|
شهدت
الأيام الماضية تطورات متسارعة في
الموضوع القديم/ الجديد "استقلال
الجبل الأسود ومستقبل يوغسلافيا"،
مما يجعل من الضروري التأمل من جديد
في مسار ومآل هذه التطورات المهمة
بالنسبة إلى البلقان ككل، فاستقلال
أو عدم استقلال الجبل الأسود أمر مهم
لكل التشكيل الجيوبوليتكي للبلقان؛
لأنه يؤدي حتمًا إلى استقلال كوسوفا
ويحول صربيا إلى دولة داخلية، بينما
عدم استقلال الجبل الأسود يطرح من
جديد استمرار يوغسلافيا باسم جديد
"صربيا الموسّعة".
جذور
التباين الصربي - المونتنجري
ومع
أن التباين والتنافس بين صربيا
والجبل الأسود له جذور في التاريخ
الوسيط فإن الغرب "وبالتحديد فرنسا
وبريطانيا المنتصرة في الحرب
والمسيطرة على مؤتمر الصلح بعد
انكفاء الولايات المتحدة" مال إلى
التضحية بالجبل الأسود لترضية حليفته
الرئيسية في البلقان - صربيا - وهكذا
ولدت صربيا الموسعة، أو يوغسلافيا
اللاحقة، التي كانت فيها صربيا
المهيمنة على الدولة الجديدة. ومع
تحوّل يوغسلافيا إلى جمهورية
فيدرالية في 1945 استعاد الجبل الأسود
كيانه كجمهورية مؤسسة للاتحاد
الفيدرالي الجديد، وازدادت في عهد
تيتو الأخير النزعة الاستقلالية "المونتنغرية"
التي تركز على التمايز بين الشعبين
"الصربي والمونتنغري"، على
الرغم من وجود لغة واحدة. وهكذا وصل
الأمر في السبعينيات والثمانينيات
إلى الحديث عن أمة مونتنغرية.
ميلوسوفيتش
وإحياء القومية الصربية
وعلى
اعتبار أن هذه من فبركات التيتوية،
التي كان يُراد منها إضعاف الصرب في
يوغسلافيا السابقة، كما أصبح يقال
بعد وفاة تيتو في 1980، فقد مثَّل صعود
سلوبودان ميلوسوفيتش في 1986 - 1987 إحياء
للتيار القومي الصربي الذي يريد
استعادة ما فقده الصرب من نفوذ في
كوسوفا والبوسنة والجبل الأسود.
وهكذا تمكّن ميلوسوفيتش من إسقاط
القيادة الاستقلالية، الموجودة في
الجبل الأسود في 1988 والإتيان بقيادة
موالية له.
ولكن
سياسية ميلوسوفيتش الداخلية بدأت
تثير السخط في صربيا والجبل الأسود
معًا؛ ولذلك فقد جاءت الانتخابات
الرئاسية في الجبل الأسود في 1997 لتفسح
المجال أمام صعود المعارضة التي
تنادي بالإصلاح السياسي والاقتصادي،
مما سمح لممثلها ميلو جوكانوفيتش
بالفوز وتولِّي منصب رئيس الجمهورية،
على الرغم من الدعم المكشوف الذي قدمه
ميلوسوفيتش لمرشحه الخاص مومير
بولاتوفيتش.
موقف
براجماتي غربي
ونظرًا
إلى أن صعود جوكانوفتيش - الذي ينادي
بالمزيد من الديمقراطية وحرية السوق -
قد ترافق مع تفاقم الوضع في كوسوفا
وتزايد التدخل الدولي في يوغسلافيا،
فقد أخذ الغرب يدعم جوكانوفيتش بشكل
متزايد للضغط على ميلوسوفيتش. وقد
أسفر هذا الموقف عن تحييد كامل للجبل
الأسود خلال التدخل الأطلسي في
يوغسلافيا، حيث نجح الغرب في الترويج
لتدخله بأنه ضد قيادة صربيا فقط، وليس
ضد يوغسلافيا ككل.
وبعد
انسحاب القوات الصربية من كوسوفا في
حزيران/ يونيو 1999 استمرت الضغوط
الغربية على ميلوسوفيتش لإقصائه عن
السلطة.
وفي
هذا الإطار ازداد الدعم الغربي (السياسي
والاقتصادي وحتى العسكري)
لجوكانوفيتش لتقوية موقفه ضد
ميلوشيفتش، ووصل الأمر إلى حد
الترحيب بجوكانوفيتش في قمة الألفية
في نيويورك وإقصاء أي ممثل لصربيا/
يوغسلافيا. وقد أدى هذا الوضع إلى
بروز كيانين مختلفين (صربيا والجبل
الأسود) يحظيان باعتراف واقعي إقليمي
ودولي، وفي هذا الإطار رفض
جوكانوفيتش بقوة التعديلات
الدستورية المفاجئة التي أدخلها
ميلوسوفيتش على دستور الاتحاد
اليوغسلافي في صيف 2000، التي كانت
بداية النهاية له، والتي أدت إلى طرح
موضوع الاستفتاء على الاستقلال في
الجبل الأسود.
كوشتونيتسا
وجوكانوفيتش.. تباين المشروعات
المستقبلية
وقد
بدا أن سقوط ميلوسوفيتش وصعود الرئيس
الجديد فويسلاف كوشتونيتسا سيسمح
بتحسن العلاقات بين صربيا والجبل
الأسود، إلا أن ما تحقق من استقلال
فعليّ للجبل الأسود، وعدم ارتياح كل
رئيس للآخر، جعل من الصعب توقع اختراق
في الحاجز الموجود بين الطرفين،
وهكذا في الوقت الذي كان فيه برلمان
الجبل الأسود يناقش توقيت الاستفتاء
كان جوكانوفيتش قد طرح تصوره حول
العلاقة مع صربيا، الذي يتمركز حول
استقلال الجبل الأسود ونيل الاعتراف
الدولي، ثم الدخول في إطار
كونفيدرالي فضفاض مع صربيا.
وفي
المقابل فقد قدم كوشتونيسا في 10/12/2000
تصوره/ مشروعه للعلاقة مع الجبل
الأسود، الذي يرتكز إلى إطار فيدرالي
وحكومة مركزية مشتركة، وهو ما رفضه
جوكانوفيتش على الفور.
الغرب
يغيِّر مواقفه
ومع
ذلك فقد لوحظ أن الأمين العام للأمم
المتحدة كوفي عنان - وفي سابقة لا مثيل
لها - قد اقترح بعد عدة أيام
"18/12/2000" إعادة ترتيب يوغسلافيا
ككونفدرالية تضم صربيا والجبل الأسود
وكوسوفا.
وفي
سابقة أخرى لا مثيل لها، ناقش وزراء
خارجية الاتحاد الأوروبي في اجتماعهم
ببروكسل الوضع في البلقان، وانتهوا
في بيانهم الختامي "22/1/2001" إلى
دعم استمرار وجود يوغسلافيا الحالية،
وبالتحديد، دعوا قادة صربيا والجبل
الأسود إلى الاتفاق على حوار مفتوح
وديمقراطي في إطار الفدرالية
اليوغسلافية لوضع نظام دستوري جديد
للدولة المشتركة.
إحباط
وإصرار على الاستقلال
ولا
شك أن هذا الموقف المفاجئ، الذي
يُعَدُّ سابقة من نوعه بالمقارنة مع
1991 حين تم دعم استقلال كرواتيا
وسلوفينيا عن يوغسلافيا السابقة، قد
أثار قادة الجبل الأسود الذين يعملون
ويستعدون للاستقلال، وهكذا فقد تتالت
في اليوم التالي "23/1/2001"
التصريحات على أعلى المستويات التي
تدل على "إحباط" و"إصرار"
فريق الاستقلال على المضي في هذا
الاتجاه، فقد صرح وزير خارجية الجبل
الأسود برانكو لوكوفاتس بأن "موقف
الاتحاد الأوروبي لا يجب أن يحبط
الجبل الأسود، بل يجب أن يقوي قراره
بالاستقلال". وعبّر عن تخوفه من أن
موقف الاتحاد الأوروبي قد يؤدي إلى
تشدد بلغراد في موقفها، وفي هذا
الإطار ذهب رئيس الحزب الديمقراطي
الاجتماعي، جاركو راكتشفيتش في
انتقاده لموقف الاتحاد الأوروبي إلى
حد وصفه بـ "الجريمة"؛ لأنه
يصادر حق شعب الجبل الأسود في تقرير
المصير والاستقلال. والأكثر من هذا
أنه اعتبر أن الغرب بهذا الموقف يكرر
"جريمة" 1920 حين وافق على ضم مملكة
الجبل الأسود إلى صربيا.
والأهم
من هذا وذاك أن قادة الجمهورية وزعماء
الأحزاب السياسية اتفقوا في اليوم
ذاته "23/1/2001" على الدعوة إلى
انتخابات برلمانية مبكرة في 22 نيسان/
إبريل القادم تكون بمثابة الاستفتاء
على الاستقلال، فقد ترك للبرلمان
الجديد أن يقرر موعد الاستفتاء، فيما
لو كانت الغالبية تؤيد ذلك بطبيعة
الحال، وبعبارة أخرى أن هذا القرار
يجعل المعركة على الاستقلال
والاستمرار مع صربيا تبدأ من الآن؛
لأن فريق الاستقلال يريد أن يؤكد مع
هذه الانتخابات أن الغالبية تؤيد
الاستقلال، بينما المعارضة "المدعومة
من بلغراد" ستحاول تقليص الفارق
وإثبات أن الاستقلال لا يحظَ بدعم
الأغلبية.
وفي
هذا الإطار سيكون لأصوات المسلمين (22%
من سكان جمهورية الجبل الأسود) أهمية
كبيرة في ترجيح أي خيار، وهم الآن لا
يخفون مشاعرهم بسبب تجربتهم المريرة
في صربيا ومع صربيا.
اقرأ
أيضاً:
|