|
الشرعية
الدولية .. وقضية فلسطين
نبيل
شبيب
يستهدف
هذا الإسهام في متابعة قضية فلسطين
العودة بأحد المصطلحات الرئيسية إلى
موضعها الذي أحيط بالغموض والتزييف ،
وبات من أكثر المصطلحات استخداما على
ألسنة من يتصرفون بمصير قضية فلسطين في
الوقت الحاضر، فهو محور عمليـة "تبرير"
معظم ما يصنعون بالقضية:
تنازلا عن حق، أو سكوتا تجاه
اعتداء، أو ادعاء للعجز عن الردّ
والتصرف، أو إمعانا في تجزئة القضية
الكبرى المشتركة إلى قضايا ومشكلات
متعددة متفرقة، جغرافيا ونوعيا.
فغالبا ما يبرر ذلك بأقوال تزعم كحد
أقصى أن هذا ينسجم مع "الشرعية
الدولية"! فإن شك الإنسان العادي
بقول ينسب "الظلم" للشرعية، كان
التركيز على أقوال من قبيل إن "الشرعية
الدولية" أرادت ولا نستطيع التصرف
خارج نطاق إرادتها، وإنه لا جدوى من
التحرك– وفق منظورنا لحقوقنا- دون
التقيد بما تقتضيه "الشرعية الدولية"،
وقد سبق وأخفقنا إخفاقا ذريعا فلا بد
من العودة والبقاء تحت مظلة "الشرعة
الدولية" وإن لمن نكن راضين
بالنتائج كل الرضى!
هذه
الصور وأشباهها قد تصلح لخطبة تضليل
سياسية في أجواء تخنق المعارضة
السياسية أو تقيدها بقنوات مبتكرة،
فصاحبها آمن من ردود فعالة، أو تنسجم
مع مقالة تدلي بدلوها في عملية غسيل
الدماغ الجارية على صعيد قضية فلسطين
وسواها من قضايانا المختلفة، ولكنها
صور لا تصمد أمام أي بحث منهجي يعود
بكلمة "الشرعية الدولية" إلى
مفهومها الأصلي، وفق ما يدرس في
الجامعات ومعاهد العلوم السياسية
والقانون الدولي، بل وإلى استخداماتها
الواقعية من جانب جهات دولية تساهم
مباشرة في نشر الصور المذكورة بأساليب
لا تختلف كثيرا عما كانت تصنعه الآلة
الإعلامية في عهد ستالين أو هتلر
وأمثالهما من كبار المستبدين وصغارهم.
ولولا بوادر صحوة إسلامية وتمرد
إعلامي في بلادنا، لآتت عملية غسيل
الدماغ أكلها بصورة أشمل امتدادا
وأعمق مضمونا، مما عليه الحال في الوقت
الحاضر.
ولو
صحّ أن من مقتضيات الشرعية الدولية –كما
يؤخذ مما يزعمون– انتهاك حق أصيل
كحقنا في فلسطين وتضييعه، أو تثبيت
نتائج ما تصنعه القوة العدوانية كما
كان في الماضي وما يراد لمستقبل الكيان
الإسرائيلي بفلسطين، فالمفروض بأهل
الفكر والاختصاص، وكذلك أهل السياسة
والإعلام، وسواهم من أهل العمل
والجهاد أن يوجدوا البديل عن تلك "الشرعية
الدولية" المزيفة المزعومة. إمّا أن
نوجد البديل، أو أن نرجع بمصطلح
الشرعية الدولية إلى موقعه الأصلي،
ومفهومـه العلمي، وتطبيقاته
المتوازنة، ونساهم عبر قضية علاقتنا
بالشرعية الدولية، بما يمكن الإسهام
به دوليا على هذا الصعيد؛ فعملية
التزييف الجارية لا تقتصر على قضية
فلسطين وقضايا إسلامية أخرى معروفة،
كذلك فالمتضررون عالميا من وضع عنوان
الشرعية الدولية على "شرعة الغاب"
وما تقتضيه موازين القوى، ليسوا العرب
والمسلمين فحسب.
اقرأ
في هذا الموضوع:
1-
أرضية التزييف
2-
مفهوم الشرعية الدولية
3-
من وعد بلفور إلى معاهدات "التطبيع"
4-
الشرعية الدولية .. والواقع الدولي
5-
الشرعية الدولية .. ومستقبل القضية
الفلسطينية
1
- أرضية التزييف
بمناسبة
ودون مناسبة يردد الماضون على مسيرة
كامب ديفيد ومدريد وما بعدها، أن
مسيرتهم هذه تنسجم مع "الشرعية
الدولية"، كما يؤكّدون استحالة صنع
شيء دون ما يرونه هم "شرعية دولية".
والشواهد يومية لا تحتاج إلى البحث
والتقصي، وأصبحوا يقولون ما لم يكونوا
هم أنفسهم يقولون به من قبل، بصدد
اعترافهم بالدولة اليهودية في حدود ما
قبل 1967م على الأقل، وأنه من "الشرعية
الدولية"، ثم ما ينبني عليه من
معاهدات واتفاقات يجري توقيعها،
وإعطاء صبغة "الشرعية الدولية"
لها؛ أي أنهم يستخدمون هذا التعبير على
نقيض ما كانوا هم أنفسهم أو كان
أسلافهم في حكم قائم أو زعامة اتجاه
سياسي ما يستخدمونه في إطار القضية
نفسها ومجرى أحداثها وتطوّراتها.
لا
تفسير لذلك إلا أحد أمرين: الجهل في
الماضي وتصويبه الآن، أو الصواب في
الماضي والجهل أو التجاهل الآن. وكل من
التفسيرين على حدة- إذا صح- يكفي لإسقاط
مشروعية ما يصنعون بالقضية الآن،
وإسقاط صلاحيتهم للتصدي لها، فهم
يحملون المسؤولية عما وصلت إليه في
الحالتين. أما أن يربطوا ما يصنعون
الآن بالشرعية الدولية، فذاك هو
التزييف الأخطر والأكبر في الوقت
الحاضر، ذلك أن "الشرعية الدولية"
بحد ذاتها، وما تقتضيه لم تتبدل، وقد
يطرأ على مفهومها تفسير إضافي، أو تعديل علمي منهجي
جزئي، ولكن الجوهر باق على حاله، ولا
يسمح بتبدل المفهوم تبدلا جذريا إلى
درجة تجعل الحق بالأمس باطلا اليوم، أو
الباطل بالأمس حقا اليوم.
وتعبير
الشرعية الدولية نفسه مصطلح علمي،
محدد المعنى في العلوم السياسية وعلم
القانون الدولي، قد يختلف العلماء
والمتخصصون حول بعض التفاصيل في
تحديده، ولكن لا يختلفون في عناصره
الرئيسية التي تجعل هذه الكلمة
اللغوية في الأصل، قابلة للاستخدام
كمصطلح منهجي.
والمصطلح
لا يتبدل مقصوده بكثرة استخدامه في غير
موضعه، وإذا كان –مثل مصطلح الشرعية
الدولية وسواها من مصطلحات القانون
الدولي- قد وضع ليسري على مدى أجيال
وحقب زمنية متوالية، وأوضاع متشابهة
ومختلفة، وأحداث وتطورات جارية، دون
أن يفقد مغزاه، ولا أن تميع معالمه. إذا
كان كذلك، وهو كذلك بالفعل، فلا يمكن
المضـي به كما يصنع على صعيد قضية
فلسطين في الوقت الحاضر، لإخضاعه
للقالب الزمني والظروف الزمنية
الراهنة الآن، وبما يتناسب مع نظرات أو
إمكانات أو حتى انحرافات فريق من البشر
يتصرف بالقضية في المرحلة الزمنية
الحالية، متعدّيا على تاريخها
ومستقبلها.
إن
"الشرعية الدولية" لا يمكن
تفصيلها كما تفصل الملابس لتتناسب مع
لقطة زمنية معينة جمّدتها صورة ثابتة
من مجرى التاريخ المتحرك، فليس لمن
يصنع ذلك- سواء كان دولة كبرى أو صغرى،
أو كان مهيمنا بالقوة في فترة زمنية ما
أم لم يكن، أو كان قادرا على التـأثير
في صناعة القرار الدولي أم لا- ليس لأي
طرف من الأطراف الدولية بمفرده أو في
إطار مجموعة دولية ينتسب إليها وينتظم
فيها، أن يكون هو وما يصنع ويرى "مرجعا"
للشرعية الدولية ومفهومها، بحيث تتبدل
مقتضياتها في "عصره وعالمه" بما
يوافقه. العكس هو الصحيح؛ فالشرعية
الدولية هي المرجعية للحكم على سائر
الأطراف الدولية وتصرفاتها، عند
الانطلاق من مفهومها المحدد بأسلوب
علمي منهجي، فآنذاك يمكن أن نقول
بمنظور الشرعية الدولية إن ما صنع هذا
الطرف القوي أو هذا الطرف الضعيف على
الساحة الدولية، متفق مع الشرعية
الدولية، أو مخالف لها ينبغي تقويمه،
أو باطل لا يعتدّ به، ولو استمر وجوده
وكان "واقعا قائما" وتم التعامل
معها إمّا مقاومة أو خضوعا، أو هو بعد
أن يسقط بطريق ما، وضع لاغ قد انتهى
أمره فيتم التخلص من سائر نتائجه
الباطلة من بعد إسقاطه أو سقوطه.
ثم
إن كلمة "الشرعية الدولية" مصطلح
في علوم السياسة والقانون الدولي يمكن
تشبيهه في إطار ما يسري من أنظمة في
الدول المعتبرة، بكلمة "دستوريّة"
القوانين والتصرفات، وهذه الصفة لا
يتم تثبيتها أو نزعها عن طريق انقلاب
عسكري، أو اعتقال عشوائي، أو عموما عن
طريق القوة، بل يتم ذلك عن طريق جهاز
أعلى قائم على أساس موازنة دقيقة في
الصلاحيات وتوزيع السلطات وتنظيم
انتقال الإجراءات من حيز التخطيط
فالتقرير إلى حيز المراجعة والتطبيق،
فهنا لا يمكن الرجوع حتى إلى المجلس
النيابي المنتخب انتخابا حرا نزيها
وعلى أساس تعددي، وبظروف مضمونة،
فالجهة التي تقرر صفة الدستورية أو
تقرر مخالفة الدستور، هي في تلك الدول
المعتبرة جهة قضائية عليا، يمكن أن
تسمى المحكمة الدستورية، أو هيئة
القضاء الدستوري أو سوى ذلك من
التسميات. المهم أن تشكيلها لا يخضع
لما يخضع له تشكيل السلطة التنفيذية أو
التشريعية أو حتى القضائية دون مستوى
الدستورية. وهي مخولة على سبيل المثال
بإلغاء قوانين تصدر عن المجلس الذي
يمثل الشعب. وإذ نقلنا هذه الصورة
الموجزة غاية الإيجاز من علم الدولة
إلى علم القانون الدولي، ومن الساحة
الداخلية إلى ساحة العلاقات الدولية،
تبين لنا تلقائيا حجم ذلك التزييف
الكبير الكامن وراء ما يتردد ليل نهار
على أسماعنا في مختلف قضايانا
المصيرية، ولا سيما قضية فلسطين، من أن
قرارات مجلس الأمن الدولي هي بحد ذاتها
ما يمثل "الشرعية الدولية"!
ليس
هذا المجلس سوى جهاز من الأجهزة
التنفيذية للشرعية الدولية، لا يبلغ
حتى مكانة "مجلس نيابي" داخل إطار
دولة دستورية. إنما هو بتشكيلته، ما
بين عضوية دائمة ومهيمنة عبر ما يسمى
حق النقض/ الفيتو، أشبه بما نعرفه في
دولة من دول العالم الثالث بهيئة "مجلس
قيادة الثورة" قد وصل بعد استخدام
القوة في انقلاب عسكري –ولنقل الحرب
العالمية الثانية- فشكل الفريق
العسكري المنتصر مجلس "الثورة
الخماسي" الحاكم، ورفع شعارات
الثورة والحرية وسواها مما نعرف عن مثل
تلك المجالس، كما أفسح المجال لمشاركة
جزئية بعضوية غير دائمة، لا تضر بمواقع
الهيمنة فيه، وهو ما نعرف شبيهه فيما
يسمى "الجبهات الوطنية" لأحزاب
دون أخرى، وكذلك فيما نعرفه عن أنظمة
تجعل من قوانينها قيودا لمنع حدوث
تبادل على السلطة بأي حال من الأحوال.
وعلى
أية حال، لم يصل مجلس الأمن الدولي حتى
الآن وبعد أكثر من خمسين سنة على "ثورة
الحرب العالمية الثانية"، حتى إلى
مستوى تشكيل "مجلس نيابي منتخب"،
أي إلى مستوى سلطة تشريعية!
ولئن
قيل بلسان الواقعية: هذا هو الموجود،
وما كان في الإمكان غير الذي كان، قلنا:
هذا صحيح.
أما
إذا قيل بلسان الواقعية إن ما يقرره
مجلس الأمن هو "الشرعية الدولية"،
فلا بد أن نقول إن ذلك قد يتطابق معها
حينا وهو يختلف في غالب الأحيان، وليس
هو الطرف الذي يحكم على مشروعية
قراراته بنفسه.
قد
يكون النظام الدولي ناقصا أو منحرفا،
أو قد يكون، في أفضل ما يصفه به
المتفائلون، نظاما مرحليا، ربما يصل
يوما ما إلى حالة مقبولة أفضل، ولكن أن
يقال إنه الآن في تعامله مع قضية
فلسطين –وكثير سواها- إنّما يتعامل
على أساس شرعية دولية، فذاك هو التزييف
المفضوح، وليس هذا قطعا ما يمكن أن
نرتضيه في التعامل مع قضايا الأمة
وحاضرها ومستقبلها.
هذا
الأرضية لتزييف مدلول الكلمة، مع
ربطها بمجلس الأمن الدولي، أرضية
جديدة نسبيا، وإن سبق الإعداد لها.
ويعود العهد ببداياتها إلى مطالع
التسعينات الميلادية الماضية، ولم
تنشأ مباشرة على صعيد التعامل مع قضية
فلسطين، بل اعتمد تثبيتها ونسف ما
قبلها، على ما سمي "حرب الخليج
الثانية" أو "حرب تحرير الكويت"
من الغزو العراقي. فلأسباب لا مجال
لتحليلها هنا، كانت قرارات مجلس الأمن
الدولي إعدادا للحرب منسجمة مع
السياسات الرسمية العربية، وكذلك مع
المفعول الذي سببه غزو الكويت،
والأشبه بالطعنة القاضية الأخيرة
للجهود والتصورات السابقة من أجل أمن
عربي مشترك، هذا عد ضربات موجعة أخرى
عديدة تعرض لها من قبل.
والذي
يمكن تثبيته، باستقراء الحقبة
التاريخية الماضية، هو أنهّ، في غياب
مرجعية دولية فوق السلطة التنفيذية
المتمثلة في تشكيلة هيئة الأمم
المتحدة بسائر منظماتها وفروعها
الحالية، كان الخطاب السياسي العربي
ينطلق من مفاهيم الشرعية الدولية وهو
يقوم قرارات مجلس الأمن الدولي
وسواها، كما يصنع آخرون، فهو أيضا يقبل
منها ما ينسجم مع تقويمه الذاتي
لمشروعيتها، ويرفض ما لا ينسجم. ثم مع
الإعداد لحرب الخليج، بدأت قرارات
المجلس توصف فجأة بأنها هي، بحد ذاتها،
تمثل الشرعية الدولية. في تلك المرحلة
بالذات، بدا في المنطقة العربية أن
التقويم الذاتي لقرارات المجلس،
والمصلحة الذاتية الناجمة عن تنفيذها،
منسجمان ومتطابقان، وربما صح هذا
لفترة زمنية محدودة، ولكن لم يكن صحيحا
قطعا على مستوى النظرة المستقبلية
بعيدة المدى، إنما كانت النتيجة أن
المنطقة العربية بكاملها لم ترجع بعد
حرب الخليج الثانية إلى أسلوب التقويم
الذاتي لمشروعية قرارات مجلس الأمن،
بل سلمت في البداية عملية التقويم إلى
الطرف الأمريكي المهيمن على المجلس،
ثم مضت خطوة أبعد من خلال القبول
بإخراج قضية فلسطين أصلا من ساحة
المجلس ووضعها تحت رعاية الطرف
المهيمن على قراراته على كل حال. وبذلك
تحولت مسألة التعامل مع الشرعية
الدولية، من أداة من الأدوات السياسية
المعتادة في العلاقات الدولية، إلى
أداة لتثبيت هيمنة أمريكية محضة على
إحدى القضايا المصيرية في بلادنا.
2-
مفهوم الشرعية الدولية
يمكن
العودة إلى الكتب الأساسية المعتمدة
في معاهد العلوم السياسية والقانون
الدولي، فنجد فيها على صعيد تعريف
القانون الدولي مدرستين متكاملتين:
أولاهما تركز على أن القانون الدولي هو
ما استقر من قيم ومبادئ وقواعد أساسية
وحقوق إنسانية متعارف عليها عبر
التجارب الماضية وتم تثبيتها في
مواثيق دولية ملزمة، وهذا ما يوصف
بالقانون الدولي العالم، أو القيم
والمبادئ الدولية الأساسية، مثل عدم
مشـروعية اغتصاب الأراضي بالقوة، وحق
تقرير المصير، وسنستخدم فيما يلي كلمة
"الأسس" تعبيرا عنها.
وتركز
المدرسة الثانية على مجموعة المواثيق
والمعاهدات والاتفاقات وقرارات
المنظمات الدولية، مما ينبثق جميعه عن
القانون الدولي العام، أو ينبغي أن
ينبثق عنه وأن يلتزم بالأسس المقررة
فيه، وهذا ما يوصف بالقانون الدولي
التطبيقي، وسنستخدم في التعبير عنه
كلمة "التطبيقات".
لم
يكن العلماء المتخصصون يرون تناقضا
بين الأسس والتطبيقات، ولكن كانت
نظرتهم "مثالية" لفترة من الزمن
امتدت إلى السبعينيات الميلادية
الماضية تقريبا، وإليها تستند الأحكام
التي ترد في دراساتهم وبحوثهم عندما
يقولون عن إجراء أو اتفاق دولي إنه
يتناقض مع الشرعية الدولية. ويقومون
بذلك على الصعيد العالمي بدور "المحكمة
الدستورية العليا" في الدولة، مع
فارق لا يستهان به، وهو أن أحكامهم لا
تلزم أحدا، ولا يأخذها بعين الاعتبار
أحد. وبدلا من أن تتحول تلك الأحكام
والدراسات المنهجية التي تقوم عليها،
إلى ضغوط معنوية وأدبية على صانعي
القرار، بدأت الساحة العلمية نفسها
تتأثر بالواقع القائم، وتحاول بالتالي
إيجاد حلول توفيقية بين الشرعية
الدولية القائمة على الأسس، وبين
الواقع الدولي القائم على التطبيقات.
وعلى
سبيل المثال، المعاهدة بين طرفين، إذا
لم تتضمن بندا يضمن إمكانية انتهاء
مفعولها يوما ما عند الحاجة أو
الضرورة، مثل تحديدها بفترة زمنية
معينة، أو تثبيت حق أحد الطرفين بنقضها
إن صنع الطرف الآخر ما يوجب ذلك، مثل
هذه المعاهدة يقرر القانون الدولي
اعتبارها لاغية باطلة، وهذا شأن
معاهدة السلام المصرية-الإسرائيلية
على سبيل المثال، ويوجد في الوقت
الحاضر عدد ضخم من مثل هذه المعاهدات،
أو ما ثبت أنه جرى بأسلوب إملاء الطرف
القوي على الطرف الضعيف، أو ما تفاوض
حوله ووقع عليه طرف أو أكثر لا يمثل
الجهة التي يتحدث باسمها، مثل حاكم غير
منتخب انتخابا شرعيا نزيها في إحدى
الدول، أو مجموعة دول تقرر بشأن أرض أو
وضع لا يدخل في نطاق سيادة الدول
الأعضاء فيها.
بيد
أن أنصار القانون الدولي التطبيقي
يرون أنه لا بد من التعامل مع
المعاهدات والاتفاقات القائمة وإن
كانت مخالفة للشرعية الدولية، فهم لا
يسقطون عنها هذه الصفة، ولكن ينظرون في
نتائجها، فيفصلون بما لا يتسع المجال
لسرده، ويمكن القول إنه يدور حول محور
رئيسي، وهو ما يمكن أن يسببه إلغاء
معاهدة قائمة، بعد تطبيق محتواها فترة
من الزمن، وتأثير ذلك على عناصر
القانون الدولي، سواء الدول ذات
السيادة، أو الشعوب، تأثيرا يولّد
أضرارا بالجهات المعنية، لا يعادلها
إلغاء المعاهدة نفسها. وفي هذا الإطار
يدخل على سبيل المثال مبدأ التعامل
بالتعويضات عند استحالة إعادة الأمور
إلى نصابها.
الشاهد
فيما سبق هو أن المشروعية الدولية بغض
النظر عن التطورات التطبيقية، صفة لا
تزول عن وضع من الأوضاع عن طريق معاهدة
ما، أو وضع جديد يتناقض مع الشرعية
الدولية، أي مع الأسس المقررة في
القانون الدولي العام. ولا يغير من ذلك
الاضطرار إلى التعامل مع التطبيقات
الباطلة القائمة على أرض الواقع.
بهذا
المنطق تعاملت الدول الغربية مثلا مع
الاحتـلال السـوفييتي لدول البلطيق،
فلم تعترف بمشروعية هذا الاحتلال،
ولكن تعاملت لأكثر من خمسين سنة مع ما
نجم عنه من تمثيل تلك البلدان عن طريق
الحكومـة السـوفييتية في موسكو. كذلك
فبهذا المنطلق تعاملت الدولتان
الألمانيتان وتفاوضتا وعقدتا
المعاهدات في أواخر حقبة الحرب
الباردة، دون أن تعترف ألمانيا
الغربية قط بالمشروعية الدولية لوجود
ألمانيا الشرقية كدولة. ونعلم كمثال
أخير أن اليابان رغم هزيمتها العسكرية
لم تعترف قط باحتلال الروس لبعض الجزر
الشمالية منها حتى الآن. كذلك على صعيد
الدول الأصغر توجد أمثلة عديدة مثل
تعامل الأرجنتين مع جزر فولكلاند
والسيطرة البريطانية عليها سيطرة
استعمارية، فلم تعترف بمشروعية تلك
السيطرة رغم اضطرارها إلى التعامل مع
الأمر الواقع الناجم عن عجزها عن تحرير
تلك الجزر بالقوة العسكرية.
إن
مفهوم الشرعية الدولية مفهوم ثابت عند
علماء القانون الدولي، ومعروف للقوى
الدولية، وهو موضع تعاملها مع الأحداث
والتطورات الجارية بأسلوب انتقائي،
فهي، اعتمادا على قوتها وهيمنتها،
تعود إلى الحديث عن المشروعية الدولية
بمفهوم القانون الدولي العام، عندما
يكون الأمر محققا لتصوراتها ومصالحها
وأطماعها، فإذا انعكس الوضع لا تتجاوز
في استخدامها لتعبير الشرعية الدولية
أن تفصله تماما على تلك التصورات
والمصالح والأطماع، وإن خالفته ولجأت
إلى قرارات "الهيئة التنفيذية"
للقانون الدولي، أي مجلس الأمن الدولي
الذي تهيمن عليه، أو لجأت إلى منطق
القوة بصورة مباشرة.
ولئن
كان تجاوزها للشرعية الدولية على هذا
النحو منتظرا في ظل منطق القوة
الباطلة، فكيف نتجاوز في تعاملنا مع
قضايانا، كقضية فلسطين، مفهوم الشرعية
الدولية، بأسلوب التزييف فالتوظيف
فيما لا يحقق لنا هدفا مشروعا، بدلا من
الحديث عن مشروع السلام من كامب ديفيد
إلى أوسلو وما بعدها بلغة أخرى ولتكن
مثلا: هو السلام الاضطراري رغم تناقضه
مع الشرعية الدولية؟
ولا
يكتمل الحديث عن عنصر الشـرعية
الدولية القائمة على القانون الدولي
العام، دون الحديث عما شاع وصفه
بالسياسة الواقعية القائمة على
التطبيقات المتوافقة حينا والمتناقضة
غالبا معه، وإن أعطيت وصف القانون
الدولي التطبيقي تجاوزا.
وتشير
الأمثلة السالفة الذكر إلى أن الدول
المعنية تتعامل مع الواقع تعاملا
واقعيا، ولا تتخلى في ذلك عن هدف
تغييره في الاتجاه الذي يتطابق مع
أهدافها التي تتفق أو تختلف مع الشرعية
الدولية. فالتعامل الغربي السوفييتي
لم يغير مواقف الغرب من البلطيق، حتى
إذا حانت اللحظة المناسبة، وتبدلت
الظروف الدولية، كان أحد الشروط
الرئيسية الغربية لتلبية رغبات روسية،
هو استقلال تلك الدول. والتعامل
الياباني-الروسي بعد الحرب الباردة لم
يسقط من حسابه العمل على تحرير الجزر
اليابانية المحتلة، وهذا ما يسري على
الأمثلة الأخرى المشابهة.
ونرصد
مقابل ذلك خلطا خطيرا إلى أبعد الحدود
بين الشرعية الدولية وبين السياسة
الواقعية في بلادنا العربية
والإسلامية، لا سيما في إطار التعامل
مع قضية فلسطين. وباتت كلمة "الواقعية"
موضع الاستخدام على أوسع نطاق على غرار
استخدام كلمة "الشرعية الدولية"،
من منطلق التسليم والاستغناء عن حقوق
مشروعة ثابتة.
إن
السياسة الواقعية تقتضي من ممارسيها
تقديرا واقعيا للإمكانات الذاتية
والإمكانات المضادة، وتطبيق ما يسمى
فن الممكن لتحقيق أكبر قدر ممكن من
الحقوق المشروعة الآن، وعدم المساس
بمشروعية الحقوق التي لا يمكن الوصول
إليها في الوقت الحاضر.
ولئن
صح تعبير "الجريمة" في وصف بعض ما
يُصنع بقضية فلسطين في الوقت الحاضر،
فهو يسري في الدرجة الأولى على هذا
الأسلوب من التعامل معها؛ فالواقعية
المقلوبة رأسا على عقب، والشرعية
الدولية المزيفة، شعاران مرفوعان ليس
لضمان استمرار الواقع الباطل كما هو
على الأقل، وإنما، أكثر من ذلك، لتحقيق
مزيد من الأهداف الباطلة، وهذا ما لا
يجري على حساب الأجيال الماضية التي
قدمت ما تستطيع في ظروف منعت من تحقيق
الأهداف المشروعة فحسب، ولا يجري فقط
على حساب الجيل الحاضر الذي يعاني من
ألوان القيود والحظر والمنع والشغل
بالمآسي المتوالية، فضلا عن حملات
التزييف والتضليل التي يتعرض إليها في
فكره وثقافته وتصوراته ومبادئه وقيمه،
وحسب، ولكن يضاف إلى ذلك أن ما يعقد من
معاهدات باطلة، وما يترتب عليها من
إجراءات عملية خطيرة وبعيدة المدى،
يمثل مزيدا من العقبات في وجه جيل قادم
قد يتبدل الواقع الدولي في عهده! فكأن
المطلوب هو تقييده عن العمل من أجل
تحقيق الشرعية الدولية في قضية
فلسطين، كما كانت تلك الشرعية الدولية
منذ النشأة الأولى للقضية، وكما هي
باقية إلى أن تجد نهايتها القائمة على
العدل والحق، بمختلف الموازين، بما في
ذلك ميزان القانون الدولي والشرعية
الدولية.
3-
من وعد بلفور إلى معاهدات "التطبيع"
القانون
الدولي لا يتبدل. يمكن أن يضاف إليه، أو
أن يتطور إيجابيا، أما الأسس التي قام
عليها ، والمعايير التي نشأت كعصارة
للتجارب البشرية التاريخية فهي ثابتة
بمعنى الكلمة ، وهذا ما يسري على
العقود الماضية التي كانت نشأة
المنظمات الدولية في بدايتها بعد
الحرب العالمية الثانية عبارة عن
إيجاد قالب تنظيمي لتنفيذ القانون
الدولي، وهنا أيضا يمكن القول إن هذا
القالب التنظيمي قابل للتعديل
والتغيير في إطار الأسس التي قام عليها
، أما أن يصبح هو المصدر لتغيير تلك
الأسس فهذا ما يخالف المنطق أولا ، كما
يخالف مفهوم الشرعية الدولية المتمثلة
في القانون الدولي العام ثانيا.
والقالب
التنظيمي بدءا بمجلس الأمن الدولي
مرورا بمحكمة العدل الدولية وانتهاء
بالمنظمات الفرعية الحديثة النشوء ،
يمكن أن يضيف معاهدات واتفاقات إلى
رصيد "إنتاج" القانون الدولي ،
وهذا خاضع بطبيعة الحال لتقلب الظروف ،
وموازين القوى ، والتقديرات البشرية ،
ولهذا يمكن أن يشمل الخطأ والصواب ،
والحق والباطل ، والعدل والظلم ،
وبتعبير آخر يمكن أن يشمل ما يتفق مع
الشرعية الدولية وما يتناقض معها ، وما
يسري مفعوله بحكم القوة وإن خالفها ،
وما لا يجد طريقه إلى التنفيذ رغم
مطابقته لها ، فمن يحكم على ذلك؟
لقد
بدأت المخالفة الأولى والأعظم تأثيرا
في مجرى الشرعية الدولية على امتداد
العقود التالية ، عندما أوجدت الدول
المنتصرة في الحرب العالمية الثانية
قالبا تنظيميا جديدا للقانون الدولي ،
فانطلقت من واقع القوّة الناجم عن
الحرب ، والذي تسيطر هي عليه ، فعمدت في
" شكل التنظيم " إلى العمل على
تثبيته ، وسدّ الأبواب أمام احتمالات
تغييره ، أو بتعبير آخر ، احتمالات
فقدان سيطرتها على هذا القالب
التنظيمي إذا ما تبدل الواقع الدولي في
قادم الأيام .
هذا
ما انعكس أول ما انعكس على مرجعية
الحكم بشأن المشروعية الدولية
للقرارات والمعاهدات والاتفاقات وغير
ذلك من أشكال "إنتاج" المنظمات
الجديدة ، وكانت محكمة العدل الدولية
في لاهاي هي المرشحة لهذا الدور، وهي
التي سبقت فكرة تأسيسها الحربين
العالميتين ، وصدرت عن مؤتمرات السلام
في لاهاي في حينه، بجهود بذلتها "رابطة
البرلمانيين الدولية" في حينه ،
فعمدت الدول المنتصرة في الحرب إلى
إقرار نظام أساسي للمحكمة الدولية
يمنع عنها دور الرقابة التشريعية على
مجلس الأمن وسواه ، بل ويحول دون أن
تتعرض دولة من الدول الدائمة العضوية
فيه إلى المحاسبة من منطلق الأسس
الشرعية الدولية .
ويمكن
على ضوء ما سبق النظر في المخالفات
الأخرى المرتكبة في وقت مبكر نسبيا ،
كتثبيت حق النقض/ الفيتو للدول الأقوى
بمقياس "واقعية" الوضع القائم بعد
الحرب ، مع إغفال متعمد لمقياس "واقعية"
الوضع الذي يمكن أن يقوم بعد فترة من
الزمن .. ويسري شبيه ذلك على المنظمات
الأخرى وما تم إقراره من أنظمة ولوائح
أساسية لعملها .
لا
يمكن النظر في الوثائق الدولية
المتعلقة بقضية فلسطين من حيث
مشروعيتها الدولية ، إلا على هذه
الأرضية المرتبطة بافتقاد المرجعية
الشرعية الدولية القويمة ، وبالتالي
الخلط بين موقع مجلس الأمن الدولي أو
الأمم المتحدة على صعيد الشرعية
الدولية نفسها وعلى صعيد " تنفيذ "
ما تقرره الشرعية الدولية .
وتغييب
هذه النظرة تحت الوطأة الثقيلة
الممتدة عقودا عديدة والناجمة عما
يفرضه "واقع قائم" لا يعني عدم
وجودها . ولم تكن موضع شك بأي صورة من
الصور في الفترة ما بين النكبة
العسكرية الأولى والنكبة العسكرية
الثانية في فلسطين ، ولكن ما أن حلت
النكبة الثانية ، حتى قبل الطرف العربي
رسميا بقرارات مجلس الأمن الصادرة
لوقف الحرب ، والتي تتضمن واقعيا
الاعتراف الضمني بالكيان الإسرائيلي ،
كما رفع شعار إزالة آثار العدوان الذي
حمل صياغة إيجابية في ظاهرها ، ولكنها
تتضمن تلقائيا الإقرار بعدوان طرف على
طرف في عام 1967 م وإزالة آثار هذا
العدوان "فقط"، وبالتالي الإقرار
بالعودة إلى الواقع الذي سبقه مباشرة ،
والذي كان بموازين السياسة الرسمية
إلى ذلك الحين وضعا باطلا يتناقض مع
الشرعية الدولية .
ولئن
غاب هذا المعنى للشعار المرفوع
ولتكرار الحديث عن قرارات مجلس الأمن
عن "الجماهير" بتأثير الوضع
الإعلامي المعروف في حينه ، وتأثير
النكبة العسكرية التي سميت نكسة في
البداية، فإنه لم يكن غائبـا عن خبراء
الشـرعية الدولية في المنطقة العربية
، وهؤلاء عقدوا "مؤتمر الحقوقيين
العرب" في
الجزائر في الفترة بين 22 و27 من تموز/
يوليو عام 1967 م وسجّلوا خلاصة ما وصلوا
إليه في كتاب صدر بعدة لغات تحت عنوان
"قضية فلسطين" فثبت المنطلقات
الشرعية الدولية في بطلان ما شهدته
قضية فلسطين بدءا بوعد بلفور ، مرورا
بقرار التقسيم في الأمم المتحدة ،
وانتهاء باحتمالات التسويات السلمية
التي بدأت تتردّد منذ ذلك الحين .
ومر
على ذلك الكتاب 33 عاما ، ولم ينقطع
تأكيد هذه المنطلقات الأساسية للشرعية
الدولية في قضية فلسطين ، ولو من وقت
إلى آخر ، كما يؤخذ من الكتب الصادرة عن
القضية في السنوات التالية ومنها بعض
ما صدر عن مركز الأبحاث التابع لمنظمة
التحرير الفلسطينية قبل اجتياح لبنان
.. ولا يزال يوجد -رغم حملات كامب ديفيد
ومدريد وأوسلو- من يؤكّد هذه النظرة ،
وإن بدأ الترويج لنقيضها تزييفا
للشرعية الدولية في خدمة سياسة مرحلية
، بدلا من أن تخدم السياسة الشرعية
الدولية .
ولعل
آخر ما صدر بهذا الصدد في حدود اطلاع
كاتب هذه السطور ، ما تحدث عنه الأستاذ
منير شفيق في مقالة نشرتها مجلة "
فلسطين المسلمة " في نيسان / إبريل
عام 2000 م ، وهو بحث للمؤلفة الفرنسية
مونيك شيمبي جاندرو ، البروفيسورة في
القانون الدولي في جامعة باريس دونيه
ديدرو ، تؤكّد في اسـتحالة تبديل
الشرعية الدولية لقضية فلسـطين من حيث
ملكية الشعب الفلسطيني لأرضه ، دون
استفتاء لشعب فلسطين يقبل فيه بوجود
الكيان اليهودي . وبغض النظر عن دوافع
الكاتبة ، يبقى أن هذا الذي تشير إليه
هو أحد الأسس الثابتة في القانون
الدولي ، ولم تتركه المواثيق الدولية
عائما بل تؤكّد أن مثل هذا الاستفتاء
لا تكون لنتائجه صفة المشروعية
الدولية إلا إذا وفر الشروط الأساسـية
، ومنها أن يكون حرا ، نزيها ، لا
ترافقه الضغوط ، ولا يبدل نتيجته
التزييف .. وهو ما يستحيل القول به في
الوقت الحاضر، فمجرد وجود شعب فلسطين
بين الاحتلال والتشريد يعني وجود
الضغوط ، ورغم ذلك فالاعتقاد راسخ أن
إجراء استفتاء من هذا القبيل لا يمكن
أن يفضي إلى التخلي عن الحق الثابت
بفلسطين .
والانطلاق
من منطلق إسلامي .. أو قومي عربي .. أو
حتى وطني ضيق في قضية فلسطين ، لا
يتناقض مع قابلية الاعتماد على
الشرعية الدولية على هذا النحو ،
والوصول إلى النتيجة نفسها .
ولا
يجهل الطرف الآخر حقيقة بطلان الكيان
الصهيوني بمقياس الشرعية الدولية ، بل
كان في مقدمة الاعتراضات داخل هذا
الكيان منذ كلمة الرئيس المصري
السادات في القدس ، هو أن المعاهدات
التي يمكن أن تسفر عنها مفاوضات سلام ،
لا تكتسب صفة الشرعية الدولية ، ما دام
الموقعون عليها لم يصلوا إلى السلطة ،
وبالتالي إلى تمثيل إرادة الشعوب
صاحبة الحق الأصيل بمفهوم الشرعية
الدولية ، عن طريق انتخابات حرة نزيهة
خالية من الضغوط والتزييف .
والواقع
هو أن هذه الاتفاقات والمعاهدات هي
التي يدور الحديث عنها في الوقت الحاضر
، فعدم مشروعية وعد بلفور بات من
الأمور المفروغ منها ، ولكن ليس هذا ما
يفسر عدم الحديث عنه ، حتى من قبيل
إحياء المناسبات كما كان في الماضي ،
وإنما السبب الحقيقي هو الأسلوب
المستخدم في تغليب ما يسمى السياسة
الواقعية على سائر الاعتبارات الأخرى
، ومنها الشرعية الدولية نفسها .
وما
يسري على وعد بلفور يسري على قرار
التقسيم ، إنما هو مسلسل ينطبق على
سائر فقراته حكم واحد بمنظور الشرعية
الدولية .. فكما أن بريطانيا دولة لا
تملك مشروعية دولية للتصرف بمستقبل
فلسطين ، فإن صك الانتداب لا يمثل
وثيقة بصفة شرعية دولية ، ليس لمجرد
تبني وعد بلفور فيه ، بل ولأن الجهة
التي أصدرته ليست مخوّلة وفق المواثيق
الدولية نفسها ، وحتى وفق اللوائح
الداخلية لها ، بأي خطوة تفضي إلى
تغيير وضع أرض وشعب بما يتناقض مع
مصالح ذلك الشعب وملكيته لأرضة التي
فرضت وصايتها أو انتدابها عليها ، حتى
وإن كان الشعب في وضع يتطلب الوصاية
ووافق عليها . ويعرف علم القانون حالات
مشابهة ، كالوصاية على اليتيم ،
فالتصرف بما يملك يما يتناقض مع تلك
الملكية باطل ابتداء ، ويلغى كل ما
ترتب عليه .
وهذا
ما يسري على قرار التقسيم الصادر عن
منظمة تمنع نصوص ميثاقها نفسه ، فضلا
عن أسس القانون الدولي ، إقامة دولة
على أنقاض دولة أو جزء من دولة أو على
أرض يملكها شعب من الشعوب.
لم
يتبدل هذا الوضع القانوني الدولي في
قضية فلسطين .. وإنما تبدل تعامل
الأطراف العربية معه ، ولا بد من
التأكيد هنا مجددا ، أن هذا التعامل -كتعامل
الاتحاد السوفييتي مع دول البلطيق في
حينه - لا يغير الأرضية القانونية
الدولية ، وبالتالي لا يغير بقاء صفة
الكيان الغاصب غاصبا ، وباطلا .
ولئن
كان هذا الكيان الباطل يتعامل مع
معاهدات يعقدها بشأن الانسحاب من أراض
اغتصبها في مرحلة من مراحل وجوده ، ولا
يوجد طرف من الأطراف العربية أو
الدولية يعترف باغتصابه الثاني هذا -كما
هو الحال مع الجولان- فيقرر العودة إلى
استفتاء يجريه على الغاصبين ، قبل
سريان مفعول ما قد يوقع من وثائق .. فمن
أسخف الحجج المطروحة على الجانب الآخر
، أن في الإمكان تحويل الكيان الباطل
إلى كيان مشروع دوليا ، معترف به
قانونيا ، عن طريق اتفاقات سلام تعقد
معه ، ولا تتم العودة فيها إلى إرادة
صـاحب الحق الأصلي.. والتي لم تجد
طريقها إلى التعبير الحقيقي عن نفسها،
عبر استفتاءات ولا انتخابات حرة نزيهة
خالية من الضغوط والتزييف .
إننا
في قضية فلسطين ، بالإضافة إلى
المنطلقات الإسلامية ، والقومية ،
والوطنية ، والإنسانية ، والحضارية ،
والتاريخية ، نقف أيضا على أرضية صلبة
من الشرعية الدولية بأسسها الثابتة
دون تزييف ولا تحوير لخدمة واقعية
سياسية مقلوبة رأسا على عقب . ومن هنا
يجب التأكيد بصورة قاطعة ، أن وضع قضية
فلسطين على أرضية الشرعية الدولية لن
يتبدل ، ولكن سيتبدل قطعا الواقع
القائم الذي يفرض ما يتناقض مع تلك
الشرعية الدولية في الوقت الحاضر ،
وهذا مما يجب الاحتفاظ به والحفاظ عليه
في هذه القضية المصيرية للأجيال
القادمة.

4-
الشرعية الدولية والواقع العالمي
الشرعية
الدولية قائمة على مبادئ وقيم وأسس
بصياغة ثابتة، والواقع العالمي قائم
على موازين القوة وعناصر متبدلة
متقلبة باستمرار، وتكفي نظرة إلى
القرن الميلادي العشرين وما مرّ به من
مراحل ما قبل الحربين العالميتين وما
بينهما والحرب الباردة وعصر الوفاق
الدولي، لندرك أن كلمة الواقع القائم
أو الواقع الراهن لا تصف إلا لحظة آنية
في مجرى التاريخ، وأن اللحظة التالية
يمكن أن تسفر عن واقع قائم آخر بمعنى
الكلمة.
والمرجعية
في الشرعية الدولية غير موجودة في
الوقت الحاضر، أو هي غير موجودة في
صيغة جهاز أو هيئة دولية بمواصفات
كافية تشمل الالتزام بالعودة إلى
الأسس الثابتة وتجاوز تأثير موازين
القوة المحضة، للحكم على وضع أو إجراء
أو نص من النصوص بالتوافق مع الشرعية
الدولية أو التناقض معها. وجل ما يمكن
الاعتماد عليه في الوقت الحاضر هو
الدراسات السياسية المستقلة عن
الأجهزة السياسية، أما المنظمات
الدولية وفي مقدمتها مجلس الأمن
الدولي، فهي مرجعية "الواقع الدولي"،
وهي قائمة كما هو معروف على موازين
القوة أولا وأخيرا.
وفي
ضوء ذلك، يمكن القول إننا نعاصر في
التعامل مع قضية فلسطين تزييفا
للمصطلحات وتطبيقها بصورة شاملة واسعة
النطاق، ويشمل ذلك عددا من المستويات:
المستوى
الأول تزييف وقائع التاريخ الذي ينبثق
منه الجزء الأكبر من أسس الشرعية
الدولية،
فقاعدة "حق تقرير المصير" تعتمد
أول ما تعتمد على ملكية شعب من الشعوب
لأرض معينة، بحكم مجرى الأحداث
التاريخية، وهو ما يمكن أن نعود به في
فلسطين إلى عهد اليبوسيين والكنعانيين
من قبل ظهور اليهودية أو ظهور بني
إسرائيل بثلاثة آلاف سنة، وأن نمضي معه
حتى إلى فترة وجود دولة التوحيد في عهد
داوود وسليمان عليهما السلام، مما
يرتبط بالجانب الديني للقضية، وليس هو
موضوع الحديث هنا، وإنما الحديث عن
الشعب بغالبيته الكبرى، ولم تكن من بني
إسرائيل كما تقول نصوص التوراة
الحالية نفسها علاوة على الدراسات
التاريخية الجامعية، حتى إن بناء هيكل
سليمان عليه السلام اعتمد -وفق الرواية
التوراتية- على أربعين ألفا من
الكنعانيين والموآبيين والفلستينيين
واليبوسيين من السكان. ومقابل ذلك نجد
تزييف الوقائع التاريخية يشمل ما قبل
تلك الحقبة وما بعدها، كما يشمل تزييف
واقع تلك الحقبة أيضا، لتبرير ما تصنعه
موازين القوة الدولية وأسفر عن إيجاد
كيان باطل في المنطقة.
والمستوى
الثاني للتزييف هو الجانب الفكري
والثقافي في التعامل مع المصطلحات،
فتحت عنوان "السياسة الواقعية"،
لا تنقطع محاولات أنصار ما يسمى "التطبيع"
وأنصار مسيرة "التصفية السلمية"
للقضية تحت وطأة النكبات والهزائم
التي صنعها خلل الموازين العسكرية،
للقول إن من السياسة الواقعية
المعاصرة القبول بالواقع الراهن
والتعامل معه على أساس استمراريته. ولا
يقوم هذا التزييف على تجاهل أن الواقع
الراهن لحظة آنية ستتبدل، وتتبدل
بالفعل أثناء الأحداث والتطورات
الجارية وحسب، بل تقوم في الوقت نفسه
على إقامة السدود في وجه مساهمة الطرف
المعني بالقضية، أصحاب الحق الأصيل
فيها، في صناعة الصيغة التالية من "الواقع
الراهن" بينما لا تنقطع جهود الطرف
الآخر، سواء كان إسرائيليا أم أمريكيا
أم دوليا، لتغيير المعطيات الواقعية
الراهنة في الاتجاه المعاكس.
والمستوى
الثالث للتزييف والأخطر مما سبق هو ربط
ما يجري تنفيذه تحت ثقل واقع ميزان
القوى الدولية في لحظة من لحظات
التاريخ، بتعبير الشرعية الدولية بعد
تزييفه،
فبدلا من الإعلان المباشر على سبيل
المثال، أن السلطة السياسية الفلانية،
تواجه ضغوط القوة المحضة على الصعيد
الدولي أو نتيجة هزائم عسكرية إقليمية
كانت أو كان أسلافها على الطريق نفسه
مسؤولين عنها، فهي مضطرة إلى إجراءات
خضوع، سواء كانت في صيغة اتفاقات أم لم
تكن، تحاول تلك السـلطات وصف ما تصنعه
بأنه مشروع بميزان الحق والباطل، وتصف
مجلس الأمن أو القوى التي تصنع القرار
من خلاله، وكأنها هي المرجعية في تلك
الشرعية الدولية، وليست المرجعية في
فرض ما يخالفها كما هو الحال في قضية
فلسطين.
علماء
القانون الدولي يتحدثون في الكتب
الجامعية المرجعية عن "معاهدات الاستسلام"
ويعتبرونها باطلة لاغية المفعول، وإن
اضطرت "عناصر القانون الدولي"
بمعنى الدول والمنظمات الدولية
للتعامل معها حقبة من الزمن، ولا يجهل
أنصار الطرف الإسرائيلي عالميا بذلك،
وهو ما يفسر على سبيل المثال سلوك
الدول الأوروبية الشرقية مع ألمانيا
التي وقعت معاهدة استسلام تذكر الحدود
القائمة بعد الحرب العالمية الثانية،
ثم عقدت ألمانيا الشرقية مع جيرانها
الشرقيين معاهدات تعترف بتلك الحدود،
ثم عقدت ألمانيا الغربية في فترة
الانفراج الدولي قبل سقوط الشيوعية
معاهدات مماثلة، ومع ذلك فمع بدء
الوفاق الدولي وسقوط الشيوعية، كان لا
بد من معاهدة أخيرة، توقعها حكومة
انتخبها الشعب الألماني بكامله بعد
توحيده، انتخابا حرا نزيها خاليا من
الضغوط والإكراه والتزييف، لتثبيت تلك
الحدود واعتبارها شرعية بمفهوم
القانون الدولي، فهو لا يعترف إلا
بإرادة الشعب المعني والتعبير عنها
بالشروط المذكورة، لتثبيت "واقع"
جديد له صفة المشروعية الدولية.
مقابل
ذلك بدأ التعامل مع قضية فلسطين عبر
العقود القليلة الماضية يتحول من
تسمية الكيان الباطل بصفته الباطلة،
إلى تسميته بالاسم
الذي انتحله لنفسه معتمدا على القوة
المرفوضة بمفهوم الشرعية الدولية،
وبدأ هذا التحول يشمل المناهج
المدرسية لا الوسائل الإعلامية فقط،
أي أنه لم يستقر سلام ولا وئام بعد
عندما تحوّلت جهود تبرير ما تصنعه
السلطات، راضية عن جهل أو سوى ذلك، أو
مكرهة، إلى جهود "غسيل دماغ"
الجيل المعاصر حول الوقائع التاريخية
وحقائق القانون الدولي والسياسة
العالمية. وليس لهذا علاقة بخلاف ما
بين ماضين في مشاريع التسوية إلى درجة
الوقوع في مطبات متتالية نتيجة
الهرولة المثيرة للاستهجان، وبين
رافضين إلى درجة الاستعداد للاستشهاد..
ففي حالتي القبول والرفض على السواء،
يبقى في الأصل أنه لا يمكن تبديل وقائع
التاريخ فقد حدثت، ولا يمكن بالوسائل
المتبعة إعطاء أرض فلسطين ولو في حدود
الاغتصاب عام 1948م وصف "إسرائيل"
بما ينسجم من قريب أو بعيد مع الشرعية
الدولية وأسسها الثابتة.
ومن
وجوه الواقعية السياسية المزيفة أيضا
أن المتحدثين باسمها بأسلوب "احتكارها"
يقولون فيما يقولون إن اليهود الذين
يريدون أن تعقد معهم اليوم معاهدات
سلام وتعاون، وأن تقوم بين بلادنا
وبينهم علاقات طبيعية، وأن ترتبط
مصالحنا بمصالحهم وأمننا بأمنهم
ووجودنا ومستقبلنا بوجودهم
ومستقبلهم، في نظامهم "الشرق أوسطي"..
يقولون إن أولئك اليهود لا يريدون سوى
الأمن والسلام والعلاقات المصلحية ،
فهم ، أو النسبة الأعظم منهم، ليسوا
على نهج ما تقول به نصوص التوراة
الحالية أو نصوص التلمود أو نصوص
بروتوكولات حكماء صهيون، أو كتابات
مؤسسي حركتهم الصهيونية من عهد هرتزل
وجابوتينسكي، إلى عهد عصابات شتيرن
وهاجاناه وإرغون، إلى عهد ممثليها في
الوقت الحاضر من أمثال نيتانياهو
وشارون وبيريز وباراك.. وبتعبير آخر
يمضي تزييف الواقع إلى درجة إنكار ما
يقوله العدو عن نفسه بصريح العبارة،
وما يتصرف به على أرض الواقع، بدءا
بمذكرات مناحيم بيجن إلى سياسة تهشيم
العظام التي ابتكرها إسحق رابين.
الواقعيون
على ذلك النهج المعوج يتحدثون عن
"الحمائم" في الصف اليهودي،
وهم أنفسهم مرتكبو مجزرة قانا،
والقائمون على تهديم المساكن
الفلسطينية ونشر المستعمرات اليهودية.
والواقعيون
هؤلاء يطلقون وصف
"الواهمين" على من يذكر بتلك
النصوص والوقائع في صفوف العرب
والمسلمين، هذا إذا لم يصل الأمر كما
وصل فعلا إلى مستوى الاتهام بالتطرف،
والأصولية، والتعصب، والإرهاب، وإلى
مستوى الاعتقال العشوائي والسجن بعد
محاكمات صورية أو دون محاكمات.
من
العسير الرد ردّا "منطقيا" على
مثل تلك المزاعم، فأصحابها أشبه بقوم
لا يرون ولا يسمعون ولا يقرءون، رغم أن
بعضهم على الأقل يدعي لنفسه أن يمثل
"النخبة" من المفكرين
والمثقفين والتي لا يفارقها الصواب
كما فارق "الغالبية"
من غير النخبة، أي الكثرة الكاثرة من
المفكرين والمثقفين ومن عامة العرب
والمسلمين.. وبعضهم الآخر يزعم لنفسه
أنه يتصرف ممثلا لتلك الكثرة الكاثرة،
ولا حاجة هنا إلى تقديم الدليل، ما دام
قد نصب نفسه فوق كل دليل، وجعل كلمته
"كافية" لتكون حجة، لا ينفع معها
حديث عن دستور ولا قضاء ، ولا عن
انتخابات ولا استفتاء.
ورغم
سائر ما سبق، تبقى خطورة تزييف وقائع
التاريخ أو أحداث الحاضر المعاصر
خطورة محدودة، فهو ينكشف، آجلا أو
عاجلا، وبأسرع ممّا يظنّه ممارسوه،
ومهما تكرّر عرضه وتعدّدت الأساليب
والوسائل، إذ لا يخفى على أحد أن الخلل
الحقيقي الذي يسمح لفترة من الزمن
بتصوير الباطل حقا والحق باطلا، إنّما
يرجع في الدرجة الأولى إلى اسـتمرار
وجود خلل خطير في إطار المعادلة ما بين
حرية الفكر والسلطة السياسية في
بلادنا، هو الذي يوسّع نطاق ما يمنح من
إمكانات للمسموح به من التزييف، مقابل
شدّة الضيق والتضييق على قنوات
المسموح به من التوعية المنهجية
بمختلف مقاييسها الوطنية والقومية
والدينية والواقعية المحضة!
ولكن
يبدو أنّ الأخطر من نشر ذلك التزييف هو
قول من يقول مباشرة أو غير مباشرة، إنّ
من السياسة الواقعية الانطلاق من
الواقع الإسرائيلي والدولي المهيمن..
فلا مجال للمكابرة والمعاندة، وخير
للعرب والمسلمين بعد هزائمهم
المتكرّرة أن يحصلوا الآن على ما يمكن
أن يحصلوا عليه سلما، قبل أن يخسروا
المزيد! ويمكن الردّ على هذا المنطق في
فهم "الواقعية السياسية" فهما
معوجّا بالحجّة المنطقية.. ولكن هل
يجدي ذلك ونحن لا نواجه أسلوبا "آخر"
في الفهم والاستيعاب والتفسير، يمكن
قبوله أو دحضه وفق قواعد المنطق
والنقاش، بل تكمن المشكلة الأكبر في
وجود "نفسية انهزامية" ينطلق منها
ذلك الأسلوب ويبني ما يبنيه عليها؟
وممّا يثير الأسى والاستغراب هنا.. أنّ
أصحاب المنطق المعوجّ المذكور يريدون
أن نتعامل مع القضية، وأن نفرض على
الأجيال المقبلة نتائج تعاملنا نحن
معها، فنسلّم لواقع قائم فرضته علينا
الصهيونية المعاصرة ومن وراءها من قوى
دولية، وهم يتجاهلون ما يلي:
1-
أنّ الصهيونية ظهرت قبل قرن ونيّف،
فكان أنصارها يتحرّكون آنذاك على
أرضية واقع أشدّ وطأة عليهم بما لا
يقارن من وطأة الواقع القائم الآن على
العرب والمسلمين؛ كانوا جماعات
ومنظمات متفرّقة متعادية، في عالم
تسيطر عليه قوى دولية تعتبر اليهود
وكلّ ما يمتّ إليهم وباء يجب استئصاله،
ولم تكن "واقعيّة" الصهيونيين
آنذاك تتحدّث بمنطق التسليم، بل بمنطق
التغيير، ولم تكن تسعى لمعاهدات "سلام
وأمن وتعايش" بل عمدت إلى تغيير
الواقع، ابتداء من تلك الوعود "الخيالية
المستقبلية" كوعد بلفور للحصول على
أرض لا يملكها صاحب الوعد لصالح من لا
يحقّ له أن يملكهـا!
2-
لا نرى في واقع المعاملات الدولية
الراهنة على كلّ صعيد، ممارسة لنهج "الواقعية
السياسية" يماثل أسلوب
التسليم الذي يراد لنا أن نمارسه
باسم الواقعية. إن كل طرف من أطراف
عالمنا المعاصر وضع لنفسه ثوابت ذاتية
لا يحيد عنها، وأهدافا بعيدة يتطلّع
إليها، وقدّر ما يملكه الآن من معطيات
وطاقات ذاتية، وما تملكه الأطراف
الأخرى ممّن يصادقه أو يخاصمه على
السواء، وشرع في التحرّك لتغيير
الواقع، في اتجاه تحقيق أهدافه هو،
مرحلة بعد مرحلة، فإن واجهته نكسة لم
يتوقّف، وإن بلغ مرحلة من المراحل
التالية لم يتوقّف أيضا، فهو كسائر
الأطراف في عالمنا المعاصر، يدرك أنّ
"الواقع القائم" ليس واقعا ثابتا،
بل هو واقع آني، فهو متغيّر باستمرار،
ويدرك أنّ التسليم –ولو
لفترة محدودة- لذلك الواقع الآني، لا
يحفظ له "موقعا ثابتا" بل يعرّضه
باستمرار لوضع جديد يفرضه تغيير
الواقع على أيدي الآخرين، دون
مشاركته، وعلى حساب ثوابته وأهدافه
وحاضره ومستقبله!
تلك
هي "الواقعية السياسية" في عالمنا
المعاصر؛ قائمة على التغيير باستمرار،
وليست هي قطعا تلك "الواقعية"
الانهزامية التي يراد إقناع العرب
والمسلمين بها، على كل صعيد، وفي قضية
فلسطين على وجه التخصيص. وقضية فلسطين
قضية مصيرية بالنسبة إلى أهلها
الأقربين، ومصيرية بالنسبة إلى
المنطقة المحيطة بها، وإلى عامّة
العرب والمسلمين، حكومات وشعوبا، مهما
اختلفت التيّارات والتوجّهات وتعدّدت
الرايات والأسماء، ولهذا فلا بدّ من
تقويم التعامل معها على أنه تعامل
مصيري، ومن تثبيت أنّ العودة بها إلى
موقعها الأصيل هذا شرط لا غنى عنه، ليس
لتحرير فلسطين وشعبها ومقدّساتها
فحسب، بل ولتحرير الإرادة السياسية
والشعبية في بلادنا عامّة، وللتمكّن
من تحقيق ما نصبو إليه من أهداف عزيزة
كريمة في مختلف الميادين، وليكون لنا
في خارطة العالم المستقبلية مكان يسمح
بالتأثير لا التأثّر فقط، وبصناعة
القرار لا الخضوع لنتائجه فحسب،
ولكيلا نعيش غدا على هامش الهامش بعد
أن أصبحنا في حدود ما تريد صنعه مسيرة
كامب ديفيد ومدريد وأوسلو نعيش على
هامش حياة البشرية في عالمنا المعاصر.
5
– الشرعية الدولية ومستقبل القضية
الفلسطينية
في
حقبة النكبات العسكرية لم ينقطع
الحديث عن تعليل وجود أنظمة استبدادية
وصل معظمها بانقلابات عسكرية، أو
تعتمد على قوة الجيش وأجهزة
المخابرات، وعن تعليل التدهور
الاقتصادي والمعيشي مقابل ارتفاع
الميزانيات العسكرية- وقسط كبير منها
ينفق على ثروات شخصية وعلى أعمال
المخابرات- بأن قضية فلسطين قضية قومية
مصيرية، وأنه لا بد من القبول بتلك
السلبيات من أجل خوض معركة التحرير
والمصير على صعيدها.
هل
تبدل ذلك بعد أن صنعت النكبات العسكرية
ما صنعت وسار من سار على طريق التسوية
أو التصفية؟
وفي
تلك الحقبة كانت العلمانية تحتكر
صناعة القرار، ليس السياسي والعسكري
فقط، بل تحتكر معه القرار الاقتصادي،
والثقافي، والفكري، والتعليمي،
والإعلامي، والقضائي. وكانت الهجمة
الشرسة على الدعوات والحركات
الإسلامية تحت شعار فصل الدين عن
السياسة، وكذلك الهجمة الشرسة على
المعارضة "العلمانية" إذا خالف
نهج أنصارها يسارا أو يمينا نهج السلطة
الحاكمة، وكان تعليل ذلك كله بقضية
فلسطين أيضا، في "دول المواجهة"
على الأقل، وبأنه لا سبيل إلى مواجهة
العدو الصهيوني ومَن وراءه من القوى
الدولية إلا عبر الاتجاه الحاكم، ولا
سيما القومي الاشتراكي العلماني، وعبر
"الحكم القوي والاستقرار السياسي".
هل
تبدل ذلك الآن -إلا قليلا- بعد أن تحول
أصحاب تلك الشعارات أنفسهم إلى تبني
شعارات التسوية؟
إن
أهم درس من دروس الحقبة التاريخية
الماضية، هو أن قضية فلسطين لا تنفصل
عن سائر قضايانا الحيوية الأخرى، في
ميدان الحريات والحكم، وميدان الثقافة
والفكر، وميدان الاقتصاد والمال،
وميدان التقدم والرقي، وميدان الإبداع
والعلم.
لا
يمكن تنشئة جيل قادر على مواجهة
التحديات، على مختلف المستويات، وعلى
حمل أعباء الوصول إلى الأهداف، أي
أهداف ذات قيمة يجري إقرارها- ناهيك عن
أهداف سامية تمثل رسالة مشتركة للأمة،
وتساهم في مسيرة التقدم والرقي
البشرية، وناهيك أيضا عن تنشئة جيل
مجاهد (أو مناضل) يستعيد حقوقا مغتصبة-
إذا ما اقترنت تنشئته بتكبيله بالقيود
في ميدان الحقوق والحريات السياسية،
وبتكميم الأفواه عن التعبير عما يريد
ونقد ما يريد واختيار من يريد. لا يمكن
تنشئة جيل التحرير بالتضحيات أو حتى
بأسلوب "المساومات السياسية" إذا
كان يعيش تحت ضغوط فقر مدقع أو ضغوط بطر
مترف، أو تحت ضغوط التزييف الفكري
والثقافي والفني، وضغوط تحدي قيمه
ومعتقداته وخنق مواهبه وطاقاته، فلا
يوجد خط فاصل بين الجوانب المتعددة،
القيمية والفكرية والسياسية
والاقتصادية والاجتماعية والأمنية
وغيرها؛ سواء في حياة الإنسان الفرد أو
في حياة المجتمع. وقد كان بالتالي
مستحيلا تحقيق أهداف كريمة في قضية
فلسطين، دون تحقيق أهداف كريمة في
المجالات الأخرى، بل وعلى حساب تلك
الأهداف الكريمة.
إن
مستقبل قضية فلسطين جزء من المستقبل
بمجموع جوانبه، ومستقبل أصحاب القضية
من أهل فلسطين كمستقبل أصحاب القضية من
خارج إطارها الوطني الضيق، وحتى
القومي الأوسع قليلا، هو جزء من مستقبل
المنطقة بسائر سـكانها، من عرب مسلمين
وغير مسلمين، ومن مسلمين عرب وغير عرب.
ولا يمكن التعامل مع قضية فلسطين دون
وضعها على هذه الأرضية الأشمل والأوسع
جغرافيا ومضمونا.
ولئن
تعرض المنطلق المذكور لقضية فلسطين
إلى جدل عقيم في حقبة زمنية سابقة،
هبطت بالقضية درجة بعد درجة حتى باتت
"قضية الممثل الشرعي الوحيد لفلسطين"،
ثم انهالت على هذا "الممثل الوحيد"
الضربات والضغوط الدولية والعربية، ثم
تسابق الجميع معه في الهرولة نحو الهدف
المتناقض مع ما أوجد هو من أجله باسم
"منظمة تحرير"؛ لئن دار الجدل عن
الموقع الصحيح للقضية ما بين إسلامي
وقومي، أو بين دول مجابهة ودول مساندة،
أو بين فلسطينيين وشرق أوسطيين،
فالمفروض، بعد النكبات العسكرية
والسياسية، أن حجج المجادلين جميعها
قد تهاوت وانتهى أمرها بحكم أحداث
التاريخ.
والواقع
أنها تهاوت وانتهى أمرها أيضا بحكم
الواقع العالمي المعاصر الذي نعيش
فيه، وما ينتظر من توقعات مستقبلية على
صعيده، سواء نظرنا إليه بمنظار
التكتلات الجغرافية الكبرى والمصلحية
المهيمنة، أو نظرنا فيه بمنظار
العولمة في مختلف ميادينها الاقتصادية
وغير الاقتصادية، أو نظرنا فيه بمنظار
العقيدة التي تدين بها الغالبية
العظمى من أهل المنطقة، والتي تقرر
معطيات التاريخ والواقع الراهن أن
مستقبل الأمة بمختلف فئاتها مرتبط بها
حضاريا، بالمعنى الشامل لكلمة حضاري،
من حيث التقدم المادي، والأوضاع
السياسية، والتميز الثقافي والفكري،
والتواصل البشري على أرضية إنسانية
مشتركة.
ومعالم
الطريق في مستقبل القضية أكبر من أن
يمكن تحديدها الدقيق في إطار مقالة أو
بحث قصير، ولكن يمكن الإسهام بإشارات
إلى بعض ما ينبغي أخذه بعين الاعتبار
في تحديد تلك المعالم، وعلى وجه
التحديد في إطار العمل على وضع القضية
على الأرضية الأوسع والأشمل، دون
الوقوف عند حدود خاصة بها، وهو ما يبدأ
برؤية عناصر أساسية تلعب دورها في
تحديد معالم العمل المطلوبة، وثبتتها
المعطيات الدولية الراهنة والمعطيات
القائمة في بلادنا العربية
والإسلامية، مما يرتبط بقضية فلسطين
وسواها، وفي مقدمتها ما يلي:
1-
الشرعية الدولية بمضمونها الثابت، دون
تزييف، مغيبة عن الواقع العالمي في
الوقت الحاضر وإلى أجل غير معلوم.
2-
موازين القوة الدولية والإقليمية هي
التي تتحكم بصناعة القرار وتنفيذه على
مختلف المستويات.
3-
مصادر القوة الفاعلة والمغيرة تمر
بمرحلة تغيير جذرية صنعتها آخر
التطورات التقنية في الحياة البشرية
كما صنعتها المتغيرات السياسية
والأمنية في عالم الشمال بعد الحرب
الباردة.
4-
ما يزال العرب والمسلمون عموما على
أدنى درجات سلّم الأخذ بأسباب القوة
بمختلف أشكالها، وإن كانت بعض مظاهرها
قائمة في ميدان التسلح الذي تضعفه
الحدود السياسية القائمة، وفي ميدان
العلم والتقنية الذي تضعفه الخلافات
الإقليمية والسياسية الوطنية. وما
يزال من أخطر الأسباب وأخطر النتائج
المترتبة على ذلك في وقت واحد، هو وضع
"التبعية" على أكثر من صعيد،
سياسي وأمني واقتصادي وفكري، وكذلك
التبعية السلوكية: انبهارا، أو رهبةً
في كثير من الميادين، بما يشمل
الممارسات الرسمية والشعبية.
5-
إن ما شهدته قضية فلسطين تفريطا
واغتصابا ومساومات، تحمل مسؤوليته
الكبرى التيارات التي سيطرت على صناعة
القرار وتنفيذه وتوجيه مختلف ما يرتبط
بالقضية وسواها في المنطقة: فلسطينيا
وعربيا في الدرجة الأولى، دون إسقاط
مسؤولية التيارات التي سيطرت في
البلدان الإسلامية الأخرى، بدءا
بعلمانية أتاتورك، ووصولا إلى ماركسية
آفورقي، والمسؤولية
عن إخفاق سياسي وأمني بمستوى الكارثة،
وحضاري بمستوى الانحطاط، تفرض فرضا
سقوط تلك التيارات نفسها، وكذلك دون
إسقاط القسط من المسؤولية الذي تحمله
التيارات الأصيلة بقصورها عن الوصول
إلى مستوى مواجهة الأخطار مواجهة
ناجحة ومثمرة، رغم ما تعرّضت له من
مكافحة وحصار.
6-
إذا كانت بداية كل نهوض حضاري بفكرة،
فلا ريب أن البذرة الرئيسية لنهوض
حضاري في المنطقة الإسلامية، كامنة في
حقيقة انتشار ما يسمى "الصحوة
الإسلامية"، بغض النظر عن تفاوت
درجاتها من ميدان إلى آخر، ومن موطن
إلى موطن، وغلبة السلبيات حينا
والإيجابيات حينا آخر على صور التعبير
عنها.
وانطلاقا
من هذه المعطيات، وبإيجاز شديد، يمكن
طرح خواطر مبدئية حول خطوط عامة
لميادين العمل المطلوبة بما يشمل قضية
فلسطين، مع تكرار تأكيد اعتبارها جزءا
لا ينفصل عن القضايا الأخرى، فما يذكر
تعميما من النقاط التالية، يسري على
قضية فلسطين وسواها دون تمييز :
-
التصحيح الفكري لما جرى تزييفه من
مفاهيم ومصطلحات أساسية يجري تداولها.
-
التوعية الجماهيرية بمختلف الأساليب
بموقع القضية تاريخا وحاضرا ومستقبلا.
-
ربط مخاطر تصفية القضايا المصيرية
والمحورية بما ينجم عنها ويتأثر بها في
مختلف الميادين والمواقع الأخرى.
-
تجاوز الحدود السياسية وغير السياسية
والعقبات الأخرى الراهنة في مختلف
الميادين للتواصل والتكامل والتعاون
على امتداد الأرض الإسلامية، وعلى
صعيد مختلف القضايا التي تهمها.
-
توظيف المنجزات والاستفادة من تقويم
السلبيات والإيجابيات، بصورة متداخلة
ومتبادلة على صعيد القضايا المتعددة،
وفي مختلف الميادين السياسية
والاجتماعية والاقتصادية وغيرها.
-
تجديد إحياء معالم الأرضية الحضارية
والثقافية المشتركة ومعالم المصالح
والمصائر المشتركة بين كافة الفئات في
الأرض الإسلامية، وفق تكامل الدوائر
المختلفة وتشابكها: جغرافيا ومضمونيا،
داخل دائرة القضية الواحدة كقضية
فلسطين، وحيث تتداخل تلك الدوائر
كقضية التبعيات الأجنبية.
-
العودة بقضية حقوق الإنسان وحرياته
إلى موقعها الأصيل كما قررها الإسلام
كرامة وعدالة ومساواة وضمانات، دون
تمييز بين إنسان وإنسان، كأساس مفروض
من الأصل، وكذلك كأساس لا غنى عنه في
العمل لمختلف قضايانا المشتركة، وفي
التعامل مع أصحاب قضايا عادلة على
مستوى البشري وتبادل الدعم عالميا.
-
إحياء فرض الجهاد بمختلف أشكاله،
وبمختلف الوسائل المباحة لممارسته،
وربط ذلك بالمعطيات التي توفرها
الشرعية الدولية، وتضمن من خلالها
التوافق مع منطلق التعامل مع قضايانا
العادلة، كقضية فلسطين، باعتبارها،
أولا وأخيرا، قضية حق وباطل، وقضية
اغتصاب وتحرير، وقضية عدوان ومقاومة
مشروعة.
-
إعداد كل ما يستطاع إعداده من وسائل
القوة، والعمل على تكاملها نوعيا
وجغرافيا، واعتبار الحد الأدنى
والكافي من القوة العسكرية الرادعة
لعدوان أجنبي، بمختلف أصنافها، شرط
وجود، وليس مادة لمفاوضات أو مساومات
بغض النظر عن غاياتها وأشكال إخراجها.
10-
العمل الجاد الدائب على حل عدد من
العقد التي تراكمت على الصعيد الرسمي
السياسي خلال العقود الماضية، وكانت
في مقدمة أسباب الإخفاق في ميادين
عديدة، ولا سيما قضية فلسطين، ولم
تقتصر على الحكومات، بل انعكس كثير من
مظاهرها، بصور متعددة ومستويات
مختلفة، في التكوين الداخلي للأحزاب
والمنظمات وغيرها من الجماعات
والهيئات الجماعية، وفي مقدمتها، على
سبيل المثال دون الحصر:
-
عقدة الفصام القائم بين الفكر المستقل
عن المسؤولين من جهة وأجهزة أولئك
المسؤولين المنفردين بصناعة القرار من
جهة أخرى.
-
عقدة الفصام القائم مع تدهور الثقة بين
الأنظمة، والقيادات والزعامات من جهة-
بغض النظر عن صلاحها وفسادها- وبين
الشعوب أو القاعدة الجماهيرية
للتشكيلات الجماعية وزعاماتها من جهة
أخرى.
-
عقدة التناقض الموهوم بين المصلحة
الأصغر والمصلحة المشتركة الأوسع
نطاقا، بدءا بالفرد، مرورا بالفئة،
فالنظام، فالدولة، فمجموعة الدول
الإقليمية، وانتهاءً بالمصالح
المشتركة العابرة للحدود بين البلدان
الإسلامية.
-
عقدة الاحتكام إلى القوة حتى قبل
اختبار الوسائل الأخرى غالبا، في
التعامل مع التناقض الجذري أهدافا
ومضمونا وأسلوبا بين التيارات
المختلفة ولا سيما الإسلامي والعلماني.
-
عقدة النقص تجاه الأجنبي؛ سواء كانت
انبهارا بإنجازاته، أو خوفا من هيمنة
قوته، أو نتيجة لضعف الثقة بالنفس.
-
عقدة استيراد "مضامين"
مصطلحاتنا استيرادا يتناقض مع صميم
منطلقاتنا ومصالحنا، فكرا وواقعا، كما
في مثال "الإرهاب"، وضرورة إعادة
النظر فيما ترتب على ذلك، كما في مثال
التقصير في احتضان منظمات المقاومة
المشروعة وفق معايير الشرعية الدولية
نفسها.
-
عقدة "الأزمة الفعلية .. واصطناع
الأزمة" وغض النظر عن اختلاف
التوجهات السياسية، بين الحكومات من
جهة، وبين المنظمات والتشكيلات غير
المنبثقة عنها أو المرتبطة بها من جهة
أخرى، حتى وإن كانت أهدافها الرئيسية
متركزة على قضايا مشتركة من قبيل
مواجهة عدوان خارجي، كالاستعمار
الاستيطاني اليهودي بفلسطين.
11-
استدراك أداء واجبات أساسية كانت
موضع الإهمال وساهمت في مسلسل الهزائم
والنكبات خلال الحقبة الماضية، في
قضية فلسطين وسواها، وفي مقدمتها على
سبيل المثال دون الحصر:
-
تطبيق "فقه الأولويات" وفق ما
يتوفر من إمكانات وما تفرضه الضرورات،
ولا سيما فيما يسمى "السياسات
المرحلية"، فهي في الأصل من أجل بلوغ
هدف بعد هدف، وليست للتحقيق هدف جزئي
مرحلي على حساب أهداف أشمل وأبعد، بحجة
العجز-حاليا- عن الوصول إليها كاملة،
أو بحجة الأخذ وفق السياسة الواقعية
بالحول الوسطية، فالحلول الوسطية هي
التي تقتطع جزءا من حق كل من الطرفين في
معادلة ما، مقابل مكسب لكل من الطرفين
بصورة متكافئة في ميدان آخر، وليست هي
تلك التي تعطي طرفا ما لا يملك ولا
يستحق، وتنزع من طرف آخر جزءا مما يملك
ويستحق.
-
إعطاء الأولوية بصورة خاصة لعلاقات
الحاكم بالمحكوم والمحكوم بالحاكم،
مقابل العلاقات الحزبية والفئوية من
جهة، ومقابل التبعيات السياسية
الخارجية من جهة أخرى.
-
إعطاء الأولوية للعلاقات "البينية"
تجاه العلاقات بين كل بلد أو مجموعة
إقليمية على حدة، والبلدان الأخرى
والمجموعات الأخرى في النطاق العربي
والإسلامي فيما يسمى العالم الثالث،
تجاه علاقات كل من هذه الدوائر
السياسية تجاه القوى والمنظمات
الأجنبية الأخرى المختلفة.
-
إيجاد بدائل لها مهامها الواضحة
وفعاليتها الدائمة وصلاحياتها
الملزمة في المنطقة العربية
والإسلامية فالنامية، لتغطية ما ضاعت
تغطيته أو فسدت نتيجة هيمنة موازين
القوى العالمية على منظمات وأجهزة
دولية تحمل في الأصل مهام أساسية على
المستوى البشري، وكذلك لتحسين القدرة
على التعامل مع ما يوجد من منظمات
وأجهزة دولية أشمل. ومن البدائل
المقصودة مثلا: محكمة عدل عليا مشتركة،
ومجلس مشترك للشؤون الأمنية، وآليات
فض الأزمات، وغيرها، بالإضافة إلى
تنشيط ما يتوفر من أجهزة قائمة في
ميادين اقتصادية ومالية وثقافية
وتعليمية وغيرها، على مستوى جامعة
الدول العربية ومنظمة مؤتمر العالم
الإسلامي.
بداية
الصفحة
الصفحة الرئيسية للملف
عودة |