English

 
 

اسألوا أهل الذكر

|

معًا نربي أبناءنا

|

الحج والعمرة

|

الزكاة

|

صحية

|

دعوية

|

إيمانية

|

شبابية

استشارات:

 

في الموقع أيضًا:

القضية الفلسطينية

إستراتيجيات |القضية الفلسطينية | المنطقة العربية | بقية العالم الإسلامي | آسيا | أوروبا وأمريكا الشمالية وأستراليا | إفريقيا | شئون عالمية | رواق الأفكار | مساهمات الزائرين


وثيقة كلينتون.. أي مستقبل للقضية الفلسطينية؟

7/1/2001

عمّان - ياسر الزعاترة

هل ينجح كلينتون في إنجاز اتفاق نهائي أو إعلان مبادئ أم يتواصل مسلسل فشله؟ هو ذات السؤال الذي تزدحم به الأروقة السياسية في المحيط الشرق أوسطي منذ مفاجأة (أوسلو) 1993 ولغاية الآن: التسوية إلى أين؟!.. يوقِّعون أم لا؟! يتنازل الطرف الفلسطيني أم يصمد؟!!.. إلى غير ذلك من المترادفات التي تذهب في ذات الاتجاه.

المتغير الجديد الذي جعل الأسئلة المذكورة أكثر أهمية هو أن الحديث الآن قد بات يتصل بموضوع الحل النهائي وإقفال ملف الصراع، أو إنهاء النزاع، كما هو المصطلح الشائع. ومن هنا صار السؤال أكثر إلحاحًا من ذي قبل.

قبل شهور قليلة اندلع السؤال بقوة، حين حمل الفلسطينيون والإسرائيليون خرائطهم ومطالبهم وهواجسهم ورحلوا إلى منتجع كامب ديفيد للتحاور حول قضايا الحل النهائي، وحط الرئيس الأمريكي رحاله في المنتجع، وسهر الليالي الطوال أملاً في التوصل إلى اتفاق يدخله التاريخ ويخرجه من عقدة مونيكا.

كان كل شيء يجري بسرية تامة واللقاءات على أشدها، وبعد ما يقرب من أسبوعين من الحوارات خرج كلينتون إلى وسائل الإعلام معلناً الفشل ومحملاً الطرف الفلسطيني مسؤوليته.

الأمريكان والإسرائيليون ومعهم السياق العام للمفاوضات، كانوا يقولون إن ما أفشل المفاوضات هو ملف السيادة على الحرم القدسي، حين طالب عرفات بسيادة فلسطينية عليه مع إعطاء حائط المبكى والحي اليهودي للدولة العبرية، فيما رفض الإسرائيليون ذلك وطلبوا سيادة على ما تحت المسجد إضافة إلى المبكى.

خرج المفاوضون الفلسطينيون ليقولوا لنا بأن شيئًا لم يتحقق في كامب ديفيد وأن الخلاف لم يقتصر على ملف الحرم القدسي، وإنما طال القضايا الأخرى برمتها (الأرض، الأمن، المستوطنات، اللاجئين)، وقدّم خليفة عرفات المتوقع والمفاوض الكبير محمود عباس (أبو مازن) سجلاً كاملاً بنقاط الخلاف مع الطرف الإسرائيلي أثبتت المقولة السالفة بأن إنجازًا لم يتحقق في كامب ديفيد.

بالمقابل وخلال الأسابيع التالية لم يتوقف الإسرائيليون والأمريكان عن الحديث عن تفاهمات كامب ديفيد، وهو ما بدا مؤكدًا بالفعل من سياقات متعددة لا مجال للخوض فيها هنا.

المهم أنه قد ثبت بالفعل أن ثمَّة تفاهمات كانت قد أنجزت في كامب ديفيد، وأن ما عطَّل الاتفاق بالفعل هو ملف الحرم القدسي، لا سيما بعد رفض الدول العربية الرئيسة - وعلى رأسها مصر والسعودية - إعطاء شرعية لاتفاق حول اقتسامه مع اليهود.

فلسطينيًّا، وبشكل غير مباشر جرى تأكيد قصة وجود تفاهمات في كامب ديفيد، عندما أعلن المفاوضون الفلسطينيون الذين ذهبوا إلى الولايات المتحدة في الأيام الأخيرة من العام المنصرم أن ما طرح عليهم هو ذاته ما طرح في كامب يفيد، لا سيما في موضوع الحرم، مع فارق أن حوارات كامب ديفيد قد طالت أدق التفاصيل على ما يبدو، فيما جاء اقتراح كلينتون الجديد بمثابة خلاصات سريعة لم تسعف الفلسطينيين بقبولها، نظرًا للسيرة التفاوضية مع الإسرائيليين الذين يفسِّرون القضايا على هواهم.

تابع في هذا المقال:

 وثيقة كلينتون

من الواضح أن وثيقة كلينتون الجديدة قد حملت شيئًا من التطور المحدود قياسًا بتفاهمات كامب ديفيد؛ وذلك لإغراء الطرف الفلسطيني بتجاوز المسألة الحساسة في الحرم القدسي. بيد أن أسئلة كثيرة لم تُجِب عليها الوثيقة خَشِي الطرف الفلسطيني من أن يجاب عليها لاحقًا حسب الهوى الإسرائيلي دون أن يكون هناك مجال للتغيير، لا سيما وأن الوثيقة تنص على إنهاء النزاع.

ما يجب أن يشار إليه هنا هو أن كلينتون لم يقدم للمفاوضين وثيقة مكتوبة، وإنما قرأها عليهم قراءة وكتبوا نصها، فكانت المسائل على النحو التالي:

الأرض:

- ضم 94 - 96% من مناطق الضفة للدولة الفلسطينية.

- يعوّض الجانب الفلسطيني بـ 1 - 3% بدل التي ستضمها إسرائيل، مع ممر آمن دائم بين الضفة والقطاع.

- 80% من المستوطنين ينضمون إلى كتل استيطانية.

الأمن:

- التواجد الدولي هو مفتاح المسألة، والقوة الدولية ستراقب تنفيذ الاتفاقات.

- يتم الانسحاب الإسرائيلي خلال 36 شهرًا.

- تبقى نقاط عسكرية في غور الأردن لفترة أخرى.

- وضع ثلاث محطات إنذار مبكر يُطرح موضوعها للنقاش بعد عشر سنوات.

- ستحصل الدولة الفلسطينية على سيادة على المجال الجوي مع ترتيبات خاصة تستجيب للاحتياجات الإسرائيلية.

- الدولة الفلسطينية تعرف "كدولة غير مسلحة".

القدس:

- كل ما هو عربي يكون فلسطينيًّا وكل ما هو يهودي يكون إسرائيليًّا، وهذا يسري أيضًا على البلدة القديمة.

- يحثُّ الرئيس الطرفين على إعداد خارطة تضمن معظم التواصل الإقليمي للطرفين.

- الحرم الشريف - جبل الهيكل: الفجوة لا تتناول الإدارة العملية بل الجوانب الرمزية للسيادة وإيجاد وسيلة تضمن احترام المعتقدات الدينية للطرفين.

- يعلم الرئيس أن الطرفين تباحثا حول سبل حل مختلفة. وقال: بِوُدِّي أن أقترح بديلَيْن يُمأسسان رسميًّا الوضع العملي للسيطرة الفلسطينية على الحرم من خلال احترام معتقدات الشعب اليهودي. في كل واحدة من هذين البديلين توفر الرقابة الدولية الثقة المتبادلة:

1 - سيادة فلسطينية على الحرم، وسيادة إسرائيلية على حائط المبكى الغربي:

أ - المنطقة المقدسة لليهود التي يعتبر المبكى جزءًا منها. و/أو ب - قدس الأقداس الذي يعتبر المبكى جزءًا منه.

2 - سيادة فلسطينية على الحرم وسيادة إسرائيلية على المبكى الغربي، وكذلك سيادة وظيفية مشتركة في موضوع الحفريات تحت الحرم أو خلف المبكى. كل حفريات تحتاج إلى موافقة متبادلة قبل البدء بها.

اللاجئون:

- تستعد إسرائيل للاعتراف بالمعاناة الأخلاقية والمادية للاجئين وضرورة المساعدة في حل المشكلة.

- لجنة دولية تعالج التنفيذ: تعويضات، إعادة توطين، تأهيل.. إلخ.

- الجانب الإسرائيلي لا يوافق على حق العودة إلى "إسرائيل"، وإنما إلى أراضي الدولة الفلسطينية حسب قدرتها الاستيطانية.

نهاية الصراع:

- يؤمن الرئيس أن الاتفاق يشير على نهاية الصراع، وتنفيذه يضع حدًّا لكل المطالب. وقد ينفذ بواسطة قرار من مجلس الأمن يشير إلى أن تنفيذ قراري 242 و338 ومن خلال الإفراج عن الأسرى الفلسطينيين.

- يؤمن الرئيس أن هذا إطار عادل لاتفاق دائم. وهو يمنح الفلسطينيين إمكانية اتخاذ قرار بشأن مستقبلهم في أراضيهم، ودولة ذات سيادة دائمة تحظى باعتراف الأسرة الدولية وتكون القدس عاصمتها، وسيادة على الحرم، وحياة جديدة للاجئين.

- وهذا يمنح إسرائيل نهاية حقيقية للصراع - أمنًا حقيقيًّا - والاحتفاظ بالروابط الدينية المقدسة، واستيعاب 80% من المستوطنين في إسرائيل، واعترافًا بالقدس الأوسع مما كانت في التاريخ اليهودي كعاصمة لها.

تحفظات فلسطينية

لم يجد المفاوضون الفلسطينيون في الوثيقة اختلافًا عن كامب ديفيد حسبما أعلنوا، بيد أن تحفظاتهم كانت كثيرة عليها، وقد قاموا بتلخيصها في رسالة للأمريكان، والسبب حسبما أشير سابقًا هو الخوف من التفسير والتطبيق للخلاصات التي قدمها الرئيس الأمريكي.

الرسالة الفلسطينية طويلة وفيها أسئلة كثيرة، بيد أن خلاصتها قد وضعت في مقدمة الرسالة التي قالت إن المقترحات الأمريكية من شأنها:

1 - تقسيم الدولة الفلسطينية إلى ثلاثة كنتونات منفصلة تصل بينها وتفصلها طرق للعرب فقط أو لليهود فقط، الأمر الذي سيهدد حيوية هذه الدولة.

2 - تقسيم القدس الفلسطينية إلى عدد من الجزر غير المتصلة ببعضها البعض أو ببقية فلسطين.

3 - إجبار الفلسطينيين على التنازل عن حق العودة للاجئين الفلسطينيين.

كما أن هذه المقترحات لا تقدم ترتيبات أمنية فاعلة بين فلسطين وإسرائيل، ولا تتناول عددًا من الأمور الأخرى ذات الأهمية للشعب الفلسطيني. إن العرض الأمريكي يبدو وكأنه يتجاوب مع المطالب الإسرائيلية بينما يتجاهل الحاجة الفلسطينية، وبالتحديد دولة قابلة للبقاء.

لقد تمّت صياغة المقترح الأمريكي بعبارات عامة تفتقر في بعض الحالات إلى الوضوح والتفصيل بدورنا، فإننا نرى أن اتفاق الوضع الدائم هو ليس مجرد وثيقة تعلن مبادئ سياسية عامة، ولكنه بالأحرى اتفاق شامل يوضح التفاصيل والآليات والجداول الأمنية لإنهاء الصراع الفلسطيني - الإسرائيلي، ولكي يكون اتفاقًا ذا فاعلية، فلا بد من إسناده بضمانات تنفيذ دولية واضحة وفعالة، ونحن نعتقد أن اتفاقًا عامًّا وغامضًا في هذه المرحلة المتقدمة من العملية السلمية سيؤدي إلى آثار سلبية، إن هذه القناعة هي نتيجة تجربتنا السابقة مع الاتفاقات المبهمة، ومع تاريخ إسرائيل المتمثل بعدم احترام الاتفاقيات الموقعة بين الطرفين. إن اتفاق الوضع الدائم يجب أن يكون اتفاقًا نهائيًّا بمعنى الكلمة، وليس اتفاقًا على استمرار التفاوض.

في موضوع القدس الذي أفشل كامب ديفيد، أوضحت الرسالة أن المقترح الأمريكي "يعترف ضمنًا بالسيادة الإسرائيلية تحت الحرم، حين يلمح أن لإسرائيل الحق بالحفر خلف الحائط (وهي المنطقة الواقعة تحت الحرم).. كما أن مصطلح الحائط الغربي يمتد إلى مناطق تتعدى حائط المبكى لتضم النفق الذي فتحه نتنياهو عام 1996".

إسرائيل تهدد

الموقف الإسرائيلي من مقترحات كلينتون حمل بعض التحفظات، غير أن باراك أعلن أنه يمكن أن يوافق عليها إذا وافق عرفات، وهو ما لم يحدث بالطبع. بيد أن ذلك لم يَحُل دون ظهور اعتراضات من داخل الأروقة الإسرائيلية على الوثيقة كان أهمها تلك التي قدمها شاؤول موفاز رئيس هيئة الأركان الإسرائيلي، وآفي ديختر رئيس جهاز الشاباك، وقد ركزت تلك الاعتراضات على المطالب الأمنية التي حملتها المقترحات.

ثمَّة أكثر من تفسير لقبول باراك بالمقترحات الأمريكية على رغم بعض التحفظات عليها، ولعل التفسير الأول هو حاجة الجنرال إلى إنجاز الاتفاق سريعًا، بوصفه سفينة النجاة بالنسبة إليه في مواجهته مع قائد الليكود شارون، بيد أن باراك يرفض هذا التفسير معتبرًا أنه لن يضحي بمصالح الدولة من أجل الفوز في الانتخابات.

هذا القول يبدو صحيحًا إلى حد كبير، فباراك بما تحمله حكومته من تناقضات وبرلمانه كذلك، إلى جانب ضرورة الاستفتاء على الاتفاق يظل عاجزًا عن تمرير اتفاق غير مقبول للشارع الإسرائيلي وأحزابه أو أغلبها على الأقل.

ومن هنا، يمكن القول إن باراك قد رأى في المقترحات الأمريكية مقدمة لاتفاق معقول سيتضمن إنهاء النزاع مع الفلسطينيين والوضع العربي. خصوصًا وأن نُذُر الحرب حسب رأيه تلوح في الأفق، وهو ما دعاه إلى نشر تقديرات جهاز الاستخبارات الإسرائيلي حول احتمالات الحرب ودعمها بتصريحات متوالية له تحذر الناخب الإسرائيلي بأن الخيار أمامه هو "إما باراك وإما الحرب". وزاد على ذلك بأن دعا جنرالات الجيش للاستعداد الشامل للحرب المحتملة!

جهاز الاستخبارات الإسرائيلي كان حاسمًا في إعلانه أن "مفتاح الحرب والسلام في الشرق الأوسط موجود بيد الفلسطينيين"، وأن الأمر مرهون بالاتفاق معهم، موضحًا أنه "إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق قريبًا فإن الصراع الفلسطيني سيتصاعد، وحينها سينضم إلى القتال حزب الله، السوريون، لبنان، وفي أعقابهم العراق وربما إيران، وفي مثل هذا الوضع سيجد قادة مصر والأردن أنفسهم تحت ضغط الشارع المحلي ولن يستطيعوا الوقوف جانبًا".

الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية قدمت تقديرًا متشائمًا للوضع المحيط بإسرائيل، وهي تقدمه عمليًّا لشارع إسرائيلي مُترهِّل، وجيش يعيش أوضاعًا صعبة حسبما يقول المحللون الإسرائيليون، وذلك في محاولة واضحة من باراك إلى دفع الشارع الإسرائيلي إلى قبول الاتفاق القادم وعدم التصويت لشارون.

تقول الاستخبارات الإسرائيلية في تقديرها المذكور: "في العام الأخير تغير الوضع بصورة جذرية. المسيرة السياسية مع سوريا وصلت إلى طريق مسدود، ومع الفلسطينيين يجري قتال مشحون بدوافع دينية وقومية يحرِّض الشرق الأوسط، وفي إيران تتطور سريعًا قدرات نووية وصاروخية من شأنها أن تكون عملية بعد 3 - 4 سنوات. وتقود إيران الآن جهداً دوليًّا لتنفيذ عمليات إرهابية إستراتيجية صعبة ضد إسرائيل. والعراق يتنصل وبسرعة من العقوبات والرقابة الدولية ويجدد قدراته غير التقليدية. وينتظر صدَّام فرصة الانضمام إلى المواجهة ضد إسرائيل. ومن ناحيته فهذه الطريق الأقصر للعودة إلى العالم العربي واختراق باقي العقوبات. وفي سوريا ثمَّة شبكة صواريخ أرض - أرض تهدد الأراضي الإسرائيلية كلها، وجدَّد بشار الأسد مؤخرًا علاقاته مع العراق وإيران. وإذا لم يكف ذلك فقط أضيف مؤخرًا أيضًا التهديد الإستراتيجي من الأراضي اللبنانية: شبكة كاتيوشا وصواريخ قصيرة المدى "فاجر - 5 بمدى 70كم" أقامها حزب الله بمساعدة إيران بعد انسحاب الجيش من لبنان ويهدد المنطقة الشمالية. وحسب تقديرات رئيس شعبة الاستخبارات فإن هذا التهديد "أخطر" من خطر الصواريخ العراقية في حرب الخليج".

لمن يوجَّه تهديد الحرب أيضًا؟

الجانب الإسرائيلي الداخلي في تحذيرات الحرب الإسرائيلية موجود بلا شك، بيد أن الأهم من ذلك هو أن التحذيرات إياها موجهة أيضًا إلى المحيط العربي، لا سيما محاوره الرئيسة وهي الفلسطينيون، مصر، وسوريا.

بالنسبة للطرف الفلسطيني فإن التهديد بالحرب قد يعني بالنسبة لعرفات ضربًا للحلم الذي كاد يقبض عليه والممثل في الدولة الفلسطينية، ولا شك أن هذا الأمر قد يشكل كابوساً لا يريد الرئيس الفلسطيني أن يراه بعينه. وقد يضاف إلى ذلك أن أطرافاً داخل السلطة ما زالت تُلِحّ على قبول المقترحات الأمريكية بوصفها فرصة نادرة. ولعل من المفيد هنا الإشارة إلى ما كشفه أكثر من مسؤول فلسطيني من بينهم. رئيس المجلس الوطني سليم الزعنون، ويتصل بالتهديد المباشر الذي وجَّهه كلينتون لعرفات في واشنطن بأنه إذا لم يوافق على الاتفاق فستشنُّ إسرائيل حرباً شاملة على الفلسطينيين بدعم أمريكي.

يرى البعض أن مشكلة عرفات في الموافقة أو عدمها هي في الانتفاضة المندلعة منذ أكثر من ثلاثة أشهر، وهو رأي ليس له ما يسنده؛ إذ لا شك أن الرئيس الفلسطيني ما زال يمسك بمعادلته الداخلية بقوة على رغم الصعود النسبي لتيار المقاومة عبر العمليات القوية الأخيرة، وظهور أصوات من داخل "فتح" تنادي باستمرار الانتفاضة.

إن مشكلة عرفات الخارجية تبدو أوضح، ممثلة في حصوله على الغطاء العربي لقبول الاتفاق المعروض، وهو ما يدركه الإسرائيليون أيضاً؛ ولذلك فإن لغة الحرب توجه بالضرورة إلى مصر وسوريا كذلك.

بالنسبة لمصر فإن احتمال الحرب يُعَدُّ مخيفاً إلى حد كبير، وتصريحات الرئيس المصري حول الأمر تبدو واضحة. صحيح أن القاهرة لا تريد للفلسطينيين أي اتفاق، بيد أن عينها ستظل مصوَّبة باتجاه احتمالات تطور الموقف، فيما الإسرائيليون يلوِّحون بخيار الحرب من أجل دفعها إلى الضغط على عرفات لقبول المعروض أمريكيًّا.

سوريا لها حساباتها أيضاً، وهي تخشى الحرب كذلك إدراكاً منها لقدرة العدو على ضرب بنيتها التحتية في لبنان وداخل البلاد أيضاً.

صحيح أنها تدرك كذلك أن الوضع الإسرائيلي خائف أيضاً وأن صواريخها قد تملك حضوراً في المعركة، إلا أنها ستحاذر هي وباراك في الوصول إلى تلك النقطة.

محطة الوصول إلى النقطة المذكورة هي عملية كبيرة أو جملة عمليات لحزب الله يضطر معها باراك إلى الرد، وهو الرد الذي يمكن التكهن ببدايته ولكن يبقى من الصعب معرفة نهايته.

المطلوب من سوريا - حسب الإسرائيليين - هو كبح جماح حزب الله، إضافة إلى تليين الموقف السياسي، وهذا الجانب الأخير لا يتوقع أن يحظى باستجابة سورية، فيما يمكن أن يتوقف حزب الله عن "استفزاز" الإسرائيليين في الجنوب كي لا يعطيهم ذريعة للرد.

ثمَّة جانب آخر فيما يمكن أن يدفع باراك إلى رد لا يعرف مداه، ويتصل ذلك الجانب بتصعيد العمليات العسكرية من قبل قوى المقاومة، ولعل ذلك ما يفسِّر وعد عرفات لكلينتون إثر زيارته لواشنطن التي فتح فيها أفق التفاوض من جديد حول المقترحات الأمريكية، باستئناف التفاوض الأمني، وهو الأمر الذي بدا واضحاً قبل وصول عرفات إلى واشنطن، عبر اجتماع رئيس "الشاباك" في عمّان مع عرفات ومستشاره خالد سلام، وهو عراقي، ويُعَدُّ من أقوى رجالات السلطة. واللقاء المذكور لم يرد في الصحافة العربية، فيما أوردته الإذاعة الإسرائيلية في إحدى نشراتها. إضافة إلى اللقاء الأمني الآخر المعلن في القاهرة.

نتيجة التعاون الأمني ستظهر خلال أيام أو أسابيع على أبعد تقدير، وهي ستحمل دلالات أخرى على مسيرة الانتفاضة ومسيرة التفاوض معاً.

هل يماطل عرفات؟

من الصعب الإجابة عن السؤال المذكور، وما إذا كان عرفات يسعى إلى التلاعب بالوقت ريثما يرحل كلينتون عن البيت الأبيض؛ ليأخذ فسحة من الوقت قبل دخول الرئيس الأمريكي الجديد على الخط، أم أنه يريد الاتفاق سريعاً وإن بشيء من التحسينات وضمانات التنفيذ.

عنصر الحسم في القضية متعدد الأبعاد، فهناك استعجال الرجل (أي عرفات) للحصول على توقيع الدولة، وهناك الموقف المصري والسعودي فيما يتصل بقضية الحرم والاتفاق عموماً (كلينتون لم يَكُف عن الاتصال بالطرفين خلال الأسبوعين الماضيين). وهناك - وهو الأهم - موقف الرئيس الأمريكي الجديد بوش، والذي تتضارب الأنباء والرؤى حوله؛ إذ هناك من يشير إلى كونه يدعم كلينتون في مسعاه لإنجاز الاتفاق للتخلص من الملف الشائك، فيما ثمَّة من يشير إلى أنه قد أعطى إشارات بتعطيل الاتفاق وتركه لولايته.

ثمَّة عنصر آخر في المعادلة يتصل برؤية عرفات ومن ورائه القاهرة لموقف بوش من موضوع الاتفاق القادم، وما إذا كان بإمكانه منح الفلسطينيين وضعاً أفضل، وهل سيكون ذلك متاحاً بوجود شارون في السلطة في إسرائيل؟

في ضوء ذلك يمكن القول: إن الأفق مفتوح على أكثر من احتمال في الوقت نفسه، ذلك أن إمكانية موافقة عرفات وتوقيع الاتفاق قبل رحيل كلينتون ما زال وارداً، وإن أخذ بالتضاؤل يوماً إثر يوم، لا سيما بعد اجتماع لجنة المتابعة العربية وقراراتها حول مسألة الحرم القدسي وحق العودة، والتي كانت دعوة عرفات لالتئامها بمثابة إشارة بعدم قبوله للاتفاق. بيد أن من الضروري القول: إن عدم إنجاز الاتفاق لن يعني النهاية أيضاً، فهناك حديث يجري حول استبداله بـ(اتفاق مبادئ) سيكون في حاجة إلى الكثير من الأخذ والرد والمماطلة للوصول إلى نهايته.

مشكلة هذا الاتفاق (اتفاق المبادئ) أنه سيقدم رأس الانتفاضة على طاولة التوقيع، بما ينطوي عليه ذلك من إحباط للشارع الفلسطيني العربي. في ذات الوقت الذي قد ينقذ فيه باراك ويُبْعد شبح الحرب عن المنطقة.

الاحتمال الآخر هو ألا ينجز أي اتفاق وترحل المعركة إلى ولاية بوش، وهنا ستدخل العملية في بيات شتوي ربما امتد لشهور قبل استئناف النشاط، وإذا ما تزامن ذلك مع مجيء شارون فستطول العملية أكثر فأكثر، وستعتمد بصورة أساسية على نمط العلاقة التي سيؤسسها بوش مع اللوبي الصهيوني داخل الولايات المتحدة، وما إذا كانت هادئة أم صاخبة، لا سيما بعد أن همّش الرئيس الأمريكي اليهود في تعييناته بصورة واضحة.

معادلة الحل القادم ستعتمد على هذا الجانب، إضافة إلى الصمود الفلسطيني واستمرار الانتفاضة والوقوف العربي خلفها، ذلك أن وضعاً جيداً على هذه الصعد سيعني اتفاقاً أفضل في عهد بوش ربما جاء عقب مؤتمر مدريد جديد، بيد أن الاتفاق المأمول لن يختلف كثيراً عما يفرضه كلينتون، وسيكون في الغالب من مصلحة الدولة العبرية التي ستأخذ ثمنه إنهاءً للنزاع ومدخلاً للامتداد في المنطقة.

يبقى أن احتمالاً ضعيفاً يظل يلوح في الأفق، ويتمثل ذلك الاحتمال في تصعيد الانتفاضة وفعلها العسكري وصولاً إلى تحويل الانسحاب من الأراضي المحتلة عام 1967 إلى مطلب شعبي إسرائيلي كما حصل مع الانسحاب من لبنان، ولكن هذا المسار يحتاج إلى قيادة فلسطينية قوية ووضع عربي معقول، وهو مالا يبدو متوفراً، على رغم أن الشعب الفلسطيني يملك الإرادة والقوة لتحقيق ذلك.

اقرأ أيضًا:


إستراتيجيات |القضية الفلسطينية | المنطقة العربية | بقية العالم الإسلامي | آسيا | أوروبا وأمريكا الشمالية وأستراليا | إفريقيا | شئون عالمية | رواق الأفكار | مساهمات الزائرين

 

 

«

ابحث 

«

بحث متقدم

أدلة وخدمات

 

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع