|
في
إندونيسيا اليوم وبالرغم من مرور عام
على حكم أول رئيس منتخب ديمقراطيًّا
تشابكت الأسباب والعوامل التي تدفع
للعنف، فهناك عوامل مساعدة على ظهور
هذا العنف وعلى رأسها: التنوع العرقي
والديني، مشاريع الاستيطان ونقل
السكان والتي كانت إحدى سياسات
الديكتاتور السابق سوهارتو أو
الهجرات الطبيعية، ثم الوضع
الاقتصادي الذي جرّ نصف السكان - بدون
مبالغة - إلى دائرة الفقر، وضياع هيبة
الدولة الجديدة التي تبدو غير قادرة
على فرض النظام والقانون، ثم عدم نضج
وسائل الإعلام للتعامل مع جو الحرية
ومساعدتها في تأجيج النقاط الساخنة
مع أن حرية الإعلام هي السبب الرئيسي
وراء كشف ما كان مخفيًّا بقوة السلاح
طوال العقود الثلاثة الماضية...
من
هنا يظهر لنا أن الوضع الحالي هو
نتيجة التراكمات والسياسات غير
الحكيمة للحكم السابق، مما جعل هذه
العوامل مساعدة لمن يريد التحريض من
أطراف عديدة تحرض على العنف.
وفيما
يلي حوار حول هذه الظواهر مع السيد
منير طالب رئيس "مؤسسة العون
القانوني" و"لجنة ضحايا العنف
والمفقودين الإندونيسية"، وهو
محامٍ وشخصية بارزة في قضايا حقوق
الإنسان . أما مؤسسة العون القانوني
فتبلغ من العمر 31 عامًا، لكنها كانت
محددة العمل سابقًا وتعمل المؤسسة
على تحريك السكان وتوعيتهم
ديمقراطيًّا، كما تعمل على الدعوة
إلى قوانين وتعديلات لصالح عامة
الناس، حيث يعمل 200 من المحامين في
المؤسسة حاليًا، كما تتفرع عنها لجنة
مراقبة الفساد ولجنة مراقبة الجيش
وغيرها.
أما
لجنة الدفاع عن ضحايا العنف
والمفقودين (كونتراس) فهي حديثة العهد
بالساحة الإندونيسية، لكنها من أنشط
الداعمين لحركة صيانة حقوق الإنسان
ومراقبة الجيش، وتُعَدُّ الأولى في
قضايا ضحايا العنف والمفقودين في
البلاد وتدعم مساعي الحكومة الحقوقية
بتوفير مسودات لقوانين برلمانية
ورئاسية في قضايا حقوق الإنسان
والديمقراطية، وقد كانت آخر مسوداتهم
حول تأسيس محكمة دائمة لحقوق الإنسان
في إندونيسيا ومسودَّة "دعوة
للوفاق الوطني والمصداقية" ومسودة
قانون تؤكد استقلالية المحاكم.
تابع في هذا
الحوار:
ظاهرة متكررة
**أعتقد
أن الوضع الآن من عنف ومظاهرات
واحتجاجات هو جزء من ظواهر الفترة
الانتقالية في الحياة السياسية،
فهناك مجموعات المحافظين ممن يريدون
تعويق النقلة السياسية ومجموعات أخرى
تريد إحداث النقلة والتحول نحو
الديمقراطية بكل الإمكانات، ثم
مجموعات الطلبة التي تضغط من أجل
تسيير الإصلاح السياسي والاقتصادي..
ولذلك فالعنف هو جزء من هذه الوضعية
التي للشرطة والجيش دور أيضًا في
محاولتهم كبح تقدم ونفوذ ومظاهرات
مدفوعة من قبل إحدى هذه الأطراف فنشأ
هنا التظاهر ثم العنف ثم العنف
المضاد، وأعتقد أننا نحن في
إندونيسيا كنا نعلم ونتوقع أن هذا
سيحدث في أول مرحلة من مراحل التحول
من نظام سياسي إلى نظام سياسي آخر.
· ·
نعم، ففي رأيي
هذه المرة الثالثة التي تعيش في ظلها
إندونيسيا بهذا الشكل.
-
فأول
مرة كانت عندما حل الرئيس الأول
سوكارنو البرلمان بعد ضغوطات مورست
من قبل الجيش الذي
هدَّد بعمل انقلاب والسيطرة على
الحكم إن لم يحل الرئيس البرلمان
ويسيطر على الحكم كليًّا ويلغي
الديمقراطية في عام 1959م.
-
وكانت المرة الثانية بين
عامي 1965 و 1967م عندما انقلب الجيش على
الحكم مفشلا محاولة انقلابية من قبل
الشيوعيين وكانت الرموز الأيدلوجية
واضحة في تلك الفترة حيث كان الانقسام
بين شيوعي وغير شيوعي، وكانت هذه هي
المرة الأولى التي سيطر فيه سوهارتو
كجنرال عسكري على الحكم ولمدة 32 عامًا.
-
وكانت المرة الثالثة التي
نعيش امتدادها الآن منذ أن تنحى
سوهارتو عن كرسي الرئاسة في مايو 1998م.
لكن
الحقيقة المهمة هنا هو أن العنف
الحكومي كان موجودًا في حكم سوهارتو
قبل سقوطه وبشكل شبه يومي ضد الحركات
الإسلامية أو القومية الناقدة له،
ومن هذه الأمثلة مذبحة تانجونغ بريوك
التي قتل فيها المئات من الإسلاميين
بالقرب من جاكرتا عام 1984م، وفي عام 1989م
قام الجيش بعملية عسكرية واسعة في
قرية صغيرة في منطقة لامبونغ في جزيرة
سومطرة والتي قتل فيها 200 شخص من إحدى
الجماعات الإسلامية، وحادثة 27 يوليو
من عام 1996م التي هوجم فيها مقر الحزب
الديمقراطي المعروف بتوجهه القومي،
وفي مناطق الصراع مثل إقليم آتشيه نظم
الجيش عمليات عسكرية لمدة عشر سنوات
للتحكم بالسكان وفي بابوا قامت
عمليات مماثلة..
· ·
المتغيران الجديدان في
الفترة الحالية هما: السكان، ووسائل
الإعلام. فالشعب الإندونيسي أصبح لا
يخشى النقد ومهاجمة الحكومة وخاصة
الجيش، وأما الإعلام فوسائله تتمتع
بحرية واسعة، لكن العنف ككل مختلف عن
العنف في السابق أيضًا، فمع أن الذي
تدور حوله التهم بشكل رئيسي هم الجيش
والشرطة كما هو الحال سابقًا فإن
الأهداف اختلفت، ففي عهد سوهارتو كان
هدف الجيش من استخدام العنف هو حماية
حكم سوهارتو وحماية أنفسهم ومصالحهم،
ولكن هدفهم الآن هو حماية أنفسهم فقط
ومحاولتهم ضمان وضعية جديدة لهم في ظل
النظام الديمقراطي والارتباط بالنخب
السياسية الجديدة، وربما حاولوا
حماية أراضيهم واستثماراتهم التي
منحت لهم في عهد سوهارتو؛ لأن الجيش
في إندونيسيا لا يزال إحدى المجموعات
الاقتصادية.
العنف أنواع
· · نعم هناك العديد من أشكال
العنف؛ ولذلك قد يختلف في تقسيمها،
وأهمها
الصراع الأفقي ذو البعد
الديني كما يحصل في جزر الملوك في
شرق إندونيسيا وكوبانغ ومناطق أخرى..
وهو ليس صراعًا دينيًّا بحتًا، لكنه
استغلال للدين من قبل الجيش وأطراف
أخرى للاستفادة من هذا الصراع الدموي
الذي يبدو دينيًّا، وقبل ما حصل في
جزر الملوك كانت هناك حوادث مشابهة
مثل أحداث الشغب في باجيرماسينغ في
كالميمنتان وفي تاسيك ملايا في جاوة،
حيث اشتعل الخلاف الديني فيهما.. كانت
الحكومة في عهد سوهارتو تقمع كل من
يريد التغيير وتشعل النعرات
والخلافات الدينية وتحولها إلى دموية
لحماية الوضع القائم..
وحتى
اليوم نرى في أمبون عاصمة جزر الملوك
مثالاً آخر لاستغلال الجيش للخلاف
والاستفادة منه لحماية مصالحه.. وكان
هذا الغضب الشعبي واضحًا من تدخل
الجيش، فشباب مالوكو خرجوا في
مظاهرات واحتجاجات ضد الجيش لكي لا
يتدخل ويشعل الحرب بين الطرفين من
النصارى والمسلمين، ولكن الجيش استمر
في الإيقاع بينهما حتى نجح في إيصال
الصراع لمستوى خطير، ولم يَعُد
الشباب المالوكي يهاجم الجيش ولكن
يهاجم شباب الديانة الأخرى.. وقد حاول
المحرِّضون إشعال نار الفتنة حتى في
العاصمة جاكرتا لكنهم لم ينجحوا.
النوع
الآخر من أنواع العنف هو عنف الجماعات
الانفصالية وهو يتمثل في الأقاليم التي
تظهر فيها جماعة أو جماعات انفصالية
خاصة في آتشيه وبابوا الغربية (إريان
جايا)، وهو نوع خاص من أنواع العنف
مختلف عن غيره وله بُعْد تاريخي من
ناحية بدء الصراع وتجذره، ففي كلا
الحالتين نرى أن الصراع يمتد إلى
الخمسينيات والستينيات على التوالي
وما يزال مستمرًّا.
نوع
آخر من العنف ظهر بشكل واضح في
السنتين الأخيرتين وهو ناتج عن عدم
ثقة الناس بقدرة الحكومة على فرض
القانون ومعاقبة المجرمين وإيقاف حالة التسيب
القانوني، ففي كل يوم أو عدة أيام
نسمع عن قتل أو حرق لشخص في شوارع
العاصمة والمدن الأخرى أمام الناس
بعد أن يصيح أحدهم: "إنه سارق حاول
سرقتي"، وعنف آخر من قبل المجموعات
التجارية والأثرياء ممن يرتبون ذلك
مع الجيش لقمع الفلاحين والعمال
الذين يعتمدون عليهم أو يسكنون
بالقرب من مصالحهم التجارية ويسقط في
هذا النوع من العنف الكثير من
الأبرياء المدنيين..
ويبدو
أن أحدث أنواع العنف هو العنف الجماعي
الشعبي ضد المجرمين أو من يقال أنه مجرم فهذا لم
يكن موجودًا في عهد سوهارتو، ففي عهده
كانت الحكومة تقوم بعمليات عسكرية
واسعة يحصل فيها ما يحصل من قتل لمن
تعلن الحكومة أنهم مجرمون بدون أية
محاكمات، واليوم لم تَعُد الحكومة
الجديدة تقوم بهذا النوع من عمليات
القتل بدون محاكمات للمجرمين، لكن
الشعب أصبح يقوم بالمثل وبشكل مصغر
وسط الشوارع لمن يشتبه بأنه سارق.
ونوع
آخر يُعَدُّ جديدًا أيضًا لكنه أقل
خطورة هو من يشتريهم سوهارتو وأعوانه
من الفقراء والجياع ليقوموا بالتظاهر
والقيام بأعمال الشغب، فهؤلاء لا يحبون سوهارتو
بالفعل كما أن هناك بعض الميليشيات من
تيمور الشرقية ممن تميل لسوهارتو
لارتباطهم به سابقًا، هذا مقابل
تظاهر آخرين من الأحزاب والطلبة
مطالبين بمحاكمة سوهارتو في أسرع وقت.
· ·
نستطيع معرفة ذلك من خلال
عدة علامات، منها: القضية التي
يتظاهرون حولها وأسلوب التظاهر
والأشخاص، فهناك معايير معينة
نعرفها، وأغلبية المظاهرات
المستأجرة تنظم من قبل المقربين
لسوهارتو، وقد التقيت بعدد من
المتظاهرين الفقراء في أكثر من مرة في
مظاهرات حول الفساد وكانوا يرفعون
لافتات معادية للمنظمات غير الحكومية
ولجان حقوق الإنسان، وسألتهم ما معنى
هذه اللافتة؟ فقالوا: لا نعرف ماذا
تعني فقد أعطينا اللافتات ووجهنا
للتظاهر مقابل مبلغ مالي!، ولكن هناك
الكثير من المظاهرات النقية كمظاهرات
الطلبة ومظاهرات الأحزاب الإصلاحية
أو مظاهرات الفلاحين أو مظاهرات
العمال، فهذه مظاهرات صافية وخرج
المتظاهرون فيها بإخلاص من أجل قضية
يفهمونها وتهمهم، فمثلاً خرجت مظاهرة
كبيرة تستنكر ارتفاع أسعار النفط،
والكل يعلم أن المعادين للرئيس وحيد
استأجروا المتظاهرين فيها. وفي
المقابل خرج متظاهرون في مجموعة أصغر
أمام البرلمان في الوقت نفسه مهاجمة
الرئيس أيضًا، ولكن المتظاهرين خرجوا
من تلقاء أنفسهم ولم يدفع أحد لهم
مالاً، حتى الجيش الإندونيسي قد يدفع
ويمول بعض المظاهرات لمصالحه الخاصة.
·
يلاحظ المراقب أن بعض المتظاهرين
يخرجون للشوارع ويلجؤون لهذا الأسلوب
من التعبير عن آرائهم بعد أن فقدوا
الثقة بالنخب الحاكمة حتى مع كونها
منتخبة.
· · نعم، فمعظم من يتظاهر
بإخلاص يؤمنون بأن النخب السياسية
ليست جادة في حل مشكلات البلاد وتطوير
الديمقراطية الإندونيسية وإنجاح
مرحلة الانتقال نحو نظام ديمقراطي
كامل. وأغلبية المظاهرات حول قضايا
حقوق الإنسان والجيش، ثم حول قضايا
الفساد المالي والإداري والمطالبة
بتسيير التحقيقات في قضايا الفساد
الكثيرة المتراكمة.
أسباب العنف
· · هناك أسباب كثيرة ولكل
حادثة سببها. قد يكون سياسيًّا كما
حصل في تفجير البورصة في جاكرتا، فهي
نتيجة للصراع بين النخب السياسية، قد
تكون الأزمة المالية سببًا وراء
الكثير من أحداث العنف، وبعض أحداث
العنف تشابكت فيها أسباب سياسية
واقتصادية ودينية كما يحصل في أمبون،
وفي غرب كاليمنتان حيث قتل أكثر من
ألف شخص في صراع إثني بين المادوريين
والداياك كان ينبع أيضًا من العامل
الاقتصادي، وهناك الكثير من أحداث
الشغب في جاوة لأسباب اقتصادية،
وأعتقد أن غالبية حوادث العنف
والصراع في إندونيسيا للاقتصاد
والثروة دخل فيها، وسبب آخر لحوادث
العنف هو التغييرات في الإصلاحات
الزراعية وقوانين الأراضي، فالشعب
الإندونيسي من سكان الريف يحتاجون
إلى قوانين زراعية جديدة ولكن
الحكومة حتى الآن لم تقم بذلك وما
تزال الحكومة تحمي سياسات الأراضي
القديمة، وهذا ما يجعل الفلاحين
يلجؤون للعنف مطالبين بحقوقهم، وسبب
هام وراء ظاهرة العنف هو صراع النخب
السياسية الجديدة حول القوة والسلطة
التي يحاول بعضهم تأسيس قوة سياسية
جديدة لهم باستخدام واستغلال القضايا
الحساسة، فبعض الأحزاب القومية تستغل
القضايا القومية والشعور القومي كما
تستغل بعض الأحزاب الإسلامية بعض
القضايا الدينية الحساسة لكسب تأييد
الناس كما تقوم الأطراف السياسية
المسيحية بالمثل لكسب تأييد
المسيحيين، ويكون هذا بأسلوب نشر
معلومات من قبل النخب السياسية
للجماهير في وقت وبصيغة تثير غضبهم
تجاه طرف آخر أو ضد الحكومة، مثال على
ذلك ما حصل في مذبحة تانجونغ بريوك في
عام 1984م من عنف من قبل الحكومة، لكن
بعض السياسيين الإسلاميين يقولون
الآن: إن الأمر لم يكن مجرد مهاجمة
الجيش لمجموعة معارضة، ولكنه قمع من
قبل الجنرالات المسيحيين الذين كانوا
مسؤولين عن المنطقة آنذاك ضد حركة
إسلامية وهذا ما يثير قضية حساسة
جدًّا في بيئة ملغومة.. ولذلك فأسباب
العنف الخفية كثيرة ومتشابكة..
الطرف الخفي في الصراعات
· · ما يحصل في آتشيه الإقليم ذي
الأغلبية المسلمة هو وجود الكثير من
الجماعات المسلحة ولكل منها مصالحها
في الصراع، ثم إن هناك فارقًا بين
سياسيات الحكومة الجديدة وتصرفات
الجيش بعد سقوط سوهارتو، فالحكومة لم
تأمر بشن عمليات عسكرية واسعة لكن
الجيش لا يزال يقوم بتنظيم عمليات
عسكرية بدون استشارة الحكومة، بينما
تريد الحكومة إعطاء الإقليم الحكم
الذاتي.
ومن
ناحية السكان نرى أن الآتشيين لا
تمثلهم حركة واحدة ولكن حركات كثيرة،
وهي 3 جماعات مسلحة على الأقل، ولذلك
إذا وقَّعت إحداها مثل حركة تحرير
آتشيه هدنة مع الحكومة تبقى الأخريات
غير ملزمات بذلك الاتفاق، كما أن
الجيش الإندونيسي قام بتأسيس جماعة
مسلحة تقوم بزعزعة الوضع تحت غطاء
ومسمى تمردي ضد الحكومة والهدف هو
الإثبات بأن الوضع يحتاج إلى المزيد
من القوات العسكرية وإقناع الحكومة
المدنية بضرورة فرض الأحكام العرفية،
ومن يحكم آتشيه اليوم ليست حركة تحرير
آتشيه ولا قوات الجيش المعروفة في
الثكنات، ولكنهم الجماعات الخفية
التي تقوم بعمليات عسكرية ضد
الطرفين، والمشكلة الرئيسية هو
الخلاف القائم بين الجيش والشرطة من
جهة، والحكومة المدنية من جهة أخرى،
فالحكومة المدنية تريد إيقاف العنف
وشلال الدماء ومنح الحكم الذاتي
للسكان، لكن الجيش يستمر في تقديم
الضحايا لإفشال هذه المحاولات.
وعلى
الجانب الآخر يعتقد الانفصاليون
ومنهم حركة تحرير آتشيه أنهم يكسبون
تأييدًا من المجتمع الدولي، وهذا ما
يشجعهم على تنظيم عمليات عسكرية
لمهاجمة الآخرين، فيظهرون في عمليات
هنا وهناك ويقومون باستعراضات عسكرية
أمام كاميرات المصوِّرين والسكان،
وهذا ما يعقد الأزمة في آتشيه؛ ولذلك
ليس هناك طرف واحد يستطيع حل المعضلة
هناك لا الجيش ولا الشرطة ولا حركة
تحرير آتشيه، وهذا ما يجعل العيش في
آتشيه عيشًا في منطقة محفوفة
بالمخاطر؛ لأن الناس يخافون من عدم
تأييدهم للحكومة أو لحركة تحرير
آتشيه، وبعض رجال الجيش يشعرون
بالخطر أيضًا، فسكان آتشيه اليوم
يعيشون في ورطة حقيقية وليس من السهل
أن يتخذ أحدهم في مثل هذا الوضع
موقفًا إلى جانب هذا الطرف أو ذاك.
لكن
بداية الحل لآتشيه تكمن في إيقاف كل
العمليات العسكرية والعمل على إنجاح
الهدنة الإنسانية وما يبعث على
التفاؤل بإمكانية حل المعضلة
الآتشيوية هو أن أعداد المقتولين
والضحايا خلال السنتين الماضيتين أقل
من أمثالهم في العقد الماضي، فخلال
سنوات عمليات الجيش العسكرية (89 - 1998)
بأمر من سوهارتو كان عدد القتلى
والجرحى اليومي كبيرًا وأحداث العنف
كثيرة، واليوم هناك حوادث عنف ولكن
العدد الكلي ليس كبيرًا كما كان
سابقًا، وهناك تكمن أهمية أن تكون
للهدنة الإنسانية آلية للسيطرة على
الوضع، أما الآن فليست هناك آلية لفرض
الهدنة ووقف العنف.
· · نعم، يكون هذا بالسيطرة
أولاً على الجيش الإندونيسي ومنع
قادته من القيام بعمليات عسكرية
وتمويل جماعات مسلحة، ثم علينا
السيطرة على الحركة الآتشيوية ذات
الكفاح المسلح، ثم على الحكومة إشراك
السكان في فرض الهدنة السلمية وإضعاف
عامل الجماعات المسلحة.
· · ظاهرة التسلح في إندونيسيا
أصبحت شائعة في إندونيسيا، فأغلبية
الأحزاب الإندونيسية حتى حزب الرئيس
لديهم ميليشيات مسلحة، وهذا ما يعقد
عملية إيقاف حوادث العنف والتظاهرات
العنيفة، ففي السابق كان الجيش هو
الطرف المسلح الرئيسي المؤثر في
الحياة السياسة، أما اليوم
فالميليشيات من غير الجيش أصبحت
مؤثرة في القرار السياسي، ولكنني
أعتقد أن غالبية الميليشيات في
المجتمع الإندونيسي لديها ارتباط
بفرق معينة في الجيش تقوم بتدريبهم
حتى ميليشيات الأنصار التي تُعَدُّ
المؤيد الرئيسي للرئيس عبد الرحمن
وحيد، وفي مناطق الصراع الخاصة في
آتشيه وبابوا يقوم الجيش بتأسيس
مجموعات ميليشيا، ففي بابوا مثلاً
هناك قوات الأعلام الحمر والبيض تعمل
بإشراف الجيش الإندونيسي، وفي آتشيه
هناك ميليشيات مدعومة من الجيش كما
ذكرنا.
جزر الملوك الأكثر تعقدًا
· · هناك تسييس للفروقات
الدينية؛ لأنني أعتقد أن سكان جزر
الملوك لم يكن لديهم رغبة سابقة في
الهجوم على معتقدي الديانات الأخرى
ممن يسكن معهم في نفس الجزر لعهود
طويلة، فهناك عوامل سياسية واقتصادية
وراء ما حصل من صراع ديني، ولكن لماذا
لا يتوقف القتال؟ لأن الجيش
الإندونيسي يدعم كلا الطرفين ويتحكم
بهما بالمعلومات والتدريب والأسلحة
والآن وصل القتال لمرحلة خطيرة؛ لأن
السكان لم يعودوا قادرين على إيقاف
القتال بمجرد الاتفاقات السلمية، فكل
منهما يريد الانتقام والثأر ولم
يعودوا يفكرون بما يقومون به كنتيجة
للغضب العارم تجاه الآخر.
وحتى
الآن باعتقادي أن للجيش الإندونيسي
دخل في استمرار الصراع في مالوكو، وفي
بعض المناطق يقف الجيش كجزء من الصراع
مع الطرفين بشكل مباشر، فمثلاً قبل
أسبوعين اختفى ما يقارب ألف قطعة سلاح
من مركز للشرطة، وفي منطقة صراع كهذه
وهو ما يُعَدُّ أمرًا غريبًا ويثير
التساؤل حول حقيقة الأمر، وهل هي
اختفت أم بيعت لأحد الأطراف
المتصارعة.
ومن
نتائج تحقيقاتنا الخاصة تبين لنا أن
الصراع في جزر الملوك لا يمكن إيقافه
بدون السيطرة على الجيش الإندونيسي
كأول خطوة، ولكن إذا أصبح الأمر حربًا
دينية خالصة بالنسبة للسكان، فالأمر
أكثر تعقيدًا وستنتشر العدوى إلى
مناطق أخرى وهو ما حصل بالفعل، ولكن
بدرجة أقل خطورة كما حصل في بوسو في
سولايزي، فحالة أمبون تُعَدُّ مصدر
لإشعال الصراع في مناطق أخرى ذات
تركيبة سكانية مشابهة إذا ما لم يتم
حلها.
· ·
شخصيًّا لا أتفق مع النصارى
في هذا الأمر؛ لأن هذا الأسلوب لن يحل
الصراع، ولو وافق المجتمع الدولي على
تشكيل قوة دولية لفرض السلام هناك،
فإن هذا سيشعل صراعًا جديدًا؛ لأن
التصور الذي يحمله غالبية الشعب
الإندونيسي هو أن القوى الدولية
مسيحية في أهدافها وهذا ما تركز في
أذهانهم، خاصة بعد حالة انفصال تيمور
الشرقية. وعلى الجانب الآخر سيشعل هذا
غضب الجيش أو قسمًا من الجيش
الإندونيسي الذي لن يقف مكتوف
الأيدي؛ ولذلك فالتدخل الدولي لن
يكون بهذه البساطة، ولكن إذا قام
المجتمع الدولي بمساعدة الحكومة
الإندونيسية والشعب الإندونيسي في حل
الأزمة في مالوكو، فهذا مهم بمدّ يد
العون الإنساني والمالي والغذائي
والتنموي والمساعدة في إعادة الإعمار
والوفاق الوطني بين السكان؛ ولذلك لو
نظر المجتمع الدولي للقضية على أنها
قضية دينية بدون اعتبار البعد
الاقتصادي والاجتماعي فإن المشكلة لن
تُحل.
· · لا أؤمن شخصيًّا بهذا
التفسير؛ لأن معظم المشاكل
الانفصالية في إندونيسيا تعود إلى
سبب اقتصادي هو انعدام المساواة
والعدالة في توزيع ثروات الأقاليم،
وتكمن المشكلة فيمن يجب أن يكون
مسؤولاً عمَّا يحصل والمسؤولة عن ذلك
هي الحكومة الإندونيسية؛ لأن المشكلة
أصلها داخلي وليست نابعة من واشنطن أو
كانبيرا، وأما تحميل أستراليا
والولايات المتحدة مسؤولية كل تحرك
انفصالي فهو من أساليب النخب
السياسية المتنافسة التي تريد إلقاء
اللوم على الآخرين وتخليص نفسها من
المسؤولية، ولذلك لا أؤمن شخصيًّا
بأن السبب الرئيسي لنزعات الانفصال
يكمن في العامل الخارجي، مع أن لكلا
البلدين اهتمامًا كبيرًا في السياسية
الإندونيسية، بل إن الساسة الغربيين
ليسوا متفقين جميعًا على أن انقسام
إندونيسيا سيكون مفيدًا لهم كما
يتصور.
وحتى
الخوف من الإسلاميين في إندونيسيا
ليس كالخوف من الإسلاميين في الدول
الأخرى فهم يعلمون أن الإسلاميين لن
يؤسسوا هنا دولة راديكالية معادية
لأمريكا، فالأحزاب الإسلامية هنا
تؤمن بالتعددية والتنافس مع الآخرين
فالحالة الإسلامية في إندونيسيا خاصة
جدًّا.
·
بالنسبة لقضية المادة الدستورية
المتعلقة بمحاكمة المتهمين
بانتهاكات حقوق الإنسان التي عدلت في
آخر دورات مجلس الشعب، مما يعني عدم
محاكمتهم كيف ترى أثرها على مسيرة صون
حقوق الإنسان الإندونيسي؟
· ·
أعتقد أن التعديل الذي تم في
الدستور سيكون له أثر سلبي على قضايا
حقوق الإنسان في إندونيسيا. والقضية
كانت مثيرة جدًّا؛ فقد أعدوا عبارة
جديدة لإضافتها كتعديل على مادة (26-آي)
في الدستور التي نصت على إلغاء مبدأ
المفعول الرجعي لتطبيق القوانين
المتعلقة بقضايا حقوق الإنسان التي
أسست بعد سقوط سوهارتو. وهذا يعني أن
الكثير من قضايا حقوق الإنسان
السابقة التي يتهم بها الجيش
الإندونيسي وسوهارتو لن يحاكموا
عليها وبذلك يحمي مجلس الشعب الجيش من
هذه المحاكمات والتحقيقات وهو وضع
سيئ.
·
سمعنا عن صياغة المادة المعدلة خلف
الأستار مع وجود ضغوطات من قبل الجيش
عليهم فما مدى صحة ذلك؟
· ·
نعم، أسسوا لجنة لصياغتها من بعض
الأحزاب (رئيسها نصراني من حزب
ميغاواتي)، ولم يكونوا تحت ضغوطات
الجيش بقدر ما كانوا متعاونين معهم.
وقد وافقوا على تعديل المادة لصالح
الجيش حتى يكسبوا وُدَّه السياسي،
ولم يعارض أحدًا من الأحزاب تعديل هذه
المادة حتى حزب الرئيس وحيد، فالكل
وافق على حماية الجيش.
الرئيس وحيد وحقوق الإنسان
·
تبدو الآن قضايا حقوق الإنسان- كغيرها
من القضايا التي تنتظر خطوات الرئيس
وحيد - غير واضحة في جدول أعماله؛ فهو
استحدث وزارة حقوق الإنسان ثم عاد
فألغاها ودمجها اسمًا بوزارة العدل.
ما رأيك في ذلك؟
· · هناك العديد من الأعمال
الخاطئة التي قام بها وزراء الرئيس
وحيد، فعندما أسس وزارة حقوق الإنسان
سلّمها لحسب الله سعد وهو من آتشيه،
فقام حسب الله بتشكيل محاكم قدم فيها
بعض كباش الفداء من صغار العساكر
بدلاً من التحقيق مع الكبار و
بالتعاون مع الجيش،
ولم يكونوا جادين في إكمال
التحقيقات في انتهاكات حقوق الإنسان
في آتشيه، مما أغضب الرئيس وحيد؛ لأنه
رأى في ذلك مصلحة لحزب الوزير وهو من
حزب أمانة الوطني، ولأنه لم يعمل على
خدمة مصالح الرئيس.
لكنني
على اعتقاد أن الرئيس وحيد لديه رغبة
في متابعة قضايا حقوق الإنسان، غير أن
المسألة ليست سهلة؛ لأن الذين
حوله من حزبه والأحزاب الأخرى والجيش
يضغطون عليه لعرقلة ما يريد القيام به.
·
حتى في قضية الرئيس السابق سوهارتو لم
ترفع ضده تهم في قضايا حقوق الإنسان
والقضايا السياسية الأخرى، ولكنها
حصرت في عدد من قضايا الفساد وكأن
المسألة في سبب إسقاطه هو تجميعه
للمال فقط.
·
·
هذه هي المشكلة؛ فالرئيس وحيد عاجز عن
التحكم بالمدعي العام وتوجيه
المحاكم؛ لأن البرلمان قام بسن
العديد من القوانين التي تَحُدُّ من
سلطات الرئيس في كل شيء، فمثلاً عندما
سن قانون حقوق الإنسان العام الماضي
نص القانون على أن لجنة حقوق الإنسان
الوطنية هي التي تقوم بالتحقيقات،
لكن الرئيس لا يستطيع تعيين أعضاء
اللجنة واللجنة الموجودة كمؤسسة في
البلاد هي التي تشكل لجان التحقيقات،
ولذلك توقفت اللجنة عن التحقيق عندما
لم يكن لديها الرغبة في ذلك لمصالح
شخصية لأفرادها. والرئيس لا يستطيع
إجبارهم! فالبرلمان هنا قص أجنحة
الرئيس في هذا الأمر.
والأمر
تكرر في قضية الفساد المالي؛
فالبرلمان سن قانونًا يَحُدّ من
صلاحيات الرئيس في هذا الأمر لوجود
برلمانيين من ذوي المصالح
والارتباطات بالحكم السابق والنخب
السياسية القديمة، كما أن بعضهم
يعدون جزءاً من السياسات السابقة بما
في ذلك بعض الشخصيات من حزب النضال من
أجل الديمقراطية (ميغاواتي سوكارنو
بوتري) وحزب غولكار.
·
هل هناك من مخرج في نظرك من هذا الوضع
الراهن؟
· · هناك مخرج، لكن الحل بيد
الشعب وليس بيد النخب السياسية
الحاكمة والنشطة، فالمستقبل مبني على
كيفية تحسين الشعب الإندونيسي لأدائه
السياسي ومشاركته والضغط على
السياسيين؛ ليعملوا لما فيه مصلحة
البلاد. لكن هذا سيأخذ شيئًا من
الوقت؛ لأن الشعب الإندونيسي يسير في
عملية تعلم للممارسة الديمقراطية،
ولما هو حق للسكان في دولة ديمقراطية؛
لأن الإندونيسيين ليس لديهم خبرة في
العيش في بلد ديمقراطي، وأنا منهم،
فقد عشنا في ظل نظام ديكتاتوري سلطوي
معظم سنوات حياتنا، وكيفية العيش في
بلد ديمقراطي مسألة جديدة بالنسبة
لنا ونحن جميعًا نتعلم كيف نمارس
حقوقنا الديمقراطية، ولن تنجح
المرحلة الانتقالية بأداء القادة
السياسيين والزعماء ولكن بتأدية
الشعب الإندونيسي دوره الفعال في
الحياة السياسية
اقرأ
أيضًا:
واحد
وكيسنجر.. شيك سياسي على بياض لأمريكا
أستراليا..
شرطي جديد لأمريكا في آسيا والمحيط
الهادي
إندونيسيا:600
قتيل ضحايا العنف في ملوكو
150
قتيلاً
في مواجهات بين مسلمين ومسيحيين في
إندونيسيا
إندونيسيا
خاضعة للجيش والشرطة حتى 2009
إندونيسيا:
العنف الطائفي ينتقل إلى جزيرة
سولاويسي
37
مليون
يعيشون تحت خط الفقر في إندونيسيا
إندونيسيا:
الرئيس الحالي يفتتح مركزًا حقوقيًا
للرئيس السابق
إندونيسيا
: الطلاب يضربون قوات الأمن
إندونيسيا:
فتنة بين المسلمين والمسيحيين في
سومطرة
مقتل
114 في مواجهات طائفية في إندونيسيا
مذبحة
جماعية لطلاب معهد إسلامي في
إندونيسيا
100
مليون فقير في إندونيسيا!
إندونيسيا..
الإسلام والعلمانية يتصارعان
والدولة متحيزة
|