الصفحة الرئيسة للموقع   |  مذكرات القرضاوي   

   

الجانب السياسي: هتلر عقوبة إلهية للحلفاء

لم يكن الناس في قريتنا في عهد صباي مشغولين بالسياسة، ولا مهتمين بشؤونها؛ وذلك لسببين: الأول: انتشار الأمية بين الناس، والاهتمام بالسياسة يحتاج إلى قدر من الوعي ومتابعة القضايا العامة وقراءة الصحف ونحو ذلك. ولم يكن هذا ميسورا لأهل القرية، حتى لم يكن يقرأ صحيفة الأهرام إلا أناس يُعَدُّون على الأصابع.

والسبب الثاني: أن الناس كانوا مشغولين بلقمة العيش، ومعركة الخبز، وهي معركة مريرة وطويلة، قوامها المعاناة والكدح من الفجر حتى غروب الشمس، حتى قالوا في أمثالهم: "الدنيا أشغال شاقة، آخرها الإعدام".

والناس إنما يفكرون في السياسة حينما يحسون بشيء من الراحة، وقدر من الفراغ؛ ليخرجوا من شأنهم الخاص إلى الشأن العام. وكان أمر المُلك يجري حسب نظام الوراثة، وحسب رغبات الإنجليز الذين احتلوا البلاد منذ أوائل الثمانينيات من القرن التاسع عشر، ولا دخل للشعب في اختيار الحاكم ولا عزله.

وقد تغيرت ألقاب الحاكمين لمصر من "خديو" إلى "سلطان"، إلى "ملك"، والناس لا شأن لهم بذلك، إنما يشاهدون أثر ذلك في صورة الحاكم، وما يكتب تحت صورته: "خديو" أو "سلطان" أو "ملك"، وخصوصا في العملة، فقد شهدت عملة باسم "السلطان حسين"، ثم أخرى باسم "الملك فؤاد الأول"، ثم أخرى باسم "الملك فاروق الأول". وكان أول ما يظهر تغير العملة في (المليم) أصغر العملات، وأكثرها شيوعا في ذلك الزمن.

"هوجة عرابي"

وكان الناس يذكرون "عرابي" وثورته ضد الخديو، أو كما يسمونها "هوجة عرابي". كما يذكر بعضهم بطش الإنجليز وعدوانهم الوحشي على المصريين في قرية "دنشواي" ووقوف "مصطفى كامل" باشا ضد الإنجليز، وكان بعضهم يغني موالا في تمجيد مصطفى كامل، الذي مات في عنفوان شبابه.

كما كان بعضهم يذكر "محمد فريد" الذي خلف مصطفى كامل، في رئاسة حزبه، ومقاومة الاحتلال الإنجليزي، والذي نُفي خارج مصر، ومات في منفاه، رحمه الله.

ومما أذكره وأنا صبي أنه كلما مرت طائرة فوق القرية، أسرع الصبيان وتجمعنا نهتف بحرارة: "يا عزيز يا عزيز (كُبَّة) تأخذ الإنجليز"، وكأنما الطائرة رمز إلى الاستعمار الغربي، والإنجليزي منه خاصة!

ومما أذكره أن المصريين رحبوا بالملك فاروق أول جلوسه على العرش، وأطلقوا عليه لقب "الملك الصالح"، وكنا نهتف ونحن تلاميذ بالمدرسة الإلزامية: "عاش الملك الصالح"، ورد الناس هذا الصلاح لقربه من الشيخ "المراغي" شيخ الجامع الأزهر.

وأذكر أن الملك مر على "صفط" مرة في طريقه إلى المحلة الكبرى لافتتاحه أحد المساجد بها، فأخذونا -نحن تلاميذ المدرسة- واصطففنا على الطريق، وكذلك كل القرى قبلنا وبعدنا؛ لنحيي ملك البلاد، ونهتف بحياة الملك الصالح. ولكن بطانة السوء تسللت إليه بعد ذلك كما تتسلل الشياطين، وجروه إلى دوامة الفساد. والمعصوم من عصمه الله.

وكنا نسمع من الناس ذكريات عن ثورة سنة 1919 وعن "سعد باشا زغلول" ومقاومته الإنجليز المستعمرين. ونسمع منهم عن الحرب العالمية الأولى، وما أصاب كثيرا من التجار فيها من خسائر اقتصادية وتجارية نقلت هؤلاء من اليسر إلى العسر، ومن الغنى إلى الفقر. وينشدون في ذلك:

مَا بين طَرفةِ عينٍ وانتباهتِها

يغيِّرُ اللهُ من حالٍ إلى حال

الانتماء للأحزاب

أما الانتماء إلى الأحزاب، فكان الأهالي هنا تبعا لـ"آل خضر"، الذين يرشحون ناسا منهم لكل دورة انتخابية، وهم قد قسموا أنفسهم بحيث يكون منهم نائب في كل عهد.

وقد كانوا في فترة ما مع حزب "الوفد"، فلما انفصل السعديون عنه، وشكلوا الحكومة، وأجروا الانتخابات، وعُرف أنهم سيفوزون بالأغلبية القادمة -بالحق أو الباطل- انضموا إليهم، ورُشحوا على قائمتهم.

أما أهالي البلدة، فكانت عواطفهم مع "النحاس باشا" زعيم حزب الوفد؛ وذلك لأمرين:

الأول: أنه ابن المنطقة.. ابن الغربية.. ابن سمنود القريبة من قريتنا. والثاني: أنه يعمل لمصلحة الفقراء، وكثيرا ما سمعت أهل القرية: نحن نحب النحاس؛ لأنه رفع عنا "العتبة" و"الشرقي".

ويقصدون بالـ"عتبة" تلك الضريبة العقارية، التي كانت مفروضة على الناس جميعا؛ بأن يدفع كل شخص مبلغا عن الدار التي يملكها ويسكنها هو وعياله، مهما تكن حالته وعسره، وكان هذه عبئا كبيرا على المواطنين العاديين، يحملون همه.

وكيف يدبر الرجل الفقير، والمرأة الأرملة، والعامل المتبطل، وأمثالهم الذين لم يكونوا يجدون القوت إلا بشق الأنفس؟! كيف يدبر أحدهم مبلغ (العتبة) الذي كان يشكل همًّا ثقيلا عليهم؟ فلما ألغته حكومة النحاس، تنفس الشعب الصعداء، ودعا للنحاس بخير.

وأما "الشرقي" فيُقصد به فرع نهر النيل الشرقي المعروف بـ(فرع دمياط). ولم يكن للنيل وفرعيه (كورنيش) يحميه من طغيان الفيضان إذا علا في فصل الصيف من كل عام، وكان في كثير من الأعوام يعلو ويعلو حتى يهدد القرى المجاورة بالغرق. ولم تجد الحكومات وسيلة لمقاومة هذا الفيضان العاتي إلا (بتسخير) الفلاحين المساكين، يُساقون من قراهم سوقا تحت سياط التهديد والقوة؛ ليعملوا مجانا، ويتركوا أرضهم وأعمالهم، ويُغرَّبوا عن أهليهم وبلدانهم في حملة مكثفة؛ لوضع الحجارة وغيرها عند الشواطئ، لحماية البلاد القريبة من خطر الفيضان.

فكان من الخير الذي قدمته حكومة الوفد للشعب إلغاء هذه السُّخرة المُذلة للناس. وقد رأيت بعيني الشبان من أبناء الفلاحين يُخطَفون خطفا من بيوتهم أو حقولهم، ويُجَرون جرا رغم أنوفهم، كما كانوا يُجندون قهرا أيام السلطة في عهد الإنجليز. وقد أُخذ ابن عم لي مرة في هذه السخرة.

وفيما عدا ذلك لم تكن لدى الناس ثقة بالحكومة، ومن الأمثال السائرة عندهم: "يوم الحكومة بسنة"، وهو تعبير عن بطء الروتين الإداري، والبروقراطية الحكومية المتوارثة.

ومن الأمثال المعبرة عن عدم الثقة بالحكومة قولهم: "إذا كان ذراعك عسكريًّا -يعني شرطيًّا- فاقطعه". فهو لا يعتقد أن هذا العسكري أو الشرطي لحمايته وخدمته، بل هو لقهره وإذلاله. ويأس الناس من الدولة ومؤسساتها هو الأساس؛ فهم لا يهمهم تغيير الحكومات من حزب إلى آخر، ومن حزب الأغلبية لأحزاب الأقلية، وقد عبروا عن هذا بقولهم: "اللي يتزوج أمي أقول له يا عمي".

الحرب العالمية الثانية

وأذكر من الأوقات التي اهتم الناس فيها بالسياسة أيام الحرب العالمية الثانية، التي أعلن فهيا (هتلر) الحرب على الحلفاء -وعلى رأسهم بريطانيا- التي احتلت مصر والسودان والعراق وفلسطين وغيرها من بلاد المسلمين في أسيا وإفريقيا. والتي هزمت دولة الخلافة في الحرب العالمية الأولى.

كان أهل القرية عموما -كمعظم أهل مصر- في تلك الفترة يرحبون بهتلر، ويعتبرونه سيفا سلَّه القدر الأعلى على رقبة بريطانيا؛ لينتقم منها على طغيانها وجرائمها في حق المسلمين.

وكان الناس في شأن هتلر قسمين:

قسم يقول: هو مبعوث العناية الإلهية للانتقام من المستعمرين الأوربيين من الإنجليز والفرنسيين وغيرهم من الذين طغوا في البلاد، فأكثروا فيها الفساد.

ومن الطريف أن بعض الناس في القرية، كانوا يقولون: "إنه مسلم يتخفى وراء اسم هتلر"، بل قال بعضهم: "إن اسمه الحاج محمد هتلر"!!

والقسم الآخر: يقول ما قاله أحد الحكماء قديما: "الظالم سيف الله في أرضه ينتقم به، ثم ينتقم منه". ويردد قول الشاعر:

وَمَا مِن يدٍ إِلا يدُ اللهِ فوقَها

وَلا ظَالمٌ إلا سيبلى بظالم

على أية حال، كان هتلر عقوبة إلهية للحلفاء، ومن فضل الله على المستضعفين أن يسلط الظالمين بعضهم على بعض؛ حتى لا ينفرد فريق منهم بالفتك بالضعفاء دون أن يقول أحد لهم: "كفوا أيديكم".

ولهذا كان من أدعية السلف: "اللهم اشغل الظالمين بالظالمين، وأخرجنا من بينهم سالمين".

ومن أمثال العرب: "إذا اصطلح الفأر والهرة خرب دكان البقال".

وقالوا كذلك: "إذا اختلف اللصان ظهر المسروق". فكان اختلاف اللصوص على الغنيمة، واشتغال الظالمين بعضهم ببعض رحمة من الله تعالى بالضعفاء الذين لا يملكون من أسباب القوة ما يقاومون به المستكبرين في الأرض، الذين قالوا ما قال قوم عاد قديما: "مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً". وهذا ما شهدناه بأعيننا أيام صراع القطبين الدوليين (أمريكا والاتحاد السوفيتي)، وكيف كان تنازعهما نعمة على الشعوب المستضعفة وفرصة لها. وكيف أصبحت الشعوب الضعيفة اليوم فريسة لأنياب القوة العظمى الوحيدة المنفردة بالهيمنة والقوة في العالم؟

على كل حال، كان أهل قريتنا بقلوبهم ومشاعرهم مع الألمان، ومع هتلر، ما عدا واحدا من أهل القرية، كان ضد أهل القرية، وكان مع الإنجليز بصراحة، ويرى أن الإنجليز هم المنتصرون في النهاية، وهو أحد تجار القرية، واسمه الحاج "عبد القادر يحي"، وكان بيننا وبينه قرابة من جهة الأم؛ فقد كانت جدته قرضاوية. والعجيب أن الأيام قد صدقت ظنه وانتصر الإنجليز في النهاية، برغم تقدم (ثعلب الصحراء) روميل في أول الأمر، وترحيب الجماهير المصرية به، وقول بعضهم: إلى الأمام يا (روميل)!!

أطماع اليهود

وكنا نسمع في بعض الأحيان عن اليهود وأطماعهم في فلسطين، ولكن لم يكن الحديث عنها واضحًا ولا مؤثرا، ولا يشكل الأمر إحساسا بالخطر، وخصوصا بعد سقوط الخلافة العثمانية، وتفرق الأقطار التي كانت تابعة لها، وظهور النزعة الإقليمية التي تعتز بالوطن والوطنية، وتتغنى بهما.

وكانوا في المدرسة يحفظوننا أناشيد تعلق قلوبنا بحب الوطن الصغير (مصر) والفناء فيه، وبذل النفس والنفيس في سبيله، وإغفال الوطن العربي والإسلامي نهائيا.

وقد كنا في السنوات الأولى في المدرسة نحفظ النشيد الذي يقول:

بلادي، بلادي، فِـداك دمي

وهبت حياتي فدى فاسلمي

غرامُكِ أولُ مـا في الـفؤاد

ونجواك آخرُ ما في فمي

سأهتفُ باسمِكِ ما قد حييتُ:

"تعيشُ بلادي ويحيا الوطن"

ثم غُير هذا النشيد أيام الحرب العالمية إلى نشيد آخر يقول:

أمامًا، أمامًا، جنود الـفدا

وسيروا إلى النصرِ تحت العلم

إلى عزةِ المُلكِ رَغَمَ الْعِدا

ولا ترتضوا غيرَ عالي القممْ

وفي هذا النشيد:

سيخفق قلبي ويشدو فـمي

بحبك يا مصرُ طـولَ الـزمنْ

وإن بُحَّ صوتي، فهذا دمي

يخطُّ على الأرض: "يحيا الوطن"

وظاهر هذه الأناشيد أنها تهدف إلى تعبئة مشاعر الناشئة نحو الوطن والوطنية؛ فتكون بديلا عن مشاعر الوحدة الإسلامية، والأخوة الإسلامية، التي كانت مسيطرة على الناس أيام الخلافة الإسلامية، التي كانت تجمع أوطان الإسلام في وطن واحد، أو دار واحدة هي (دار الإسلام) كما يعبر عنها الفقهاء. وكان كل وطن منها، وكل شعب فيها، ينظر إلى نفسه على أنه جزء من كلٍ، وعضو في جسد واحد، إذا اشتكى منه عضو اشتكى كله. فكل هذه الشعوب جزء من أمة واحدة هي أمة الإسلام.

وحب الوطن عاطفة فطرية، ولكن لا يجوز الغلو فيها على حساب عواطف أخرى، وقيم أخرى، مثل قيمة الأخوة والوحدة والعقيدة، وقد قال شوقي:

وطني لو شُغِلتُ بالخُلْدِ عنه

نازعتني إليه بالخلدِ نَفسي!

بل قال أكثر من ذلك:

وجهُ الكنانةِ ليس يُغضبُ ربَّكم

أن تجعلوه كوجهِهِ معبودا

فكيف يرضى مسلم أن يجعل وجه الوطن معبودا كوجه الله الذي لا يجوز أن توجه العبادة إلا إليه؟! هذا على الرغم من نزعة شوقي الإسلامية الصريحة.

وقد علق شيخنا الشيخ "محمد الغزالي" -رحمه الله- على ذلك البيت الذي ذكرناه في نشيد (بلادي بلادي) وهو الذي يقول:

غرامُكِ أوَّلُ ما في الفؤادِ

ونجواكِ آخرُ ما في فمي

فقال: فماذا بقي لله في حياة هذا القائل؟!

كان التركيز على الوطن والوطنية، دون اهتمام بأي وحدة إسلامية ولا عربية، وإن كان الناس في القرية يتحدثون عن "بَرّ الحجاز" و"بَرّ الشام" و"بر العراق" و"بر المغرب" و"بر السودان"... وغيرها، ونرى الناس مرتبطين بهذه "البرور"، ويحسون بأن هذه الأوطان منهم، وهم منها. وهذه بقية من آثار الأخوة الإسلامية ودلائلها.

يؤكدها كل جمعة الخطباء على منابرهم، الذين يدعون الله باستمرار: أن يعز الإسلام والمسلمين، وأن ينصر أمة محمد، ويصلح أمة محمد في كل مكان.

عودة إلى مذكرات الشيخ القرضاوي

 

فتاوى مباشرة

اسألوا أهل الذكر

بنك الفتاوى

استشارات دعوية

استشارات الزكاة

استشارات العمرة

ساحة الحوار

حدث في العام الهجري

القرآن والتفسير

الحديث الشريف

السيرة النبوية

الفقه وأصوله

الأخلاق والتزكية

الحضارة الإسلامية

الإسلام وقضايا العصر

في رحاب رمضان

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع