|
انعقدت
الدورة الحادية والعشرين لقِمَّة
مجلس التعاون لدول الخليج العربية في
ظروف إقليمية ودولية مختلفة من تلك
التي صاحبت نشأة المجلس في 25 مايو 1981.
فآنذاك كانت الحرب الباردة بين
القوتين الكبرتين الاتحاد السوفييتي
والولايات المتحدة على أشدها، وكانت
منطقة الخليج مسرحًا لتفاعلات عميقة
لتلك الحرب التي كادت أن تنذر بين
الحين والآخر بعواقب وخيمة، خاصة مع
ازدياد ضراوة الحرب العراقية -
الإيرانية (1980 - 1988). كما أن التكتلات
الاقتصادية الإقليمية وغير
الإقليمية لم تكن تمثل هذا الاتساع
والشمول والتنوع والتطور المتسارع
نحو التكامل الاقتصادي.
تغيرات
واضحة في الخليج
زد
على ذلك، أن ثمَّة تغيرات واضحة في
توجهات بعض الأطراف الإقليمية
الفاعلة في المنطقة - مثل إيران - التي
انتهجت سياسة خارجية مرنة تجاه دول
الجوار الجغرافي، وتخلت تقريبًا عن
مبدأ تصدير الثورة، خاصة بعد وصول
الرئيس محمد خاتمي إلى سدة الحكم في
عام 1997. إلى جانب ذلك، فإن الحصار
الدولي المفروض على العراق منذ غزوه
للكويت في أغسطس 1990 قد بدأ بالتفكك
بعد أن فقد مبررات استمراره. وفوق
ذلك، بدأت رياح التغيير والتحديث
تهبّ على الأنظمة السياسية الخليجية:
فالمملكة العربية السعودية استحدثت
منذ عام 1992 نظامًا للشورى يتفق مع
خصوصيتها وثوابتها، وبدأت البحرين في
تحديث نظامها السياسي بالإعلان عن
الأخذ بنظام المجلسين: أحدهما
بالتقنين (مجلس الشورى)، والآخر
بالانتخاب المباشر (مجلس النواب)،
وازدادت تجارب الدول الأخرى ثراء على
صعيد تفعيل المشاركة الشعبية في
عملية صنع القرار السياسي.
ومن
ثَم استحوذت على مناقشات ومداولات
قمة المنامة (30 - 31 ديسمبر 2000) القضايا
الآتية: 1) الدفاع المشترك و2) الجزر
الإماراتية طنب الكبرى وطنب الصغرى و(أبو
موسى) التي تحتلها إيران منذ عام 1971 و3)
الملف العراقي و4) مسألة إقامة سوق
خليجية مشتركة والسعي نحو إنشاء
العملة الخليجية والموحدة.
تقنين
قضايا الدفاع المشترك
ويكاد
يكون هناك إجماع أن أهم إنجازات قمة
المنامة يتمثل في الموافقة على
اتفاقية الدفاع المشترك التي تهدف في
المقام الأول إلى تقوية الروابط
وتوثيق التعاون في المجالات
الدفاعية، وفقًا لمبادئ النظام
الأساسي للمجلس. ورغم أن قادة المجلس
لم يكشفوا النقاب عن فحوى ونصوص
الاتفاقية - حتى يتم التصديق عليها
وفقًا للإجراءات المتبعة في كل دولة -
فإن أهم الخطوط العريضة يمكن إيجازها
في النقاط التالية:
-
إن الاعتداء على أية دولة عضو في
المجلس يُعَدُّ اعتداءً على جميع
الدول الأعضاء.
-
إقامة نظام إنذار مبكر للتنبيه إلى
صواريخ يمكن أن تُطلق من جانب العراق
وإيران.
-
زيادة عدد الجنود خمسة أضعاف ليصل إلى
25 ألفًا على الأقل، وبالتالي تصبح قوة
انتشار سريع، ويمكن لقوات أخرى من
الدول الأعضاء أن تنضم للتصدي لهجمات
محتملة.
وكما
هو واضح، فإن الاتفاقية لا ترمي إلى
إقامة جيش خليجي موحَّد - وفقًا
للمقترح العماني الذي كان يرمي إلى
تكوين قوة خليجية مشتركة قواتها 100
ألف جندي - وإنما ترمي بالأساس إلى
تفعيل الإستراتيجية الدفاعية التي
ترتكز في الوقت الراهن على ما يُسمَّى
بقوات درع الجزيرة، التي بدأت
مناوراتها وتدريباتها منذ عام 1983 في
أبوظبي، ثم في السعودية، وهكذا في
جميع أراضي الخليج. وكان من الواضح أن
الهدف من تغيير أرض المناورة كل عام،
هو إتاحة الفرصة أمام القوات
المشاركة للتعرف على طبوغرافية الأرض
والإلمام بطبيعتها، وما تشكله من
عقبات أمام عمليات القتال حتى يمكن
تجاوزها.
وعمومًا،
فإن تقنين قضايا الدفاع المشترك - في
شكل اتفاقية ملزمة - من شأنه أن يرسخ
مبدأ الأمن المشترك، ويساهم بدرجة
كبيرة في حماية الأمن القومي، ومن ثَم
حماية استقلال دول المجلس وسيادتها
ووحدة أراضيها.
قضية
الجزر الإماراتية
واحتلت
قضية الجزر الإماراتية جانبًا كبيرًا
من أجندة قمة المنامة. وبحث المجلس
على وجه الخصوص مسألة رفض إيران
التعامل مع اللجنة الثلاثية التي
شكلها في يوليو 1999 لإجراء مفاوضات مع
الجانب الإيراني لإيجاد حل مقبول من
كل الأطراف.. ورغم أن اللجنة قد شكلت
من ثلاث دول (السعودية - عمان - قطر)
ترتبط بعلاقات طيبة ومتوازنة مع
الجانب الإيراني، فإن الأخير رفض
بإصرار التعامل مع هذه اللجنة؛ الأمر
الذي دفع بدول المجلس إلى تكليف
المجلس الوزاري بالنظر في كل الوسائل
السلمية المتاحة التي تؤدي إلى إعادة
الحقوق المشروعة لدولة الإمارات. ومن
ثَم حدد قادة المجلس في بيانهم
الختامي الأسس التي ينبغي أن يرتكز
عليها حل قضية الجزر، وهي:
-
جزر
طنب الكبرى وطنب الصغرى و(أبو موسى)
هي أراضٍ إماراتية احتلتها إيران.
-
أن
الجزر الثلاثة جزء لا يتجزأ من
الأراضي الإماراتية.
-
إدانة
التجاوزات والمناورات التي تجريها
إيران في الجزر.
-
دعوة
إيران إلى القبول بإحالة النزاع
إلى محكمة العدل الدولية.
موقف
موحَّد أمام التشدد الإيراني
ووصف
الجانب الإيراني الموقف الخليجي من
قضية الجزر بأنه لا يمتُّ إلى الواقع
بصلة، بالإضافة إلى افتقاده إلى
التعاون. وقال حميد رضا آصفي- المتحدث
باسم الخارجية الإيرانية- إن إيران
ترفض تدخل أي جهة في هذا الخلاف؛
لأنها لا ترى أن مثل هذا التدخل يخدم
عملية تطوير العلاقات مع دول الخليج.
وقد فُسِّر موقف إيران- الرافضة
للحلول المطروحة (التعاون – التحكيم
الدولي – محكمة العدل الدولية) - بأنه
يعود إلى ضعف الأسانيد القانونية
التي تؤيد ادعاءاتها بالسيادة على
الجزر، في حين يمتلك الطرف الآخر
وثائق دامغة تدحض المزاعم الإيرانية،
وتؤكد مشروعية مطالبه العادلة. ومن
ناحية أخرى، فإن الجزر تمثل بالنسبة
لإيران بُعْدًا إستراتيجيًّا مهمًّا:
فهي تشكل مُثلثًا في مدخل الخليج
العربي، وتحتوى على ثروات طبيعية
هائلة، وتعتبر ذات أهمية تجارية
واقتصادية كبيرة بالنسبة لخطوط
المواصلات البحرية في الخليج. ومن ثَم
فهي كدولة إقليمية كبرى ترى نفسها
الأحق بالسيطرة على هذا الجزء
الإستراتيجي الذي يهمُّ دول الخليج
ككل.
وفي
ظل التشدد الإيراني، جاء البيان
الختامي خاليًا من أي إشارة إلى
التحول الذي طرأ بالإيجاب على مجمل
العلاقات الإيرانية – الخليجية. وهذه
رسالة واضحة للنظام الإيراني مفادها
أن تحسين العلاقات لن يكون على حساب
أحد الأعضاء. ليس هذا فحسب، بل إن
إحالة المشكلة إلى المجلس الوزاري -
وهو أعلى سلطة سياسية في مجلس التعاون
- يعبِّر عن وحدة الموقف الخليجي تجاه
هذه القضية بالذات.
ومن
ثَم، فإن القراءة الشاملة للبيان
الختامي - بصدد قضية الجزر - تؤكد
بجلاء أن قمة المنامة قد اعتبرت
القضية شأنًا خليجيًّا عامًّا، بينما
كانت القمة السابقة تطالب إيران -فحسب-
بالاستجابة إلى الدعوات السلمية
لدولة الإمارات. وعلى هذا، فإن تحسين
وتيرة العلاقات الخليجية - الإيرانية
ينبغي أن يقابله تجاوب إيراني ما تجاه
حلٍّ مقبول وعادل لقضية الجزر. وتحقيق
ذلك ربما يحتاج إلى دبلوماسية هادئة
تتبع أساسًا أسلوب "النفس الطويل"
وتتفادى التوتر، الذي لن يكون - بلا شك
- في صالح أي من الطرفين. وفي الوقت
ذاته، فإن حسم هذا النزاع سيساهم في
إرساء دعائم الأمن والاستقرار في
منطقة الخليج ككل.
تحول
نوعي إزاء العراق
أحدث
التعاطف الدولي مع شعب العراق وتزايد
الرحلات الجوية إلى بغداد تغيرًا
واضحًا في الموقف الخليجي تجاه
العراق؛ حيث اعتمد القادة نصًّا
بعنوان "الحالة العراقية ونتائج
احتلال العراق للكويت" بدلاً من
"تصفية مسألة العراق وعدوانيته على
الكويت". وجدّد المجلس مطالبة
العراق الالتزام بقرارات الأمم
المتحدة، والتعاون مع الجهات المعنية
لإيجاد حل لمشكلة الأسرى، وإعادة
الممتلكات الكويتية التي في حوزته،
واحترام أمن واستقلال الكويت
وسيادتها وسلامتها الإقليمية. وفي
الوقت ذاته، أعرب المجلس عن استعداده
للمشاركة بكل مبادرة إنسانية تسهم في
تخفيف المعاناة عن الشعب العراقي،
وضرورة احترام استقلال العراق ووحدة
أراضيه، وسلامته الإقليمية، وعدم
التدخل في شؤونه الداخلية.
ولم
يكن هذا الموقف مفاجئًا، بل كان
متوقعًا. فالتحول تجاه العراق قد حدث
منذ القمة الإسلامية التاسعة التي
عقدت بمدينة الدوحة -العاصمة القطرية
- (12 - 13 نوفمبر 2000). وما ورد في البيان
الختامي لقمة المنامة إنما جاء
متفقًا مع اتجاهات الرأي العام
العربي والإسلامي، التي ترى في
مجملها أن الحصار المفروض على العراق
قد فقد مبرراته.
المصالح
الخليجية فوق الخلافات الثنائية
وإذا
كانت خطوات التكامل والتعاون بين دول
المجلس تسير بخطى بطيئة قياسًا
بالتطورات المتسارعة على صعيد
التجمعات الإقليمية الأخرى مثل
الاتحاد الأوروبي ونافتا والآسيان،
فإنه يحسب لمجلس التعاون حفاظه على
الانتظام في عقد اجتماعاته، وبقائه
متماسكًا رغم بعض الخلافات التي ظن
البعض أنها قد تهدد كيانه بالانفراط؛
وفي مقدمة هذه الخلافات النزاع
القطري - البحريني حول السيادة على
جزر "حوار" و"الزبارة" و"قشت
الديبل". فقد كان متوقعًا أن تقاطع
قطر قمة المنامة، ليس فقط ردًّا على
عدم مشاركة البحرين في القمة
الإسلامية التاسعة بالدوحة؛ وإنما
ردًّا على عدم مشاركة البحرين في
القمة الخليجية والتي عقدت بالدوحة
عام 1996، احتجاجًا على لجوء قطر لمحكمة
العدل الدولية في يوليو 1991 من جانب
واحد، رغم وجود لجنة عليا مشتركة
معنية بتسوية النزاع بين البلدين. ومن
ثَم، أعطى حضور أمير قطر الشيخ حمد بن
خليفة آل ثاني ومشاركته في قمة
المنامة الخليجية قوة دفع كبيرة
للعمل الخليجي المشترك، وجاء تأكيدًا
وتكريسًا لحقيقة أن المصالح الخليجية
المشتركة ينبغي أن تسمو فوق كل
الخلافات الثنائية.
اقرأ
أيضاً:
|