|
لم
يكن للفلسطينيين قبل الاحتلال
البريطاني لفلسطين في أوائل عام 1917
حركة سياسية مستقلة تعبر عنهم، فقد
كانوا جزءًا من الشعوب التي تألفت
منها الإمبراطورية العثمانية. ومع
نمو الروح القومية العربية وتأسيس
أحزاب وحركات عربية، بدأ الفلسطينيون
يشاركون فيها بشكل محدود، ولم تبدأ
الحركة الوطنية الفلسطينية في
التبلور كحركة وطنية متميزة إلا بفضل
تزامن عدد من العوامل التاريخية، إلى
أن بلغت ذروتها في انتفاضة
الثمانينيات.
تابع
في هذا المقال:
*
تطور العمل
الوطني الفلسطيني.
*
انتفاضة
الثمانينيات الكبرى.
*
انعكاس
الانتفاضة على الاقتصاد الإسرائيلي.
*
انعكاس
الانتفاضة على الفكر السياسي
والعسكري الإسرائيلي.
*
الانعكاسات
الإقليمية والدولية للانتفاضة.
تطور
العمل الوطني الفلسطيني
*
تبلورت فلسطين ككيان جغرافي وسياسي -لأول
مرة- عندما خضعت للحكم البريطاني
في أكتوبر 1917، ثم تحت الانتداب
البريطاني في إبريل 1920، وذلك بعد أن
كانت قبل ذلك جزءًا من بلاد الشام أو
ما كان يُسمى "بسوريا الطبيعية"،
التي خضع معظمها للانتداب الفرنسي
بموجب اتفاقية "سايكس- بيكو".
*
كان المؤتمر الفلسطيني في حيفا، في
ديسمبر 1920ـ أول مظهر واضح لتطور
الحركة الوطنية، وطالب بتشكيل حكومة
وطنية في فلسطين. وقد أسفر المؤتمر عن
وضع الميثاق الفلسطيني الأول، الذي
كان أول بنوده إقامة حكومة وطنية
وتشكيل لجنة تنفيذية تتولى قيادة
الحركة الوطنية الفلسطينية.
*
توالت الانتفاضات الشعبية التي جاءت
تعبيرًا عن حالة القلق التي كانت
سائدة بين الفلسطينيين مع فتح أبواب
بلادهم للهجرة اليهودية، والإجراءات
القمعية لسلطات الانتداب البريطاني
والسلوك الاستفزازي لليهود، وكانت
"انتفاضة 1920" واستمرت أسبوعين
وأسفرت عن استشهاد 48 فلسطينيًا
وإصابة 73 آخرين مقابل 47 قتيلا، و146
جريحا من اليهود. وقد انحازت الإدارة
البريطانية لليهود، وعملت على
إحباطها بالعنف.
*
ثم كانت انتفاضة البراق -عندما وصلت
الاستفزازات اليهودية إلى أقصاها-
تنظيم مسيرات في ذكرى ما أسموه "تدمير
هيكل سليمان". وقد تم رفع العلم
الصهيوني على حائط البراق الذي يسميه
اليهود "حائط المبكى"، وذلك في
أغسطس 1929، مما دفع الفلسطينيين إلى
تنظيم مسيرات مضادة أدت إلى سلسلة من
أعمال العنف، ترتب عليها استشهاد 116
فلسطينيًا وإصابة 232، مقابل 133 قتيلا و329
جريحًا من اليهود..
*
ثم كانت انتفاضة أكتوبر 1933؛ حيث بدأت
أولى محاولات الكفاح المسلح
الفلسطيني، وركزت نشاطها ضد مراكز
الشرطة البريطانية.. وبرز خلال هذه
الانتفاضة "الشيخ عز الدين القسّام"
الذي حمل دعوة الكفاح المسلح وأعطاها
طابعًا إسلاميًا جهاديًا، وقد استمرت
حتى استشهاده في عملية غير متكافئة مع
القوات البريطانية في نوفمبر 1935.
*
وإزاء استمرار الانحياز البريطاني
لليهود، وتدفق موجات الهجرة اليهودية
إلى فلسطين، تصاعدت المظاهرات
والإضرابات التي اجتاحت العديد من
الشعوب العربية عامي 1935، 1936، ثم كانت
الدعوة إلى الإضراب المفتوح حتى
تراجعت سلطة الانتداب عن سياستها في
تهويد فلسطين.. وقد بدأ الإضراب في
منتصف إبريل 1936، ثم امتد لسائر أنحاء
فلسطين.. وقد ترافق معها ثورة مسلحة ضد
المستعمرين، وشهدت معارك بطولية قرب
نابلس وعكا؛ اشتركت فيها السلطات
البريطانية بنحو 20 ألف جندي؛ الأمر
الذي خلق مناخ حرب حقيقية.
وجاءت
الدعوة من الحكام العرب بإصدار
ندائهم الشهير "بوقف الإضراب
والاعتماد على حسن نوايا الصديقة
بريطانيا العظمى ورغبتها في تحقيق
العدل". واستجابة لذلك النداء
ونتيجة للضغوط البريطانية، أعلنت
الهيئة العربية العليا أنها قررت
بالإجماع توقف الإضراب الذي استمر
ستة شهور، وذلك في أكتوبر 1936، مما أدى
إلى تراجع الحركة الوطنية الفلسطينية
مع استفحال الحرب العالمية الثانية.
*
مع تأسيس الجامعة العربية عام 1945،
وبانتصار الحلفاء في الحرب العالمية
الثانية، تَمَّ تشديد قبضتهم على
المنطقة العربية، وبالتالي قامت
الجامعة العربية بالدور الرئيسي في
معالجة القضية الفلسطينية، وتصاعد
الخلاف بين جامعة الدول العربية
والقيادة الفلسطينية مع صدور قرار
التقسيم في نوفمبر1947.
*
قررت الحكومات العربية -التي دخلت
جيوشها فلسطين- إقامة حكومة مدنية
فلسطينية محدودة الاختصاصات، لا
تمارس الشئون السياسية العليا؛ الأمر
الذي رفضته الهيئة العربية العليا.
وإزاء ذلك قبلت الأقطار العربية –باستثناء
الأردن- فكرة إقامة حكومة فلسطينية،
والتي أعلنت في 22 سبتمبر 1948. إلا أن
التحرك الأردني عبر مؤتمر عمان الذي
انعقد في أول أكتوبر 1948، وفيه تم
تفويض الملك عبد الله تفويضًا تامًا
في التحدث باسم عرب فلسطين. ثم كان
مؤتمر أريحا في أول ديسمبر 1948، فقرر
أن تتألف مملكة فلسطين من كل من
فلسطين والأردن معًا، وبالتالي تم ضم
الضفة الغربية لشرق الأردن.
وقد
نجحت الحكومات العربية في ضرب الحركة
الوطنية الفلسطينية، ضمن مساعيها
لإغلاق ملف القضية الفلسطينية مع
توقيعها لاتفاقيات الهدنة بين فبراير
ويوليو 1949، وبشكل يتواكب مع تحول بند
القضية الفلسطينية في الأمم المتحدة
إلى بند التقرير السنوي لوكالة
الإغاثة، مما يعني اعتبارها مجرد
قضية لاجئين.
*
وقد أدى التغير السياسي الذي شهدته
بعض الأقطار العربية، خاصة مصر
وسوريا، إلى ظهور مرحلة جديدة أكثر
إيجابية في إطار تصويب القضية
الفلسطينية، حيث اندمج الوطني
الفلسطيني في العمل القومي العربي
بالتيارات الرئيسية من بعث وناصرية
وحركة القوميين العرب. وكان من
الطبيعي أن يؤدي غياب العمل
الفلسطيني المستقل، ليس فقط لاندماج
الفلسطينيين في العمل العربي القومي،
ولكن لأن عقد الخمسينيات كان يمثل
أقصى مراحل المعاناة بالنسبة للشعب
الفلسطيني اقتصاديًا واجتماعيًا في
ظل واقع الشتات وحياة البؤس في
المخيمات.
*
ومع بداية عام 1958، بدأت بوادر العمل
الفلسطيني المستقل في الظهور بشكل
تدريجي، حيث شكلت لجنة فلسطين، وبدأت
الدعوة الرسمية لإعداد الشعب
الفلسطيني للمعركة؛ الأمر الذي قاد
إلى ظهور منظمة التحرير الفلسطينية
أوائل عام 1964، إضافة إلى ظهور منظمات
ثورية أخرى أهمها "حركة فتح" أول
يناير 1965.
*
وكان ميلاد هذه المنظمات الفدائية
وانطلاقة العمل المسلح نقطة التحول
الرئيسية التي قادت إلى تكوين العمل
الفلسطيني المستقل عقب الهزيمة
العربية في يونيو 1997؛ حيث ولدت الثورة
الفلسطينية المسلحة على أيدي هذه
المنظمات الفدائية باعتبارها الطريق
الصحيح لتحرير فلسطين.. وكان لهذه
الثورة أن تجد طريقها إلى داخل
الأراضي الفلسطينية، مما طرح قضية
الداخل والخارج الفلسطيني بعد أن كان
الخارج في العادة عربيًا. وبذلك أصبحت
هناك ثلاثة أضلاع للعمل الفلسطيني،
حيث لم يلغ أهمية الخارج العربي، خاصة
مع عجز الثورة الفلسطينية عن بناء
قواعدها الأساسية داخل الأراضي
المحتلة، ومع لجوئها إلى إقامة هذه
القواعد في الأراضي العربية المحيطة
بفلسطين والخاضعة لسيادة أقطار عربية
لها مواقفها السياسية تجاه العمل
الفدائي.
*
وقد أدت خسارة الثورة الفلسطينية
لمعركة إقامة قواعدها داخل الأراضي
المحتلة إلى الحد من فاعليتها في
مواجهة الاحتلال الإسرائيلي،
واضطرارها للارتباط بالواقع العربي
الذي اتخذ موقفًا محافظًا عقب نكسة
يونيو 1967.
*
ولقد أدى عدم تحديد طبيعة العلاقة بين
الكفاح المسلح والكفاح السياسي،
والخلاف بين الفصائل المختلفة للثورة
الفلسطينية إلى عدم تبلور نظرية
فلسطينية متكاملة في المقاومة
الوطنية، حيث انعكس ذلك على الممارسة
العملية، وبالتالي ظلت انطلاقة العمل
الفدائي في أضيق نطاق عقب نكسة 1967.
ورغم تناميها بعد ذلك، إلا أنها ظلت
أسيرة القانون الذي حكم نشأتها وهو
عدم التأسيس وتنظيم العمل الفدائي
داخل الضفة وغزة، مما جعل الجزء
اللاجئ من الحكومة الوطنية
الفلسطينية هو الأهم في المقاومة.
*
لقد أدت الإجراءات الفاعلة
الإسرائيلية للسيطرة على المناطق
المحتلة في الشهور الأولى التالية
لحرب يونيو 1967 إلى خسارة الثورة
الفلسطينية لمعركة إقامة قواعدها
الرئيسية في الداخل.. مما اضطرها إلى
إقامة هذه القواعد على الأراضي
العربية المحتلة المتاخمة، بدءًا
بالضفة الشرقية لنهر الأردن بطول
حوالي 60 كيلو مترًا، مما أدى إلى
إثارة التوتر بين الثورة والحكومة
الأردنية، وكان الصدام الذي أنهى
الوجود المسلح للثورة في الأردن في
يوليو عام 1971.
*
وقد انتقل الكفاح المسلح إلى لبنان؛
حيث سعت المقاومة إلى توجيه ضربات
متتالية في منطقة الجليل.. ورغم نشوب
الحرب الأهلية في لبنان، إلا أن
المقاومة الفلسطينية قد نجحت في
الحفاظ على وجودها في لبنان إلى أن
تعرضت لضربة قاصمة عبر الغزو
الإسرائيلي للبنان حيث عام 1982.
*
وقد عانت الثورة ونضال الشعب
الفلسطيني منذ مراحل تكوينها من
انقسام تنظيمي وحركي، تزايدت حدته مع
الانشقاقات في صفوف فصائل المقاومة.
ويرجع هذا الانقسام إلى ثلاثة عوامل
رئيسية هي: دور بعض الأقطار العربية
التي قامت بإنشاء فصائل فلسطينية
تابعة لها، والمصالح الذاتية ونزعات
الزعامة، وضيق الأفق السياسي مع
العجز عن الإحاطة بالأبعاد الحقيقية
للمقاومة وعن اتخاذ مواقف ثورية
واعية.
وقد
حال هذا الانقسام دون توافر الوحدة
العسكرية للثورة، وبالتالي غاب الخط
العسكري السياسي الواحد، فكان ذلك من
أهم العوامل التي أثرت سلبيًا على
مثار الثورة منذ انطلاقتها.
انتفاضة
الثمانينيات الكبرى
أ-
أهداف ومراحل الانتفاضة:
يمكن
القول إن مخطط الانتفاضة الكبرى في
الثمانينيات قد أجرى الإعداد له منذ
إخراج منظمة التحرير الفلسطينية من
بيروت عام 1982.. وارتبطت أهدافها
بطبيعة كل مرحلة على النحو التالي:
المرحلة
الأولى: بدأت في 8 ديسمبر 1987، واستمرت
لمدة شهرين فقط، واستهدفت إنجاز
ثلاثة أهداف:
1-
تجنيد كل الشعب الفلسطيني، في كل
المواقع وفي كل الأوقات، لخلق مقاومة
مدنية جماهيرية ضد سلطات الاحتلال في
غزة والضفة الغربية والقدس الشرقية،
وذلك بأقصى قدر من الكثافة والثقل
اللذين يفرضان قضية الشعب الفلسطيني
على أولويات جدول الاهتمامات
العالمية الراهنة، وإسقاط كل ما علق
بهذه القضية من صدأ التهوين والإهمال
والتجاهل.
2-
بناء الحد الأدنى من القواعد
الأساسية التي تمثلها اللجان
الإقليمية والفرعية؛ لإقامة سلطة
وطنية تمثل قيادة موحدة تكون موازية
ومتحدية لسلطة الاحتلال وتعمل على
تصاعد الحركة على مدى زمني طويل في
إطار برنامج وسياسة منظمة التحرير
الفلسطينية.
3-
تكبيد جسد الاحتلال أكبر قدر من
الخسائر المادية والسياسية
والاقتصادية إلى الحد الذي تصبح معه
تكلفة الاحتلال أكبر من القدرة على
الاحتمال والقمع من جانب إسرائيل.
وقد
كان حصاد المرحلة الأولى لأحداث
الانتفاضة أن برزت القضية الفلسطينية
على سطح الأحداث العالمية، وأصبحت
حديث وتقارير المراقبين السياسيين
وأجهزة الإعلام.. أما عن هدفها
الثاني؛ فقد اعترف المستشار
الإسرائيلي للشئون العربية في بلدية
القدس، بأن المدينة أصبحت في قبضة
سلطة غير مرئية.
المرحلة
الثانية: بدأت مع الشهر الثالث، وظلت
مفتوحة وممتدة إلى آفاق لم تحدد بعد
معالمها الكاملة. وقد كانت مسيرة هذه
المرحلة تتجه إلى تنظيم البيت
الفلسطيني وبناء عدد من الركائز التي
تمهد الطريق؛ لإنهاء الاحتلال وقيام
سلطة الدولة، وتهيئة المناخ العربي
والدولة لذلك.. وقد قدمت هذا الطرح من
خلال خمسة أسس:
1-
أن الانتفاضة وقيادتها امتداد معنوي
لمنظمة التحرير الفلسطينية.
2-
أن الانتفاضة مستمرة ومتصاعدة حتى
انتهاء الاحتلال وإقامة الدولة
المستقلة تحت قيادة منظمة التحرير.
3-
أن طريق العمل السياسي يأتي من خلال
عقد مؤتمر دولي تحت إشراف الأمم
المتحدة، يتمتع بصلاحيات للوصول إلى
تسوية على أساس قرارات الشرعية
الدولية في القضية الفلسطينية،
وبمشاركة الأعضاء الدائمين في مجلس
الأمن والأطراف الإقليمية المعنية
جميعًا، بما في ذلك منظمة التحرير
الفلسطينية.
4-
أن هدف الانتفاضة هو إقامة الدولة
الفلسطينية وليس ترتيبات أمنية
وحدودية بين البلاد العربية والكيان
الصهيوني.
5-
إسقاط كل حواجز الحصار السياسي
والإعلامي والجغرافي والمادي
العربية من حول منظمة التحرير
الفلسطينية.
وعلى
طريق تحقيق هذه الأسس، كان البناء
التنظيمي للانتفاضة الذي قام على
شبكة واسعة من اللجان الشعبية التي
تدير العمل اليومي في الأراضي
المحتلة وفقًا للمهام التي تحددها
قيادة الانتفاضة عبر نداءاتها
المتتالية.. وقد نشرت هذه اللجان في
بعض المخيمات والقرى والمدن وفي
مواقع العمل والمؤسسات التعليمية
والدينية والاجتماعية. وقد كانت تشمل
نوعين رئيسيين:
-
الفرق الضاربة التي كانت تقود عمليات
الاشتباك ضد قوات الاحتلال، والتي
كان سلاحها الحجارة أو الزجاجات
الحارقة أو السكاكين والآلات الحادة
كأدوات لهذه المواجهة.
-
اللجان النوعية التي تعمل لتلبية
الحاجات الإنسانية التي تفرضها
استمرارية الانتفاضة؛ من أعمال إمداد
وتموين وإغاثة، ولجان للتجارة
والإعلام والاستطلاع والحراسة،
ولجان العمل التطوعي، وما إلى ذلك..
وقد
نجحت هذه اللجان في توفير العوامل
الحيوية لاستمرار الانتفاضة
واستيعاب طاقات الكوادر المعتزمة
والمستعدة للنضال مع تربية كوادر
جديدة من الصبية الذين شاركوا
بفاعلية فيها. الأمر الذي أفزع
الحكومة الإسرائيلية، حيث أصدرت
قرارها في أغسطس 1988 بشأن تجريم إنشاء
هذه اللجان وفرض عقوبات مشددة على من
تشتبه في انضمامهم إليها أو مساعدتها.
وهي عقوبات وصلت إلى السجن عشر سنوات
أو الإبعاد إلى الخارج ومصادرة
الممتلكات.
انعكاس
الانتفاضة على الاقتصاد الإسرائيلي
بلغ
عدد العاملين الفلسطينيين في إسرائيل
حوالي 175 ألف عامل، يتوزعون على
القطاعات الاقتصادية المختلفة،
ويقومون بالأعمال الشاقة التي يرفض
العمال اليهود القيام بها، وشغلوا
نسبة أكثر من 50% من قطاعات البناء
والزراعة إلى جانب نسبة حوالي 10% في
قطاع الصناعة.. وبسبب تدني أجور
العمال العرب بالنسبة للعمال اليهود-
حيث تتراوح أجورهم بين 35، 45% من أجور
العمال اليهود الذين يقومون بنفس
العمل- فقد بلغت المكاسب الإسرائيلية
خلال عام 1986 مثلا حوالي 465 مليون دولار.
إضافة
إلى ذلك، تحصل المؤسسات الإسرائيلية
من عمال المناطق المحتلة على عائدات
أخرى، تتمثل في اقتطاع نسب من أجور
العمال تصل إلى 20% من الأجور؛ لتغطية
خدمات التأمين الصحي والوطني
والتأمين ضد البطالة والحوادث
والتقاعد وغير ذلك من الخدمات، وتبلغ
قيمتها حوالي 50 مليون دولار سنويًا.
ومن المعروف أن درجة استفادة عمال
المناطق المحتلة منها معدومة.
وقد
انعكس اشتراك هؤلاء العمال في
الانتفاضة، بما يتضمنه ذلك من
إضرابات طويلة، على المسيرة
الإنتاجية في العديد من المؤسسات
الاقتصادية الإسرائيلية، وظهر ذلك من
خلال عدة مؤشرات منها: تأخير تسليم
المشاريع لمدة امتدت لأكثر من ثلاثة
شهور مع انخفاض ملحوظ في عدد الشقق
المباعة، الأمر الذي أدى إلى خسارة في
قطاع البناء يتراوح ما بين مليار إلى
1.25 مليار دولار.
كما
تكبد القطاع الزراعي خسائر وصلت إلى
100 مليون دولار خلال الأشهر الأولى
فقط من بداية الانتفاضة.
وعلى
الجانب الآخر؛ فقد انعكس انقطاع
العمال الفلسطينية عن العمل إلى
انخفاض في الناتج القومي بمقدار
حوالي 40% مما تسبب في بطالة كبيرة
وانخفاض في مستوى المعيشة
للفلسطينيين.
كما
عكست الانتفاضة آثارًا واضحة على
حصيلة الضرائب وصلت إلى حوالي 350
مليون دولار.
وقد
ارتفعت النفقات العسكرية بسبب
التعبئة الجزئية للجنود إلى حوالي
مليون دولار شهريًا، بالقدر الذي
وصلت إلى حوالي مليار دولار سنويًا
بعد الزيادة التي فرضتها التعبئة
الجزئية على نفقات الدفاع.
كما
كان للانخفاض الحاد في قطاع السياحة
أثره الذي بلغ حوالي 250 مليون دولار
سنويًا، كما أدى التأخير في تنفيذ
إسرائيل لالتزاماتها التعاقدية إلى
انخفاض في الاقتصاد الإسرائيلي وصل
إلى حوالي 20%.
وفي
دراسة اقتصادية عن إجمالي الخسائر
الإسرائيلية خلال العامين الأولين
فقط من الانتفاضة وصلت خسائرها:
المباشرة
إلى 13.192 مليون دولار.
وغير
المباشرة إلى 3840 مليون دولار، بمعدل
160 مليون دولار شهريًا.
بإجمالي
170.32 مليون دولار. هذا بخلاف قطاعات
البناء والزراعة والضرائب.

انعكاس
الانتفاضة على الفكر السياسي
والعسكري الإسرائيلي
لقد
شلت الانتفاضة قدرات إسرائيل على
القيام بعمليات عسكرية تمتد لفترة
زمنية طويلة، واحتلال مناطق جديدة،
كما أنها حدت من قدرة إسرائيل على
الاحتفاظ بأي أراضى تتمكن من
احتلالها في المستقبل .. كما أكدت
استعداد إسرائيل لقبول عقد مؤتمر
دولي للسلام، مع ربط التسوية
بترتيبات الإدارة الذاتية التي تم
الاتفاق عليها في قمة كامب ديفيد
الأولى.
ورغم
استمرار الخلاف التاريخي بين حزبي
العمل والليكود، إلا أن الانتفاضة
فرضت الالتقاء بينهما على نقاط
جوهرية، لعل أهمها :
-
ضرورة العمل بقوة وبسرعة لوقف
الانتفاضة، وإن اختلف أسلوب المعالجة
لهما.
-
تجددت الدعوة إلى إعادة النظر في حق
تقرير المصير للفلسطينيين.
-
أكدت أن التعامل مع القضية
الفلسطينية والبحث عن حلول لها لا يتم
إلا من خلال الاعتراف بمنظمة التحرير
الفلسطينية، باعتبارها الممثل
الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني.
-
توسيع الجدل معد لتوسيع نطاق الحكم
الذاتي الفلسطيني؛ ليصل إلى مستوى
كيان وطني فلسطيني مرتبط دولي
بإسرائيل.
-
تصاعد الدعوات التي تطالب بالتنازل
عن الضفة الغربية وقطاع غزة كثمن لوقف
الانتفاضة.
هذا،
وقد أدى استمرار الانتفاضة وتصعيدها
وانتشارها في جميع الأراضي المحتلة،
وامتدادها لتشمل العرب في إسرائيل
إلى ما يلي:
-
انشغال إسرائيل بجميع أجهزتها
ومؤسساتها لمواجهة الانتفاضة وتوجيه
جزء كبير من ميزانية دفاعها لهذا
الغرض.
-
توجيه بعض الصناعات الحربية
الإسرائيلية؛ لإنتاج أسلحة ومعدات
لمقاومة الانتفاضة؛ مما صرفها عن
واجبها الأساسي في الأبحاث والتطوير
لإنتاج معدات وأسلحة جديدة.
-
زيادة فترات استدعاء قوات الاحتياط؛
لمواجه الانتفاضة مما أثر على
الكفاءة القتالية لقوات المسلحة بصفة
عامة.
-
انشغال القوات الإسرائيلية بمواجهات
الانتفاضة، والتدريب على أساليب
إخمادها، مما أثر سلبا على أداء الجيش
لمهامه القتالية.
-
انخفاض الروح المعنوية لجيش إسرائيل،
وعزوف الشباب عن الخدمة الدائمة،
وزيادة نسبة الهروب من الخدمة
الإلزامية.
الانعكاسات
الإقليمية والدولية للانتفاضة
على
المستوى الإقليمي، بدأت الانتفاضة
الفلسطينية في ظروف عربية غير مواتية
على صعيد الصراع العربي- الإسرائيلي،
فقد بدا العالم العربي أكثر اهتمامًا
بمشكلات حرب الخليج، التي شهد عام 1987
خطر امتدادها إلى أقطار خليجية عربية
أخري. وكانت قمة عمان الطارئة في
نوفمبر 1987 قبل أيام من تفجر الانتفاضة
مؤشرًا واضحًا إلى ذلك؛ حيث تصدرتها
قضية حرب الخليج، بينما طرحت القضية
الفلسطينية والصراع العربي-
الإسرائيلي على هامشها.
وقد انعكست الانتفاضة بشكل واضح على
العلاقات الفلسطينية العربية، خاصة
الدول التي عرفت باسم دول "الطوق"
المحيطة بإسرائيل، وهي الأردن ومصر
وسوريا ولبنان. فقد شهد العام الأول
للانتفاضة القرار الأردني بفك
الارتباط الإداري والقانوني مع الضفة
الغربية، الذي صدر في صورة إجراءات
متتالية خلال الفترة من 29 يوليو إلى 8
أغسطس 1988. وتدل متابعة الخطاب السياسي
الأردني، خاصة خلال قمة الجزائر
العربية الطارئة (7 – 9 يونيو) إلى
وجود اتجاه أردني واضح لعدم قبول
التفاوض نيابة عن الشعب الفلسطيني،
وأن صيغة النقد المشترك الأردني
الفلسطيني إلى المؤتمر الدولي
المقترح تعني وفدين ضمن وفد موسع،
يتولى فيها الممثلون الفلسطينيون كل
ما يتعلق بالقضية الفلسطينية.. وبذلك
أصبحت الظروف مهيأة لتطوير العلاقات
الأردنية / الفلسطينية على أساس جديد
فرضته الانتفاضة وقوامه المساواة أو
التكافؤ، وهو أساس كان مفتقدًا قبل
ذلك.
كما اتخذت مصر موقعًا مؤيدًا
للانتفاضة، وأخذ هذا التأييد شكل
تحرك دولي واسع للتعجيل بالتسوية،
ولإدانة القمع الإسرائيلي للانتفاضة
على الصعيد العالمي، كما تمت العديد
من الاتصالات المصرية والفلسطينية؛
للوصول إلى حلول للقضية الفلسطينية،
ولدفع عجله السلام، والوصول إلى
تسوية عادلة لها.
ظهر
واضحًا الخلافات الأساسية بين كل من
سوريا والسلطة الفلسطينية في العديد
من الأمور، لعل أهمها الوجود
الفلسطيني العسكري في لبنان، وموقف
الفصائل الفلسطينية المرتبطة بدمشق،
والحوار الفلسطيني مع القوى
الديمقراطية الإسرائيلية، والعلاقات
بين منظمة التحرير الفلسطينية ومصر.
وقد تصاعد التوتر في العلاقات إثر
الصدام المسلح الذي وقع بين حركة فتح
وجماعة أبو موسى في مخيم شاتيلا،
وموقف سوريا من مساندة حركة فتح أو
منع وحدات قوة من أنصار فتح كانت
قادمة من صيدا.
أما
على المستوى الدولي؛ فقد فرضت
الانتفاضة نفسها على العالم ورفعت
أسهم القضية الفلسطينية روحيًا بشكل
غير مسبوق، خاصة بعد أن أكدت قدرتها
على الاستمرار. وقد تباينت مواقف
القوى الرئيسية في النظام الدولي،
خاصة الولايات المتحدة والاتحاد
السوفيتي ودول أوروبا الغربية، وهي
القوى الأكثر اهتمامًا بالشرق الأوسط.
امتنعت
الولايات المتحدة عن التصويت على
القرارين 605 و608 اللذين كانا يشجبان
ويدينان السياسات والممارسات
الإسرائيلية ضد الشعب الفلسطيني،
وذلك في 22 ديسمبر 1987، 15 يناير 1988 ..
بينما صوتت لصالح القرار 607 في 5 يناير
1988 والذي طالب إسرائيل بالامتناع عن
ترحيل مدنيين فلسطينيين من الأراضي
المحتلة .. وأعقب ذلك استخدامها لحق
"الفيتو" ضد عدة مشروعات قرارات
تنتقد أو تدين الموقف الإسرائيلي،
كما استمر الموقف الأمريكي يقدم
الدعم الصريح والمباشر لإسرائيل.
أما
موقف الاتحاد السوفيتي تجاه
الانتفاضة؛ فكان أقل مما كان
متوقعًا، وقد تركز بصفة أساسية على ما
تتيحه الانتفاضة من ضغط على الولايات
المتحدة وإسرائيل في اتجاه التسوية
السلمية التي تسعى إليها السياسة
السوفيتية.
أما
المواقف الأوربية؛ فقد تباينت من
دولة أوروبية إلى أخرى بين إدانة
استمرار احتلال إسرائيل للأراضي
العربية واستنكار ما يعانيه الشعب
الفلسطيني، إلى المطالبة بفتح باب
التسوية السلمية عبر مؤتمر دولي
للسلام في الشرق الأوسط.
وتبنت بعض الدول الأوروبية -ومنها
نيوزلندا- موقفًا أكثر تشددًا، مثل
إيقافها تقديم أوراق اعتماد سفيرها
الجديد لإسرائيل، وتجديد أيرلندا
رفضها القاطع لإقامة علاقات
دبلوماسية مع إسرائيل، وإصرار فرنسا
على عقد لقاء بين وزير خارجيتها وياسر
عرفات خلال زيارته للبرلمان الأوروبي
منتصف عام 1988 .. ثم لقاء عرفات بالرئيس
الفرنسي نهاية 1989.
وقد استمر البرلمان الأوروبي في تبني
موقف أكثر وضوحًا سواء في إدانة
السياسات الإسرائيلية وأساليب القمع
التي تستخدمها أو تأييد عقد المؤتمر
الدولي والمشاركة الفلسطينية فيه،
كما تميز أيضًا بمطالبة الجماعة
الأوربية بمبادرة تهدف إلى تحقيق
الانسحاب الإسرائيلي من الأراضي
المحتلة.
اقرأ
أيضًا:
من
انتفاضة الأقصى إلى قمة الأقصى
حكمة
الحجر.. الانتفاضة واستعادة الذات
الشرعية
الدولية.. كي لا يصير الباطل حقا
التسميم
السياسي ومحو الذاكرة
انتفاضة
الاستقلال تتحدى مخطط الإجهاض
الإسرائيلي
|