|
عاشت
القضية الفلسطينية في العقد الماضي
وهم ما يُسمّى بالحل السلمي، الذي
عجزت القيادة عجزًا تامًّا عن تحقيقه
إلى حد الآن، واصطدمت المساعي للوصول
إليه بعقبات ليست على ما يبدو كثيرة
في عددها، غير أن تجاوزها يكاد يكون
مستحيلاً. وهي عقبة عودة اللاجئين،
وعقبة مستقبل القدس الشريف.
وتبدو
فرص الوصول إلى حل نهائي في ظل هذه
العقبات مستحيلة؛ لأنها تفترض من
الطرف الفلسطيني أن يتنازل عمّا
يعتبره خطوطًا حمراء بالغة الخطورة،
ومن المؤكد أن تسقط أي قيادة فلسطينية
تقدم مثل هذا التنازل؛ لتعود الأمور
إلى نقطة الصفر.
أما
من الطرف الصهيوني، فإن السماح بعودة
قرابة الأربعة ملايين لاجئ فلسطيني
إلى فلسطين المحتلة سنة 48 يعني
عمليًّا نهاية الحلم الصهيوني؛ لأن
مثل هذه الدولة ستتحول بعد أمد وجيز
إلى ما يشبه حال إفريقيا الجنوبية بعد
المصالحة التاريخية مع السود، أي أن
يفقد الصهاينة السيطرة على الدولة،
ويتحولون إلى أقلية، ورعايا ضمن دولة
تجمعهم مع قوم آخرين.
ورغم
ما يبدو من جاذبية لهذا الحل
ومعقوليته لدى كل طرف محايد، إلا أنه
كما أسلفنا يمثل قضاء مبرمًا على
الحلم الصهيوني، ونهاية لدولة "إسرائيل".
وهو ما يعيه الكيان الصهيوني وعيًا
تامًّا؛ ولهذا يُصرّ إصرارًا كاملاً
على رفض مثل هذا الحل، ويوغل في خلق
وقائع على الأرض تجعله مستحيلاً.
والسؤال
الكبير الذي يُطرح هو: كيفية حل هذه
الإشكالية!!
فقد
انقسمت المواقف الفلسطينية ومن
ورائها العربية والإسلامية تُجاه ما
يسمى بالحل النهائي في العشرية
السابقة إلى موقفين اثنين:
1
- استصحاب للمواقف التي طبعت الصراع
قبل مبادرة السادات، أي الرفض الكامل
للكيان الصهيوني، والسعي إلى التخلص
منه وعدم القبول بأي تسوية أو مصالحة
تتضمن الاعتراف به. وهو موقف أغلبية
القوى السياسية والاجتماعية.
2
- الاستعداد الذي تبلور منذ مؤتمر
مدريد مرورًا بأوسلو، لإجراء ما
يُسمّى "بالمصالحة التاريخية"،
و"سلام الشجعان"، و"الأرض
مقابل السلام"... وما إلى ذلك من
شعارات، جوهرها الاعتراف بالقرار
الأممي بتقسيم فلسطين إلى دولتين،
وضمان أمن هاتين الدولتين ضمن الشروط
التي وضعتها الأمم المتحدة في
قراراتها المتتالية. وهو موقف أغلب
الحكومات العربية، إضافة إلى ما
يسمّى "دعاة التطبيع".
إسرائيل
لا تحفل بالقرارات الدولية
وقد
أثبتت الوقائع على الأرض أن الوصول
إلى هذه المصالحة التاريخية غير ممكن
عمليًّا؛ لأن الطرف الأقوى يريد أن
يملي شروطه على الطرف الأضعف دون
مراعاة - ولو شكليًّا - لقرارات الأمم
المتحدة، والتي ما فتئ هذا الطرف يهزأ
بها ويسعى للخلاص منها بمساندة
ومباركة وتشجيع من الإدارات
الأمريكية المتعاقبة.
قد
وعى الطرف الأضعف في المعادلة أخيرًا
أنه من غير الممكن أبدًا التوصل إلى
ما توهّمه سلامًا للشجعان دون بذل ماء
الوجه، الشيء الذي أدى بعد مفاوضات
استمرت عقدًا كاملاً إلى إصابة
المجتمع الفلسطيني بالإحباط واليأس
الكامل من هذا النهج، مما كان وراء
اندلاع انتفاضة من أشرس انتفاضات
الشعوب، ومن أطولها نفسًا.
أزمة
الانتفاضة
غير
أن أفق هذه الانتفاضة لا يبدو واضحًا؛
إذ إننا نجد من ناحية انتفاضة شعبية
عارمة ذات إصرار ووضوح، ومن ناحية
أخرى قيادة ليست بنفس الإصرار، ولا
الوضوح، ولا الطموح. بحيث أنه يخيل
للمرء في بعض الأحيان أن الانتفاضة
تُحرج السلطة الفلسطينية بالقدر نفسه
الذي أحرجت به الأنظمة العربية، فهي
انتفاضة قد قامت من وسط الجماهير،
بطاقة الجماهير، وبوعي الجماهير، ولم
تكن استجابة لتحريض قيادة، أو توجيه
طليعة معينة، وهذا الأمر إن كان
إيجابيًّا في مرحلة الفعل الجماهيري،
فإنه ليس كذلك في مرحلة جني ثمار هذا
النضال.
فجملة
القوى المناهضة لأوسلو لا تملك حتى
الآن برنامجًا واضحًا وصريحًا
للتعامل مع اللحظة التاريخية
الراهنة، التي لا تحتمل شعار التحرير
الكامل رغم عدالته، وهذه اللحظة
التاريخية نفسها لا تحتمل أيضًا -
وبنفس القدر - شعار المصالحة
التاريخية، أو الأرض مقابل السلام،
أو غير ذلك من العناوين التي تستبطن
الخضوع للشروط الصهيونية.
لا
أمل في الحل النهائي
ويبدو
أن الحل يكمن في التخلي نهائيًّا عمّا
يُسمّى بالحل النهائي، والدفع باتجاه
حل آني وجزئي لا يحسم المسائل الشائكة
المشار إليها آنفًا ويتركها للأجيال
القادمة. ويستند هذا الحل الآني إلى
ضمانات متبادلة، لا يكون من بينها
التسليم بالاحتلال، أو الاعتراف له
بشرعية من أي نوع، بل هي كل ما دون ذلك
من ضمانات يحتملها منطق المواجهة،
ومنطق السياسة، وما تقتضيه مثل هذه
الهدنات.
وقد
يبدو أن تحقيق مثل هذا الأمر غير
ممكن؛ لأنه لا يُرضي مطامح العدو
ومطامعه، غير أن الحقيقة غير ذلك، فأي
اتفاق هدنة لا يكون إلا بين طرفين، قد
أدرك كل منهما أنه ليس من مصلحته أن
يتواصل الصراع بالنسق الذي هو عليه،
فيكون الطرفان على استعداد للالتقاء،
وتبادل التنازلات.
المقاومة
هي السلاح الأوحد
والانتفاضة
في هذا الإطار تلعب الدور الأساسي، بل
الدور الوحيد؛ لأن استمرارها سيكون
هو الدافع الأوحد لإجبار العدو
الصهيوني على الاقتناع بما سبق له
الاقتناع به في جنوب لبنان: أي القبول
بإخلاء الأراضي المحتلة سنة 67 أو جزء
منها، دون قيد أو شرط. وهو الشيء الذي
كان العدو على وشك أن يفعله في غزة
أثناء الانتفاضة الأولى. أما مدى هذا
الانسحاب فمرتبط بمقدار الضغط الذي
تمارسه الانتفاضة على الأرض من جهة،
وبحِنكة واقتدار القيادة المفاوضة من
جهة أخرى.
هذا
عن الجانب الصهيوني. أما عن الجانب
الفلسطيني، فإن تحقيق مثل هذه
النتيجة يتطلب قناعة تبدو في الوقت
الحالي غير متوفرة لدى السلطة بوجوب
أمرين:
1
- التخلي نهائيًّا عن وهم الحل الشامل
الذي راهنت عليه منذ زمن.
2
- وجوب المزج بشكل إستراتيجي ومتواصل
بين أسلوب المفاوضات من جهة،
والمقاومة بأشكالها المختلفة من جهة
أخرى. بما يتطلبه ذلك من حفاظ على قدر
من التحفز الشعبي العام، وعدم التعرض
للقوى المقاومة.
المأزقان
غير
أنه من الواضح أن السلطة غير قادرة،
أو غير راغبة في سلوك هذا السبيل؛
لأسباب ليس هنا مجال سردها، وهي على
كل حال ليست خافية. وهنا يكمن سبب مأزق
الطرف الفلسطيني؛ حيث إن السلطة لا
تستطيع أن تكون الدرع الواقي للكيان
الصهيوني من جهة، ولا تستطيع من جهة
أخرى أن تكون المُعبِّر الحقيقي عن
طموحات الشارع الفلسطيني.
أما
المأزق الصهيوني فقد سبق أن ألمحنا
إليه، وهو عدم قدرة الكيان الصهيوني
على الاستمرار والتواصل في ظل القبول
بما سُمِّي بالحل الشامل أو النهائي،
وخصوصًا ضمان حق العودة للاجئين.
خلاصة
وتقويم
وخلاصة
ما تقدم أنه على الشعب الفلسطيني في
الأرض المحتلة وخارجها أن يستوعب
بشكل سليم وواضح هذا المأزق ذا
الوجهين، ويدرك ألاَّ حل في هذه
المرحلة إلا الدفع إلى هدنة دون شروط،
يسترجع فيها الشعب الفلسطيني جزءًا
من أرضه وسيادته، دون أن يفرّط في ما
بقي منها.
وعلى
القوى الفاعلة في الانتفاضة والواعية
لهذا المسار أن تقوم بما يجب عليها
فعله للدفع بهذا الاتجاه بشكل واعٍ
حتى نضمن أن تحقق الانتفاضة نتائج
إيجابية على الأرض، وألا تستغل
للدخول في متاهة أخرى تجري وراء سراب
الحل الشامل.. وسلام الشجعان.. أو
بالأحرى سراب الخذلان...
اقرأ
أيضاً:
|