منذ
عدة أيام، ومع سدول الخيوط الأولى
للشمس ينطلق محمد دراغمة هو وعائلته
المكونة من 12 فردا من بلدة طوباس
بالضفة الغربية إلى سهل الفارعة شمال
شرقي مدينة نابلس لجني محصول الخيار
الذي بات يشكل المصدر الوحيد لتوفير
الدخل للأسرة.
ويقول
دراغمة (43 عاما): "أصبح موسم الخيار
الذي يأتي في هذا الوقت من كل عام يشكل
المصدر الوحيد الذي أستطيع من خلاله
توفير مصروف العائلة المكونة من 12 فرداً
طوال العام خاصة بعد أن بات من الصعب
العمل في أي مجال آخر؛ لأني لا أملك
شهادة تؤهلني لوظيفة، وبسبب فقدي عملي
في إسرائيل منذ نحو 5 سنوات".
قصة
دراغمة ليست الوحيدة، بل هناك المئات
من نظيراتها التي ترويها الخيام
المنتشرة في سهل الفارعة.
أم
إبراهيم (28 عاما) من بلدة "عقابا"
غربي جنين رفضت الحديث في البداية، لكن
وجود زوجها ووالده شجعها حيث قالت: "نعيش
في بيت والد زوجي لعدم توفر شقة منفصلة
لنا.. منذ نحو 3 أعوام ننتظر كل عام موسم
جني الخيار شهرا بعد شهر حتى نستطيع أن
نسدد الديون المثقلة".
وأضافت:
"قد يستغرب البعض وجودي هنا وأنا
حامل بالشهر السادس، لكنني لا أستطيع
عدم المشاركة في هذا الموسم، فهو الدخل
الأساسي لعائلتنا ويجب أن أتحمل هذه
المشقة".
الزوج
فالح غنام (47 عاما) قال: "هذه أول مرة
نأتي فيها إلى سهل الفارعة، فقد كنا
نذهب كل عام إلى مدينة طمرة (داخل
الأراضي المحتلة عام 1948) لجني ثمار
الخيار، لكن هذا العام بسبب تشديد
الاحتلال ومنع الأسر الفلسطينية من
دخولها لا أمل لدينا في الذهاب إلى
طمرة".
ويتابع:
"ليست مشكلة الديون وحدها سبب
مجيئنا إلى هنا، فلدي 5 أطفال في
المدرسة أيضا وهم يحتاجون إلى مصروف
يومي ويجب أن أوفره لهم، فليس الذنب
ذنبهم كي نحرمهم من التعليم".
أما
الأخوان باسم وحمد أبو عامر من "طوباس"
فحالهما ليس بأفضل من سابقيهما رغم
أنهما في ريعان الشباب. ويقول حمد (25
عاما) الطالب بجامعة القدس المفتوحة
فرع طوباس والذي يدرس اللغة
الإنجليزية: "أنا غير ملزم بالذهاب
للجامعة يوميًّا نظرًا لطبيعة الجامعة
التي تعمل بنظام الانتساب، لذلك أحاول
توفير الأقساط الجامعية من خلال العمل
في أي مجال".
ويضيف:
"كنت أعمل في مخبز بالبلدة، لكن
المقابل لم يكن معقولا لذا بحثت في
مكان آخر وحتى الآن لم أجد، وهذا
يدفعني للعمل بجني ثمار الخيار خلال
هذا الموسم لتحصيل الأقساط".
ويلتقط
الأخ باسم (20 عاما) أطراف الحديث قائلا:
"وأنا كذلك أدرس بجامعة النجاح
الوطنية في نابلس بكلية الهندسة،
ووضعنا المالي لا يسمح لي بالدراسة دون
الحصول على مصدر للدخل، فاضطررت
لتأجيل الدراسة هذا الفصل، وربما يكون
مصير الفصل القادم كذلك إذا لم يكن
المردود المالي من هذا الموسم جيدا".
 |
|
إحدى العائلات الفلسطينية التي تقوم بجني ثمار الخيار
|
أما
الشاب يسري محمد (25 عاما) من بلدة طمون
شرق نابلس والذي أنهى تعليمه الجامعي
وينتظر الوظيفة، فيحاول استغلال الوقت
للبحث عن أي عمل لتجهيز منزله الذي
بناه من أجل الزواج المنتظر خلال
الشهور القليلة القادمة.
ويقول
يسري: "هذا العام هو الخامس الذي
أقوم فيه بالمشاركة في موسم جمع الخيار،
وفي كل عام أحاول أن أنجز شيئًا في
حياتي، ففي السنوات السابقة أنهيت
دراستي، والآن أحاول أن أحضّر لعرسي
وأساعد عائلتي في مصروف البيت".
غير
أنه يخشى في الوقت نفسه في حال عثوره
على وظيفة أن يلقى المصير الذي يواجه
أكثر من 140 ألف موظف فلسطيني لم يتلقوا
رواتبهم من شهر مارس الماضي حتى الآن
بسبب قطع المساعدات المالية الغربية
عن الحكومة الفلسطينية.
زيادة
90%
ويشير
صابر (أبو منصور) الذي يمتلك نحو 200 دونم
من الأرض المزروعة بالخيار (الدونم = 1000
متر مربع) إلى أن نسبة العائلات
الفلسطينية التي باتت تعتمد على موسم
الخيار زادت هذا العام عن سابقه بنحو
90%.
ويعود
السبب في ذلك، بحسب صابر، إلى عدة
عوامل؛ "أولها تراجع الوضع المادي
للأسر الفلسطينية لا سيما بعد نحو 6
سنوات من الإغلاق والحصار الإسرائيلي
للمدن الفلسطينية، والعامل الثاني هو
عدم السماح لهذه الأسر بالذهاب إلى
مدينة طمرة داخل إسرائيل المحتلة عام
1948 والتي كان يعتبر فيها موسم الخيار
من أفضل مواسم المحاصيل طوال العام".
ويشير
أبو منصور إلى أنه في هذا العام هناك
نحو 3 آلاف دونم خيار مزروعة في سهل
الفارعة وحده، توفر فرص عمل لقرابة 3
آلاف مواطن.
وحول
طبيعة الدخل المالي الذي يوفره هذا
الموسم، يقول أبو منصور: الموسم يستمر
لمدة 40 يوما كحد أقصى، وفي الظروف
المناخية الجيدة ينتج الدونم ما يقارب
3 أطنان من محصول الخيار، وهو ما يعني
أن كل دونم يوفر نحو ألفي شيكل (واحد
دولار= 4.5 شواكل) لمن يقوم بجني ثماره،
وهو ما نسبته 30% من المكسب الكلي الذي
يحصل عليه مالك المزرعة.
إسرائيل
ويشير
إلى أن الغالبية العظمى من المحصول يتم
بيعها لجهات إسرائيلية تقوم بدورها
بطرحه في الأسواق مرة أخرى.
وحول
العقبات التي تواجه الموسم الحالي
يقول أبو منصور: "هناك مشكلات عديدة
قد تؤثر على حجم الناتج؛ منها بعض
مشاكل التسويق حيث لا توجد مصانع
فلسطينية تشتري الناتج ولا حتى مصانع
عربية تقبل تصدير المنتج لها، إضافة
إلى عدم الاهتمام من قبل الجهات
الرسمية بمثل هذه المشاريع وبالتالي
عدم التعويض في حال خسارتها التي تعني
في النهاية حرمان مئات الأسر
الفلسطينية من لقمة العيش".
وتواجه
الأراضي الفلسطينية أزمة اقتصادية
خانقة تفاقمت منذ شكلت حركة المقاومة
الإسلامية (حماس) الحكومة في مارس
الماضي حيث قطعت المساعدات الغربية
المباشرة عن السلطة الفلسطينية.