|
ومما
أذكره في هذه الفترة: ما بدأته من دروس
فقهية في قريتنا، وأحسب أن ذلك كان
بعد السنة الثانية الثانوية. وقد كانت
دروسي في المرحلة السابقة (دروسا
وعظية) هدفها الإرشاد إلى تثبيت
الإيمان، وتصحيح المفاهيم الدينية،
وتنمية القيم الأخلاقية والسلوكية،
التي دعا إليها الدين، ومعتمد تلك
الدروس: الرقائق ونصوص الترغيب
والترهيب ونحوها، مما يزهد في
الدنيا، ويذكر بالآخرة، ويرقق قلوب
الناس.
أما
هذه الدروس الجديدة، فكانت تدور حول (فقه
الأحكام) وخصوصا العبادات، وبالأخص
الصلاة.
وكان
الجديد في هذه الدروس يتمثل فيما يلي:
1-
البعد عن الحشو والفضول وما لا حاجة
حقيقية بالناس إليه، مثل الكلام عن
المياه السبعة التي يجوز بها
التطهير، والتي يبدأ بها كثير من كتب
الفقه: ماء المطر، وماء النهر، وماء
البحر، وماء البئر، وماء العين، وماء
الثلج، وماء البرد.
فلا
حاجة إلى ذلك والمتوضئ يفتح الصنبور (الحنفية)
فيجد الماء ويتوضأ.
2- تبني التيسير والتخفيف عن الناس ما
وجد سبيل إلى ذلك، وهذا ما أشار إليه
القرآن في ختام آية الطهارة "ما
يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن
يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم
لعلكم تشكرون" (المائدة:7)
وقال
في ختام آية الصيام "يريد الله بكم
اليسر ولا يريد بكم العسر" (البقرة:
185).
وقال
الرسول الكريم: " يسروا ولا تعسروا،
وبشروا ولا تنفروا " متفق عليه عن
أنس. فمنهج
التيسير نهج قديم عندي.
3-
التحرر من التعصب لمذهب إمام بعينه،
فإن الله لم يكلفنا باتباع إمام أو
مذهب معين، إنما كلفنا اتباع كتابه
وسنة نبيه. وعلينا أن نستفيد من جميع
المذاهب، مرجحين منها ما كان أقوى
دليلا، أيا كان القائل به، فالمسلم
يتبع الحجة ولا يتبع الأشخاص غير
المعصومين.
وقد
كان المعتاد لعلماء قريتنا في دروس
الفقه: أن يدرسوه على مذهب الشافعي،
حتى العلماء الأحناف يدرسون الفقه
على المذهب الشافعي، تأسيسا على أن
مذهب عوام القرية هو الشافعي، مع أن
مذهب المحققين من العلماء: أن العامي
لا مذهب له، وإنما مذهبه مذهب من
يفتيه.
ومن
المعلوم أن مذهب الإمام الشافعي أشد
المذاهب المتبوعة في العبادات، ولا
سيما في مسائل الطهارة والنجاسة، حتى
قال الإمام أبو حامد الغزالي في (الإحياء)
معلقا على مذهب الشافعي ـوهو شافعيّ ـ
في مسائل الطهارة: كنت أود أن يكون
مذهبه في المياه كمذهب مالك، وقوى
مذهب مالك بسبعة أوجه.
لهذا
اخترت أن أدرس الفقه غير ملتزم بمذهب
الشافعي، بل على طريقة (فقه السنة)
للشيخ "سيد سابق"، وقد ظهر الجزء
الأول منه في الطهارة، وقدّم له حسن
البنا، و(الدين الخالص) للعالم الكبير
الشيخ محمود "خطاب السبكي"، مؤسس
الجمعية الشرعية في مصر.
وكان
هذا النهج مخالفا لما ألفه الناس من
علماء القرية قبلي، كما كان من ثمرته
آراء جديدة، استغربها الناس في أول
الأمر، وإن وجدوا فيها كثيرا من
التيسير والتسهيل عليهم، مثل القول
بأن كل ما يؤكل لحمه فبوله وروثه
طاهر، وهو مذهب مالك، ورجحه ابن تيمية
وابن القيم من الحنابلة.
والقول
بأن الماء إذا وقعت فيه النجاسة ـوإن
كان قليلا ـ لا ينجس إلا بتغير طعمه أو
لونه أو رائحته، فإن الله خلق الماء
طهورا لا ينجسه شيء، كما دل عليه حديث
بئر بضاعة وغيره.
وكذلك
القول بأن لمس المرأة لا ينقض الوضوء،
كما هو مذهب أبي حنيفة وأصحابه.
وقد
أحدثت هذه الآراء ضجة في القرية، وعزّ
على بعض الناس أن يخالفوا ما ألفوه
وتوارثوه من قديم الزمان، وقال بعض
العوام المتنورين من ملازمي المشايخ
القدامى ودروسهم: كيف يخالف هذا الشاب
الذي لا يزال طالبا كبار المشايخ من
علماء المعاهد وكليات الأزهر،
ويأتينا بهذه الآراء الجديدة
والغريبة؟
واحتشد
عدد منهم ليناقشوني، ورحبت بهذا
النقاش، وقلت لهم: بيني وبينكم كتاب
الله وسنة رسوله (صلى الله عليه وسلم)،
وإني لا أختار رأيا في مسألة إلا وقد
قال به إمام من أئمة المسلمين، فلا
أخرج على إجماع أبدا.
وكان
أول مسألة جادلوني فيها هي قضية عدم
نقض الوضوء بلمس المرأة. وقالوا: مذهب
الشافعي هو الموافق للقرآن الذي قال:
"أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء
فتيمموا صعيدا طيبا" (المائدة:7).
قلت
لهم: اختلف الصحابة والتابعون في
المراد باللمس أو الملامسة في هذه
الآية، فأخذ ابن عمر بظاهر اللفظ، وأن
اللمس أو الملامسة هو وضع البشرة على
البشرة، وقال ابن عباس: المس واللمس
والملامسة في القرآن كناية عن
الجماع، ولكن الله تعالى حيي كريم
يكني عما شاء بما شاء.
وابن
عباس هو ترجمان القرآن، ودعا له النبي
صلى الله عليه وسلم أن يعلمه التأويل،
ويؤيد تأويله قوله تعالى: "يَا
أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا
نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ
طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن
تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ
عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ
تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ
وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلاً"
(الأحزاب: 49) فالمراد بالمس هنا:
الدخول بالمرأة. وقد تكرر هذا في
القرآن. ومثال ذلك قول مريم عليها
السلام: "ولم يمسسني بشر ولم أك
بغيا" (مريم: 20)، ثم إن الآية على فهم
ابن عباس تكون قد أشارت إلى الحدث
الأصغر الذي كَنَّت عنه بقولها: "أو
جاء أحد منكم من الغائط" ومن الحدث
الأكبر، الذي كنّت عنه بقولها: "أو
لامستم النساء" بخلاف الفهم الآخر،
فلا يكون في الآية أي دلالة على
التيمم من الحدث الأكبر.
ثم
ذكرت لهم الحديث الذي يبين: أن عائشة
رضي الله عنها لمست باطن قدم النبي
صلى الله عليه وسلم، وهو في صلاته،
ولم يخرج منها، ولو كان لمسها ناقضا
للوضوء لخرج من الصلاة، وجدد وضوءه،
والقول بأنه كان بحائل خروج عن
الظاهر، لا دليل عليه.
ولو
أخذنا بظاهر الآية "أو لامستم
النساء"كما أخذ الشافعي، لوجب أن
ينتقض الوضوء بلمس المرأة المحرم
كالأم والأخت والابنة، لأنهن من
النساء، كما هو رأي الظاهرية.
وبعد
هذه المناقشة الساخنة، لم يجد
المعارضون في أيديهم حجة، وقالوا: هل
نستطيع أن نجادل أزهريا؟ قلت لهم: نحن
أسرى الأدلة، فمن كان معه الدليل فهو
الأقوى والأبقى.
وشاع
هذا الفقه الجديد في القرية حتى بين
نسائها، وإن كن لا يحضرن هذه الدروس،
ولا سيما أن لمس المرأة ونقضها لوضوء
الرجل، كثيرا ما كان يحدث مشكلة بين
الرجال وزوجاتهم، وخصوصا في فصل
الشتاء، عندما يجيء الرجل من الحقل،
ويذهب إلى المسجد، ويتوضأ لصلاة
المغرب، ثم يصليها، ويعود إلى بيته
للعَشاء كالعادة، وفي أثناء تقديم
الطعام قد تلامس المرأة يد زوجها خطأ،
وهنا يغضب الرجل، ويثور على امرأته
التي أضاعت وضوءه، وهذا يكلفه وضوءا
جديدا في هذا البرد الشديد، وكثيرا ما
يقع شجار، ويشب حريق في البيت بسبب
هذا الأمر. وقد حدثني بعض المستنيرين
منهم أن فلانا من القرية كاد يحدث هذا
الشجار بينه وبين زوجته بسبب هذا
اللمس الخطأ، وما كاد يصرخ في زوجته
حتى قالت له: هوِّن عليك. صل على مذهب
الشيخ يوسف!
والحقيقة
أنه ليس مذهب الشيخ يوسف، إنما هو
مذهب الإمام أبي حنيفة وأصحابه، بل هو
مذهب الإمام مالك وأحمد فيمن لمس بغير
شهوة. كما في هذه القضية.
تابع
في دروس فقهية:
رخصة
(القبانية) وتجارة القطن .. لا أجيد
التجارة أبدا
ومن
المهارات التي اجتهدت في الحصول
عليها في أواخر المرحلة الثانوية:
الحصول على (رخصة القبانة) أو
القبانية، ولها إجراءات وتعقيدات
وامتحانات حتى يحصل المرء عليها من
طنطا. وهذه الرخصة تمكن صاحبها من وزن
(القطن) الذي يشتريه التجار من
الفلاحين، في مقابل أجر، وإعطاء ورقة
مختومة بمقدار وزن القطن بالكيلو
جرام مضروبا في سعر القنطار، لمعرفة
قيمة الصفقة بالجنيهات والقروش
المصرية. وهذه الورقة التي يصدرها
القباني معترف بها لدى البائع
والمشتري والجهات الرسمية.
وكان
هذا موردا إضافيا، اشتغلت بها موسما
واحدا في إطار الأقارب والجيران،
والأصدقاء، ثم تغيرت الأمور، فلم
أكررها، مع أنه كلفني شراء (قباني) وما
يعلق عليه.
وفي
تلك الفترة ـ أو بعدها ـ دخلت في تجارة
(القطن بالقطَّاعي) أنا وصديقي السيد
مولانا، نشتري من الأفراد ما يريدون
بيعه من الصفقات الصغيرة للقطن، التي
يبيعها الفلاحون عادة لمحلات شراء
القطن الصغيرة، ونحن بدورنا نبيعها
كل فترة للتجار الكبار، ونكسب من
الفرق بين الشراء والبيع. ولكن لتجارة
القطن مفاجآت في العلو والهبوط، فهي
غدارة كالدنيا، وأذكر أننا بعد أن
كسبنا كسبا طيبا، نزل السعر في السوق
نزولا حادا، فضاع ما ربحناه، ورجعنا
نقول: كأنك يا بوزيت ما غزيت!
وباء
(الكوليرا).. البسطاء لا يجدون الدواء!!
في
سنة 1946م هجم على مصر وباء كاسح، يصيب
الإنسان وهو في عز شبابه وصحته، فيمتص
من جسمه الماء، عن طريق القيء من فوق،
والإسهال من تحت، ذلك ما عرف باسم داء
(الكوليرا) الذي انتشر في مصر كلها
انتشار النار في الهشيم.
وقد
بدأ في قرية (القرين) بالشرقية، التي
تصدِّر البلح إلى أنحاء مصر، فعجّلت
بنشر الوباء بسرعة البرق، والقرين
هذه بجوار معسكرات الإنجليز في منطقة
الشرقية؛ ولذا قال الناس: إن الإنجليز
هم الذين صنعوا هذه الكارثة.
وصل
هذا البلاء إلى قريتنا، وأخذ الناس
يتساقطون، ولا يكادون يجدون من
الأدوية (الأمصال) وأدوات الإسعاف ما
ينجدهم.
ولا
سيما أن الناس في القرى يخافون من
المستشفيات، ويفضلون في مثل هذه
الحالات أن يموت الإنسان في بيته وبين
أهله، أستر له، وأصون له من موته خارج
بيته، وخصوصا أنه ينقل إلى مستشفى
المحلة الكبرى. على أن مستشفيات
المحلة ضاقت بالواردين إليها.
وبعثت
وزارة الصحة بـ (الأمصال) الواقية،
وكان بعض الناس يتردد في تناولها،
لولا فتاوى العلماء، بأن تركها حرام،
وإلقاء بالنفس إلى التهلكة، وأن الله
الذي أنزل الداء أنزل الدواء. ومع هذا
تقاعس بعض الناس عنها.
وفي
عدة أيام صرع الموت في قريتنا ما
يقارب الأربعين شخصا، معظمهم من
الرجال. وفي حارتنا الصغيرة توفي
حوالي خمسة، منهم اثنان من أقاربي:
ابن عمي الأكبر، وزوج ابنة عمي.
توفي
زوج ابنة عمي أولا، فذهب ابن عمي ودخل
عليه، واشترك في تغسيله، وحمله
للدفن، دون أي احتياط، وكان رحمه الله
مجازفا، جريئا، لا يبالي بالعواقب،
فأصابته العدوى، وما أسرعها، وما هي
إلا أيام قضاها حتى ودع الحياة: قبل أن
يتم الأربعين من عمره، وودعته بقصيدة
حزينة، ضاعت فيما ضاع، لا أذكر منها
إلا أنها تائية من بحر الطويل. وكان
ابن عمي هو في الوقت نفسه زوج خالتي
الصغرى، التي تركها أرملة، وفي بطنها
جنين، ولد بعد أشهر، طفلة سميت باسم
أمي، وكانت تبدو عليها مخايل الذكاء
وهي رضيعة. وقدر الله أن تقضي عليها
نزلة شديدة لم يحسن الطبيب علاجها،
فماتت وهي في الثانية من عمرها.
|
إن
الـطبيب لـه علم يُدِلُّ به |
ما
دام في أجل الإنسان تأخير |
|
حي
إذا ما انقضت أيام مدته |
حار
الطبيب وخانته العقاقير |
مع
الإخوان.. حسن البنا شيخ وأستاذ وقائد
حظيت
بالاستماع إلى الشيخ الإمام حسن
البنا، منذ كنت طالبا في السنة الأولى
الابتدائية، كما تحدثت عن ذلك في
حينه، وأعجبت بشخصية الرجل، وملك حبه
قلبي، وإذا كانوا في عالم العشاق
يتحدثون عن الحب من أول نظرة، ففي
عالم الدعوة يمكن أن نتحدث عن الحب من
أول كلمة.
لقد
تعلق فؤادي بحسن البنا، تعلق المريد
بالشيخ، والتلميذ بالأستاذ، والجندي
بالقائد، وإن كنت لم أصبح جنديا في
جماعته إلا بعد ثلاث سنوات، ولكني كنت
أترقب قدومه إلى طنطا، لأسعى إلى
الاستماع إلى حديثه المتفرد، وقد جاء
مرة إلى طنطا لإحياء ذكرى الإسراء
والمعراج، وسمعت منه ما لم أسمع من
غيره في هذه المناسبة. وأهم ما نبه
عليه في هذه المناسبة: التذكير بقضية
المسجد الأقصى، منتهى رحلة الإسراء،
ومبتدأ رحلة المعراج، وواجب الأمة
المسلمة نحو مقاومة المشروع
الصهيوني، وقد كان الرجل من القلائل
الذين أدركوا خطر الصهيونية، وحذروا
منه وأنذروا في وقت مبكر، وكان يعيش
في قضية فلسطين، أو قل: تعيش فيه قضية
فلسطين.
على
أن أعظم زيارة لمدينة طنطا، تجلت فيها
عبقرية حسن البنا، وتحدث فيها فأبلغ
وأبدع وأشبع، كانت حين عقد المؤتمر
العام للإخوان المسلمين لشرح المطالب
القومية. وكان هذا أحد مؤتمرات
الإخوان التي تعقد في عواصم
المديريات في مصر لشرح الأهداف
الوطنية، التي هبت الأمة بعد انتهاء
الحرب العالمية الثانية للمطالبة بها.
أقيم
سرادق كبير في ميدان البلدية بطنطا،
حضره جم غفير من أبناء طنطا ومن إخوان
الغربية من مراكزهم المختلفة، وتحدث
فيه عدد من خطباء الإخوان، منهم
الأستاذ أحمد السكري وكيل الإخوان،
والأستاذ نصيف ميخائيل، وهو باحث
قبطي مصري كان يصطحبه الأستاذ البنا
في مؤتمراته المختلفة، ليتحدث عن
قضية قناة السويس وحق مصر فيها، وهو
من المتخصصين في هذا المجال الذي يهتم
به البنا ويعرف قيمته. وكان يهدف بهذا
إلى تجميع عنصري الأمة من المسلمين
والأقباط لمواجهة الاستعمار
البريطاني، وقطع الطريق على الذين
يصيدون في الماء العكر، ليفرقوا بين
أبناء الشعب الواحد، وإشعال نار
الفتنة الدينية بينهما. وكان الأستاذ
البنا على وعي بألاعيب الاستعمار
الذي جعل شعاره: (فرق تسد)؛ فكان على
صلة حسنة بزعماء الأقباط، حتى أشرك
بعضهم في اللجنة السياسية للإخوان.
وبعد
أن تحدث الخطباء والشعراء، جاء دور
الإمام البنا، الذي انتظرت الجموع
الحاشدة كلمته بفارغ الصبر، وشديد
الشوق.
وقام
حسن البنا ليعلن: أنه سيتحدث في أمور
ثلاثة: قضيتنا، وسليتنا، دعوتنا. قال:
أما
قضيتنا، فأقصد بها قضية (الوطن):
الصغير، والكبير والأكبر.
وبين
ما يريد بالوطن (الصغير) وهو: وادي
النيل، بشماله (مصر) وجنوبه (السودان)
وقال: إنه يعتبر مصر هي السودان
الشمالي، والسودان هو مصر الجنوبية،
وحدد الهدف القومي بالنسبة لهما في
أمرين: الجلاء التام (أي جلاء جيش
الإنجليز) عن وادي النيل كله برا
وبحرا وجوا، وتركه لأهله يحكمونه كما
يشاءون. ووحدة هذا الوادي تحت علم
واحد، وملك واحد، وحدة سياسية
واقتصادية وثقافية وتعليمية.. إلخ.
أما
الوطن الكبير، فيشرحه البنا بأنه (الوطن
العربي) ويحدده بأنه من الخليج
الفارسي إلى المحيط الأطلسي. ولم يكن
مصطلح (الخليج العربي) قد ظهر بعد. كما
أصبح يقال بعد: من الخليج الثائر إلى
المحيط الهادر. وكان كلام البنا أول
كلام محدد أعرف به حدود الوطن العربي.
وأما
الوطن الأكبر، فهو (الوطن الإسلامي)
من المحيط إلى المحيط، أي من المحيط
الهادي إلى المحيط الأطلسي، أو من
جاكرتا على المحيط الهادي إلى رباط
الفتح على المحيط الأطلسي. وكان هذا
أول تحديد للوطن الإسلامي أسمعه،
ولهذا تحدث عن إندونيسيا وضرورة
تحريرها من الاستعمار الهولندي، وعن
ضرورة تحرير تونس والجزائر ومراكش
بلاد المغرب العربي، وكان يعبر عن
المغرب في هذه الفترة بـ (مراكش).
وبين
أن على الأمة الإسلامية بالتضامن أن
تعمل على تحرير أوطانها كلها من كل
سلطان أجنبي "ولن يجعل الله
للكافرين على المؤمنين سبيلا" (النساء:141)
وأشار
إلى ما ذكره الفقهاء من أنه: إذا أسرت
امرأة في المشرق، وعجز أهل المشرق أن
ينقذوها من أسرها، فعلى أهل المغرب أن
يقوموا بذلك.
وأفاض
الأستاذ البنا في قضية مصر، وشرح
جذورها التاريخية، وحدد الأهداف
الوطنية ـ كما قلت ـ في الجلاء
والوحدة، ثم تحدث عن (وسيلتنا) في
تحقيق أهدافنا والوصول إلى حقنا.
وبينها وسيلة بعد وسيلة، تبدأ بـ (المفاوضة)
مفاوضة صاحب الحق لا المستجدي، ويجب
أن تقف الأمة كلها وراء المفاوض، وعلى
المفاوض أن يتجاوب مع نبض الأمة، ولا
يستخزى ولا يستسلم أبدا.
فإن
لم تجد (المفاوضة) لجأنا إلى (المقاطعة)
مقاطعة الإنجليز اقتصاديا، لا نشتري
منهم، ولا نبيع لهم، نحن المصريين
والسودانيين والعرب والمسلمين عامة.
فنقاطع كل بضاعة إنجليزية، وعلى
علمائنا أن يصدروا الفتاوى الدينية
القاطعة بتحريم الشراء من العدو؛ لأن
ذلك تقوية له على المسلمين، وكل ما
يقويه على المسلمين، لا يجوز له لنا
أن نعين فيه. وكل قرش يذهب إلى الخزانة
البريطانية يتحول إلى رصاصة تقتل
المصريين والسودانيين. وأشار إلى أن
الشعب المصري (شعب قنوع) يستطيع أن
يعيش على القليل، والأقل من القليل
إذا كان ذلك في سبيل عزته وكرامته
وحريته.
فإن
لم تجد (المقاطعة) أو لم تكف، فلا بد من
الوسيلة الأخيرة التي يفرضها الواقع،
كما يفرضها الدين، وهي (الجهاد): أن
نقاتل الإنجليز بكل ما نستطيع من قوة،
وأن نجند رجالنا وشبابنا لذلك، وأن
نربي أنفسنا لهذه الغاية، وأن نشيع
روح الجهاد في الأمة، بدل روح الميوعة
والخلاعة والخنوثة، التي تفعل في
نفوس أبنائنا ما تفعل السموم في
الأبدان.
والجهاد
في هذه الحالة فرض عين على كل مصري
وسوداني حتى يخرج الإنجليز من وطنه،
وكل مواطن عليه أن يبذل ما يقدر عليه،
والإخوان المسلون مستعدون أن يقدموا
الآلاف من شبابهم فداء لوطنهم، الذي
هو جزء عزيز من أرض الإسلام.
ثم
قال الأستاذ: لقد كنت في مقتبل شبابي
أقرأ بعض الأوراد التي تتضمن أذكارا
وأدعية نتعبد لله بتردادها. وكان من
هذه الأدعية دعاء يقول: اللهم ارزقني
الحياة الحسنة، والموتة الحسنة، فما
الموتة الحسنة أيها الإخوان؟ هل
الموتة الحسنة أن تموت على سريرك بين
أهلك وأولادك وذويك؟ إن الموتة
الحسنة ـ كما أتصورها ـ أن يفصل هذا
الرأس ـ وأشار إلى رأسه ـ عن هذا الجسد
في سبيل الله!!
وهنا
ضج الجمع الحاشد بالتكبير والتهليل.
ثم
تحدث الأستاذ رحمه الله عن المحور
الثالث، وهو (دعوتنا)، مركزا الحديث
حول (الدعوة الإسلامية) في هذا العصر،
ومضمونها وأهدافها، وخصائصها. وكان
الرجل مشرقا متألقا كأن كلامه تنزيل
من التنزيل، أو أقباس من أضواء النبوة.
وانفض
المؤتمر الكبير بسلام، ولا حديث
للناس إلا عن حسن البنا، وفهم حسن
البنا، وكلام حسن البنا.
والحق
أن مؤتمرات الإخوان في عواصم
المديريات المصرية لشرح القضية
الوطنية، كانت إضاءات جديدة ومميزة
في طريق العمل الوطني، وكان هدفها
توعية جماهير الشعب بقضيته، وحشد قوى
الأمة جميعها للوقوف في وجه
الإنجليز، حتى يخرجوا من الوطن طوعا
أو كرها، وتتحرر إرادة شعب مصر من كل
سلطان أوربي.
وكان
للطلاب والشباب دورهم المتميز
والمؤثر في تجلية القضية الوطنية،
وكشف الغبار عن وجهها، وإبرازها جلية
سافرة لأبناء الوطن جميعا.
تجلى
ذلك في طلاب المعاهد والمدارس
الثانوية والابتدائية في أنحاء مصر،
من الإسكندرية إلى أسوان. كما تجلى
ذلك في طلاب الجامعة المصرية (جامعة
فؤاد الأول) وهي الجامعة الوحيدة في
مصر في ذلك الحين.
وكنا
نتابع ـ ونحن في الأقاليم ـ ما يجري من
الأحداث في القاهرة، وبين طلبة
الجامعة خاصة، وكان رأس طلبة
الجامعة، ولسانهم الناطق باسمهم،
والمعبر عن إرادتهم، هو الطالب "مصطفى
مؤمن" الطالب بكلية الهندسة، وهو
خطيب سياسي مؤثر يسحر الطلاب ببيانه
إذا خطب فيهم، ويشدهم إليه شدا.
وقد
زار مصطفى مؤمن عددا من عواصم
الأقاليم، للإسهام في تجنيد الطلبة
للقضية الوطنية، وكان من العواصم
التي زارها مدينة طنطا.
وقد
احتفت به طنطا، واحتشد له جمع كبير من
الشباب وغير الشباب، وأقيم له سرادق
كبير، تكلم فيه أكثر من واحد، منهم
الطالب محمود دبُّور بالمدرسة
الثانوية. كما ألقيت في هذا الحفل
قصيدة وطنية، حييت فيها زعيم طلبة مصر
مصطفى مؤمن، وقد ضاعت هذه القصيدة
فيما ضاع من شعري القديم، ولا أذكر
منها إلا أبياتا تتعلق بمصطفى مؤمن،
أقول فيها:
|
حـييت
فــيه لـحية سُنِّيَّة |
أضفت
عليه مهابة الحكماء |
|
سوداء
من شرخ الشباب كأنها |
حظ
اليهود الـغُبْر يوم لقاء |
|
الشعر
مـزدحم بها، فـكأنها |
حكم،
وذاك تزاحم الزعماء! |
ثم
كان مسك ختام الحفل كلمة الشاب الثائر
المتوقد مصطفى مؤمن، الذي شرح قضية
مصر بأسلوبه الخاص، الذي عبأ المشاعر
حولها، وختم كلمته ببيتين من الشعر:
|
يا
للرجال، أما من غضبة عمم |
تشفي
الـصدور؟ وطغيان بطغيان |
|
فحطموا
القيد عن أيديكمو وثبوا |
فالموت
والعيش تحت القيد سيان! |
ولم
يقصر مصطفى مؤمن جهده على داخل مصر،
بل سافر بعد ذلك إلى أمريكا لحضور
جلسة مجلس الأمن، مجتهدا أن يسمع
المجلس صوت الشعب المصري. وإن كان
هناك وفد رسمي مصري برئاسة رئيس
الحكومة محمود فهمي النقراشي باشا.
الإخوان
المسلمون والقضية الوطنية.. جهود
وجهاد
ظللنا
فترة مديدة من الزمن، والقضية
الوطنية شغلنا الشاغل، وهمنا الأول،
نبذل لها الجهود، ونحشد لها الحشود،
ونجند لها قوى الأمة.
وأذكر
أن مما ساهمت به في تلك الفترة ـ بجوار
الخطب الثورية، وقيادة مظاهرات
الطلاب ـ عددا من القصائد ألقيتها في
دار الإخوان، أو في المعهد على الطلبة.
وقد
ضاعت هذه القصائد فيما ضاع من شعري،
ولكني أذكر أبياتا من قصيدة ميمية كان
مطلعها:
|
غنَّى
فأشجى السامعين وهاموا |
ليت
المغنِّي نائح لطام |
وفيها
أبيات تخاطب الإنجليز ساخرة:
|
يا
أيها الأضياف! لا أهلا ولا |
سهلا،
ولا ترحيب لا إكرام |
|
الضيف
إن تمر عليه صبائح |
يثقلْ،
وقد مرت لكم أعـوام |
|
غصت
مساكننا بجندكمو، كما |
غصت
قطـارات وغـص ترام |
|
وغذت
بطونكمو غلال بلادنا |
وبنو
البلاد من الطوى قد صاموا |
|
وغدت
مصانعنا تحوك للبسكم |
والـعري
فـينا قـاعـد قـوّام |
|
إن
القِرى إن لـم يكن بسماحة |
فـالـسمن
سم، والـحَمام حِمَام! |
وكان
من (المشاريع المتخاذلة) التي جاهد
الإخوان لإسقاطها (مشروع صدقي بيفن)
الذي روج له رئيس الوزراء المشهور،
والمعزول عن عواطف الشعب المصري من
قديم، لما اشتهر عنه من استبداد
وجبروت: إسماعيل صدقي باشا. وبيفن هو
وزير خارجية بريطانيا في ذلك الوقت.
وقد
أمهل الإخوان صدقي في أول الأمر، حتى
ينظروا حصيلة ما عنده، ثم تمخض الجبل
فولد فأرا، وربما (صرصورا)! فكان هذا
المشروع الذي لا يحرر مصر تماما من
ربقة الإنجليز، وقاومه الإخوان بوضوح
وشراسة. وقد خرجنا في مظاهرات، برغم
منع المظاهرات في عهده، ولكن رتب
الإخوان مظاهرات خرجت في الليل بعد
صلاة العشاء، وانطلقت من أكثر من مكان
لتلتقي في مسيرة حاشدة، اصطدمت رجال
الشرطة، وقبض على عدد من المتظاهرين،
وأودعوا أقسام البوليس، وكاد يلقى
القبض علي، ولكن الله سلم.
وما
زالت هذه المعارضة الشعبية من
الإخوان ومن الأحزاب الأخرى، حتى سقط
(مشروع صدقي بيفن) صريعا لليدين
وللفم، وسقطت حكومة صدقي بعده.
عودة إلى مذكرات الشيخ القرضاوي
|