<%Response.Expires = 0%> الإسلام على الإنترنت - <% sgifpath="../../iol-arabic/" sBanner = "banks" %>
 
 

English

 
 

اسألوا أهل الذكر

|

معًا نربي أبناءنا

|

الحج والعمرة

|

الزكاة

|

صحية

|

دعوية

|

إيمانية

|

شبابية

استشارات:

 

في الموقع أيضًا:

 

عوامل استمرار النضال الفلسطيني والخبرة الإفريقية

بقلم: أ.د. إبراهيم أحمد نصر الدين

أستاذ النظم السياسية بمعهد الدراسات الإفريقية

  جامعة   القاهرة


تحاول هذه الورقة أن تسهم في النقاش الدائر حول قضايا النضال الفلسطيني ( العربي والإسلامي) في الحاضر والمستقبل من واقع دروس الخبرة المستفادة من تجارب حركات التحرير الوطني وخاصة في جنوب إفريقيا، وينطلق التوجه العام للورقة من افتراض بسيط مؤداه أن ما تواجهه حركة التحرير الفلسطيني من إشكاليات تبحث عن حلول، واجهه قبلها كثير من حركات التحرير الوطني التي سعت بالفكر وبالنضال نحو إيجاد الحلول الأنسب فأخفقت حينًا آخر، وإن انتهى مسارها العام بالاستقلال السياسي مع اختلاف في مضامين هذا الاستقلال.

أولاً: الخصوصية النسبية للظاهرة الاستيطانية في فلسطين

واجهت العديد من حركات التحرير الوطني شكلاً أو آخر من أشكال الاستعمار الاستيطاني (في كينيا، والجزائر، وزمبابوي، وأنغولا، وموزمبيق، وناميبيا، وجنوب إفريقيا). إلا أن المستوطنين في جميع الحالات السابقة ظلوا دائمًا يشكلون أقلية، فضلاً عن أن كافة هذه التجارب لم تشهد طردًا جماعيًّا للسكان على النحو الذي حدث في فلسطين؛ لأن القضية لم تكن ادعاءً تاريخيًّا بالحق في الأرض كما يذهب الصهاينة، ولكنها كانت استغلالاً استعماريًّا لموارد المستعمرات الطبيعية والبشرية، على أن هذه الخصوصية للاستعمار الاستيطاني في فلسطين تظل خصوصية "نسبية"، سواءً ما تعلق منها بالأرض أم البشر، وذلك إذا ما نظرنا إلى تجربة الاستعمار الاستيطاني في جنوب إفريقيا.

صحيح أن الصراع في حركة التحرير الوطني الفلسطيني يدور أساسًا حول الأرض، والتي أصبح تقسيمها بين شعبين وإقامة دولتين على أرض فلسطين يمثل حلاً مقبولاً "في نهاية المطاف" من وجهة النظر الرسمية الفلسطينية على الأقل منذ صدور قرارات المجلس الوطني الفلسطيني في تشرين الثاني/ نوفمبر 1988م، وهو ما يحاول الكيان الصهيوني التهرب من الالتزام به، غير أنه من الصحيح أيضًا أن مسألة الأرض شكلت العمود الفقري لحركة التحرير الوطني لجنوب إفريقيا، فمنذ نشأة المؤتمر الوطني الإفريقي (A.N.C) في بداية العقد الثاني من القرن الحالي، فإنه أَلَحَّ غير مرة على ضرورة تقسيم جنوب إفريقيا إلى دولتين إحداهما سوداء والأخرى بيضاء، ورغم أن فكرة التقسيم توارت بعد ذلك في أهداف ووسائل نضال المؤتمر، إلا أن مسألة الأرض وإعادة توزيعها ظلت – ولاتزال - تشكل عاملاً محوريًّا في ممارسات المؤتمر قبل وبعد حدوث التحول الأخير في جنوب إفريقيا.

ومن المفارقات الغريبة في هذا السياق أن منظمة التحرير الفلسطينية – وكل الدول العربية – قد رفضت ابتداءً مسألة تقسيم أرض فلسطين بين دولتين عربية وصهيونية، وأعلنت منذ نشأتها عن سعيها لإقامة الدولة الوطنية الديمقراطية على كامل التراب الفلسطيني، حيث يعيش الجميع عربًا ويهودًا على قدم المساواة، ثم إذا بها تنتهي إلى الهرولة بحثًا عن حل تقبل في إطاره عملية التقسيم في شكل قسمة ضِيْزَى أدنى مما قررته الأمم المتحدة في مشروع التقسيم عام 1947م، بل إن هذا القبول لم يصادف هوى لدى الكيان الصهيوني الذي سعى إلى تحويل مساراته وتمييع مضامينه.

وفي المقابل فإن المؤتمر الوطني الإفريقي الذي بدأ بالمناداة بفكرة تقسيم الأرض بين السود والبيض، قد انتهى ومنذ الخمسينيات إلى الإصرار في ميثاق الحرية عام 1955م على ضرورة قيام الدولة الوطنية الديمقراطية حيث يتحقق حكم الأغلبية، وبالفعل فإن المؤتمر قد تمكن من تحقيق هدفه بوصوله إلى السلطة عام 1994م. وإن كان في ظل دستور يسفر عن اقتسام السلطة وليس حكم الأغلبية.

وإذا ما نظرنا إلى الخصوصية الثانية، وهي المتعلقة بالبشر، أي باختلال ميزان القوى البشرية بين العرب واليهود في فلسطين، فإن هذه الخصوصية هي الأخرى تظل "نسبية"، صحيح أن السياسة الصهيونية القائمة على طرد الفلسطينيين وجلب المهاجرين اليهود قد أدت إلى تفوق "عددي" واضح لليهود على الفلسطينيين لا ينتظر الإخلال به في الأمد المنظور، بعكس الحال في جنوب إفريقيا حيث لا يشكل البيض إلا نحو 18% من السكان، غير أن هذا الفارق يظل فارقًا في الدرجة وليس في النوع، إذ أن الفلسطينيين لم يُبادوا كما فُعِل مع الهنود الحمر في الولايات المتحدة الأمريكية، وهذا يعني أن بإمكان من طرد العودة مرة أخرى إلى دياره في ظل ظروف محلية وإقليمية ودولية مختلفة، ثم إن هذا الفارق يمكن إلغاؤه إذا ما استُخْدِم المنظور القومي والإسلامي واعتبر الصراع صراعًا يهوديًّا صهيونيًّا/ إسلاميًّا عربيًّا وليس صراعًا صهيونيًّا/ فلسطينيًّا.

ثانيًا: ضرورة استمرار النضال بمختلف أشكاله

إن استقراء تجارب حركات التحرير الوطني التي تواجه استعمارًا استيطانيًّا - خاصة في جنوب إفريقيا – يؤكد أن هذه الحركات استمرت في النضال بشكل أو بآخر، وبأساليب متنوعة تفرضها ظروف المرحلة: حتى وصل المستعمر إلى مرحلة عجز فيها عن الاستمرار في السيطرة إلى الأمور من جهة، وأدرك أن استمراره في المواجهة بات مكلفًا من جهة أخرى بشكل دفعه إلى التسليم – ولو الجزئي- بمطالب حركات التحرير.

واستئناسًا بخبرة حركة التحرير الوطني في جنوب إفريقيا فإن هذه الحركة ركًّزت منذ بدايات القرن الحالي على استخدام الأساليب السلمية التي أخذت أشكالاً متنوعة منها: تقديم الشكاوى والالتماسات، وذلك من خلال إرسال الوفود سواء إلى بريطانيا في الأعوام 1913م، 1914م، 1919م، أو إلى برلمان جنوب إفريقيا لعرض وجهات النظر الوطنية بشكل التشريعات الجائرة. ومن هذه الأساليب أيضًا الإضرابات والمظاهرات العمالية والوطنية، ومن أمثلتها إضراب الراند عام 1920م الذي قام به 80 ألف عامل إفريقي من عمال المناجم مطالبين برفع الأجور، ثم إضرابهم عام 1946م لنفس الغرض، وكذلك الإضراب الوطني الذي دعا إليه المؤتمر الإفريقي في أيار/ مايو 1950م احتجاجًا على انتهاك الحكومة لحرية الحديث والتجمع.

ومن هذه الأساليب أيضًا عدم التعاون، ومن أمثلته ما حدث في مجلس الأهالي الذي تشكل عام 1935م، فقد أدى رفض أعضاء المجلس التعاون مع الحكومة في تطبيق القوانين العنصرية إلى حله أوائل الخمسينيات، وأخيرًا هناك العصيان المدني بما يعنيه من عصيان قوانين وأوامر الحكومة، وقد حدث ذلك في المظاهرة الوطنية التي دعا إليها المؤتمر الوطني الإفريقي ومؤتمر الوحدة الإفريقية لمعارضة تصاريح المرور، وتم فيها إحراق هذه التصاريح، وقد انتهت هذه المظاهرة – كما هو معروف- بمذبحة "شار بفيل" في 21 آذار/ مارس 1960م.

وإجمالاً فقد شهدت فترة الخمسينيات تناميًا في الوعي السياسي لدى الجماهير في جنوب إفريقيا، ففي 26 حزيران/ يونيو 1950م دعا المؤتمر الوطني الإفريقي إلى إضراب وطني شامل احتجاجًا على قيام الشرطة بقتل المتظاهرين ضد قانون قمع الشيوعية، وفي عام 1952م دشن المؤتمر حملة العصيان ضد قوانين العنصرية والتي شارك فيها 8 آلاف متطوع من مختلف أرجاء البلاد، وفي عام 1954م دعا المؤتمر إلى عقد مؤتمر الشعب، وقد عقد المؤتمر فعلاً عام 55 بحضور 3 آلاف مندوب يمثلون غالبية فصائل حركات التحرير الوطني، وقد أصدر المؤتمر "ميثاق الحرية" الذي ظل دستورًا لمعظم فصائل حركات التحرير حتى نهاية العنصرية أوائل عام 1994م، كما نظَّم المؤتمر الوطني العديد من حملات المقاومة، ومنها مقاومة طرد الإفريقيين من ضاحية شوفياتون بجوهانسبرغ، وحملة مقاطعة المدارس الحكومية احتجاجًا على تطبيق قانون تعليم البانتو لعام 1952م، وحملة إحراق تصاريح المرور التي قامت بها النساء الإفريقيات عام 1956م، وحملة مقاطعة وسائل المواصلات في الحضر احتجاجًا على رفع أجرة المواصلات عام 1957م، كما قامت إضرابات عمالية من جانب مئات الألوف من العمال الأفريقيين للمطالبة بالحقوق السياسية.

وكان عام 1960م نقطة تحول هامة في تاريخ حركة التحرير الوطني لجنوب إفريقيا في أعقاب مذبحة "شار بفيل" التي راح ضحيتها ما يزيد عن 60 أفريقيا، والتي وقعت في ظروف المَدِّ التحرري العام في إفريقيا، وقد تمثلت نقطة التحول هذه في اللجوء إلى العنف من خلال المقاومة المسلحة والتخريب والإرهاب، ففي "شيخوخونيلاند" شمال غرب "ترانسكاي" قام الفلاحون المسلحون بمقاومة محاولات الحكومة لاحتواء زعاماتهم في إطار نظام سلطات البانتو، وفي "زولولاند" حدثت مقاومة مسلحة مشابهة، وفي "بوندولاند" بترانسكاي وصلت المقاومة المسلحة للفلاحين ذروتها في مواجهة نظام سلطات البانتو، إذ شكلت حركة المقاومة وحدات إدارية غير رسمية، كما شكلت محاكم الشعب وقامت بتدبير عمليات تدمير الممتلكات واغتيال المسئولين من مستشارين وزعماء قبليين وكل المتواطئين مع الحكومة في تحقيق مخططاتها، ورغم أن انتفاضة "بوندولاند" انبثقت من مطالب محلية بالأساس إلا أن نطاقها قد اتسع وتحولت إلى تأييد مطالب المؤتمر الوطني في ضرورة الحصول على الحقوق السياسية الكاملة للأغلبية الإفريقية، ونتيجة لذلك قامت الحكومة بإعلان الأحكام العرفية في المنطقة ومواجهة الانتفاضة بكل وحشية حتى تم إخمادها.

أما الأسلوب الثاني للعنف فتمثل في قيام المؤتمر الوطني والحزب الشيوعي لجنوب إفريقيا في تشرين الثاني/ نوفمبر 1961م بتشكيل منظمة عسكرية مستقلة أطلق عليها اسم "رمح الأمة" بهدف القيام بحملة تخريب ضد كافة المنشآت الحكومية في المراكز الحضرية للبلاد، وقد بدأت المنظمة أول عمل تخريبي لها في 16 كانون الأول/ من نفس العام، وتمكنت خلال الأشهر الثمانية عشرة التالية من القيام بنحو 150 عملاً تخريبيًّا، على أن منظمة "رمح الأمة" سرعان ما تعرضت لانتكاسة عقب هجوم الشرطة على مقرها وإلقاء القبض على 17 عضوًا من قياداتها في تموز/ يوليو 1963م ثم الحكم عليهم بالسجن، وفي أعقاب ذلك تقلصت ثم انتهت عمليات المنظمة لفترة طويلة.

وكان الأسلوب الثالث للعنف هو استخدام أسلوب الإرهاب المتمثل في اللجوء إلى اغتيال الزعماء القبليين المؤيدين لسياسة الحكومة وغيرهم من المسؤولين الحكوميين، وقد لجأ إلى هذا الأسلوب العديد من المجموعات الصغيرة كان أهمها التنظيم المعروف باسم "بوكو" الذي كان بمثابة الجناح العسكري لمؤتمر الوحدة الإفريقية، وقد انتهى هذا الأسلوب إلى الإخفاق على النحو الذي سبقت الإشارة إليه فيما يتعلق بأسلوب التخريب، بل وفي نفس العام أيضًا.

وفي أواخر الستينيات وبداية السبعينيات بدا وكأن حركة التحرير الوطني في جنوب إفريقيا قد تراجعت، غير أن هذا لم يكن إلا الهدوء الذي يسبق العاصفة، ففي تلك الفترة نشأ فراغ سياسي حيث كانت القيادات القديمة إما في السجون أو في المنفى، وكان الجيل الأصغر يعيد اكتشاف الأمور ويبحث عن طريق جديد للنضال، وكانت أول علامة هي إضرابات دير بان عام 1973م، حيث نظم العمال السود المحرومون من حق الإضراب سلسلة من الإضرابات الناجحة بشكل أصاب السلطات وأرباب العمل بالدهشة وانسحب نفس الأمر على الشرطة التي لم تستطع التوصل إلى قيادات الإضرابات، وبعد ثلاث سنوات حدث تطور أكثر خطورة في المسرح السياسي في جنوب إفريقيا وهو انتفاضة الطلاب التي بدأت في المدينتين الرئيسيتين جوهانسبرغ والكيب ثم انتشرت في المدن الأخرى، وأطلق عليها "انتفاضة سويتو"، ففي 16 حزيران/ يونيو 1976م سار 15 ألف طالب في مسيرة احتجاجية حيث اعترضتهم قوات الشرطة وفتحت عليهم النار، وتجاوزت المظاهرات سويتو وأصبح إطلاق الشرطة النار على المتظاهرين أمرًا شائعًا، وبلغت حصيلة القتلى 84 والجرحى 2000 طالب.

وبعد هدوء نسبي اشتعلت القلاقل في أب/ أغسطس بين أطفال المدارس لمدة ثلاثة أسابيع مما نتج عنه مقتل 92 طفلاً، وفي الوقت نفسه تقريبًا حدثت انتفاضات في مدن أخرى، فقد شارك الملونون فيها لأول مرة وازداد النطاق الاجتماعي للانتفاضة بانضمام العمال إليها. وقد نجح الإضراب العام الذي تم في 23 – 25 آب/ أغسطس نجاحًا مطلقًا بشكل أوقف العمل كلية ومعه خدمات المواصلات بالتالي. ومع منتصف أيلول/ سبتمبر كان المضربون أكثر تماسكًا وأحسن تنظيمًا، فتم تنظيم إضراب شارك فيه نحو مليون عامل في "ريف" ولقي استجابات بعيدة في مدينة الكيب، ورغم جوانب القصور إلا أن النجاحات كانت غير مسبوقة، فقد شارك نحو 200 ألف طالب في حملة مقاطعة تعليم البانتو، واستقال آلاف المدرسين، وبزغت قوة جديدة هي قوة الشباب أو فلنقل قوة جيش جديد أقل استعدادًا للحلول الوسط وأكثر جرأة في القتال.

ومن خلال التجربة والخطأ تطور العصيان المدني كسلاح للثمانينيات، ومن خلال استخدامه المستمر أصبحت جنوب إفريقيا غير قابلة للحكم والسيطرة، وهو ما ألقى بتبعات أمنية واقتصادية جسيمة على حكومة جنوب إفريقيا، فمن جهة تزايد الإنفاق العسكري بما يقرب من 100 مثل، فقد كان نحو 44 مليون راند عام 1960م ووصل إلى 4000 مليون راند عام 1986م، ومن جهة ثانية فقد تسبب انعدام الاستقرار السياسي في قيام عدد من الشركات الأجنبية بتصفية أعمالها مما تسبب في خسارة قدرت بحوالي بليوني دولار عام 1987م، هذا فضلاً عن الخسارة الداخلية الناجمة عن الإضراب والتوقف عن العمل وهو ما أدى إلى مزيد من الاقتراض من الخارج وانهيار قيمة الراند بشكل لم يسبق له مثيل.

ثالثًا: دروس الاستمرارية من التجربة الإفريقية

يظهر مما تقدم عدة دروس يمكن استخلاصها من تجربة حركة التحرر في جنوب إفريقيا، والتي يتعين على حركة التحرير الوطني الفلسطيني العمل على استيعابها وتمثلها بما يتوافق وطبيعة العدو الصهيوني، ومن هذه الدروس:

1- أن أساليب النضال متنوعة ما بين سلمية وعنيفة، وحتى في كل حالة فإن الاستخدامات تتنوع وتختلف وفقًا للظروف والمرحلة التي يمر بها النضال.

2- أن التمييز بين أسلوب وآخر من أساليب النضال لا يعدو أن يكون تمييزًا نظريًّا أكاديميًّا، فليس هناك مفاضلة لأسلوب على آخر إلا وفق ما تقتضيه الظروف ومسيرة النضال، بل إنه يمكن في ذات الوقت استخدام "حزمة" متنوعة من الأساليب.

3- أن توزيع الأدوار في مسيرة النضال يُعَدُّ أمرًا بالغ الأهمية لاستمرار هذه المسيرة، وهو توزيع ذو أبعاد متعددة: توزيع للأدوار بين مختلف فصائل تنظيمات الحركة الوطنية، وتوزيع للأدوار بين مختلف تنظيمات المجتمع المدني، وتوزيع للأدوار بين مختلف أرجاء البلاد ومناطقها، وتوزيع للأدوار في شكل استخدام الأداة المناسبة لكل تنظيم وكل منطقة، وتوزيع للأدوار بين مختلف القوى الاجتماعية كل حسب قدراته وإمكانياته.. وذلك دون مصادرة طرف لدور الأطراف الأخرى.

4- أن توزيع الأدوار يجب ألا يؤدي بحال إلى الاختلاف والخلاف بين مختلف فصائل حركة التحرير الوطنية، ثم تصارعها واقتتالها، ولن يتأتى ذلك إلا بأمرين:

أ) وضوح الهدف التكتيكي المتمثل في إضعاف السلطة الاستعمارية الحاكمة أمنيًّا واقتصاديًّا، بحيث يجعلها تفكر جديًّا في التفاوض تجنبًا للخسائر من جهة، وضمانًا لعدم انهيارها كلية من جهة أخرى.

ب) وضوح الهدف الإستراتيجي المتمثل في إنهاء السيطرة الاستعمارية للمستوطنين على مقدرات البلاد، والمتمثل كذلك في شكل التغيير المستقبلي المنشود، ولعل هذا يوضح أن مسألة الوحدة الوطنية ليس مسألة ترفيه ولا حتى مسألة نظرية، وإنما الذي يحسمها منذ البداية هو وضوح الأهداف، وتوزيع الأدوار، بحيث تسهم كل الفصائل والتيارات في المجرى العام لمسيرة النضال التحريري، وبدون ذلك يصبح الاقتتال والصراع بين مختلف فصائل حركة التحرير الوطني أمرًا لا مَفَرَّ منه بشكل يفيد السلطة الاستعمارية، ويُقَوِّي من استمرار سيطرتها على مقاليد الأمور، ويدعم من موقفها التفاوضي إذا ما لاحت في الأفق بوادر تسوية ما.

رابعًا: العون الخارجي لحركات التحرير

لا مراء في أن حركات التحرير في نشأتها وفي تطورات عملياتها تكون دومًا في حاجة إلى العون الخارجي، سواء تَمَثَّل في شكل قواعد عسكرية ينطلق منها المناضلون إلى الأراضي المستعمرة، أم تمثَّل في شكل إمداد بالسلاح أو التدريب أو المساعدات المالية والدبلوماسية والدعائية، على أن العون الخارجي غالبًا ما يسفر عن واحدة من الإشكاليات التي تتعرض لها حركات التحرير الوطني، وذاك نتيجة لما يؤدي إليه هذا العون من التدخل في الشؤون الداخلية لحركات التحرير بشكل غالبًا ما يؤدي إلى انقسامات تعرض مسيرة التحرير للخطر، هذا فضلاً عن أن سياسات الدول الخارجية في تقديم العون لحركات التحرير غالبًا ما تتغير من مرحلة إلى أخرى وفق اختلاف مصالحها وتوجهاتها بشكل يضع حركات التحرير بين وقت وآخر في مآزق تنعكس بالسلب على مسار النضال وتعرقل وصوله إلى تحقيق غاياته النهائية بالشكل المرغوب، وفيما يتعلق بخبرة حركات التحرير الوطني في جنوب إفريقيا بهذا الصدد، فإن العون العسكري والدبلوماسي من جانب الاتحاد السوفييتي (السابق) لبعض فصائل الحركة (المؤتمر الإفريقي) قد أسفر عن تصاعد دور هذه الفصائل في عملية النضال، لكنه أسفر أيضًا عن انشقاقات داخلها إثر الصراع السوفييتي/ الصيني على حركات التحرير في إفريقيا، وكان أخطر انقسام هو خروج جماعة الأفريكانست على المؤتمر الوطني الإفريقي في أواخر الخمسينيات؛ ليشكلوا تنظيمًا جديدًا هو مؤتمر الوحدة الإفريقية لآزانيا، رافضين التوجه الاشتراكي للمؤتمر الوطني، وزاعمين أن الحزب الشيوعي لجنوب إفريقيا بات يسيطر على المؤتمر الوطني وزاعمين أن الحزب الشيوعي لجنوب إفريقيا بات يسيطر على المؤتمر الوطني ويوجه سياساته وممارساته، وقد أسفر هذا الانشقاق عن تردي الوضع النضالي وتنافس بين التنظيمين على مصادر العون الخارجي من جهة، وعلى أساليب وتكتيكات النضال من جهة أخرى.

ورغم تمكن المؤتمر الوطني الإفريقي من الحصول على قواعد عسكرية له في كل من موزمبيق وأنغولا عقب استقلالهما (75 , 1976م على التوالي) فإن حدَّة وشدة الضربات التي وجهها النظام العنصري بجنوب إفريقيا لهاتين الدولتين قد دفعهما إلى التفاوض مع النظام العنصري وإغلاق معسكرات المؤتمر الوطني فيهما، بل ممارسة ضغوط على المؤتمر ليدخل في مفاوضات مع النظام العنصري أثَّرت بالسلب على مسيرة النضال وعلى مسيرة ومضامين التسوية السلمية التي تحققت، حيث حدث تَحوُّلٌ عن المطلب التاريخي المتمثل في حكم الأغلبية الإفريقية إلى شكل من أشكال اقتسام السلطة بين المؤتمر الوطني الإفريقي والحزب الوطني العنصري الأبيض، وفضلاً عما تقدم فإن تغير التوجهات الداخلية والخارجية للاتحاد السوفييتي (السابق) حتى بداية التسعينيات في ظل البروسترويكا والانفراج، قد ألقى بآثاره السلبية على حركات التحرير في جنوب إفريقيا التي أدركت فقدانها النهائي لسندها في عملية النضال فراحت تقدم التنازلات تلو التنازلات للنظام العنصري بشكل أفقد عملية التحول في جنوب إفريقيا فعاليتها وأفرغها من مضامينها الاقتصادية والاجتماعية. صحيح أن ناميبيا تمكنت من الاستقلال في ظل هذا المناخ الدولي، إلا أن استقلالها جاء منقوصًا إلى حد كبير، وليس من شك في أن تأثير المناخ الدولي الجديد على حركة التحرير الوطني الفلسطيني يقف خير شاهد على الآثار الخارجية غير المواتية على مستقبل نضال الشعب الفلسطيني، ما لم يرتكز هذا النضال على عون عربي إسلامي مبدئي في الأساس حتى يظل النضال صامدًا وشامخًا وغير معرض للأنواء واختلاف المصالح والتوجهات على الساحة الدولية.

التركيبة العرقية اللونية لجنوب إفريقيا عام 1990م

(70%)

21,609,000

- الأفارقة (السود)

(16%)

5,018,000

- الأوروبيون (البيض)

(11%)

3,214,000

- الملونون

(3%)

956,000

- الآسيويون

(100%)

30,797,000

- المجموع

خامسًا: حقائق ضرورية لاستمرار حركة التحرير الفلسطيني

نخلص من كل ما تقدم إلى عدة حقائق يتعين استيعابها وفهمها، بل العمل بمقتضاها إذا ما أريد لحركة التحرير الوطني الفلسطيني الاستمرارية حتى تحقق كامل غاياتها؛ وهي:

أولاً: إنه يجب عدم مصادرة حق فصيل يدرك في نفسه القدرة على اللجوء إلى الكفاح المسلح، وبنفس القدر فإنه يجب عدم مصادرة حق فصيل آخر في اللجوء إلى استخدام الأساليب السلمية، فهذه مسائل تدخل في إطار التكتيك فحسب، وطالما أن هناك اتفاقًا مبدئيًّا على الأهداف الإستراتيجية فلا غضاضة من استخدام بعض الأساليب أو مجموعة منها أو "حزمة" سلمية وعنيفة في ذات الوقت.

ثانيًا: أن الوحدة الوطنية عامل جوهري في نجاح النضال ووصوله إلى غاياته، وبالتالي فإن افتعال صراعات بين فصائل حركة التحرير الوطني لن يفيد سوى العدو الصهيوني من جهة، فضلاً عن أن من شأنه تقليص العون الخارجي لحركة التحرير الوطني من جهة أخرى.

ثالثًا: أنه لتأمين مسار النضال الفلسطيني لا بد من تحديد هوية الصراع بدقة، فهو ليس أبدًا "نزاع الشرق الأوسط" ولا هو نزاعًا صهيونيًّا/ فلسطينيًّا، ولكنه صراع صهيوني يهودي/ عربي إسلامي، وبدون هذا الفهم الواضح بشأن الحديث عن تحرير القدس يصبح لا معنى له، والحديث عن دعم عربي إسلامي لا فائدة ترجى منه طالما أن المحصلة النهائية لمسار التسوية الحالية يبدو أنها ستسفر عن تعاون إسرائيلي/ فلسطيني على نحو ما تقرر في وثائق التسوية الراهنة، وعلى نحو ما يجري عليه العمل العربي المتعجل في الفترة الأخيرة!!.

 

بداية الصفحة         الصفحة الرئيسية للملف

عودة

 

«

ابحث 

«

بحث متقدم

أدلة وخدمات