بريدك الالكتروني


English

 
 

اسألوا أهل الذكر

|

معًا نربي أبناءنا

|

الحج والعمرة

|

الزكاة

|

صحية

|

دعوية

|

إيمانية

|

شبابية

استشارات:

 

في الموقع أيضًا:

 

القضية الفلسطينية | المنطقة العربية | بقية العالم الإسلامي | آسيا | أوروبا وأمريكا الشمالية وأستراليا | إفريقيا | رواق الأفكار | مساهمات الزائرين


إسرائيل والسلطة الفلسطينية.. إستراتيجية بلا هدف وهدف بلا إستراتيجية

6/12/2000م

فلسطين - مها عبد الهادي

طوت الانتفاضة الفلسطينية الراهنة شهرها الثاني على إيقاع شديد الدموية والسرعة، أثيرت خلاله جملة تساؤلات مصيرية تتعلق بجوهرها وآفاقها ومستلزماتها ومستقبلها؛ وكان أبرز هذه التساؤلات ما يتعلق بالإعداد والتخطيط والسيطرة.

اقرأ في هذا الموضوع:

استمرار الانتفاضة: لغة موحدة

ففي الوقت الذي شهدت فيه الأيام الثلاثون الأولى من الانتفاضة هبَّة شعبية وغضبًا فلسطينيًّا عارمًا ضد تهويد المسجد الأقصى المبارك أو فرض أي حلول إسرائيلية في قضايا الحل الدائم، بدت الانتفاضة في شهرها الثاني تدخل منحنى آخر جديدًا بدأت تمتزج فيه الحركة الشعبية مع حركة عسكرية نوعية باتت تستهدف تعظيم المكاسب في الجانب الفلسطيني وزيادة الخسائر لدى الجانب الإسرائيلي، وهو ما أبرز تساؤلات عديدة حول ماهية مستقبل الانتفاضة: هل ستصير عسكرية مسلحة أم ستعود سلمية شعبية في وقت راوحت فيه نشاطاتها الآن ما بين النهجين العسكري والسلمي معًا، ومع بروز تيار يدعو إلى تحويلها كليًّا للخيار العسكري عبر الإعلان عن تأسيس كتائب مسلحة، واللجوء إلى استخدام السلاح عبر نقاط التماس والمحاور المتاخمة للمدن الفلسطينية.

لكن الهدف المشترك الذي يبقى بين الفريقين هو حسم مسألة الاستمرار، لا لأن الدولة العبرية قررت أن الأحداث ستكون طويلة، وليس لأنها تداوم على القتل والتدمير واستظهار كل ممارسات الحقد والعنجهية، وإنما لأن الجميع - قوى وأفرادًا - أصبح يحتاج الانتفاضة لتحقيق الأهداف الفلسطينية وانتزاعها على الطريقة الفلسطينية كما انتزعها المقاومون اللبنانيون من حزب الله على طريقتهم اللبنانية، لا بطريق الاستسلام المغطى بغطاء السلام.

وأصبح الجواب الذي يسمع من الجميع تقريبًا من أحزاب وفصائل ومواطنين عاديين أن:

"الانتفاضة مستمرة"، ويؤكد ذلك أيضًا الاستعدادات اليومية للعمل والتحرك رغم وجود بعض الأصوات النشاز التي باتت تحصر هدف الانتفاضة في تحسين الوضع التفاوضي للوفد الفلسطيني.

فتح تهدِّد والمعارضة تنفذ!!

في الحادي والثلاثين من شهر أكتوبر 2000م نفَّذ رئيس أركان الحرب الإسرائيلي "شاؤول موفاز" ما أعلنه في نفس اليوم أن جيشه سيمسك بزمام المبادرة في مواجهة الفلسطينيين، وأنه سيستهدف حركة فتح، ولن يكتفي بسياسة الرد، وسيقوم بالهجوم واحتلال بعض المناطق الخاضعة للسلطة الفلسطينية.

واستهدفت حملة الغارات الليلية مُنذئِذٍ مكاتب لفتح ومقار أمنية في نابلس وخانيونس والبيرة ورفح. ورغم عدم وقوع إصابات فإن هذه الخطوة أشارت إلى منعطف جديد في انتفاضة الأقصى، حيث أعلنت إسرائيل الحرب بشكل صريح على حركة فتح؛ الفصيل الرئيسي المشارك في عملية السلام والأكبر الذي يقف خلف السلطة الفلسطينية. وفي المقابل صدرت تهديدات واضحة وصريحة من قيادات فتح في الضفة الغربية على رأسها مروان البرغوثي وحسين الشيخ، تؤكد بأن رد فتح سيكون موجعًا وقويًّا، الأمر الذي يعني تصعيدًا كبيرًا في خطاب الحركة تجاه إسرائيل.

وقد قال حسين الشيخ - أحد قياديي فتح في الضفة الغربية خلال لقاء مع فضائية الجزيرة - بأن رد الحركة سيكون قاسيًا وموجعًا إذا ما تعرضت فتح لأي عدوان؛ وهذا كان أول تصريح واضح بشأن تصعيد العمل العسكري، الأمر الذي حاولت فتح في أكثر من مرة تجنب الإعلان عنه حتى فترة وجيزة.

وبعد حوالي أسبوع، تلقت حركة فتح ضربة قوية أخرى بعد اغتيال أحد قادتها البارزين في بيت لحم - حسين عبيات - بواسطة المروحيات الإسرائيلية، وذلك بعد تصريحات عسكرية إسرائيلية بأن قوات الاحتلال لن يقتصر جهدها للرد على العنف الفلسطيني، بل ستقوم بضربات مسبقة تعيد المبادرة إلى الذراع القوية لجيش الاحتلال. وترافق هذا التصعيد مع تحشيد عسكري للأفراد والقوات والآليات والتحصينات والعمل الاستخباري.

وهذه العملية صعَّدت من جديد حرب التصريحات من قبل قيادة فتح التي عادت لتلوح بخيار الكفاح المسلح ليحتل أولوية الحركة من جديد، خصوصًا بعد تصريح الناطق الإعلامي للحركة ذياب اللوح الذي اعتبر أن فتح "لن تغير أبدًا ثوبها النضالي"، مضيفًا أنه "لا يمكن الحديث عن السلام من خلال توجيه المدافع والقذائف". وردًّا على العملية الإسرائيلية، قال اللوح: "كل الخيارات مفتوحة ونهجنا العسكري لم يتغير منذ 1965م، ولم يسقط خيار البندقية رغم التزامنا بعملية السلام خلال السنوات الماضية".

محطة جديدة

هذه التطورات وضعت انتفاضة الأقصى أمام محطة جديدة لم يَعُد ممكنًا ولا مقبولاً العودة معها للوضع الذي كان سائدًا ما قبل انطلاقها. لكن كان من المحبط ألا ترتقي هذه التصريحات من قبل حركة التحرير الوطني الفلسطيني - فتح - إلى مستوى التنفيذ العملي، بل يبقى نطاق ردها العسكري مقتصرًا على تصريحات مقرونة بأفعال أفراد دون أن يتحول إلى "توجه حركة".

وحتى الأمر الذي أصدره رئيس السلطة الفلسطينية ياسر عرفات بحظر إطلاق النار من داخل مناطق "أ" الخاضعة للسيطرة الأمنية الفلسطينية وجد استجابة لدى الكثير من عناصر فتح الذين قلَّصوا بشكل واضح من استخدام السلاح كما كان في السابق، واقتصر استخدامه على النواحي الاستعراضية داخل المسيرات، وتشييع جثث الشهداء دون أن تتغير أوامر "ضبط النفس" التي سبقت التصعيد العسكري الإسرائيلي.

لكن تصعيدًا آخر بدا بشكل واسع لدى بقية القوى الفلسطينية - وعلى وجه الخصوص الإسلامية منها - التي نفذت منذ الشهر الثاني للانتفاضة وحتى الآن عدة عمليات نوعية جعلت الكيان الصهيوني يئن تحت وطأتها.

ومن أبرز هذه العمليات التي نفذت مثلاً خلال الفترة الواقعة بين 11 - 21/11 والتي لم تنفذ فيها فتح سوى عملية واحدة في بيت لحم في العاشر من نوفمبر الجاري:

1-11 اشتباك مسلح بين بيت لحم والخضر ووقوع قتيلين إسرائيليين.

1-11 اشتباك مسلح في أريحا قتل فيه جندي إسرائيلي.

2-11 سيارة مفخخة في القدس أوقعت قتيلين من الإسرائيليين و7 جرحى وتبنَّتها حركة الجهاد الإسلامي.

8-11 إطلاق نار في رفح أوقع قتيلة إسرائيلية.

10-11 إطلاق نار في بيت لحم أوقع قتيلين إسرائيليين.

11-11إطلاق نار في غوش قطيف بغزة أوقع قتيلاً إسرائيليًّا.

13-11إطلاق نار بين رام الله وسلوان أوقع 3 قتلى إسرائيليين.

13-11 إطلاق نار بين رام الله وسلواد أوقع قتيل إسرائيلي.

18-11 مقتل إسرائيلي بعد إطلاق نار داخل مستوطنة كفار داروم من قبل أحد أجهزة الأمن الفلسطينية "بهاء الدين سعيد".

20-11 انفجار عبوة ناسفة في غزة أوقعت مستوطنين يهوديين.

وبذلك يصبح مجموع القتلى الإسرائيليين منذ 29 أيلول/ سبتمبر 2000م، وحتى 20/11 هو 28 جنديًّا ومستوطنًا يهوديًّا؛ وذلك وفقًا لإحصائية جيش الاحتلال. وكما يقول المحللون الإسرائيليون فإن هذا الرقم يفوق عدد الجنود الإسرائيليين الذين قتلوا في المنطقة الأمنية السابقة في جنوب لبنان خلال سنة كاملة، الأمر الذي وصفه قادة جيش الاحتلال بأن "الفلسطينيين يزدادون تركيزًا في عملياتهم، وأنهم أصبحوا يواجهون حربًا لا انتفاضة شعبية".

وكما يتضح، فإن الانتفاضة المجيدة - التي قطعت مسيرة شهرين متصلين - ارتقى فيها مستوى النشاطات من الأشكال المدنية والشعبية إلى الأشكال المسلحة عبر أكثر من أسلوب؛ كان منها إطلاق النار باتجاه القوات الإسرائيلية والمستوطنات انطلاقًا من تخوم أو من سيارات، ومنها العبوات الناسفة المصنعة تصنيعًا بدائيًّا، ومنها الكمائن على الطرق، ومنها تفجير العبوات الناسفة المتطورة عن بُعْد.

من ثَم، فإن التصعيد العسكري الإسرائيلي دفع بالعناصر الفلسطينية المسلحة إلى التركيز في عمليات إطلاق النار على المواقع الإسرائيلية، وتحول الهدف من مجرد إطلاق النار العشوائي بهدف الإرباك والإزعاج إلى اقتناص جنود الاحتلال وإيقاع أكبر خسائر ممكنة في صفوفهم.

ولعلَّ المتابعة السريعة للنشاطات الفلسطينية كافة وما رافقتها تدلّل على حيوية فائقة تعتري الوضع الفلسطيني برمته، وأن ثمَّة قوى كامنة داخل هذا الوضع قادرة على تحقيق التواصل والاستمرار في الانتفاضة، وأداء دور فاعل ومؤثر في المعادلة السياسية الراهنة التي لم تَعُد تقبل ببيع الانتفاضة لصالح الحل التفاوضي.

وربما كان إدراك الجانب الإسرائيلي لهذا التطور هو السبب وراء كثرة التصريحات والأحاديث الصادرة عن دوائر جيش الاحتلال الإسرائيلي، بصدد سيناريوهات حرب قد تتوسع إقليميًّا فيما لو استمر واتسع نطاق "العنف"، ورافق هذه التصريحات جملة من القرارات التصعيدية للضغط على السلطة الفلسطينية لتطويق الأوضاع، يمكن تلخيصها بما يلي:

1 - عدم تسليم السلطة الأموال المتراكمة المستحقة على إسرائيل.

2 - منع دخول البضائع ما عدا الحالات الإنسانية "غذاء ودواء".

3 - وقف تزويد مناطق السلطة الفلسطينية بالوقود.

4 - تشديد الحصار على مداخل ومخارج القرى والمدن الفلسطينية.

وتواكَب ذلك مع استمرار القصف الإسرائيلي بالمروحيات والدبابات والرشاشات الثقيلة، وتجريف مساحات واسعة من المناطق القريبة من المستوطنات والمواقع العسكرية، وإغلاق الطرق والشوارع الالتفافية والعادية، واستهداف المصانع وورش العمل الفلسطينية، ومنع ما يزيد على "120" ألف عامل من العمل داخل إسرائيل.

وحقيقة، فإن إسرائيل لم تكن بحاجة إلى مبرر لتقوم بهذه الممارسات التي نفذت فصول منها منذ بداية الانتفاضة، ولكنها تحاول في كل مرحلة أن تزيد من حجم ضغوطاتها على الفلسطينيين أملاً في إخضاعهم؛ ولو أدى ذلك إلى ممارسة الحرب بصورة واسعة، وهو ما لم يستبعده باراك من حساباته حين قال: "لو أننا نعرف أن سقوط ألفي قتيل فلسطيني سيوقف الانتفاضة لفعلنا".

عمليات حماس قادمة

ومع ذلك فإن إمكانيات التصعيد ليست حكرًا على الجانب الإسرائيلي وحده، وإنما يحتفظ الفلسطينيون بخيارات - تتوقع حدوثها الأجهزة الاستخبارية والأمنية الإسرائيلية - لكنها لم تجربها عمليًّا حتى اللحظة، فقد توقعت الأجهزة الإسرائيلية في أوقات سابقة إمكانية مبادرة الجماهير الفلسطينية باجتياح بعض المستوطنات؛ وهو أمر ينبغي عدم تجاهل إمكانية وقوعه تحت ظروف معينة وسط هذا التصعيد الكلامي والفعلي.

كما لا زالت أجهزة الأمن الاستخبارية الإسرائيلية تتوقع أن تقوم حركة حماس بتنفيذ تهديداتها، وتقوم بسلسلة من العمليات الاستشهادية تهزُّ العمق الإسرائيلي كما كان في عامي 96 - 97 .

فرغم أن حركة الجهاد الإسلامي قامت بثاني عملية استشهادية لها حتى الآن، فإن الخوف داخل إسرائيل هو من إمكانية قيام حماس بتفجير خمس سيارات مفخخة أكدت المصادر الإسرائيلية في 3/11 أن حماس نجحت في إدخالها إلى أراضيها.

وتتوقع الأوساط الإسرائيلية أن حماس تخطط لتنفيذ سلسلة من العمليات الاستشهادية؛ لتترك صدى واسعًا في نفوس الفلسطينيين والعرب والمسلمين في أرجاء العالم، مدعمة ذلك بتصريحات كبار قيادة الحركة، وعلى رأسهم زعيم الحركة الشيخ أحمد ياسين.

وتزايدت هذه المخاوف بعد تسريب معلومات تقول إن حركة حماس هي من نفَّذت عمليات إطلاق نار التي أدت إلى مقتل أربعة إسرائيليين في 13/11 التي كان يعتقد أن عناصر تابعة لحركة فتح هي التي تقف وراءها.

وتربط الدلائل الإسرائيلية ما بين هذه العمليات وحركة حماس، التي انفرد جهازها العسكري بتنفيذ مثل هذا النوع من العمليات، حيث تقوم عناصر بإطلاق النار على السيارات الإسرائيلية أثناء تجاوزها في طرق الضفة الغربية، مع العلم أن حماس قتلت بمثل هذا النوع من العمليات أربعين مستوطنًا وجنديًّا إسرائيليًّا في الفترة الممتدة بين عامي 90 - 95 في شوارع الضفة الغربية.

وعلى هذه الخلفيات يمكن القول: إن المواجهة الراهنة - المستمرة منذ أسابيع - هي لعب في الممكن عسكريًّا للطرفين الفلسطيني والإسرائيلي؛ بما يشبه حرب استنزاف ميدانها الأراضي الفلسطينية. وأكثر ما تتخوف منه الدولة العبرية حقيقة أن هذا الانتقال العسكري سيقود إلى حالة من الفراغ السياسي التي تعني:

1.انفلات القوة الفلسطينية من عقالها، أي استخدامها في كل الاتجاهات.

2. العودة مجددًا نحو مرحلة سابقة للحل السياسي مع متغيرات عسكرية وسياسية في المنطقة والعالم، ستضع الدولة العبرية في مواجهة حالة جديدة أسوأ من الحالة التي كانت خلالها إبان انتفاضة الثمانينيات.

وبناء على ذلك يتخوف الإسرائيليون من الإقدام على مغامرة عسكرية شاملة؛ لأن الرد الفلسطيني سيكون عندئذ مرعبًا. وبدلاً من ذلك تتوسع في اتخاذ إجراءات قمع متنوعة مكملة للعامل العسكري، ولكن جدواها أيضًا تظل محل تساؤل.

إسرائيل "تزنُّ على خراب عُشِّها"

ففي الوقت الذي تعتمد فيه الدولة العبرية على العنصر العسكري من قصف وتدمير مقرات أو بيوت وإطلاق الرصاص، نجدها تلجأ إلى حرب استنزاف اقتصادية تأخذ منحنيات عديدة تبدأ من الطوق الأمني الشامل، ومنع أكثر من "200" ألف عامل فلسطيني من العمل في إسرائيل، إلى فرض طوق على المدن الفلسطينية، وطوق على كل محافظة، وشل الحركة بين كل المناطق الفلسطينية. وهذه السياسية - التي تهدف من ورائها الدولة العبرية إلى ممارسة الضغوط على الفلسطينيين لإضعاف حافزية الدفاع عندهم في المواجهة الراهنة - سيكون لها ثمن باهظ؛ هو تحويل ما يقارب من نصف مليون شاب فلسطيني من سوق العمل سواء داخل إسرائيل أو السوق المحلية إلى "سوق" المقاومة بفعل البؤس الاقتصادي الذي سيترتب عليه بؤس اجتماعي، وبالتالي استمرار للمقاومة حتى وإن كان بمنطق المغامرة أكثر منه من منطق التخطيط، وبالتالي ستكون النتيجة عكس ما تهدف إليه الدولة العبرية من وراء الحرب الاقتصادية.

فمن الواضح الآن أن سياسة الحافة الاقتصادية التي تلجأ إليها الدولة العبرية ستتقلب ضد ما ترمي إليه خلال الأسابيع القليلة المقبلة، خصوصًا وأنها تترافق مع حالة من الإهانة الجماعية التي تمارسها قوات الاحتلال عبر إغلاق كافة الطرق أمام حركة الفلسطينيين الذين أخذوا يستخدمون طرقًا ترابية صعبة.

السلطة الفلسطينية: انتفاضة تحريكية لا تحريرية

العرض السابق الذي تعِيه القيادة الفلسطينية جيدًا ربما كان السبب خلف تعاطي ياسر عرفات مع أطروحات وتدخلات دولية لاحتواء الأزمة قبل أن تخرج من نطاق سيطرته. فالقيادة الفلسطينية التي كانت معنية بالأساس بهذه الانتفاضة لم تكن تسعى في أي مرحلة لجرِّها إلى الهاوية، بل بالسير على الحافة في محاولة لجني مكاسب سياسية ليس إلا، حيث تؤكد تصريحات القيادة الفلسطينية أنها تريد من الانتفاضة أن تكون تحريكية وليست تحريرية.

فالتصريحات الصادرة حتى الآن عن المحافل الرسمية الفلسطينية تشير إلى رغبة القيادة الفلسطينية بتغيير سقف المطالب ليس إلا، وتغيير شروط التفاوض. فهي من جانب تطالب بإشراف أطراف أخرى على "عملية السلام" منها الاتحاد الأوروبي وروسيا والصين، إضافة إلى الولايات المتحدة. وكذلك تطالب بوجود حماية دولية، وتطبيق لقرار مجلس الأمن الذي يقضي بتشكيل لجنة تحقيق دولية لتقصي الحقائق، الأمر الذي يؤكد أن ما تبثه السلطة في وسائل إعلامها من أن الانتفاضة الحالية هي انتفاضة الاستقلال هو مجرد أمنية، ولكسب التأييد الجماهيري فحسب. أما مطالبتها بتوسيع قاعدة العمل الانتفاضي فليس إلا لتستخدمه أداة للضغط على الطرف الآخر من أجل الرضوخ لمطالبها.

وباختصار، فإن ما يحدث هو مجرد خطوة تكتيكية من ياسر عرفات وليست إستراتيجية معدة، وإلا لتغيرت أوامر عرفات بإلغاء أوامر "ضبط النفس" لعناصر أجهزته الأمنية للمشاركة في الانتفاضة، ولما كانت هناك توجيهات بالإبقاء على الطابع المدني للانتفاضة بمعنى ينفي عنها الجانب العسكري، أي بمعنى أن تبقى الانتفاضة مدنية شعبية سلمية بحجة أن اللجوء للسلاح والخيار العسكري له اشتراطاته وظروفه المفتقرة فلسطينيًّا؟! وأن الأمر بحاجة إلى استعدادات وتهيئات طويلة الأمد، وغيرها من التبريرات الواهية.

والمطلوب برأي أصحاب هذا التوجه هو الحالة الأخرى "المدنية"؛ لأن فيها كما يقول أصحاب هذا المنحنى ما يكفل استمرار الانتفاضة على أساس وجود جيش عدو محتل مغتصب وقاتل، وشعب فلسطيني محتل ومنتهك الحقوق يدفع أثمانًا باهظة من جرَّاء هذا الاحتلال، ويمكن بالتالي من رفع صوته عاليًا في رفض سياسة هذا الاحتلال وطلب الحماية الدولية.

لكن السؤال هو: هل ألقت إسرائيل أو المجتمع الدولي بالاً لكل هذا خلال الشهر الأول من الانتفاضة ؟ والجواب يُترك لحصيلة الشهداء والجرحى الفلسطينيين الذين يراد لهم أن يتساقطوا بالعشرات يوميًّا حتى يتنبه الرأي العام العالمي.. وهو ما لن يحدث.

هذا الفهم الخاطئ للاتفاق من قبل القيادة الفلسطينية ربما كان مَنْ حال دون إصدارها بيانًا رسميًّا يوضِّح للشعب الفلسطيني خيارات ما بعد الانتفاضة أو آليات العمل الممكنة خلال المرحلة المنظورة المقبلة. وهذا ما يدعم صحة ما كتبه صحفي إسرائيلي بعد أيام قليلة من اندلاع الانتفاضة بأن إسرائيل لديها إستراتيجية ولكن من دون هدف، أما فلسطين فلديها هدف وتفتقد إلى الإستراتيجية وهو ما ثبت مع مرور الأيام.

فالدولة العبرية لديها الإمكانات والخطط الجاهزة والتكتيكات والبدائل لكل الاحتمالات، وأجرت حكومتها وجيشها التدريبات والمناورات على الحصار والقصف واحتلال المواقع والمدن، وشقَّت الطرق الكفيلة بتأمين حركة جنود الاحتلال وقطعان المستوطنين؛ ولكنها لا تملك الهدف الواضح وحائرة ما بين السلام والحرب، فهي مترددة بين السلام حتى وإن كان على مقاس شروط وتفاهمات كامب ديفيد، وبين الحرب والاحتلال وسياسة الأمر الواقع باستخدام القوة والنار. أما القيادات الفلسطينية فلديها الهدف وهو إزالة الاحتلال وإنجاز الحرية والاستقلال؛ ولكنها لا تملك الخطط والمقومات والاستعدادات الضرورية لتحقيقه.

والسلطة الفلسطينية من جانبها حائرة بين العودة إلى طاولة المفاوضات بصيغتها السابقة أو عدم العودة إليها إلا بعد تغيير قواعدها وبإشراك أطراف دولية أخرى فيها؛ وحائرة من جانب آخر بين اعتماد خيار الانتفاضة والمقاومة كخيار أساسي في مواجهة الاحتلال والاستيطان والعدوان واللجوء إليه بصورة تكتيكية مؤقتة، وبين أن تكون الانتفاضة شعبية وسلمية ودفاعية خاصة من ناحية اللجوء إلى السلاح، وأن تكون مسلحة وتعتمد على حرب العصابات وتستلهم تجربة حزب الله.

سيناريوهات

في ظل ما سبق يبدو من الصعب استشراف آفاق المستقبل، لكن ما يمكن حسمه أن هناك خيارات داخلية مهمة بدأت بترسيخ قواعد لانتفاضة الأقصى وتأمين إمكانية استمراريتها، لكن هذه الاستمرارية لن يكون لها فرصة للحياة من دون بلورة العديد من النقاط المركزية:

1 - دراسة الانتفاضة من حيث مسبباتها؛ مجرياتها؛ رصيدها الميداني؛ آفاق وآليات استمرارها.

2 - أن تحسم قضية عدم جدوى استمرار المفاوضات عبر الراعي الأمريكي وفي ظل المواقف الإسرائيلية الثابتة، والتأكيد أن استمرارها سيسجل سنوات عجافًا جديدة في حياة الشعب الفلسطيني دون جدوى تذكر.

  • دراسة هيكلية اتخاذ القرار وصناعة ودراسة موقف السلطة إزاء استمرار الانتفاضة وعمليات المقاومة المشروعة ضد قوات الاحتلال ومستوطنيه فوق الأراضي الفلسطينية المحتلة، ودراسة إمكانية القيام بعمليات عسكرية مسلحة في ظل اتفاقيات التنسيق الفلسطيني الإسرائيلي، وفي حال استحالة القيام بذلك كيف سيكون المخرج.

  • وحسم هذه النقاط هو الذي سيحدد أي من السيناريوهات سيجد طريقه في المستقبل:

      1. توقف الانتفاضة والعودة إلى الحالة السابقة من المفاوضات.

      2. استمرار الانتفاضة بزخم مشابه للانتفاضة الأولى.

      3. تطور المقاومة الفلسطينية من الحجر إلى المواجهة بالسلاح.

      4. حرب يشارك فيها حزب الله ودولة أو دولتين عربيتين.

    الانتفاضة تكشف العورات

    لا شك إذن أن الانتفاضة باتت كاشفة للعورات، فقد أثبتت كم ارتُكب من الأخطاء، وكم أقيم من مؤسسات وسلطات تعاني من القصور والنواقص والثغرات.. بُنيت وكأن السلام قد حَلَّ فعلاً، ولم تلاحظ السلطة أن الاحتلال لا يزال قائمًا، وأن المقاومة خيار كان يجب أن يبقى مطروحًا ويتم الاستعداد له؛ لأن المفاوضات من دون مقاومة لن تؤدي إلا إلى الهزيمة أو الاستسلام.

    أما الانتفاضة - التي يُتوقَّع أن تستمر بحيث تشهد مدًّا وجزرًا - فعليها أن تحدد أهدافها وأشكال عملها بوضوح أكبر، وعلينا أن نوفر لها مقومات الصمود في وجه العدوان الإسرائيلي المرشح للتصعيد، خاصة بعد لجوء جيش الاحتلال إلى استخدام نهج الاغتيالات وإلى القصف البربري الصاروخي والجوي بصورة عشوائية تهدف إلى القتل وليس مجرد الردع.

    علينا إذن أن نَنْحِت ملامح علاقة جديدة مع الاحتلال تقوم على هدف واضح ورؤية واضحة هي الانفصال والاستقلال.

    اقرأ أيضًا:


القضية الفلسطينية | المنطقة العربية | بقية العالم الإسلامي | آسيا | أوروبا وأمريكا الشمالية وأستراليا | إفريقيا | رواق الأفكار | مساهمات الزائرين

 

«

ابحث 

«

بحث متقدم

 

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع