الرئيس
وتوزيع الاتهامات
*
كيف تقيّمون تصريحات الرئيس الجزائري
حول الصحافة المستقلة والحكومة
وأحزاب المعارضة على حد سواء؟
من
حق رئيس الدولة ألا يكون راضيا عن
أداء حكومته أو عن الصحافة أو عن
المعارضة، ومن حقه أن يكون له أسلوبه
الخاص في التعامل معها ولكن ليس من
حقه أن يشهّر بها في الخارج. ومع الأسف
تجاوز هذا التشهير في وسائل الإعلام
الأجنبية كل الحدود، فلم يسلم منه
الشعب الذي اتُّهم بـ "الجبن
والغباوة" مع أنه مصدر السلطة، ولم
يسلم منه الرئيس الأسبق "الشاذلي
بن جديد" الذي اتهم بـ "الأمية"
مع أنه كان رمز الدولة الجزائرية طيلة
13 سنة، ولم يسلم منه الأخ حسين آيت
أحمد -زعيم جبهة القوى الاشتراكية-
الذي اتهم بـ "استغلال ماضيه ضد
البلاد" مع أنه يعد رمزا بارزا من
رموز الحركة الوطنية وثورة التحرير،
ولم تسلم منه مؤسسات الدولة من دون
استثناء مع أنها لم تنقطع عن أداء
رسالتها في لهيب العنف وفي أحلك
الظروف.
إن
الأمراض التي تنخر جسم المجتمع
والدولة معروفة، والمسؤولية عنها
مشتركة بين كل المسؤولين منذ
الاستقلال لا يستثنى منها حتى مَن
فضّل البقاء خارج الحكم في "البأساء"…
تشخيص هذه الأمراض معروف، وهي تنتظر
العلاج والسياسة الحكيمة التي تأتي
بالعلاج الناجع، في جو من التسامح
والتضامن والشفافية.
إن
الشعب يكفيه ما قاساه مِن محن حتى
يأتي اليوم مَن يشتمه ويستصغره!! إنه
ينتظر حلولا عملية للمشاكل المتولدة
عن استمرار العنف وتفاقم البطالة،
وانتشار الفساد، وتدني مستوى المعيشة
ومستوى التعليم وانحلال الأخلاق.
إن
الشعب يعيش اليوم حالة غليان
استثنائية من جراء ما يعاني منه.. إنه
ينتظر من حكامه أن يخففوا عنه ويرفعوا
عنه الغبن ويضمدوا جراحه قبل فوات
الآوان.
التطبيع
*
ما هو موقفكم من زيارة مجموعة من
الصحفيين الجزائريين إلى إسرائيل
والضجة التي أثيرت حولها؟
لقد
أصدرت حركة الوفاء والعدل في هذا
الشأن بيانا غاية في الوضوح، جددت فيه
موقفها المبدئي وهو رفض أي تعامل مع
الكيان الصهيوني ما دام الشعب
الفلسطيني لم يُقرّر مصيره، ولم يقم
دولته المستقلة وعاصمتها القدس، وما
دام الجولان السوري محتلا وما دامت
"تل أبيب" تصر على امتلاك أسلحة
الدمار الشامل من دون غيرها في
المنطقة.
وفي
البيان نفسه نددت الحركة بكل
الاتصالات شبه الرسمية التي شجعت
مجموعة من الصحفيين على السفر إلى
الكيان الصهيوني. وأنتم تذكرون ولا شك
أن هذه الاتصالات جرت منذ سنة في
الرباط وموناكو وباريس، ومن دون أن
تحدث أي رد فعل من قبل أحزاب هي اليوم
أكثر تشددا في إدانة الزيارة
الإعلامية؛ أجد هنا نفاقا سياسيا بل
جبنا سياسيا في مواقف بعض التشكيلات
السياسية التي تكيل بمكيالين تجاه
الموقف الواحد: فهي تتحرك إذا تحركت
الرئاسة؛ وهذا يعني أنها على استعداد
لتأييد التطبيع إذا دعت إليه الرئاسة.
الزيارة
لم تكن زيارة سرية، لأن الصحافة تحدثت
عنها قبل أسبوعين من إتمامها.. فلماذا
انتظرت السلطة التصريحات الرسمية
الإسرائيلية المرحبة بالزيارة حتى
تثور ثائرتها! هل كانت تتوقع أن تكون
الزيارة سرية أم أن هناك جناحا في
السلطة شعر بأن جناحا آخر سلب منه "المكسب"
فقال: ما دام الأمر هكذا فعليّ وعلى
أعدائي؟!.
إنني
أدعو إلى عدم توظيف العلاقات الدولية
للجزائر في خلافاتنا الداخلية، ولا
أرى خيرا من دغدغة عواطف الناس كلما
وجدت السلطة نفسها عاجزة عن مواجهة
المشاكل الداخلية.
تقويم
أداء بوتفليقة
*هل
تعتقدون أن الوضع الداخلي
والخارجي تغيّر منذ مجيء الرئيس
عبد العزيز بوتفليقة؟
رئيس
الدولة الحالي غيّر وجه الحكم، ولكنه
لم يغير الحكم، لا في طبيعته ولا في
آلياته ولا في جوهر تعامله مع الأزمة؛
وبذلك أعطى له كمية من الأوكسجين
للبقاء حيا؛ ولكن إلى متى يستطيع
الحكم أن يستمر من دون شرعية شعبية،
مكتفيا بأسلوب التضحية بأكباش الفداء
لربح الوقت وامتصاص الغضب الشعبي
المتزايد من جراء تفاقم الأزمة
الأمنية والاجتماعية والاقتصادية
وانتشار القلق على المصير المجهول
أمام الشباب الجزائري؟ أما صورة
الجزائر في الخارج فتلميعها يتوقف
على مدى تماسك الجبهة الداخلية،
وشرعية المؤسسات الحاكمة، وما عدا
ذلك يظل جريًا وراء سراب.
*
عاد الحديث مجددًا عن تعديل الدستور
في ضوء رفض الرئيس الجزائري استحداث
منصب نائب رئيس الجمهورية.. فهل لكم
رأي محدد حول مسألة تعديل الدستور؟
إن
أولى الأولويات اليوم.. استعادة الأمن
والسلم حتى نفكر جميعا في هدوء
واطمئنان في مصير البلاد. شخصيا أعتبر
الحديث عن تغيير الدستور أو تعديله في
ظل الوضع الحالي المتأزم سابقًا
لأوانه، خاصة أن هناك تشتتا سياسيا
واضحا في المجتمع، ثم من حق المواطن
أن يتساءل: هل العيب في القوانين أم
العيب في الرجال؟ لا أظن أن هناك نقصا
في القوانين، وإنما هناك عقلية لا
تحترم تلك القوانين.. مثلا قانون
تعميم استعمال اللغة العربية لم
يطبّق، وقانون الأحزاب تم خرقه في وضح
النهار، واستمرار حالة الطوارئ فتح
الباب لكل التجاوزات.
إذا
كانت الغاية من تعديل الدستور هي ضمان
انتقال السلطة من رئيس إلى رئيس من
دون هزة، فهذا حاصل حتى في الحالات
الاستثنائية كالتي وقعت في كانون
الثاني (يناير) عام 1992 حيث تم تجاهل
المؤسسات الدستورية القائمة. وإذا
كانت الغاية هي الأخذ بالنظام
الرئاسي، فهذا حاصل اليوم حيث يتمتع
رئيس الدولة بصلاحيات واسعة تشمل كل
صغيرة وكبيرة، وتعفيه من أية مسؤولية
أمام البرلمان.
إن
أزمة السنوات الماضية بينت أن هناك
تيارات سياسية متجذرة في المجتمع،
وأن هناك قوى سياسية فعالة وإن كانت
قواعدها الاجتماعية ضيقة. فالتفكير
يجب أن ينصب بعد تحقيق الأمن والسلم
على إيجاد النظام الوسط الذي يضمن
استقرار المجتمع والقوى السياسية من
دون استثناء، آنذاك وليس اليوم.. قد
تظهر فعلا الحاجة إلى وضع دستور جديد
لا يتأثر بتعاقب الرؤساء.
دور
الجيش
*
أخيرا، هناك حديث عن فتور العلاقة
بينكم وبين المؤسسة العسكرية؛ فما هي
أسباب هذا الفتور ومن المسئول عنها؟
إن
علاقتي بالمؤسسة العسكرية عادية
كسائر علاقتي بمؤسسات الدولة الأخرى.
صحيح أن أي وصف لهذه العلاقة يكون له
معنى خاص في حالة المؤسسة العسكرية
بحكم دورها السياسي الحاسم في قيادة
البلاد.
إن
إتصالاتي الرسمية بالمؤسسة العسكرية
شبه منعدمة، وإنني أتأسف على هذا،
ولكنني أستطيع القول إنني لم أغلق
الباب أبدًا في وجه أي مسؤول عسكري
طلب مقابلتي أو معرفة وجهة نظري في
موضوع معين. لقد كانت لي وللقيادة
العسكرية اجتهادات اختلفت في كيفية
الخروج من الأزمة، وأعتقد أن الزمن
تكفّل بالفصل بين الرؤيتين اللتين
انطلقت كل منهما من روح وطنية مسؤولة،
لا شك في ذلك.
لقد
كنت دائما ومنذ اندلاع الأزمة أطالب
بعدم الزج بالجيش الوطني الشعبي (الجيش
الجزائري) في الخلافات السياسية حتى
يحافظ على تماسكه ووحدة صفوفه.. وما
زلت أعتقد أن استدراج الجيش إلى
مواجهة مسلحة ضد شريحة واسعة من الشعب
يعتبر امتدادا لتلك المؤامرة التي
وظفت التذمر الشعبي المتراكم لتفجير
حوادث تشرين الأول (أكتوبر) عام 1988،
والانحراف بالخط السياسي للبلاد إلى
ما هي عليه اليوم من عنف وفساد،
وتهديد لأسس الوحدة الوطنية وتدمير
للاقتصاد الوطني.
إن
المؤسسة العسكرية هي العمود الفقري
لاستقرار البلاد؛ أقول ذلك منذ 1989
وينبغي الحفاظ عليها بتمكينها من
الانسحاب التدريجي من الحياة
السياسية حتى تتفرغ لمهامها
الدستورية، وعلى السياسيين أن
يتحملوا مسؤولياتهم في ضمان عدم
تكرار الأسباب التي كانت وراء تدخل
الجيش في الحياة السياسية.
إن
الواجب الوطني يحتّم علينا إبعاد
المؤسسة العسكرية عن الخلافات
الحزبية وتوجيهها إلى تحديث نفسها
ورفع كفاءاتها القتالية باستيعاب
أحدث الوسائل التكنولوجية حتى تكون
قادرة على الدفاع عن الحدود وعن
الشعب؛ وأود أن أضيف أن هناك عناصر
سياسية معروفة في الساحة الجزائرية
بأقنعتها المتعددة تحاول دائما تشويه
مواقفي لتضليل المؤسسة العسكرية
لإقامة حواجز بيني وبين قيادتها؛ حتى
تنفرد باحتكار هذه العلاقة، والإبقاء
على الأزمة مشتعلة. وما تعاني منه
حركة الوفاء والعدل اليوم هو جزء من
هذا التشويه المدفوع بحسابات رخيصة
غير مسؤولة، لا يهم أصحابها مصير
البلاد بقدر ما تهمهم امتيازات
الكرسي والمادة والعياذ بالله.
اقرأ
أيضًا: