. وقد ظهرت بالفعل بوادر التغير فور
تولي الأمير الجديد، سواء على
المستوى الداخلي أو الخارجي.
فداخليًّا
بدأ الأمير ببعض التغييرات المحدودة
في دوائر الحكم وصنع القرار. وربما لم
تكن هذه التغييرات معلنة، لكنها تمثل
أهمية كبيرة كمؤشر إلى توجهات الأمير
مقارنة بوالده الراحل. ومن بين هذه
التغييرات تعيين عدد من المستشارين
في المجالات السياسية والاقتصادية
والثقافية، إضافة إلى تغيير بعض رموز
أجهزة الأمن ممن تتهمهم دوائر
المعارضة البحرينية بممارسة أعمال
قمع ضد المواطنين.
ملف
"السُّنة والشيعة"
كما
تغيرت إلى حد كبير سياسة رأس الدولة
في التعاطي مع بعض الملفات الشائكة،
مثل العلاقة بين السُّنة والشيعة. وهي
قضية متشابكة ولها بُعد خارجي يتمثل
في العلاقة مع إيران من جانب، ومع
المملكة العربية السعودية من جانب
آخر. ويتمثل وجه التغير في تراجع كبير
طرأ على حدة الفصل الذي تقوم به
السلطات البحرينية تقليديًّا بين
السُّنة والشيعة - وإن كان هذا
التراجع معنويًّا وإعلاميًّا
بالأساس؛ إذ لم يُترجم إلى تحرك فعلي
إداري أو سياسي - لكنه يظل خطوة جديدة
لم تُقدم عليها الدولة من قبل.
والمعروف
أن نسبة كبيرة من سكان البحرين شيعة
(70%)، ورغم ضخامة هذه النسبة فإن الحكم
والسيطرة في معظم شؤون البلاد للسنة،
مما تسبب في اعتراضات كثيرة من الشيعة
على هذا الوضع. ووصلت تلك الاعتراضات
إلى حد إثارة بعض القلاقل
والاضطرابات من حين إلى آخر. وقد زادت
بشكل ملحوظ في عام 1994 فيما عرف في ذلك
الوقت بالانتفاضة الدستورية، رغم أن
المعارضة الشيعية بدأت في تنظيم
صفوفها قبل ذلك بفترة طويلة، خاصة عقب
قيام الثورة الإسلامية في إيران عام
1979، حيث تشكلت أولى حركات المعارضة
الشيعية في البحرين "الجبهة
الإسلامية لتحرير البحرين" في
سبتمبر من العام نفسه، ثم تشكلت بعدها
كل من "حركة أحرار البحرين
الإسلامية" التي تتخذ من لندن
مقرًّا لها، و"حزب الله - البحرين"
الذي يُعَدّ أحد أفرع "حزب الله"
التنظيم السياسي الشيعي التابع
لإيران.
استقرار
خارجي
كما
لا يمكن فصل التطورات الحاصلة في
السياسة البحرينية عن مناخ عام يحيط
بها، ليس فقط على المستوى الخليجي،
وإنما أيضًا على المستوى العربي
والعالمي. فبمنظور جيوسياسي تبدو
البحرين في موقف لا تُحسد عليه وهي
مُحاطة بثلاث دول تتمتع أكبرها (السعودية)
بنظام سياسي مستقر إلى درجة الثبات
تقريبًا. كما تتوفر لديها تقريبًا
جميع المقومات التي تتيح لحكومتها
القدرة على إبقاء الوضع القائم دون
تغيير، ودون قلق في الوقت ذاته.
وبينما
الوضع مختلف كثيرًا بالنسبة للجارتين
الأخريين (قطر والكويت)، فإن
حكومتيهما تفاعلتا أيضًا مع التكوين
السياسي في كل منهما، خاصة مع إدراك
وجود فوارق كبيرة عن الرياض في عناصر
قوة الدولة سواء من الناحية
الاقتصادية أو البشرية أو الجغرافية،
فضلاً بالطبع عن الثقل الإقليمي
والعالمي.
من
هنا وجدت المنامة أن عليها التعاطي مع
موجة الانفتاح السياسي التي تسود
العالم كله، مع التسليم بصحة الربط
بين تغير شخص الأمير والتغيرات
السياسية التالية لذلك. وهذا معناه أن
الأمير السابق كان سيمتنع بالضرورة
عن إدخال أية تغيرات، على الأقل
محاولة لإظهار التجاوب مع ما يحدث في
البيئة الخارجية.
ويبقى
السؤال، إلى أي مدى يمكن اعتبار
الإجراءات التي اتخذتها المنامة
مؤخرًا خطوة حقيقية نحو الديمقراطية؟
أو على الأقل، نحو قدر مقبول من
مشاركة سياسية حقيقية للمواطن
البحريني؟
الإجابة
تعتمد على عاملين أساسيين:
الأول: أن
يوجد ما يضمن عدم التراجع عما تم حتى
الآن من خطوات، وتنفيذ الوعود التي
قطعها الأمير بشأن إقامة حياة نيابية
سليمة، وعدم التفرقة بين طوائف
الشعب، وتحسين الأوضاع بصفة عامة.
والثاني:
قابلية الإجراءات المتخذة فعلاً وتلك
المنتظرة إلى الانتظام مستقبلاً في
هياكل ومؤسسات ثابتة.
هواجس
وشكوك
تخشى
بعض دوائر المعارضة البحرينية من
احتمالات تكرار ما حدث منذ سنوات
طويلة من قبل الأمير السابق عندما وعد
بتحسين الأوضاع السياسية؛ ولذا يطالب
هؤلاء بتقديم ضمانات حقيقية باستمرار
النهج الحالي وتحويله إلى وقائع
ملموسة.
ومقابل
هذه الرؤية المعارضة، تقول الحكومة
البحرينية وكثير من مؤيدي الخطوات
الأخيرة أن عهدًا جديدًا قد بدأ.
وأكبر دليل على ذلك الإفراج عن
المعتقلين، والعفو عن المقيمين في
الخارج، وغير ذلك من الإجراءات التي
تشير إلى جدية النظام الحاكم في سعيه
نحو الاستقرار وتوسيع مجال حرية
التعبير للمواطن البحريني.
وبين
هذه الرؤية وتلك، يمكن للمراقب أن
يرصد بعض النقاط، ربما من أهمها: أن
الإجراءات التي اتُّخِذت حتى الآن
تمثل بالفعل مرحلة ضرورية قبل
الإقدام على أي موقف جديد. فمن
الطبيعي أن يبدأ أي توجه نحو الحريات
والانفتاح السياسي بالإفراج عن
المعتقلين بسبب أفكارهم أو أنشطتهم
السياسية. ولعلّ إلغاء قانون أمن
الدولة الذي أعلنت عنه المنامة يوم
الأحد الماضي (الثامن عشر من فبراير)
يمثل بدوره محاولة أخرى من الحكومة
البحرينية لإثبات حسن نيتها وجديتها
فيما تعلنه من توجهات، وخاصة أن هذه
الخطوة تمت بناء على طلب المعارضة.
وذلك بعد أن وجّه بعض رموزها انتقادات
لهذا القانون، ورفضوا ما أعلنه
الأمير لدى لقائه بعض رموز المعارضة
عن تعليق هذا القانون أو تجميده،
معتبرين أن المطلوب هو إلغاؤه وليس
تجميده الذي يعني إمكانية العمل به
مجددًا في أي وقت. وبالفعل بادرت
الحكومة إلى الإعلان عن إلغاء
القانون عقب ظهور نتائج الاستفتاء
على الميثاق الوطني مباشرة.
وبالرغم
من ذلك، فإن هذا لا يعني وجود ضمانة
فعلية لعدم التراجع عن كل ما اتخذ من
خطوات حتى الآن، والمحدد لذلك يظل هو
إرادة الأمير وليس أي شيء آخر. وتبدو
المعارضة في هذا الصدد محقة عندما
تطالب أن تكون جميع الخطوات
والإجراءات والوعود موثقة ومقننة، لا
سيما أنه لم يكن أمام الحكومة خيار
آخر بالنسبة للمعتقلين أو المقيمين
في الخارج؛ إذ لم يكن الميثاق الوطني
أو الوعود التي قدّمها الأمير لتحظى
بمصداقية أو قبول لدى الرأي العام
داخليًّا وخارجيًّا ما لم يتغير وضع
المعتقلين أو الموقف من المعارضة في
الخارج. بعبارة موجزة، ما تم لم يكن بد
من أن يتم.
بين
الدستور والميثاق
بغضّ
النظر عن الجدل الدائر حول حقيقة
ونوايا الحكومة البحرينية وراء ما
قامت به وما تُزمع القيام به مستقبلاً
من إصلاحات سياسية، من الضروري إلقاء
الضوء على مضمون ما تم حتى الآن، خاصة
ما يتعلق بالميثاق الوطني الذي جرى
الاستفتاء عليه وحاز تأييدًا ساحقًا.
وأول
ما يلفت الانتباه في هذا الإطار،
مسألة التمييز بين الميثاق الوطني
والدستور، فمجرد وجود ازدواج في
المواثيق المكتوبة يؤدي إلى نوع من
اللبس، وبالتالي علامات استفهام، وهو
ما قد يتضح قليلاً في النقاط التالية:
-
الإجراءات والتغييرات السياسية
الأخيرة تستلزم بالضرورة تعديل
الدستور، على الأقل لتعديل مسمى
الدولة من إمارة إلى مملكة. وبالتالي
ليس من المفهوم سبب إعداد الميثاق
الوطني. فما دام الدستور سيخضع
للتعديل كان من الأفضل أن يُدرج ما
جاء به الميثاق الوطني في التعديلات
التي سيتم إدخالها على الدستور.
-
العلاقة بين الميثاق والدستور غير
محددة على الإطلاق، فإذا كان الدستور
سيعدل بناء على ما جاء بالميثاق، فإن
ذلك يعني تلقائيًّا أن أولوية
الدستور لم تَعُد قائمة. وبالتبعية
يصبح الميثاق الوطني هو معيار التحرك
في المرحلة القادمة، ويفقد الدستور
قدسيته كمرجعية أعلى.
-
فضلاً عن أن هذا سيؤدي بدوره إلى حالة
من التخبط والتضارب لفترة معينة على
الأقل. فمثلاً، الميثاق يجعل السلطة
الأعلى في الدولة للملك (الأمير
حاليًا) بما في ذلك مسؤولية الوزراء
والحكومة، الأمر الذي يثير علامة
استفهام كبيرة عن العلاقة بين
السلطات بعد تطبيق نظام المجلسين.
فضلاً عن عدم وضوح العلاقة بين
المجلسين ذاتيهما؛ ورغم ما أعلن من أن
مهمة المجلس المعين ستكون استشارية
بالدرجة الأولى، فإن نطاق اختصاصاته،
وتبعيته، وعلاقته بالمجلس المنتخب
تظل كلها أمورًا غير محددة وتستحق
التساؤل.
الملك
هو الملك
في
إطار الحديث عن العلاقة بين أجهزة
ومؤسسات الحكم، من الطبيعي أن تثير
التغييرات الأخيرة تساؤلاً مهمًّا
حول العلاقة بين رأس النظام
ومؤسساته، أي العلاقة بين الملك (في
ظل النظام الجديد) وكل السلطة
التشريعية (البرلمان) والتنفيذية (الحكومة)
والقضائية. وكما سبقت الإشارة، فإن
الميثاق يجعل الحكومة مسؤولة أمام
رأس النظام، لكن تظل هناك جوانب غير
واضحة مثل علاقته بالبرلمان، وإلى
أيهما ستؤول الكلمة الأخيرة. ويمكن
بسهولة توقع أن يكون الأمر في النهاية
بيد الملك.
والمهم
ليس عدم تحديد جميع هذه المسائل بعد؛
إذ سيتم تحديدها مع التحول التدريجي
المنتظر، لكن المهم هو أن هذا التحديد
لن يسير على الأرجح بالتسلسل الذي
يتوقعه الكثيرون. فإذا كانت إقامة
برلمان منتخب خطوة أساسية لأي نظام
حر، فإن الخطوة التالية منطقيًّا أن
يكون لهذا البرلمان صلاحيات تفوق أية
سلطة أخرى، ويحق له مساءلة أي شخص أو
مؤسسة أو سلطة. وإذا كانت النظم
الرئاسية تعطي حدًّا معينًا من
التوازن بين البرلمان والحكومة أو
السلطة التنفيذية - سواء تمثلت في
الحكومة أو بالتضامن مع رأس النظام
أيًّا كان مُسمّاه - فإن هذا التوازن
يبدو غائبًا عن النوايا البحرينية،
الأمر الذي ينذر بعلاقة متوترة
دائمًا بين البرلمان والسلطة
التنفيذية.
أمر
آخر أكثر أهمية من دور البرلمان
المنتظر، هو أن الميثاق الوطني
والتغييرات الجديدة كلها تصبّ باتجاه
تكريس مبدأ توريث السلطة، أي تؤكد أنه
لا تفكير ولا استعداد لإرساء مبدأ
تداول السلطة، وهو ما يتنافى كلية مع
أبسط مبادئ النظم الديمقراطية.
الصورة
على حقيقتها
رغم
أن ما قام به الأمير الشيخ حمد بن عيسى
من إجراءات يُعدّ بادرة طيبة ومؤشرًا
على حسن نواياه، فإن الأمر الواقع
والتحليل السابق يشير إلى أن المسافة
بين البحرين والديمقراطية الحقيقية
أبعد كثيرًا مما تصوره الدوائر
الرسمية.
لكن
ذلك لا يعني في الوقت ذاته أن الصورة
شديدة السواد كما ترى بعض عناصر
المعارضة؛ لأن ما تم من بوادر أو حتى
وعود إيجابية يظل مرحلة أولى ضرورية
لا بد من المرور بها قبل الانتقال إلى
مجتمع ديمقراطي حر. بل ببساطة يمكن
القول: إنه كان من الوارد تمامًا ألا
يخطو النظام أية خطوة إيجابية لسنوات
قادمة، أي ما يرفضه البعض الآن ربما
لم تكن لتحصل عليه أساسًا.
وبين
هذا وذاك، يظل المستقبل رهنًا بعدة
عوامل واعتبارات، أهمها: مدى جدية
واستمرار تمسك الأمير الحالي بهذا
التوجه الانفتاحي - ويمكن بسهولة توقع
استمراره على هذا النهج وإلا لما أقدم
عليه أساسًا - لكن استمرارية موقفه
ترتبط بعامل آخر وهو: ألا تصل حدود
الانفتاح والحرية إلى المساس بموقعه
شخصيًّا أو بمبدأ توريث السلطة.
كذلك
سيلعب تفاعل المواطنين مع التطورات
الجديدة دورًا كبيرًا في إحداث أو
تعويق مزيد من التطوير، فدرجة حماس
المواطنين ورغبتهم في الانتقال إلى
مرحلة أكثر تقدمًا - أو العكس - هي التي
ستحدد توقيت ومسافة الخطوة التالية
من قبل النظام.
اقرأ
أيضًا:
ازدهار
المجتمع المدني.. هل يدعم
الديمقراطية الخليجية؟
قمة
المنامة.. فوق الخلافات
الديمقراطية
العربية.. إهدار الوعي الشعبي
القيادات
العربية الجديدة ومستقبل النظم
السياسية العربية
القيادات
العربية الجديدة.. قيادات إدارة
منزوعة السياسة
إحياء
النظام البرلماني في البحرين
|