الصفحة الرئيسة للموقع   |  مذكرات القرضاوي   

   

الجانب الاجتماعي.. بيوت متلاصقة وأبواب مفتوحة

كانت قريتنا يقوم تكوينها الاجتماعي على أساس طبقي واضح.

فهناك طبقة عليا، يقابلها طبقة دنيا، وبينهما طبقة وسطى.

الطبقة العليا: شريحة صغيرة من أهل القرية، والطبقة الدنيا تمثل جمهور أهل القرية وشعبها. والطبقة الوسطى فئة قليلة هي أقرب إلى الطبقة الدنيا، وهي أساسا منها.

أجل، كان هناك (طبقة الأعيان) ويقابلها (طبقة الأهالي). وأظن أن هذا التقسيم كان في معظم قرى مصر، ولكنه كان في قريتنا يتجسد بصورة بارزة.

وأساس هذا التقسيم هو الغنى والفقر، فالأغنياء هم الأعيان، والفقراء هم الأهالي.

وأهم مظاهر الغنى هو (ملكية الأطيان) أو ملكية الأراضي الزراعية، فهي التي تشعر بالسيادة والعظمة، ويكاد صاحب الأطيان يملك الأرض ومستأجريها من الفلاحين الكادحين، الذين يبذلون جهدهم وعرقهم في خدمة الأرض، ولكن ثمرتها للملاك، أما الفلاحون فلهم الفتات. فالملاك يأكلون التمر، والمستأجرون أو العاملون في الأرض لهم النوى. أو كما قال شيخنا الغزالي عن هؤلاء الفلاحين: إنهم يزرعون القمح ويأكلون الطين.

ولا أدري على أي أساس تمت ملكية الأراضي في مصر، وكيف حدث هذا التوزيع الجائر الذي جعل بعض الناس يملكون آلاف الأفدنة، وهم لا يعملون، وجعل الآخرين يعملون ليلا ونهارا، وهم لا يملكون.

والشيء الغريب هنا: أن العقيدة (الجبرية) التي شاعت بين المسلمين عللت هذا بأن هذا ما قسمه القدر لهم، وأن هذا فضل الله يؤتيه من يشاء، ولا يجوز الاعتراض على القدر، وينشدون:

لا تسألنَّ عـن السبب

ملك الملوك إذا وهب

ء فقف على حد الأدب

الله يعطي مـن يشا

فمن سوء الأدب إذن: أن نقول: لماذا اغتنى العاطلون وافتقر العاملون؟ وهذا من الثقافة الدينية المغلوطة.

ويريحون أنفسهم بقول الشاعر:

ولا تبيتن إلا خـالـي الـبال

دع المقادير تجري فـي أعنتها

إلى السماء ويوما تخفض العالي

يوما تريش خسيس الحال ترفعه

وقول الآخر:

هذا غريق، وهذا يشتهي المطرا

الرزق كالغيث بين الناس منقسم

وكأن هذه المقادير تخبط خبط عشواء في ليلة ظلماء، لا تعرف عدلا ولا حكمة، مع أن من أسماء الله تعالى: العدل والحكيم.

ومن المؤسف حقا أن يكون الشيوعيون والماركسيون هم الذين يثيرون قضية فقدان العدالة في توزيع الثروة بين الطبقات. وإن كان من الإسلاميين من سبق إلى هذا في مصر قبلهم، وأثاره بصورة قوية، وبليغة، مثل شيخنا محمد الغزالي رحمة الله عليه، في مقالاته في مجلة (الإخوان المسلمون) الأسبوعية، وفي كتبه (الإسلام والأوضاع الاقتصادية) و(الإسلام والمناهج الاشتراكية) و(الإسلام المفترى عليه بين الشيوعيين والرأسماليين) و(تأملات في الدين والحياة) وغيرها.

والمعروف في تاريخ مصر: أن محمد علي باشا الكبير، كان قد صادر الأرض الزراعية كلها، وأدخلها في ملكية الدولة، ثم بعد ذلك بدأ يوزع مساحات شاسعة منها لذوي الأصل التركي والمملوكي ونحوهم، هبة من الدولة بلا مقابل من ثمن. فكانت هذه ثروة، هبطت عليهم دون عمل منهم، وهذه الثروة جلبت ثروة أخرى، فزادت مساحة ما يملك هؤلاء، وخصوصا أنهم إذا زرعوا هم الأرض استأجروا الفلاحين ليزرعوها بأبخس الأجور، وإذا أجروها للفلاحين فرضوا عليهم أغلى الأجور.

وبهذا ازداد الأغنياء غنى، والفقراء فقرا، وقد عبر المصريون عن هذا بأن الجنيه يأتي فيدق باب الشخص، فإذا رد عليه جنيه مثله دخل عنده، واستأنس به، وانضم إليه، فإذا لم يجد جنيها، ترك هذا الباب، وبحث عن باب آخر.

على كل حال كان الأعيان في قريتنا هم أصحاب الأطيان، وكانوا عائلتين تتقاربان حينا، وتتنافسان أحيانا. وهي عائلة (خضر) وعائلة (نوير) أو على حد تعبير أهل صفط (الخضاروة والنوايرة).

وكان الخضاروة أكثر غنى، فهم يملكون من الأطيان بالآلاف من الأفدنة، بعضها في القرية، وبعضها في قرى أخرى.

أما النوايرة فكانت ملكيتهم بالمئات حينا، وبالعشرات أحيانا، بل كان منهم من لا يملك حتى العشرات.

ولكن الخضاروة كانوا أحب إلى أهل القرية من النوايرة، فقد كانوا ـ على غناهم ـ أكثر دماثة وأقرب إلى التدين، وألصق بالمساجد، وأحسن خلقا مع الناس. ولم يكونوا أهل تجبر وطغيان على الضعفاء في غالبهم. وكانت فيهم (العُمُديَّة). وكان العمدة في صباي هو عيسوي بك خضر، كما أن عضوية المجلس النيابي عن دائرة صفط تراب تكون غالبا منهم.

ومن هؤلاء الذين تميزوا بالدماثة والأدب والتواضع: الشيخ عبد الله خضر، وابنه عبد الحميد، وحمزة بك عبد العزيز خصر، وعباس بك المرسي خضر، ولم يكونا يحملان البكوية رسميا، ولكن الناس كانوا يخاطبونهما بلقب (بك) احتراما.

أما النوايرة، فكان بعضهم على غير ذلك، وإن كنت أشهد أنه كان فيهم طائفة تتميز بالدين والتواضع والتهذيب وحسن الخلق مع الناس. منهم محمد الأنور نوير (الذي قتله ابن شقيقه غدرا) ومحمد أحمد نوير، وأبناء المأمون نوير، ومن أحفاده: الأستاذ الدكتور عبد الحميد نوير أستاذ العلوم، وهو مثال وأسوة في مكارم الأخلاق، وقد زاملته في جامعة قطر. ومحمد علي نوير والد الأخ العالم الداعية الشيخ عبد الستار، والشيخ خليل الليثي نوير، وكان ممن تعلم في الأزهر، ولكن لم يكمل المشوار.

وكان الجمهور الأعظم من أهل القرية يكونون طبقة الأهالي، التي تشتمل على الفلاحين والحرفيين والعمال وصغار التجار، وهم الذين على سواعدهم تقوم حياة القرية، وهم الذين نبه عليهم الحديث النبوي الصحيح: " هل ترزقون وتنصرون إلا بضعفائكم؟ "[1] فأشار الحديث إلى حقيقة اجتماعية هامة، وهي: أن هؤلاء المستضعفين في الأرض هم: عدة الإنتاج الاقتصادي في السلم، وهم عدة النصر في الحرب، وهذا معنى " ترزقون وتنصرون بضعفائكم " إذ هؤلاء الأعيان في العادة لا يعملون في السلم، ولا يشاركون في الحرب، فقد كان أولاد الأغنياء في ذلك الزمن لا يدخلون الجيش (أو الجهادية) كما كان يطلق عليها، من بقايا عصر الجهاد. إذ من يملك عشرين جنيها يستطيع أن يدفعها بدلا للخدمة العسكرية، التي كانت تقوم على قهر المواطن وإذلاله، حتى كان بعض الناس يقطع إصبعه حتى لا يدخل الجهادية المذلة للرجال.

وكانت هناك طبقة وسطى، نستطيع أن نسميهم (أعيان الفلاحين) تتكون من صغار ملاك الأطيان، ومن التجار الناجحين، مثل عائلة أبي زهرة، وأبناء محمد زغلول وغيرهم. تحاول هذه الطبقة أن ترتفع عن الطبقة الدنيا، وإن كانت منها، وأن تقترب من الطبقة العليا، وإن لم تعترف بها، لكنها لا تملك إلا احترامها.

وكان علماء الدين من الطبقة الوسطى، الذين يحظون بالاحترام والتقدير من الطبقتين: العليا والدنيا، أو الأعيان والأهالي. وعلى قدر مكانة العالم في العلم، ومنزلته في العمل بعلمه، واعتزازه بكرامته، وشعبيته في أهل البلدة، يكون احترامه ومكانته بين الجميع.

وقد صح أن سيدنا عمر سأل والي مكة حين لقيه: من استخلفت على الناس؟ قال: استخلفت عليهم (ابن أبزى) وقال: وما ابن أبزى؟ قال: رجل من موالينا. قال: استخلفت عليهم مولى؟

قال: إنه قارئ لكتاب الله، عالم بالفرائض، قاض.

فقال عمر: أما إن نبيكم صلى الله عليه وسلم قد قال: " إن الله يرفع بهذا الكتاب أقواما، ويضع به آخرين "[2].

وقد قالوا: إن عطاء بن أبي رباح ـ الفقيه التابعي المعروف ـ كان رجلا أسود أفطس أعرج، ولكن كانت الملوك تجلس بين يديه لا يكادون يتحركون هيبة له.

وقال الشاعر:

العلم يرفع بيتا لا عماد له

والجهل يهدم بيت العز والشرف

وقال الإمام الشافعي:

من أراد الدنيا فعليه بالعلم، ومن أراد الآخرة فعليه بالعلم، ومن أرادهما معا فعليه بالعلم.

تابع في الجانب الاجتماعي:

أهل القرية معًا في الأتراح والأفراح

وكان أهالي القرية مترابطين فيما بينهم، متضامنين في السراء والضراء، في الأفراح وفي الأحزان.

ففي الأعراس والأفراح نراهم يساعد بعضهم بعضا عن طريق ما يسمى (النقوط) يدفعونه لأهل العروس، على أن يرد هؤلاء إليهم مثله أو خيرا منه عندما يزوج أحدهم ابنه أو ابنته.

وفي الأحزان يراعي بعضهم مشاعر بعض، فإذا كان عندهم عرس أجلوه، وإذا اضطروا إلى تنجيزه في مدة قريبة، أقاموه بغير ضحة، حتى إنهم يمتنعون عن بعض الأكلات المعينة، يعتبرونها من أكلات الأفراح مثل  الكسكسي والرقاق (البريك) ونحوها.

وإذا حدث حريق في أحد المنازل ـ بقضاء وقدر أو بفعل فاعل ـ سارع أهل القرية إلى إطفائه بقوة وجدارة، وكثيرا ما يكون ذلك بعد منتصف الليل، فيهب الناس من نومهم، ويطيرون طيرا إلى موضع الخطر، يكادون يقتحمون النار ولا يبالون. وهذا مما عرف به أهل القرية من الهمة العالية والنجدة.

وكان أهل كل حارة يعرف بعضهم بعضا، ويكادون يكونون أسرة واحدة، ويتعاملون رجالهم ونساؤهم بعفوية وتلقائية، يكلم الرجل جارته، والمرأة جارها في الحاجات المشتركة بجدية ووقار، ومحافظة على الآداب الشرعية، والقواعد المرعية، وكأن كل رجل منهم يتمثل بقول عنترة، وإن لم يحفظه:

وأغض طرفي إن بدت لي جارتي

حتى يواري جارتي مأواها

وكانت المرأة من طبقة الأهالي تساعد زوجها في أعمال الحقل، إن احتاج إلى ذلك، أقل ما تفعله أن تهيئ له الغداء في بعض الأيام، وتذهب به إلى الحقل، ليتناوله هو وأولاده إن كان معه أولاد، وإن كانت أسرتنا لم يتعود نساؤها أن يذهبن إلى الحقول، وللأسرة عندنا تقاليد متوارثة تحترم وتراعى.

وفي رأيي أن علاقة المرأة بالرجل في القرية بين طبقة الأهالي بعضهم وبعض: أقرب ما تكون إلى منطق الإسلام وحكم شريعته، على خلاف ما كانت عليه الطبقات العليا التي عندها (السلاملك) و(الحرملك).

الأبواب المفتوحة.. في البيت والسيارة والأفكار أيضا

كانت العادة في قريتنا ـ إلا ما ندر ـ أن تظل أبواب البيوت مفتوحة، لوجود الأمان والثقة بين الناس، إلا إذا لم يوجد أحد في البيت، وكانت أبواب المنازل في حارتنا مفتحة؛ لأن أهل الحارة كأنهم بمنزلة الأسرة الواحدة، لا سدود بين بعضهم وبعض، يسلم الرجال على النساء، والنساء على الرجال في فطرية وتلقائية غير متكلفة، وكثيرا ما نسمع هذه الكلمة: العوافي يا أم فلان أو العوافي يا أبا فلان.

وهكذا نشأت على حب الأبواب المفتوحة، وكراهية الأبواب المغلقة، وأذكر أن باب دارنا في القرية كان يظل مفتوحا طوال النهار، ولا يغلق إلا عند النوم، وحتى عندما يغلق الباب، لا يغلق بقفل أو مفتاح، بل بسقاطة يمكن لمن في الخارج أن يحركها بأصبعه فتفتح.

وكان بابًا كبيرا يسع الجواميس أن تدخل منه، وربما الجمل أيضا، وكان يفتح على مدخل الدار والمنطرة، فلا يكشف أحدا من نساء المنزل؛ لأنهن في الداخل. ولا أذكر أنه كان في منزلنا حجرة تغلق بالمفاتيح، إلا ما ندر، ولا سيما أنه لم يكن لدينا أطفال صغار يخشى منهم العبث بالأشياء.

ولهذا تعودت أن أرى الأشياء مفتحة أمامي، وأحببت الفتح والانفتاح ماديا ومعنويا، وأبغضت الإغلاق والانغلاق ماديا ومعنويا. لا أحب أن أغلق على نفسي حجرة بالضبة والمفتاح كما يقولون.

ولقد كنت أركب سيارتي وأسوقها بنفسي عددا من السنين في قطر، وما كنت أغلقها لا في الجامعة التي أعمل فيها، ولا في المنزل، بل أدعها مفتحة الأبواب، حتى حذرني بعض الأصدقاء من ذلك، وقالوا: إن هذا قد يعرضك لخطر، ألا تخشى أن يضع بعض الصهاينة وعملاؤهم لغما لك في داخل السيادة؟ وقلت لهم: الله خير حافظا وهو أرحم الراحمين.

وأسافر دائما بحقائبي دون أن أغلقها بالأرقام أو بالمفاتيح الخاصة، مع أن كل حقائبي ذات أرقام، ولكني لم أستخدمها في حياتي، لا في حقائب الثياب والأمتعة، ولا في حقائب اليد.

ولهذا كان من أقسى الفترات على نفسي: فترات الاعتقال في السجن الحربي، لأنا كنا نعيش في زنازين مغلقة، طوال النهار والليل، ولا تفتح إلا للذهاب إلى دورات المياه دقائق معدودات، مرة قبل الفجر، ومرة في المساء.

ولكن كان من اللطف الإلهي في هذه المحنة أننا كنا نعيش في الزنازين مجموعة من سبعة أو ثمانية، اضطروا إلى ذلك اضطرارا لكثرة العدد، فكان يؤنس بعضنا بعضا، حتى حين أخذوا منا الكتب والمصاحف، كان منا من يحفظ القرآن، فهو يتلو، والباقي يستمعون.

هل كان الإقطاع الزراعي في مصر شرا محضًا؟

وأود أن أقف هنا وقفة منصفة لأوضاع من كانوا يسمونهم (الإقطاعيين) من كبار ملاك الأراضي في مصر، فقد يلتبس في أذهان البعض بالإقطاع في أوربا، وما أعظم الفرق بينهما.

لا شك أن منهم من كانوا جبابرة، وكانوا يعتبرون أنفسهم من طبقة غير طبقة الناس الآخرين، أو كأنهم خلقوا وحدهم من ذهب، وخلق سائر الناس من التراب والطين. وكانوا قساة على الفلاحين، لا يرحمونهم، ولا يخشون الله فيهم، فهم عندهم بمثابة الماشية التي تدير سواقيهم أو تجر محاريثهم أو (نوارجهم) ويرى أي فتاة جميلة في القرية أو العزبة كأنها جارية له، لا يجوز لأب ولا لأخ أن يمنعها منه إذا أراد.

ولكن هؤلاء الوحوش الآدمية التي تستر وحشيتها وأنيابها ومخالبها، بالثياب الفاخرة، والقصور الزاهرة، والألقاب الباهرة، لم يكونوا ليمثلوا في الإقطاعيين الزراعيين إلا قلة محدودة.

إذ كانت الأكثرية من هؤلاء تتمتع بكثير من الأخلاق والقيم الأصيلة المتوارثة، على الأقل قيم العطف والرحمة والإحسان والجود، والشهامة والنجدة، ونحوها من الفضائل والمكارم التي تحتقر من يتجبر على الضعيف، ومن يعتدي على من لا سند له ولا ظهر، وتفتح أبوابها لطالبي الحاجات، وتحافظ على من يعمل في خدمتها وتحميه. إلى هذا النوع من القيم، وإن كانت قيمة العدل والإحساس بها ضعيفا على كل حال.

وأشهد لقد عرفت من (آل خضر) أناسا عرفوا بالأدب والتواضع وحسن الخلق والود مع الناس، عرفت منهم: السيد عباس خضر عمدة البلد الحالي، وابن عمه حمادة محمد المرسي خضر، وشقيقه المهندس سعد الدين خضر نائب دائرة صفط تراب في مجلس الشعب، وابن عمه أحمد العيسوي خضر عضو مجلس الشعب أيضا، رحمهم الله جميعا، وقد ساعدت الاثنين الأخيرين في حملتهما الانتخابية متطوعا، فقدرا ذلك حق قدره.

وإذا قارنا هؤلاء (البكوات) أو (الباشوات) الأقدمين بـ (البكوات) و(الباشوات) المحدثين، الذين تمخضت عنهم الثورة والانفتاح، وما بعدهما، نجد أن الإقطاعيين القدامى كانوا خيرا وأفضل بكثير من الإقطاعيين الجدد، فقد كان القدامى يفتحون بيوتا بجوارهم تعيش عليها أسر شتى، وهؤلاء لا ينتفع من ورائهم أحد، إذ أولئك لهم أصول وجذور يستندون إليها، وهؤلاء لا أصول لهم ولا جذور.

الزواج أعمال السحر وأعمال الحموات..

وكان الزواج من أهم الأحداث الاجتماعية في القرية، وكانت الأسرة هي التي ترشح العروس للفتى، وكثيرا ما يكتفي بترشيح أهله، وقلما كان يطلب الرؤية، ولم يكن عند الناس فقه كاف بأن رؤية الخاطب لمخطوبته مطلوبة شرعا، وأحيانا تدبر له رؤية الفتاة دون أن تشعر. وأحيانا أخرى يكون قد رأى هو الفتاة، فيعرض على أهله أن يخطبوها له.

وكان العريس (أو المِعْرِسْ كما يسميه أهل الخليج) يقدم المهر، ويساعد في شراء الجهاز، ثم يكتب الجهاز في قائمة باسم العروس، فهو ملكها، تطالب به عند الانفصال إذا قدر الله ذلك.

ولم تكن عادة (الشبكة) معروفة في الريف في صباي، ولا أدري متى عرفت، ولا من أين نقلت، فقد زادت في أمر الزواج عقدة ليس لها لزوم، فأصبح هناك حفل للشبكة، وحفل لعقد القران، وحفل للزفاف، وكل هذه أعباء تعوق الزواج، وتعطل مسيرته وتؤخر الشباب بعض الوقت.

وكان أهل القرية حريصين على أن يزوجوا أبناءهم مبكرين، حرصا على أن يحصنوهم من الانحراف أو التفكير فيه من ناحية، وأن يحفظوا نصف دينهم من ناحية ثانية، وأن ينجبوا ذريتهم في وقت مبكر، وكان يساعدهم على هذا أن التعليم كان محدودا، ولم يكن هناك عائق أمام الفتى والفتاة من الزواج. وخصوصا أن الزوج كان يبقى في بيت العائلة، ويكفي أن تهيأ له غرفة له ولزوجه، في البيت الكبير، الذي تشرف عليه غالبا أم الأبناء، وربما جدتهم.

وكانت السن القانونية للزواج 16سنة، ومع هذا كانوا كثيرا ما يزوجون البنت أقل من 16سنة بطريقة (التسنين الطبي).

وكانوا حراصا على المصاهرة إلى الأسر الأصيلة والكريمة، ويقولون في أمثالهم: در مع الأيام إذا دارت، وخد بنت الإمارة ولو بارت.

ويحذرون من زواج المرأة السيئة لأجل مالها، ويقول مَثَلُهم: لا تأخذ القرد على كثرة ماله، يروح المال ويبقى القرد على حاله.

وإذا تزوج رجل لئيم من امرأة لئيمة، قالوا: زوجوها له، ما لها إلا له. أو قالوا: زوجوا مِشْكاح لريمة، ما على الاتنين قيمة.

وكان لهم عادات سيئة توارثها الأهالي في ليلة الزفاف، حيث يحضر بعض النساء الكبيرات والقريبات من الزوج والزوجة، ويفض الزوج بكارتها أمامهن، ويسيل دم البكارة متدفقا على قميص أبيض، فتنطلق الزغاريد بعدها، ويخرج بالقميص الملون باللون الأحمر، وتغني النساء والبنات، فرحا بثبوت طهارة البنت وعذريتها وشرفها، وأنها لم يمسها رجل من قبل، ومن الأغاني التي كانوا يرددونها: قولوا لأبيها يقوم يتعشى! يعني أن الرجل كان ممتنعا عن الأكل حتى تثبت طهارة ابنته، ومن حقه بعد ذلك أن يتناول عشاءه، ويمارس حياته.

وقد أنكر العلماء هذه العادات القبيحة، وأكدوا أنها محرمة، ولا يجوز لامرأة أن تنظر إلى عورة امرأة، وأن هذا ينبغي أن يكون سرا بين المرء وزوجه.

وكان بعض الرجال يحس بالعجز الجنسي ليلة الزفاف، لعل ذلك لعوامل نفسية، مصدرها الهيبة والتخوف وعدم الثقة بالنفس، ويقول الناس عنه: إنه مربوط، ويفسرون ذلك بأنه مسحور أو معمول له عمل، ويركض وراء السحرة والدجالين كي يفكوا سحره.

وكانوا يحبون كثرة النسل، ويؤمنون بأنه الهدف الأول من الزواج، والله تعالى يقول: (والله جعل لكم من أنفسكم أزواجا وجعل لكم من أزواجكم بنين وحفدة) النحل.

ويذكرهم المأذون في خطبة عقد القران دائما بالحديث القائل " تزوجوا الودود الولود فإني مكاثر بكم الأمم ".

ولم تكن فكرة تحديد النسل أو تنظيمه واردة في ذلك الوقت، وكلهم يرون الأولاد ذكورا كانوا أو إناثا نعمة وبركة وهبة من الله (يهب لمن يشاء إناثا ويهب لمن يشاء الذكور أو يزوجهم ذكرانا وإناثا ) الشورى.

وكان على الزوجة أن تضع وليدها، وتتركه لحماتها أم زوجها، فهي التي تتولى في الغالب تربيته، ما عليها إلا أن ترضعه وقت رضعته، وعلى الجدة أن تراعيه وتتعهده، ولم يكن الأولاد يتطلبون في ذلك الحين من المتابعة والمعاناة ما يتطلبه أولاد اليوم، فلم تكن هناك مشكلة في الإنجاب.

ومن تأخرت عن الإنجاب يصيبها القلق الشديد، ويصيب أهلها ـ وأمها على وجه الخصوص ـ كما يقلق أهل الزوج ـ وخصوصا أمه ـ وتبدأ المرأة في البحث عن الخلف، والجري وراء الأوهام والخرافات عند الكهنة والدجالين، الذين يتقنون الكهانة، أو يكتبون الحجاب، أو يصفون الوصفات التي لا تقوم على علم ولا هدى ولا كتاب منير. والنساء يصدقن، ويبذلن المال لهؤلاء، ولا يجدن ثمرة لهذه الترهات.

وكان الزواج في غالبه موفقا، يقوم على السكينة والمودة والرحمة، وهي دعائم الحياة الزوجية، كما صورها القرآن: (ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة) الروم.

وكما قال تعالى: (هن لباس لكم وأنتم لباس لهن) البقرة:187.

وهذا ما لم يتدخل شياطين الإنس في إفساد العلاقة بين الزوجين لسبب وآخر. وكثيرا ما يكون ذلك بسبب تدخل أهل الزوج أو أهل الزوجة، أو تدخل أهل السوء.

وكان الأغلب في علاقات المصاهرة: أن تحب الحماة زوج ابنها، ولا سيما إذا كان زوجها منه برضاها ومباركتها. ولم تكن الشكوى من الحماة كما يشكو أكثر الأزواج في عصرنا، حتى أصبحت السخرية من الحماة، وتأليف النكت عليها، أمرا شائعا.

بل كانت الحماة توفق الأكلات الطيبة لحين زيارة زوج ابنتها، وهذا سر قول الناس عادة إذا جاء المرء وقت حضور الطعام الطيب: حماتك تحبك. ومعنى أنها تحبه: أنها تهيئ له أطيب الطعام في حالة قدومه، وكأنما وقع مصادفة، وهو مقصود منها.

أما المشكلة التي كانت الشكوى منها باستمرار، فهي علاقة الحماة مع زوجة  الابن، فأكثر الحموات ـ أمهات الأزواج ـ لا يطقن زوجات الأبناء، ويشعرن كأنما خطفنهم منهن، وخصوصا إذا كان الابن وحيدا، إلا من رحم ربك من الحموات، وقليل ما هن.

ولقد سمعت من زوجة خالي الأولى مثلا يقول: إذا كانت الغلة قدر التبن، تكون الحماة تحب امرأة الابن!

ومثل آخر قالته، وهو: حماتي مكيرة وأنا أمكر منها، تعد اللحمة وأنا أقطّع منها!

وكان الأصل في الزواج الاستقرار، وعدم الطلاق، فقد كان الناس يكرهون الطلاق، ويعتبرونه مصيبة، ولا يحب أهل المرأة أن تطلق، وتقول بعض العائلات: ليس عندنا بنات تطلق.

وأحيانا تأتي المرأة غاضبة من زوجها إلى بيت أبيها، فيأخذها أبوها، أو يأمر شقيقها أن يأخذها ليردها إلى بيت زوجها. وإذا كان الزوج أصيلا قدر هذه الفعلة حق قدرها، وحاول أن يصلح ما بينه وبين امرأته، كرامة لأهلها.

أما الخسيس فلا يزيده هذا إلا إصرارا على إيذائها والتعدي عليها، كما قال أبو الطيب:

إذا أنت أكرمت الكريم ملكته

وإن أنت أكرمت اللئيم تمردا

وقد يتدخل أهل الخير لإصلاح ذات البين، فيوفقهم الله تعالى للإصلاح، وقد تبوء المحاولات بالإخفاق، وينتهي الأمر بالطلاق، وهو أبغض الحلال إلى الله.

وكثيرا ما يحدث الطلاق، في حين لا يريده أحد من الزوجين، وذلك في (الطلاقات) التي يوقعها (الفقه التقليدي) الموروث، وليس لتعذر الوفاق بين الزوجين، بل لحدوث حالة غضب عند الزوج أفقده السيطرة على نفسه، فصدر منه الطلاق دون أن يريده، مع أن هذه الحالة هي التي جاء فيها الحديث " لا طلاق ولا عتاق في إغلاق ".[1]

ومثل ذلك: (أيمان الطلاق) أي الطلاق الذي يراد به الحمل على شيء أو المنع منه، كمعظم أنواع الطلاق التي تحدث من كثير من الناس، حين يريد أن يحمل نفسه على شيء، أو يمنعها منه، أو يحمل زوجته أو صاحبه على شيء أو يمنعها منه. مثل: علي الطلاق لأفعلن كذا ولا يفعله، أو لأتركن كذا ولا يتركه.

وربما يكون هذا بينه وبين شخص آخر، وزوجته لا تدري بذلك، ولا علاقة لها به، وربما كانت علاقتهما سمنا على عسل، فإذا هو يحلف ألا يبيع سلعته إلا بسبعين ثم يبيعها بستين، ثم يعود إلى امرأته فيجدها مطلقة، وفق ما يقوله له المشايخ، وكثيرا ما يكون هذا الطلاق بالثلاثة، فتبين منه بينونة كبرى، ولا تحل له حتى تنكح زوجا غيره.

وهنا يبحث الناس عن (المحلل) وهو الذي يتزوج المرأة لا ليبني بيتا، أو يحقق المقاصد الشرعية من الزواج، بل لمجرد أن يحللها للزوج المطلق، وهو الذي سماه النبي صلى الله عليه وسلم في حديث له " التيس المستعار " ولعن المحلل والمحلل له.

وكثيرا ما دمرت أسر وخربت بيوت، وشتت أطفال، نتيجة هذا الفقه الذي توسع في إيقاع الطلاق، فأوقع الطلاق البدعي والسني، وأوقعه إذا أريد به اليمين، وأوقعه في حالة الغضب والرضا، وأوقعه إذا كان له وطر أم لم يكن له وطر.

وكان أكثر الناس يكتفي بزوجة واحدة، ومع هذا كان تعدد الزوجات شائعا، ففي حارتنا ـ وهي صغيرة ـ كان يوجد أربعة لهم زوجتان. وكان جارنا الأدنى الحاج محمد عيسى، له زوجتان، وكأنهما أختان أو صديقتان. على حين كان الآخرون في حالة خصام، يهدأ حينا، ويثور حينا آخر. وأحيانا ينتهي بتقريب واحدة وتعليق أخرى، وهو ما نهى عنه القرآن حين قال: (ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم فلا تميلوا كل الميل فتذروها كالمعلقة) النساء

والمعلقة: المرأة التي لا هي مزوجة ولا هي مطلقة. والآية تعني أن بعض الميل مغتفر، وخصوصا في العواطف والاشتهاء، ولكن المحرم هو الميل كل الميل.

وكانت الأسرة في غالب أمرها مترابطة بين أفرادها، فالأولاد يبرون آباءهم وأمهاتهم، ويعتبرون أن رضا الله تعالى في رضا الوالدين، وسخط الله تعالى في سخط الوالدين، وإذا وفق أحدهم في عمله، وبورك له في رزقه وفي أولاده، يقول: هذا ببركة رضا الوالدين، ودعاء الوالدين.

وكان الآباء والأمهات يحنون على أولادهم بنين أو بنات، وكان قليل من الناس يفضلون الأبناء على البنات، ولا سيما في الميراث، جاهلين أن ذلك من الكبائر، كأنما هو استدرك على الله تعالى في حكمه، وقد قال تعالى في آية المواريث (آباؤكم وأبناؤكم لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعا فريضة من الله إن الله كان عليما حكيما) النساء

وكانت ظاهرة العقوق للآباء والأمهات نادرة، ولكنها كانت موجودة، وهي تمثل الشذوذ الذي يثبت القاعدة ولا ينفيها.

ومما يتناقله أهل القرية وشاهدته بعيني: قصة الشيخ بدوي الذي كان يمتلك عددا من الأفدنة، وكان رجلا ميسور الحال، وكان له زوجتان، وكان ابنه الأكبر من زوجته الأولى قد لعب بعقله، وأثر عليه، حتى كتب له أرضه كلها، وحرم منها أولاده من زوجته الأخرى، وهم أكثر عددا، وأشد حاجة.

والمهم أن الابن الذي كتب له الأرض أو بيعت له صوريا، وأصبح مالكا لها، تنكر لأبيه بعد ذلك، وأمسى الرجل صفر اليدين، يفتقر إلى من يحسن إليه، ولم يجد من يمد له يد الإحسان والمعونة، غير أبنائه الذين ظلمهم وحرمهم من حقهم. وكان هذا درسا لا ينسى، في تجاوز العدل الذي فرضه الله على عباده، وأمرهم أن يعطوا كل ذي حق حقه.

صفط تراب.. قرية غير محظوظة

كانت قريتنا تعتبر من القرى الكبيرة من حيث تعداد السكان، ولكنها لم تكن محظوظة من حيث الخدمات المتاحة لمثلها من القرى. فلم يكن بها مستشفى؛ ولذلك كان أبناء "صفط" إذا أصيبوا بالأمراض المتوطنة المعروفة التي يبتلى بها أكثر المصريين مثل البلهارسيا والإنكلستوما يذهبون إلى مستشفى قرية مجاورة، بيننا وبينها نحو 7 كيلومترات، وهي قرية (القرشية) وهي من القرى الراقية.

وأذكر أني أُصبت بالبلهارسيا في صباي، فكنت أذهب أنا ومجموعة من أهل القرية ثلاث مرات في الأسبوع إلى "القرشية" لعلاج البلهارسيا، عن طريق (حقن) أو (إبر) نأخذها على الريق دون تناول أي طعام، وهي اثنتا عشرة إبرة.

بل لم يكن للقرية محطة قطار، ولم تنشأ لها محطة إلا في أواخر الثلاثينيات؛ ولذلك كان الناس يسافرون إلى المحلة الكبرى على الدواب غالبا؛ إذ لم تكن وجدت الأوتوبيسات، أو عن طريق التاكسي، وهو نادر وغالٍ نسبيا على عموم الناس.

أما السفر إلى طنطا، فمن محطة (محلة روح) وهي القرية المجاورة لنا من ناحية طنطا، وبيننا وبينها نحو 4 كيلومترات.

وأذكر أن جدي لأمي كان تاجر فواكه (تاجر جملة)، وكان يشحن أقفاص البلح في قطار البضاعة، من (القرين) بالشرقية أو من (السنانية) بجوار دمياط، وكنا نذهب -أنا وأبناء خالتي-، ونحن صغار إلى محطة محلة روح لنستقبل هذه الشحنة مع جدي وخالي، ونحن مبتهجون بما نأكل من فاكهة بغير حساب.

ولم يكن بالقرية (ملاعب) كمعظم قرى مصر، فكنا نلعب (الكرة الشراب) كما يسميها المصريون. ويعنون بالشراب (الجورب)، فالجوارب القديمة تؤخذ وتُحشى بقطع الثياب البالية، ونلعب بها في الطرقات والشوارع، فهذه هي ملاعبنا.

وكان لنا أنشطة رياضية نمارسها وفق إمكاناتنا، كالتسابق في العدْو، وفي الوثب العالي، أو الطويل، أو التدريب على القيام والقعود لتقوية الركب.

أما السباحة فكانت محظورة علينا، أو على معظمنا خوفًا من الغرق.

مستوى النظافة في القرية:

كان مستوى النظافة العام في القرية متدنيا، لتدني مستوى المعيشة العام لدى جمهور الناس. فكانوا يأكلون الخضراوات الطازجة دون أن تُغسل، ولهم مثل شائع في ذلك يقول: "بِطِينِه، ولا غسيل البِرَك". وهذا صحيح، فإن الطين الطبيعي لا يضر كما يضر الغسل بماء غير نظيف، مثل ماء البرك والمستنقعات.

وكان كثير من البيوت لا يوجد فيها مرحاض، ويعتمد الرجال فيها على مراحيض المسجد، أما النساء فيقضين حاجتهن في زريبة المنزل!

وكان المسجد فيه "ميضأة" يتوضأ فيها الناس، ويغسلون من مياهها وجوههم وأرجلهم إلى الكعبين، ويُتمضمض فيها ويُستنشق، برغم ما قد يسببه ذلك من انتشار العدوى ببعض الأمراض، ولكن مذهب الشافعي يجيز ذلك، بناء على حديث صح عنده: "إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث" وماء الميضأة يبلغ قلتين أو أكثر. فلا ينجس إلا إذا تغير بالنجاسة طعمه أو لونه أو ريحه.

والحنفية لا يجيزون ذلك، ويشترطون أن يكون الماء أكثر من ذلك بكثير حتى يجوز الوضوء من ماء توضأ منه آخرون. ولهذا شجع المذهب الحنفي استعمال الصنابير، ولذا نُسبت إليهم، وسميت (حنفيات)!

والحمد لله، لقد كان في مسجد "المتولي" -بجوار الميضأة- حنفيات، لكل حنفية كرسي يُجلس عليه، وكنت لا أتوضأ إلا منها، وكنت أنفر بطبعي من استخدام الميضأة.

وكان في المسجد شيء آخر يشترك فيه الناس، وهو (المغطس) وهو حوض عميق نحو متر مليء بالماء يغتسل فيه الناس، وخصوصا عند صلاة الصبح، وفي الشتاء يكون كأنه عصير الثلج. وفيه آفتان:

الأولى: أن الجميع يغتسلون فيه، وقد يحمل أحدهم مرضا معديا، فينقل العدوى إلى غيره. والإسلام أقر سنة الله في العدوى، وقال: "فر من المجذوم فرارك من الأسد"، وقال: "لا يوردن ممرض على مصح" الممرض: صاحب الإبل المريضة، والمصح: صاحب الإبل الصحيحة، فعند ورود الماء للشرب لا يجوز أن يخلط المريضة بالصحيحة، حتى لا تعديها، وبهذا حافظ على صحة الحيوان، كما يحافظ على صحة الإنسان.

والآفة الثانية: أن الناس كان ينظرون بعضهم إلى بعض وهم عراة، وهذا محرم في الإسلام، فلا يجوز لأحد أن ينظر إلى عورة الآخر، ولو كان الجميع رجالا، أو نساء. ولذا كان الناس في هذه الحالة يوصي بعضهم بعضا بغض البصر، ويقولون: لعن الله الناظر والمنظور.

وأذكر أني بعد بلوغي وتعرضي للاحتلام ووجوب الغسل، استخدمت هذا المغطس مرتين أو ثلاثا، ولكن كنت أنتهز الفرصة التي يقل فيها أو ينعدم رواد المغطس، مثل وقت الضحى، ثم تعودت بعد ذلك أن أستخدم (الطشت) والإبريق في المنزل.

وكان الماء في المسجد يأتي من جوف الأرض عن طريق (طلمبة) كبيرة تدار يدويا، وهي التي تغذي الجامع، ويديرها خادم الجامع "عم حجازي مراد". وقد يتطوع بعض الناس بمساعدته، وكثيرا ما كنت أفعل ذلك احتسابا وزكاة عن صحتي.

كان المسجد مفروشا بالحصير، وكانت أرضيته من الإسمنت، وليست من البلاط، وكان يُغسل كل جمعة، استعدادا لصلاة الجمعة.

ولم يكن فيه مكان للنساء، فلم أرَ في قريتي امرأة دخلت المسجد للصلاة في حياتي، إلا ما كان من نساء يدخلن مسجد سيدي "عبد الله بن الحارث"، لزيارة القبر، ولتوفية النذر. وكان في المسجد (صندق للنذور) كما هو المعتاد في مثل هذه المساجد، وإن كانت موارده قليلة محدودة، لا تبلع عشر معشار صندوق السيد "البدوي" في طنطا.

شتاء القرية.. شدة تواجه البسطاء

وكان الشتاء أشد على أهل القرية من الصيف؛ فالصيف يمكن للناس أن يتخففوا فيه، وأن يناموا والأبواب مفتحة، ويقولون: "حصيرة الصيف واسعة".

ولكن الشتاء يحتاج إلى تدفئة، وثياب ثقيلة، وأغطية ثقيلة، وكثيرا ما تمطر السماء؛ فيهدم سقوفهم خرير الماء، وتمتلئ الطرقات والحارات والأزقة بالماء، ثم تصبح طينا ووحلا، لا يستطيع المرء أن يمشي فيه إلا بصعوبة وحذر بالغ؛ خشية أن تنزلق رجلاه فيسقط في الطين. ويصبح الذهاب إلى المسجد والكُتَّاب والمدرسة والسوق صعبا للغاية، وكثيرا ما يحبس المطر الناس في منازلهم.

كانت البيوت في القرية قليلة الأدوات؛ إذ لم يكن في البيت شيء اسمه "المطبخ".. مطبخنا هو (الكانون) وهو أثفيّتان أو حجران أو جانبان صغيران مبنيان توضع فوقه أواني الطبخ، وتوقد تحتها النار من الحطب ونحوه.

وكانت الأواني من النحاس الأحمر الذي يبيض بالقصدير، ويحتاج إلى إعادة تبييض بين الحين والحين، ويقوم بهذا حرفيون يسمونهم (المبيضاتية)، يمر على الناس وينادي (أبيَّض النحاس).

وكانت أهم أدوات البيت من النحاس: حلل الطهي كلها -كبيرة ومتوسطة وصغيرة- من النحاس، و(المقلى) التي يقلى فيها البيض والسمك والباذنجان ونحوها من النحاس، و(المصفى) من النحاس. و(الدست) الذي يغلى فيه الماء من النحاس، و(الصواني) التي يطهى فيها الطعام في الفرن من النحاس، وصينية القلل من النحاس وطشت الحمام من النحاس، وحنفية الغسيل من النحاس. وصينية العشاء الكبيرة من النحاس. و(المنقد) أو (الموقد) الذي يُستخدم للتدفئة في الشتاء من النحاس.

ولهذا كان أهم ما تدخل به العروس حين تُزف إلى زوجها هو (النحاس)، فلم يكن قد عرف الناس (الألمنيوم) أو (الاستانلي ستيل) ونحوها.

كما كان (الفخار) أيضا له دور كبير في أدوات المنزل، وخصوصا فيما يدخل الفرن من الأطعمة مثل السمك ونحوه. كما أن الفخار لا يقوم غيره مقامه في حفظ اللبن، بعد تعقيمه بطريقة عرفها الناس، وتوارثوها عن طريق التطهير بالنار.

الموت.. والفتونة مصيبتان في قريتنا

ومن أهم الأحداث المؤثرة في القرية (مصيبة الموت) كما سماها القرآن.

فقد رأيت الموت يُحدث من الأسى والحزن في الحياة المصرية ما لا يحدث في البلدان الأخرى، مثل أهل الخليج، الذي يمر الموت عليهم دون أن يحدث جراحا عميقة في القلوب والمشاعر.

ويبدو أن المصريين ورثوا هذا من قديم، من عهود الفراعنة؛ فهم يستقبلون الموت بالبكاء والعويل والصراخ، وأكثر ما يكون ذلك من النساء.

وكثيرا ما تُرتكب المخالفات الشرعية التي برئ منها النبي -صلى الله عليه وسلم- "ليس منا من لَطَم الخدود، وشَقَّ الجيوب، ودعا بدعوى الجاهلية". وكثيرا ما يستأجرون النائحات المتخصصات في تهييج مشاعر الحزن، واستدرار الدموع، والتأثير على عواطف النساء، وبخاصة أن كل إنسان في هذه الحالة يبكي ميته، ويذكر مصيبته، كما قال الشاعر:

لقبر نوى بين اللوى والدكادك؟

وقـالوا: أتبكي كـل قبر رأيته

دعوني فهذا كـله قبر مالـك؟

فقلت لهم: إن الأسى يبعث الأسى

وقد اعتاد أهل القرية أن ينصبوا العزاء ثلاثة أيام، ثم بعد ذلك: أيام (الخميس) الأول والثاني والثالث، ثم الخميس (بعد أربعين يوما)، ثم هناك الذكرى السنوية. وهناك زيارة الميت كل يوم خميس، وعمل (الرحمة) له، والرحمة هذه قُرَص تُخبز لتوزع على الفقراء والمساكين في المقابر.

ثم هناك بيات في المقبرة ليلة عيد الفطر، وليلة عيد الأضحى. وكانت عمتي تذهب إلى المقبرة ليلة العيد من أجل زوجها، وكذلك جدتي لأمي، وتقول: أتركه وحده ليلة العيد؟! تعني جدي رحمه الله-.

وهذا ما جعل المقابر ليلة العيد كأنها سوق تُباع فيها الحلوى وألعاب الأطفال والمأكولات وغيرها، وكنا ونحن أطفال نفرح بهذه الليلة، وربما كانت عندنا أهم من يوم العيد نفسه.

وقد اعتاد النساء أن يلبسن الثياب السود على موتاهم الأقربين مثل الأب والابن والأخ والزوج ونحوهم مدة سنة كاملة. وهو مخالف للشرع الشريف، الذي يحرم على كل امرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحدّ على ميت فوق ثلاث ليال إلا على زوج فتحد أربعة أشهر وعشرا.

وكان بعض النساء إذا مات زوجها تترمل بعده ولا تتزوج، وبعضهن لا تتزوج إلا بعد سنين طويلة، على خلاف ما كان عليه نساء الصحابة، فقد كانت المرأة يموت زوجها شهيدا في سبيل الله، فتتزوج بعد انقضاء عدتها. ولا تجد في ذلك حرجا، كما تزوجت أسماء بنت عميس زوجة جعفر بن أبي طالب بعد استشهاده من أبي بكر، ثم بعد وفاة أبي بكر تزوجت من علي، وأنجبت من كل منهم، رضي الله عنها وعنهم جميعا.

وطالما أنكر علماء القرية على العوام هذه العادات التي اعتادوها في الموت، وهي مخالفة لأحكام الشرع وآدابه، وكلما شاع التعليم، وانتشر الوعي تغيرت هذه العادات بالتدريج.

ومن الظواهر الاجتماعية التي تُذكر في القرية ظاهرة (الفتوات)، ولكنها ليست مثل (فتوات القاهرة) القديمة، التي تحدث عنهم نجيب محفوظ في رواياته المعروفة، إنما هم رجال لهم نفوذ معنوي يرهبهم الناس، ويظهرون لهم الاحترام؛ لما لهم من أتباع من صغار المجرمين، يُعتبرون آلات في أيديهم يستخدمونها عند اللزوم، لتنفيذ ما يبتغون، والانتقام ممن يريدون.

وهؤلاء الصغار محسوبون عليهم، ويعيشون في كنفهم؛ فهم الذين يتحملون عنهم مسؤولية أي فعل مخالف للقانون، والمدبرون الأصليون يخرجون منه كما تخرج الشعرة من العجين.

ومن هؤلاء الفتوات من كانت هيبته بما يغدق من أموال على من حوله من هؤلاء المجرمين الصغار، وإن لم يستخدمهم في الشرور والجرائم، إنما يتعزز بهم، ويتقوى بالتفافهم حوله، حيثما ذهب أو جاء، وحيثما أظهروا له السمع والطاعة والامتثال لما يأمر به؛ فإشارته حكم، وطاعته غُنم.

 

عودة إلى مذكرات الشيخ القرضاوي

فتاوى مباشرة

اسألوا أهل الذكر

بنك الفتاوى

استشارات دعوية

استشارات الزكاة

استشارات العمرة

ساحة الحوار

حدث في العام الهجري

القرآن والتفسير

الحديث الشريف

السيرة النبوية

الفقه وأصوله

الأخلاق والتزكية

الحضارة الإسلامية

الإسلام وقضايا العصر

في رحاب رمضان